علجية عيش... مع المحلل السياسي عبد اللطيف سيفاوي: الإنسان هو الثروة التي لم نحسن استثمارها

في قراءة عن الإنسان كثروة في الفكر البنّابي

يقول المحلل السياسي عبد اللطيف سيفاوي إن الإنسان هو الثروة التي لم نحسن استثمارها ، في تحليله لفكر مالك ين نبي القائل أن الإنسان أكبر ثروة لأيّ دولة مقدما الهبّة الشعبية التي قام بها مواطنون جزائرين في الحرائق التي خلفت خسائر مادية و بشرية، حيث شملت هذه الهبّة تنظيم للقوافل وتعبئة للمتطوعين وإغاثة للمنكوبين، يكشف عن طاقة اجتماعية هائلة تم تفجيرها و بإرادة شعبية ، لقد أظهرت هذه الهبّة، يضيف بقوله: توحي بأن مكامن الخير والعطاء والبناء في مجتمعنا أكبر بكثير مما نتصور، وأن الشعب عندما يتحرك بروح واحدة، ويتوفر له هدف واضح، يستطيع في وقت قصير أن ينجز أعمالا مبهرة، لكنه يتساءل وبحرقة إن وُجِّهتْ هذه الطاقة في الظروف العادية، لا في أوقات الكوارث فقط؟

649152912_26246900011572631_8910021726921392998_n.jpg

يقول سيفاوي: إن ما نشاهده اليوم من مبادرات عفوية ومنظمة، ومن قدرة على التعبئة والتنسيق والوصول إلى المناطق المتضررة، يكشف عن رأس مال اجتماعي حقيقي: أفراد مستعدون للعطاء، وشباب قادرون على المبادرة، وشبكات من الثقة والتعاون، واستعداد للعمل الجماعي عندما يشعر الناس أن هناك قضية تستحق المشاركة، وهذه حقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في كل سياسة وطنية،
هي إشارة منه إلى ما كتبه مالك بن نبي عن شبكة العلاقات الإجتماعية و متى تتظافر في أوقات الشدة و المحن و حتى في اوقات الرفاهية كي تؤسس لها كيانا و به تبني حضارتها، أو تحافظ عليها لكي لا تزول، و هي المعادلة التي وضعها مالك بن نبي في بناء الحضارة ( الإنسان و التراب و الزمن) ، لقد وضع مالك بن نبي الإنسان العنصر الأول في هذه المعادلة ، لأنه بدونه لا يتحثقق العنصر الثاني و الثالث، الإنسان الذي يمتلك العقل كمحرك أساسي في عملية التوجيه و القيادة، أو كما قال عبد اللطيف سيفاوي : "الإنسان هو الثروة الأولى لأيّ دولة "

تحليل سيفاوي للمعادلة التي وضعها مالك بن نبي تمكن القارئ من فهم الحياة و مما تتركب، و لنتصور لو كانت الحياة أو الوجود بدون إنسان ، أي أنه غير موجود؟ هل يمكن أن نقول إنها العدمية؟ نلاحظ هنا كيف يوظف عبد اللطيف سيفازي الألفاظ و الأفكار، ولا نقول يتلاعب بها ، فهو يتكلم عن عالم الأشياء التي ذكرها مالك بن نبي في عوالمه الأخرى ( عالم الأشخاص و عالم الأفكار) فلولا هذبن العالمين ( الأشخاص و الأفكار) لما كانت صناعة ( عالم الأشياء) ، إذ يقول في تحليله مايلي: " فالدول لا تبنى بما تختزنه أرضها من بترول وغاز ومعادن فقط، وإنما بما يملكه مجتمعها من علم وكفاءة ومبادرة وثقة وتضامن وقدرة على العمل المشترك، و قد نمتلك ثروات مادية ضخمة، لكننا لا نستطيع تحويلها إلى نهضة حقيقية إذا لم نحسن بناء الإنسان وتمكينه وإشراكه" ، و يضيف قائلا: " إن الشعوب ليست قاصرة ولا عاجزة، وليس من الحكمة أن تُعامل على هذا الأساس، فحين يُمنح الإنسان الثقة، ويُحترم عقله، وتُفتح أمامه مساحات المبادرة، ويشعر أن جهده له أثر حقيقي في مجتمعه، فإنه لا يكون مجرد متلقٍ للقرارات والسياسات، بل يتحول إلى شريك في صناعة المستقبل" يشير سيفاوي هنا إلى العلاقة بين المواطن و السلطة و مسؤولي كل واحد منهما في ظل وجود سياسة حكيمة، و هذا يعني أن توفر الحكم الراشد يعتبر الوقود الذي يجعل الحياة الإنسانية تتحرك في الطريق السليم ، إن احْتُرِمَتْ الإرادة الشعبية

و نجده يوضح أكثر و بأسلوب بسيط و مبسط أن السياسة الرشيدة تفترض أن تكون هناك يد ثانية تمتد لحل أزمة ما، فالسياسة الرشيدة كما يقول هو ليست التي تفترض أن الدولة تستطيع أن تفعل كل شيء وحدها، وإنما التي تعرف كيف تستنهض المجتمع، وكيف تستثمر طاقاته، وكيف تنظم مبادراته، وكيف تربط بين ما تملكه المؤسسات من إمكانات وما يملكه المجتمع من طاقات كامنة، من هذا المنطلق بات من الضروري أن يكون هناك مشروع جماعي ( لا فردي) يحقق المصلحة العامة ، عن طريق الإستثمار في القوى البشرية في كل المجالات ( التعليم والثقافة والتنمية المحلية، وحماية البيئة، والعمل التطوعي، ومواجهة الأزمات، وبناء المشاريع الوطنية؟) ، المشكلة حسبه ليست في غياب الطاقات، بقدر ما هي في كيفية اكتشافها وتنظيمها وتوجيهها، و لعل من أكبر الأخطاء أن ننظر إلى المواطن باعتباره مجرد مستفيد من الخدمات، أو متلقيا للقرارات، بينما هو في الحقيقة أحد أهم موارد الدولة وأعظم عناصر قوتها، من وجهة نظره هو و ربما نقف معه في هذه النقطة بالذات و هي أن أي دولة لا تفتقر إلى الأشياء أي الوسائل المادية و حتى الثروات الطبيعية للنهوض، لكنها لم تعط للإنسان ( المواطن) المكانة التي يستحقها بوصفه صانعا لهذه الثروات وحاملا للمعرفة والقيمة والقدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجاز أي مشروع مجتمع.

فالسياسات التي تهمل الإنسان، أو لا تثق في قدرته على المبادرة، أو تحصر دوره في تلقي ما تقرره المؤسسات، تفقد جزءا كبيرا من قوتها وفاعليتها، و قد كان التعامل مع المجتمع، في كثير من الأحيان، على أساس أنه بحاجة دائما إلى من يفكر نيابة عنه، ويقرر عنه، وينظم له، و هي أحد العوامل التي أضعفت قدرة كثير من المبادرات والسياسات على تحقيق أهدافها، و أجهضت كل الطاقات الحياة ، في الوقت كانت هذه الطاقات تبحث عن الجهة التي تكتشفها و تُفَجِّرها و تثق بها و تفتح لها المجال، وتوجهها نحو ما ينفع الوطن، لكن نقول أن "النخبوية" (ولا نقول الجهوية و العنصرية) قتلت الإرادة في الإنسان الذي يملك طاقة فكرية و إبداعية ليبني بها الإنسان قبل الوطن، فكيف نبني وطن و فيه إنسان مهمش و مشلول الإرادة كمن يزرع في أرض بور، فأكبر ثروة نملكها ليست ما تحت الأرض، وإنما الإنسان الذي فوقها.
قراءة علجية عيش بتصرف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى