غانية ملحيس - قبل أن نبني الحامل السياسي: كيف نبدأ؟

ملخص تنفيذي
ينطلق هذا المقال من الحوار الذي أثاره المقال السابق «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟» حول سؤال الحامل السياسي الفلسطيني، وما تبعه من قراءات نقدية وتعليقات وأسئلة دفعت إلى إعادة النظر في الفكرة من زوايا متعددة. فبدلا من الاكتفاء بالسؤال: هل نحتاج إلى إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني؟ انتقل النقاش تدريجيا إلى سؤال أسبق وأكثر إلحاحا: كيف نبدأ؟ ومن أين؟
فالنقاش الذي تلا المقال كشف أن أزمة السياسة الفلسطينية لا تختزل في غياب مؤسسة تمثيلية أو في ضعف بنية تنظيمية يمكن إصلاحها بإعادة توزيع المواقع. المشكلة أعمق: في العلاقة بين الشعب والمشروع والتمثيل والقرار، وفي قدرة الفلسطينيين على تحويل ما يزال حيا في وعيهم الوطني من ذاكرة وانتماء وصمود إلى قدرة سياسية منظمة على الفعل.
ومن هنا يقترح المقال تغيير نقطة البداية: لا نبدأ بالمؤسسة، بل بالمسار الذي يمكن أن ينتج القوة السياسية والمؤسسات التي تحتاجها. فالمؤسسة لا تستطيع أن تكون بديلا عن المشروع، والشرعية لا تأتي من وجودها وحده، بل من علاقتها بالمجتمع، ووظيفتها، وقدرتها على التعبير عن مصالحه ومساءلة نفسها أمامه. وقد لا يكون الحامل السياسي، في صيغته القادمة، مؤسسة واحدة تحتكر التمثيل والقرار، بل شبكة من المؤسسات والمجالات والمستويات تتكامل وظائفها ضمن مرجعية وطنية وقواعد شراكة وإدارة اختلاف واضحة. لذلك يسبق بناء الحامل السياسي سؤالٌ عن فلسطين التي نريد حملها، والمشروع الذي نريد تجسيده، والعلاقة بين الشعب والتمثيل والقرار.
ويعني ذلك أيضا إعادة التفكير في مفهوم الوحدة. فالفلسطينيون موزعون على جغرافيات وتجارب وشروط سياسية وقانونية واجتماعية مختلفة، لكن تعددهم لا يعني تعدد مصيرهم. المطلوب ليس توحيد الأشكال بقدر ما هو وحدة المشروع والمرجعية وقواعد الشراكة وإدارة الاختلاف؛ بحيث يصبح ممكنا تعدد الرؤى والأدوات والمراكز من دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام في المصير أو احتكار لحق تعريف المصلحة الوطنية.
ولا يشترط هذا المسار إجماعا سياسيا شاملا قبل البدء. بل يمكن البدء بما نستطيع الاتفاق عليه، ثم اختبار قواعد الشراكة من خلال العمل المشترك، وبناء الثقة والمساءلة. ولهذا يقترح المقال «مسارا تأسيسيا» تراكميا يبدأ بالحوار وتحديد المبادئ، ويمر ببلورة المشروع والوظائف واختبار العمل المشترك، ثم تطوير أشكال التمثيل والمؤسسات.
وفي قلب هذا المسار يأتي المجتمع الفلسطيني، لا بوصفه جمهورا ينتظر أن يُمثَّل، بل شريكا في إنتاج المشروع والشرعية. فالانتخابات مهمة، لكنها أداة داخل مشروع وليست بديلا عنه، كما أن المؤسسات القائمة لا ينبغي هدمها ولا تقديسها، بل إخضاعها لسؤال الوظيفة وإمكان الإصلاح وإعادة التركيب.
ولا يقترح المقال مؤسسة جديدة ولا قيادة جاهزة. إنه يقترح استعادة حق الفلسطينيين في المشاركة في كتابة الورقة نفسها: تحديد ما يريدون، وكيف يختلفون، وما الذي يمكن أن يعملوا عليه معا. ومن هذا المسار، لا من قرار فوقي مسبق، يمكن أن يتولد الحامل السياسي القادر على استعادة القدرة الفلسطينية على الفعل وصناعة المستقبل.


المقال الكامل: قبل أن نبني الحامل السياسي: كيف نبدأ؟

لم أكن أتوقع، حين كتبت «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟»، أن يفتح المقال هذا القدر من الحوار والأسئلة المتتابعة حول ما أسميته «الحامل السياسي الفلسطيني». كان قصدي آنذاك أن أنقل النظر من أزمة الآخر إلى أزمتنا نحن، ومن انتظار ما قد يحدث لإسرائيل إلى مساءلة قدرتنا على الفعل إذا تحرك التاريخ في اتجاهات جديدة.
لكن ما تلا المقال من قراءات نقدية وتعليقات وحوارات كشف أن السؤال لم يعد يقف عند حدود: هل نحتاج إلى إعادة بناء الحامل السياسي؟ بل انتقل، وهذا هو الأهم، إلى السؤال الذي يسبق ذلك كله: كيف نبدأ؟ ومن أين؟
كتب خالد عطية عن العلاقة بين «الحامل الوطني» و«الحامل السياسي»، ونبّه إلى مفارقة تستحق التوقف: قد يكون الحامل الوطني الفلسطيني، بما يتضمنه من ذاكرة وانتماء وإرادة وصمود، أكثر حيوية من البنية السياسية التي يفترض أن تترجم هذه الطاقة إلى فعل تاريخي منظم.
ودفع يحيى بركات السؤال إلى منطقة أخرى حين تحدث عن الانتقال من «وحدة الهيكل» إلى «وحدة المشروع»، وعن إمكان أن نكون شعبا سياسيا واحدا من دون أن نحتاج بالضرورة إلى أن نكون بنية سياسية واحدة، مستحضرا واقع الشعب الفلسطيني الذي توزع على جغرافيات وشروط سياسية وقانونية واجتماعية شديدة الاختلاف، من دون أن يفقد وحدة انتمائه ومصيره.
أما عبد الرحمن بسيسو، فقد أخذ النقاش إلى ما بعد التأسيس الفكري، نحو الاستراتيجية وشروط التنفيذ، وسأل بصورة ضمنية: كيف تتحول الرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى خطط، والخطط إلى فعل؟
ثم جاء محمد قاروط أبو رحمة ليقلب السؤال على وجهه: قبل أن نعيد بناء الحامل السياسي… من يبدأ؟
ومن يبدأ، في الحقيقة، ليس سؤالا إجرائيا بسيطا. فمن سيملك حق الدعوة؟ ومن يمثل غزة والضفة والقدس والداخل والشتات؟ ومن يحدد المدعوين، وعلى أي أساس، وتحت أي مرجعية؟ وكيف نتفق على شكل الحامل إذا كان اتفاقنا نفسه يحتاج إلى حامل؟
ثم جاءت فاتن جرار لتضع إصبعها على العقدة الأعمق: ماذا لو كان الخلاف الفلسطيني لا يتعلق بتوزيع المقاعد والمناصب، وإنما بالمشروع السياسي نفسه، وأدوات النضال، والعلاقة مع إسرائيل، وشكل الدولة، وحدود الممكن والمقبول؟ وعلى ماذا نتفق أصلا حتى يصبح ممكنا لإطار واحد أن يدير اختلافاتنا من دون أن تتحول إلى انقسام في المصير؟
هذه الأسئلة لا تقدم لنا إجابة جاهزة، لكنها، في تقديري، فعلت شيئا أهم: غيّرت السؤال نفسه. لم نعد نسأل فقط: ما الحامل السياسي الذي نحتاجه؟ بل أصبح علينا أن نسأل: ما الشروط التي تجعل بناء هذا الحامل ممكنا؟
وهنا أظن أن علينا أن نتوقف قليلا عن البحث عن المؤسسة التي ستخرجنا من الأزمة، وأن نفكر في المسار الذي يمكن أن ينتج المؤسسة التي نحتاجها.

الحامل السياسي ليس نقطة البداية
ربما كان أحد أخطاء تفكيرنا السياسي أننا نتعامل مع المؤسسة باعتبارها نقطة البداية، ثم نفترض أن المجتمع والمشروع والشرعية والوظيفة ستأتي بعدها. نبحث عن منظمة التحرير التي نريد إصلاحها، أو عن سلطة نريد تغييرها، أو عن انتخابات نريد إجراؤها، أو عن صيغة جديدة للفصائل، ثم نفترض أن المشكلة ستجد طريقها إلى الحل بمجرد أن نعيد ترتيب هذه البنية.
لكن التجربة تقول إن العكس قد يكون أقرب إلى الحقيقة: المؤسسة لا تنتج المشروع بالضرورة، بل ينبغي أن ينتج المشروع المؤسسة. والشرعية لا تُستخرج من وجود المؤسسة، بل تتولد من علاقتها الحية بالشعب، ومن الوظيفة التي تؤديها، ومن قدرتها على التعبير عن مصالحه وتحقيق أهدافه ومساءلة نفسها أمامه.
لهذا فإن السؤال عن الحامل السياسي لا يمكن أن يسبق السؤال عما نريده من السياسة الفلسطينية نفسها.
أي فلسطين نريد أن نحملها؟
أي مشروع نريد أن تجسده السياسة؟
أي علاقة نريدها بين الشعب والتمثيل والقرار؟
ما موقع الأرض في هذا المشروع؟ وما موقع الشتات؟ وما علاقة المقاومة بالسياسة؟ وما حدود التعدد؟ وكيف يتحول الاختلاف من مصدر انقسام إلى مصدر قوة؟
هذه ليست أسئلة تكميلية يمكن تركها إلى ما بعد تشكيل المؤسسة. إنها الأسئلة التي يفترض أن تحدد لماذا نحتاج إلى المؤسسة أصلا. ومن هنا أجد أن العبارة التي بدأت تتكرر في هذا الحوار تستحق أن تصبح قاعدة منهجية: التأسيس قبل المؤسسة.

من الحامل الوطني إلى الفعل السياسي
لكن التأسيس لا يبدأ من فراغ. وهنا كان تمييز خالد عطية بين الحامل الوطني والحامل السياسي بالغ الأهمية.
الفلسطينيون لم يفقدوا شعبهم، ولا ذاكرتهم، ولا انتماءهم، ولم تتوقف قدرتهم على إنتاج المعنى الوطني. بل إن عقود الاقتلاع والاحتلال والحصار والتهجير لم تستطع محو فلسطين من الوعي الجمعي.
لكن بقاء الحامل الوطني لا يعني تلقائيا قدرته على إنتاج فعل سياسي منظم. وهنا تكمن إحدى أخطر فجواتنا الراهنة:
كيف تتحول الطاقة الوطنية إلى قوة سياسية؟
كيف تتحول الذاكرة إلى مشروع، والانتماء إلى مشاركة، والصمود إلى مبادرة، والتضحيات إلى قدرة على صناعة المستقبل؟
كيف تتحول المقاومة، بتعدد أشكالها، إلى تكامل استراتيجي؟
وكيف يتحول التضامن العالمي إلى قوة سياسية فلسطينية تستطيع مخاطبته واستثماره؟
هذه النقلة لا تستطيع مؤسسة منفصلة عن المجتمع أن تنجزها نيابة عنه. ولهذا لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد إنشاء «حامل» جديد، بل إعادة وصل السياسة بمصادر القوة الحقيقية في المجتمع الفلسطيني.

وحدة الشعب لا تعني إلغاء تعدده
وهنا نصل إلى سؤال يحيى بركات حول «وحدة الهيكل» و«وحدة المشروع».
ربما اعتدنا طويلا أن نتصور وحدة الشعب من خلال مركزية المؤسسة ومركزية القرار. لكن الواقع الفلسطيني نفسه تجاوز هذه الصيغة. الفلسطينيون اليوم موزعون بين غزة والضفة والقدس وفلسطينيي الداخل واللاجئين والشتات، ولكل تجمع شروطه وتجربته وقيوده وأدواته ومجاله السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن بناء وحدة حقيقية بإنكار هذا التعدد. لكن الاعتراف بالتعدد لا يعني القبول بتعدد فلسطين أو بتعدد المصير.
لذلك ربما يكون المطلوب هو الانتقال من محاولة توحيد الأشكال إلى تنظيم العلاقة بينها داخل مشروع واحد. قد لا نحتاج إلى أن يكون لكل الفلسطينيين الشكل السياسي نفسه، بقدر حاجتنا إلى أن يكون لهم أفق وطني مشترك، ومرجعية مشتركة، وقواعد شراكة مشتركة، ومساحة مشتركة لصناعة القرار في القضايا التي تخص المصير العام.
ومن هنا أعود إلى إجابتي على سؤال فاتن جرار حول «وحدة القرار». ربما كان علينا أن نكون أكثر دقة في استخدام هذا المفهوم. لا أعتقد أن وحدة القرار تعني التطابق في الرؤية أو الأدوات أو البرامج؛ فهذا غير واقعي، وربما ليس مطلوبا أصلا.
ما نحتاجه هو شيء مختلف: وحدة المرجعية وقواعد إدارة الاختلاف؛ أن نختلف حول الوسائل من دون أن يتحول اختلافنا إلى انقسام في المصير، وأن تتعدد الاجتهادات السياسية من دون أن يحتكر طرف حق تعريف المصلحة الوطنية، وأن تتعدد أدوات النضال من دون أن تتحول التعددية إلى تنازع على تمثيل الشعب. وأن تكون هناك قواعد تحدد ما يمكن أن يقرره طرف بمفرده، وما لا يجوز أن يُتخذ نيابة عن الشعب كله.
بهذا المعنى، لا تكون وظيفة الحامل السياسي إلغاء الاختلاف، بل حماية الوحدة الوطنية من أن يتحول الاختلاف إلى اقتتال أو قطيعة أو انفصال في المصير.

إذن، على ماذا نتفق؟
هذا هو السؤال الذي يقودنا مباشرة إلى ما أثارته فاتن جرار: إذا كنا لا نستطيع الاتفاق على المشروع السياسي كله، فهل نستطيع أن نبني إطارا مشتركا؟
أعتقد أننا نستطيع، ولكن ليس عبر القفز فوق الاختلافات. نحتاج أولا إلى التمييز بين ما هو موضوع للاختلاف السياسي المشروع، وما هو شرط لوجودنا كشعب سياسي واحد.
يمكن أن نختلف حول شكل الدولة، وأدوات النضال، وترتيب الأولويات، وكيفية إدارة الصراع، وقراءاتنا للمرحلة.
لكن لا ينبغي أن يكون موضع مساومة أن الفلسطينيين شعب واحد، وأن لهم حقوقا وطنية غير قابلة للتصرف، وأن هذه الحقوق متساوية لجميع مكونات الشعب الفلسطيني وغير قابلة للمقايضة. وأن تكون كل التجمعات الفلسطينية شريكة في تقرير مستقبلها، وألا يملك أي فصيل أو جغرافيا وحده حق تعريف المصلحة الوطنية، وألا يكون الاختلاف السياسي مبررا لإلغاء الآخر أو اقتسام الشعب إلى كيانات متصارعة.
وصناعة المستقبل الفلسطيني لا تعني القفز عن الحقائق الديموغرافية التي أفرزها صراع قرن، ولا إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل بدء الصراع، وأن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم حق أصيل غير قابل للتفاوض، وأن بناء المستقبل لا يعني استبدال هيمنة بهيمنة، ولا إنتاج إقصاء مضاد، بل يطرح أفقا تحرريا يتجاوز منطق الاستعمار والعنصرية، ويفكك الكيان الاستعماري الاستيطاني العنصري، ويعيد الاعتبار للحقوق المتساوية لجميع البشر في الحياة والعيش الحر الكريم أمام القانون.
هذا الحد الأدنى ليس مشروعا سياسيا مكتمل الأركان، بل إطار يؤسس لإمكان الاختلاف السياسي من دون انهيار الوحدة الوطنية.
وهنا ربما يكون علينا أن نستبدل سؤال «كيف نتفق؟» بسؤال أكثر واقعية: كيف نبني قواعد تجعل اختلافنا ممكنا وآمنا ومنتجا؟
لا ننتظر الإجماع لكي نبدأ
وهنا أظن أن سؤال محمد قاروط أبو رحمة يضعنا أمام الاختبار الحقيقي. إذا كنا بحاجة إلى الحامل السياسي لكي نتفق على الحامل السياسي، فكيف نخرج من الدائرة؟
الإجابة، في تقديري، هي ألا نبدأ بالمؤسسة أصلا. لا نحتاج إلى أن نتفق على كل شيء لكي نبدأ، بل نحتاج إلى أن نبدأ بما نستطيع الاتفاق عليه، ومن خلال العمل المشترك نكتشف ما يمكن أن نتفق عليه لاحقا.
فالثقة لا تُبنى دائما قبل العمل؛ كثيرا ما تكون نتيجة له. والقيادات لا تُكتشف كلها في غرف الاجتماعات؛ بعضها يظهر من خلال القدرة على العمل، والاستماع، وبناء الجسور، وتحمل المسؤولية، وقبول المساءلة.
وقواعد الشراكة لا تُختبر في الوثائق وحدها؛ تكشفها الممارسة. والاختلافات لا تصبح قابلة للإدارة بمجرد أن نتفق نظريا على إدارتها؛ بل نتعلم كيف نديرها من خلال تجربة العمل المشترك.
لهذا لا أرى أن علينا أن نبحث الآن عن المؤسسة النهائية. الأهم أن نبحث عن المسار الذي يمكن أن ينتج المؤسسة التي يحتاجها الفلسطينيون.

من الحوار إلى المسار التأسيسي
لكن إذا كان الأمر كذلك، فهل يكفي أن نواصل الكتابة والحوار؟
لا. الحوار مهم لأنه يعيد إنتاج المجال العام، لكنه لا يصبح ذا قيمة سياسية إلا إذا استطاع أن ينتقل تدريجيا من إنتاج الأفكار إلى إنتاج إمكانات الفعل.
وهنا ربما نكون أمام ما يمكن تسميته «المسار التأسيسي». ليس مؤتمرا تأسيسيا يعقد مرة واحدة، ولا اجتماعا يضم مجموعة من الشخصيات ثم يعلن ميلاد إطار جديد، بل عملية تراكمية تبدأ من السؤال، ثم الحوار، ثم تحديد المبادئ، ثم بلورة المشروع، ثم تحديد الوظائف، ثم اختبار العمل المشترك، ثم بناء قواعد الشراكة وإدارة الاختلاف، ثم تطوير أشكال التمثيل، ثم إنتاج المؤسسات.

المجتمع ليس جمهور العملية السياسية
وهنا أعتقد أن يحيى بركات أصاب نقطة شديدة الأهمية حين سأل: أين المجتمع في كل هذا؟
هذا السؤال ينبغي ألا يأتي في نهاية المسار. فالمشكلة ليست فقط أن المجتمع غائب عن بعض المؤسسات، بل أن النظام السياسي الفلسطيني اعتاد، بدرجات مختلفة، أن يتعامل مع المجتمع باعتباره جمهور العملية السياسية، لا شريكا في إنتاجها.
يُطلب من الناس أن ينتخبوا، أو أن يصادقوا، أو أن يؤيدوا، أو أن يتحملوا النتائج. لكن السؤال الأسبق هو: هل شاركوا في تحديد المشروع الذي سيُنتخب من أجله؟ وهل شارك الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات في إنتاج التصور الذي سيحدد مستقبله؟ وهل يستطيع المواطن أن يدخل المجال السياسي بوصفه صاحب مصلحة وصاحب رأي وصاحب حق في التأسيس، لا بوصفه رقما انتخابيا؟
إذا كنا نريد شرعية مختلفة، فعلينا أن نعيد تعريف معنى المشاركة نفسها. فالمشاركة ليست فقط التصويت.
الانتخابات أداة وليست عتبة خلاص، وهنا نعود بالضرورة إلى الانتخابات التي كانت إحدى خلفيات طرح سؤال الحامل السياسي.
لا أعارض الانتخابات من حيث المبدأ، بل إن أي نظام سياسي سليم يحتاج إلى آليات ديمقراطية للتمثيل والمساءلة والتداول. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الانتخابات من أداة داخل مشروع سياسي إلى بديل عن المشروع.
يمكن أن ننتخب مجلسا جديدا، وحكومة جديدة، وقيادات جديدة، ثم نكتشف أننا أعطينا شرعية جديدة للبنية نفسها التي أنتجت الأزمة.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل ننتخب؟ بل: ماذا ننتخب؟ ولأي وظيفة؟ ووفق أي نظام سياسي؟ ومن تمثل المؤسسة المنتخبة؟ وما الذي تستطيع أن تفعله؟ ومن يملك القرار في القضايا التي تتجاوز صلاحياتها؟
الانتخابات مهمة، لكن مكانها في المسار يأتي بعد أن نعرف الوظيفة التي نريد منها أن تؤديها؛ وإلا تحولت إلى آلية لإعادة توزيع المقاعد داخل البناء نفسه.

ماذا نفعل بالمؤسسات القائمة؟
لكن هل يعني ذلك أن نهدم ما هو قائم؟ بالتأكيد لا.
لا يمكن أن نبدأ من الصفر، ولا ينبغي أن نتعامل مع التاريخ الفلسطيني وكأنه خطأ ينبغي محوه.
منظمة التحرير، والفصائل، والسلطة، والمؤسسات الاجتماعية والنقابية والثقافية، وشبكات المجتمع المدني، والجامعات، والاتحادات، والشتات، كلها أجزاء من التاريخ السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وفيها خبرات وطاقات لا يجوز إهدارها. لكن احترام التاريخ لا يعني تجميده.
المطلوب ليس هدم المؤسسات القائمة ولا تقديسها، وإنما إخضاعها لسؤال الوظيفة: ماذا ما تزال تستطيع أن تفعل؟ ما الذي تجاوزته المرحلة؟ ما الذي يمكن إصلاحه؟ وما الذي يحتاج إلى صيغة جديدة؟
وربما يكون من الخطأ أن نفترض أن المسار التأسيسي الجديد يبدأ خارج كل المؤسسات القائمة. قد يبدأ من داخل بعضها، أو بينها، أو بالتوازي معها، أو من مساحات لا تنتمي إلى أي منها. المهم ألا نجعل المؤسسة القائمة شرطا وحيدا لبدء التفكير.

الحامل السياسي نتيجة وليس وصفة
بهذا المعنى، بدأت أرى «الحامل السياسي» بصورة مختلفة قليلا عما قصدته في المقال الأول. لم يعد السؤال عندي: ما المؤسسة التي يمكن أن تحمل المشروع؟ بل: ما العملية التي يمكن أن تنتج قوة سياسية قادرة على حمله؟
فالحامل السياسي ليس بالضرورة اسما لمؤسسة واحدة. قد يكون شبكة من المؤسسات والمجالات والمستويات، تتكامل وظائفها ضمن مرجعية وطنية وقواعد شراكة واضحة. وقد يكون متعدد المراكز، شرط ألا يكون متعدد المصير، وأكثر مرونة من الصيغ التي عرفناها، وأكثر اتصالا بالمجتمع، وأكثر قدرة على استيعاب الاختلاف.
المهم ألا نكرر الخطأ نفسه: أن نبحث عن شكل مؤسسي قبل أن نحدد الوظيفة السياسية.

من الفكر إلى الفعل
وهنا نصل إلى سؤال عبد الرحمن بسيسو: كيف ننتقل من الوعي إلى الاستراتيجية؟ أظن أن هذا هو الامتحان التالي. فالحوار الذي يدور بيننا، وما يضاف إليه من قراءات واعتراضات وأسئلة، لا ينبغي أن يتحول إلى دائرة مغلقة من المثقفين يتبادلون الأفكار.
قيمته الحقيقية أن يستطيع أن يفتح طريقا إلى المجتمع، وأن تتحول الأسئلة التي ننتجها إلى معرفة متاحة، وأن تتصل هذه المعرفة بتجارب اجتماعية وسياسية حقيقية، وأن نبدأ بتجريب أشكال من العمل المشترك، ولو في نطاقات صغيرة، تكشف ما نستطيع فعله معا.
ثم نراكم من هذه التجارب ما يسمح ببلورة المبادئ والوظائف وقواعد الشراكة. وبذلك تصبح الاستراتيجية نتيجة لتفاعل الفكر والمجتمع والممارسة، لا وثيقة تنزل من أعلى.

هل بدأنا الفعل؟
ربما يكون السؤال الذي طرحه يحيى في نهاية حواره أكثر أهمية مما يبدو: هل آن لهذا الحوار أن يخرج من المسافة بين نصين، وأن يصبح مساحة أوسع للتفكير الفلسطيني؟
أعتقد أن شيئا من ذلك بدأ يحدث بالفعل، ليس لأن مجموعة من الكتاب اتفقت على مشروع، بل لأن الكتابات والقراءات والاعتراضات بدأت تتراكم حول أسئلة متصلة.
خالد عطية أضاف سؤال الحامل الوطني.
يحيى بركات أضاف سؤال وحدة المشروع وتعدد المراكز.
عبد الرحمن بسيسو دفع نحو الاستراتيجية وشروط التنفيذ.
محمد قاروط أبو رحمة أعادنا إلى سؤال البداية ومن يبدأ.
وفاتن جرار كشفت مأزق الاتفاق نفسه.
وغيرهم كثيرون يشاركون، من مواقع مختلفة، في هذا النقاش الذي لم يبدأ الآن، ولم يتشكل حول شخص أو نص واحد. وهذا مهم جدا بالنسبة لي. لأنني لا أريد أن يتحول هذا الحوار إلى مشروع شخصي للكاتب، ولا إلى مجموعة من الأشخاص يعلنون لأنفسهم حق التفكير نيابة عن المجتمع. إذا كان هناك شيء يستحق أن يتشكل، فهو مجال فلسطيني أوسع للتفكير المشترك؛ مجال لا يشترط الاتفاق قبل المشاركة، ولا يعتبر الاختلاف خروجا من الجماعة، ولا يضع نخبة في موقع الوصي على المجتمع.

ما الذي نستطيع أن نبدأ به الآن؟
ربما يكون من الضروري هنا أن أكون أكثر تحديدا. لا أعتقد أننا نستطيع اليوم أن نعلن عن حامل سياسي جديد، ولا أعتقد أننا نحتاج إلى ذلك. لكننا نستطيع أن نبدأ بخطوات أولى:
أن نفتح نقاشا فلسطينيا عاما حول المشروع الوطني الذي نحتاجه بعد السابع من تشرين الأول، وبعد كل ما جرى منذ ذلك التاريخ.
أن نجمع الأسئلة لا الإجابات، ونحدد المبادئ التي لا ينبغي أن تكون موضع مساومة، ونضع على الطاولة تصورات مختلفة للمشروع، لا لكي نختار بينها فورا، بل لكي نعرف أين نتفق وأين نختلف.
أن نستمع إلى الفلسطينيين في مختلف الجغرافيات والتجمعات، لا بوصفهم جمهورا، بل بوصفهم أصحاب حق في التأسيس.
أن نختبر إمكانات العمل المشترك في مجالات يستطيع الناس أن يلتقوا فيها، حتى قبل الاتفاق على القضايا الكبرى، وأن نبحث في قواعد لإدارة الاختلاف، لا في طرق لإلغائه.
أن نفكر في التمثيل بوصفه وظيفة ومسؤولية، لا امتيازا، وأن نبدأ، قبل كل ذلك، في إعادة بناء المجال العام الفلسطيني الذي يسمح لهذه العملية بأن تتنفس.
قد تبدو هذه الخطوات متواضعة أمام حجم المأزق، لكنها، في رأيي، أكثر واقعية من انتظار اتفاق شامل بين القوى السياسية، أو انتخابات تنزل من فوق، أو مؤسسة جديدة تعلن نفسها ممثلا للجميع.

البداية ليست شخصا
ربما يكون هذا هو الجواب الذي أستطيع أن أقدمه الآن لسؤال «من يبدأ؟»
لا نحتاج إلى شخص يبدأ باسم الجميع، ولا إلى فصيل يعلن أنه اكتشف الصيغة الصحيحة، ولا إلى نخبة تمنح نفسها حق تأسيس المستقبل نيابة عن الناس. نحتاج إلى من يفتح الباب، ويطرح السؤال علنا، ويقبل أن يدخل الآخرون إلى النقاش، بما في ذلك المختلفون والمعترضون، ويستطيع أن يعمل مع المختلف قبل أن يتفق معه.
وإذا اتسعت هذه الدائرة، فقد تبدأ من داخلها ملامح قيادة جديدة، وأشكال تمثيل وأطر جديدة. أي أن القيادة نفسها ينبغي أن تكون إحدى نتائج المسار التأسيسي، لا شرطا مفروضا عليه منذ البداية.

من الحامل إلى القدرة على الفعل
ربما لهذا كله أجد أن السؤال الذي بدأنا به يحتاج الآن إلى إعادة صياغة: لم يعد يكفينا أن نسأل «من يحمل فلسطين؟» بل «كيف يستطيع الفلسطينيون أن يستعيدوا قدرتهم على الفعل السياسي؟»
فالغاية ليست إنتاج حامل سياسي حسن الصياغة، بل إنتاج قدرة فلسطينية على التدخل في التاريخ.
قدرة على تعريف المصلحة الوطنية، وإدارة الاختلاف، وربط الداخل بالشتات، وتحويل التعدد إلى قوة، واستخدام القانون والدبلوماسية والمقاومة والعمل الشعبي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي وغيرها من الأدوات ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، واستثمار التحولات في الرأي العام العالمي.
وقدرة، قبل ذلك كله، على أن يكون الفلسطيني فاعلا في تقرير مستقبله، لا موضوعا للمشاريع التي يصوغها الآخرون.

لا نعرف بعد شكل الباب
لا أدعي أنني أعرف شكل الحامل السياسي الذي سينتج عن هذا المسار، ولا أعتقد أن علينا أن نعرفه الآن.
ربما تكون منظمة التحرير، بعد إعادة تأسيسها جذريا، جزءا من الصيغة القادمة، وربما تظهر إلى جانبها أو ضمنها أشكال أخرى. وربما يكون المستقبل أكثر تعددا مما اعتدنا التفكير فيه. ولا أرى أن علينا أن نحسم هذه المسألة مسبقا.
الأهم أن نعرف ما الذي نريد أن تحمله أي صيغة قادمة، ولمن تخضع، وما وظائفها، وما حدود سلطتها، وكيف تستمد شرعيتها، وكيف تُحاسب، وكيف تحمي وحدة الشعب في ظل تعدد الرؤى والمراكز.
فإذا عرفنا ذلك، يمكن أن نترك للممارسة أن تساعدنا في اكتشاف الشكل. أما أن نبدأ بالشكل ثم نبحث له عن مشروع، فهذه هي الدائرة التي ينبغي ألا نعود إليها.

الورقة البيضاء: مساحة مفتوحة للفكر والأجيال
قبل أيام كتب يحيى بركات عن «الورقة البيضاء» التي يمكن أن يضيف كل فلسطيني إليها خطا. لفتتني الصورة لأنها تختصر كثيرا مما أحاول قوله.
ربما لا نحتاج الآن إلى وثيقة تقول لنا إننا اتفقنا. نحتاج إلى ورقة بيضاء لا نخشى أن نختلف عليها. يكتب فيها الفلسطيني من غزة ما يراه من موقعه، وابن الضفة، والفلسطيني في القدس، وفلسطينيو الداخل، واللاجئ في المخيم، والفلسطيني في الشتات، والشاب الذي لم يعش أيا من المراحل التي صنعت النظام السياسي الحالي.
ويكتب فيها العامل والفلاح والمثقف والأكاديمي والفنان والمهندس والمرأة والطالب، والمختلف مع فتح، والمختلف مع حماس، والمختلف مع كليهما، ومن لا يرى نفسه في أي فصيل.
ليس المطلوب أن نتفق جميعا على ما تكتبه الورقة، بل أن نستعيد حقنا في كتابة الورقة أصلا.
ربما من هنا يبدأ استرداد المجال العام، وربما من هنا أيضا يبدأ التأسيس.
إن القيمة الحقيقية لهذا النقاش تكمن في أن يظل أفقا مفتوحا، يمدّ المجتمع بالمعرفة والأفكار المتماسكة، والخبرات المتراكمة، ويترك للشباب وللأجيال الحية في الميدان حرية ابتكار أدواتهم، واختبار ممارساتهم، واكتشاف أشكال تنظيمهم الخاصة.
التاريخ لا يطلب منا أن نعرف الباب كله، ولا أن نغلق الورقة قبل أن تُكتب. يكفينا الآن أن نطرح السؤال بجرأة، وأن نحمي التعددية، وأن نثق بأن الأفكار النيرة عندما تتجذر في الوعي، ستجد حتما أيدي الشباب التي تحولها إلى واقع وفعل تاريخي جديد.

لسنا أمام خيار بين القديم والجديد
أخشى أحيانا أن يدفعنا البحث عن البديل إلى ثنائية مضللة: إما أن نحافظ على كل ما هو قائم، وإما أن نهدمه كله ونبدأ من الصفر. لا أعتقد أن التاريخ يعمل بهذه الطريقة. نحن أمام عملية فك وإعادة تركيب.
نحمل معنا ما هو حي من تجربتنا، ونتخلى عما أصبح عائقا، ونختبر ما يمكن تطويره، ونخلق ما لم يكن موجودا.
فالوفاء لمنظمة التحرير لا يعني تقديس بنيتها، كما أن الوفاء للمقاومة لا يعني تحويل أي أداة إلى عقيدة سياسية وحيدة، ولا الوفاء للانتخابات إلى جعلها بديلا عن المشروع، ولا الوفاء للوحدة إلى إلغاء الاختلاف. وحتى الوفاء للتاريخ لا يعني أن نعيش داخله إلى الأبد.
المطلوب أن نكون أوفياء للغايـة، وليس بالضرورة للأشكال التي حملتها في مرحلة سابقة.
لهذا أجدني، بعد كل هذه المداخلات، أعود إلى السؤال الذي طرحه محمد قاروط أبو رحمة: هل نحتاج إلى أن نتفق أولا لكي نبدأ، أم نحتاج إلى أن نبدأ بما نستطيع لكي نتعلم كيف نتفق؟
أميل أكثر فأكثر إلى الثانية، على أن تكون البداية نفسها مفتوحة، وتعددية، ومتصلة بالمجتمع، وقابلة للاختبار والمراجعة.
فلا نبدأ بادعاء امتلاك الإجابة، ولا باختيار المؤسسة، ولا بتوزيع المواقع، ولا بإقصاء المختلفين.
نبدأ بالسؤال، ثم نحول السؤال إلى مساحة، والمساحة إلى حوار، والحوار إلى مبادئ، والمبادئ إلى مشروع قابل للنقاش، والمشروع إلى تجارب عمل، والتجارب إلى ثقة، والثقة إلى قواعد للشراكة والتمثيل. ومن كل ذلك يمكن، تدريجيا، أن يتولد الحامل السياسي.

قد يبدو هذا الطريق أطول من إعلان مؤسسة جديدة، لكنه ربما يكون أقصر الطرق التي لا تعيدنا إلى المكان نفسه.
فالتاريخ لا ينتظرنا، كما قال يحيى. لكنه أيضا لا يطلب منا أن نعرف الباب كله.
ربما تكفي الآن الخطوة الأولى الصحيحة. والخطوة الأولى، في تقديري، ليست أن نعلن من يمثل فلسطين، بل أن نعيد للفلسطينيين حقهم في المشاركة في تحديد ما الذي تريد فلسطين أن تمثله، وكيف تريد أن تفعل ذلك، ومن ثم من يملك حق تمثيلها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى