أ. د. عادل الأسطة - طائرات غزة الورقية تخيف (؟)الدولة الإسرائيلية

تابعت أخبار الطائرات الورقية التي يطيرها أطفال غزة ويسقط قسم منها في المستوطنات الإسرائيلية ، وأصغيت في صباح ٢٤ / ٨ إلى محمد الأسطل يحكي لإذاعته " أجيال " في الموضوع .
وأنا أتابع تذكرت المثل " الحرامي بخاف من خياله " ، ولما لم أكن متأكدا منه فقد بحثت في ( غوغل ) وسألت :
- هل هناك مثل يقول الحرامي بخاف من خياله؟ فأجابني :
- نعم، يوجد مثل شهير بنفس المعنى تماماً، وهو "الحرامي بخاف من خياله" أو "أبو العبد بخاف من خياله"، ويُضرب للدلالة على أن الخائن أو المخطئ يكون دائماً قلقاً وخائفاً من أي شيء، حتى من ظله. وأما دلالاته فتظهر الخوف الداخلي ، ويعكس حالة القلق المستمرة التي يعاني منها مرتكب الخطأ ، وأيضا فقدان الأمان ، فهو يوضح أنه يرتجف من أبسط المؤثرات الوهمية.وساق إلي أمثالا تحمل المعنى نفسه ، وتدل على أن المخطئ يعيش دائماً في خوف وقلق ويفضح نفسه. ومنها :
"على راسو ريشة" (المذنب يظن أن الجميع يراقبه).
"اللي في بطنو عظام بتكركع" .
"المسخوط بخاف من صوته" .
ولم تقابل الدولة الإسرائيلية ألعاب الأطفال - أي الطائرات الورقية التي كنا نطلق عليها "الطبق "/سداسي الأضلاع ،أو " الهندية "/مثلثة الزوايا ، بالصمت ، بل بالوعيد والتهديد وناقشت موضوعها في وسائل إعلامها وحكى فيها رئيس الوزراء ووزير دفاعه ، ولو اقتصر الأمر على ما سبق لهان الأمر ، فقد أغارت الطائرات الإسرائيلية على مناطق معينة في غزة ، وأخذ الأهالي الأمر مأخذ الجد ، فأجبروا أطفالهم على تمزيق ألعابهم ، وقد شاهدت شريط فيديو لطفل يمزق أطباقه ويصرخ باكيا حارما نفسه من اللعب ، حتى لا يسبب الأذى لأهله وبقية السكان .
ردة الفعل الإسرائيلية تبين مدى التوحش الإسرائيلي وتذكر بشعر توفيق زياد بعد هزيمة ١٩٦٧ :
" عن جدنا الأول ، قد جاء في الأمثال
واوي .. بلع .. منجل .. !!
كل ما تجلبه الريح
ستذروه العواصف
والذي يغتصب الغير
يعيش العمر خائف..!! "
وعندما كتبت العبارة " طائرات غزة الورقية تخيف الدولة الإسرائيلية " عقب الناشطان الغزيان رياض عواد وشجاع الصفدي معترضين على استخدامي الفعل تخيف.عقب الأول " يازلمة انت بتصدق، يازلمة هذا الموضوع فيه وراه مصيبة" والثاني " خوف ؟ يا دكتور هدا تلكيك للاستمرار في ضرب غزة ، القربان الاساسي على مذبح الانتخابات .. طائرة ورقية شو هده .. هو معقول يكذبوا الكذبة واحنا نصدقنا !!" .
لقد أخذا استخدامي الفعل " تخيف " مأخذا مختلفا لما رميت إليه ، فأنا أردت أن أسخر من ادعاءات إسرائيل وردة فعلها ، وفي كتاباتي المتكررة أرى أن إسرائيل ترمي إلى تحقيق شعارها " أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض " وهكذا لا تريدنا كلنا ، وهكذا فالقصة " مش طيارة ، القصة قلوب وحمانة / فكر صهيوني " .
عدت بذاكرتي أمام هذا التوحش إلى قصتين تقولان لنا إن ردات الفعل الإسرائيلية مع سلوك الأطفال كانت أقل قسوة ووحشية مما شاهدناه في قطاع غزة منذ طوفان الأقصى ، بل ومما عرفناه في الضفة الغربية منذ انتفاضة الأقصى. [ طبعا سوف أصغي إلى أغنية مارسيل خليفة " كان في مرة طفل صغير بيطير طيارة ] .
القصة الأولى " معركة صبيان " للقاص نجاتي صدقي ، وقد كتبها في ١٩٤٨.
كانت الأجواء بين الفلسطينيين واليهود متوترة ، ومع ذلك فإن القصة لا تصور ردات فعل دموية على سلوك طفل رجم قافلة يهودية بحجارة.
يعتقل الضابط اليهودي الطفل العربي موسى ويكتفي بذلك ويضعه في مصفحة ويسير به مع القافلة متجها نحو الأحياء اليهودية " وكان كلما مر به على جمع من اليهود أمره بأن يطل من الكوة ..ثم يأخذ أذنه بين اصبعيه ويفركها قائلا : إذا عدت إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال قبضت عليك ثانية وأنزلتك في هذه الأحياء! .. ثم أعاده إلى أهله " .
والقصة الثانية " بوابة مندلباوم " للكاتب إميل حبيبي ، وفيها يحكي ما فعلته طفلته على البوابة.
كانت البوابة ما بين العامين ١٩٤٨ و حزيران ١٩٦٧ تفصل بين القدس المحتلة في العام ١٩٤٨ / الغربية والقدس القديمة/ الشرقية ، وكانت ، مرة في العام ، موضع لقاء الفلسطينيين ببعضهم أو مكان توديع من تبقى منهم من يرغب في الخروج والمغادرة، إذا ما رغب .
وحدث أن غادرت والدة حبيبي الناصرة إلى القدس فالعالم العربي حيث بقية أبنائها . الحفيدة تلحق بالجدة في لحظة غفلة دون أن تكون مشمولة بالمغادرة ، ما يسبب إحراجا لدى الجنديين ؛ الإسرائيلي والأردني . لم يطلق أي منهما النار عليها، وإنما تعاملا مع الموضوع بهدوء " فهي طفلة جاهلة لا تدرك الفرق بين العسكري الذي يلبس الكوفية والعقال والعسكري الحاسر الرأس .. يا لها من طفلة ساذجة ، رأت أنها لم تنتقل عبر البحور إلى بلاد أخرى ، فتوهمت أنها لا تزال في بلادها .... ...طفلة جاهلة " .
هل يختلف أطفال غزة الذين يواصلون ممارسة ألعاب عرفها الأطفال منذ أربعينيات القرن العشرين ؟
على فكرة فإن من قرأ " سيرة مدينة : عمان في الأربعينيات " لعبد الرحمن منيف
ورواية" عداء الطائرةالورقية " للأفغاني خالد الحسيني يقرأ عن الطائرات الورقية واحتفال الأطفال بها.

٢٤ - ٢٧ / ٨ / ٢٠٢٦
مقال الأحد القادم ٣٠ / ٨ / ٢٠٢٦ لجريدة الأيام الفلسطينية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى