عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عندما صار الذكاء الاصطناعي دليلا بين الرفوف

جاءت تلك الباحثة على عجل، تحمل بين يديها بعض الملفات، وعلى وجهها ملامح من يطارد فكرة قبل أن تفلت منه ؛ حسبتها محامية، أو ربما باحثة تستعد لمعركة طويلة مع نصوص القانون.
قالت لي: أبحث عن جزئية بسيطة في موضوع المعاملات التجارية ، أشرت لها أن تتبعني إلى جناح القانون، وتحديدا إلى رفوف القانون التجاري ؛ وما إن خطونا بضع خطوات حتى قاطعتني: انتظر قليلا ، أخرجت هاتفها، وفتحت صفحة ( شات جي بي تي ) ، ثم أرسلت إليه رسالة صوتية تشرح فيها الموضوع الذي تبحث عنه، والمراجع التي تحتاج إليها ، وأنا واقف أمامها.!!
ابتسمت في سري، وأنا أراقب المشهد: باحثة تقف في مكتبة، وبين يديها هاتف يسأل الذكاء الاصطناعي، وأنا أقف بين الرفوف أنتظر أن يخبرني أين يوجد الكتاب.!!
ثم التفتت إليّ وقالت بثقة من وجد ضالته: أرجوك، أعطني كتاب " شرح القانون التجاري " لفؤاد معلال، والجزء الثالث من " الوسيط في الشركات والمجموعات " لشكري السباعي.
مددت يدي إلى الرف، وسحبت الكتابين ؛ ناولتها إياهما، فتصفحتهما سريعا، ثم شكرتني وانصرفت كما جاءت على عجل.
بقيت لحظة أحدق في الهاتف الذي غادر معها، ثم في الرفوف من حولي ، فكرت أن الكتب لم تعد وحدها من يدل الباحثين على طريق المعرفة؛ فقد صار للهواتف نصيب من هذه المهمة ؛ قد يعرف الذكاء الاصطناعي اسم الكتاب، وقد يدلّك على مرجع، وقد يختصر لك الطريق ، لكنه لا يستطيع أن يمنحك تلك اللحظة التي تمدّ فيها يدك إلى الرف، فتلمس الكتاب الذي ظل ينتظر قارئه بصبر لا تملكه الآلات.
في المكتبة، ما زال للمعرفة ملمس ورائحة ورفوف ويد بشرية تمتد إلى الكتاب ، وربما لهذا السبب، كلما تقدمت التكنولوجيا خطوة نحو الكتاب، بقيت المكتبة هي المكان الذي يعيد الإنسان إلى الكتاب.

@followersLibrairie Alfia مكتبة الألفية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى