يوميات بائع كتب... عندما انتصر الجوع على الكتب..!

ذات اليوم، حدث في المكتبة ما لم تستطع أكثر الحكايات طرافة أن تتنبأ به ؛ دخلت عائلة بكاملها، وتفرقت بين الأجنحة كما تتوزع الأفكار في رأس قارئ شغوف؛ هذا يقلب كتابا، وتلك تتفحص غلافا، وآخر يبحث عن عنوان طالما سمع عنه، وكل واحد منهم كان يحاول أن يعثر بين الرفوف على كتاب يشبهه أو يضيف إليه شيئا ؛ لكن وحده طفل صغير لم يتجاوز السادسة، كان خارج هذه المعادلة الجميلة.
كان يبحث عن شيء آخر تماما! ، فمرة يشاكسهم، ومرة يرفع صوته محتجا، ثم يتنطط في مكانه باكيا، ويذهب إلى أمه يشكو إهمالهم، ثم يستعطف أباه وأخاه ؛ لكن أحدا لم يكن يملك وقتا كافيا له؛ فقد كانت الكتب قد سرقت انتباه الجميع.
ظل الطفل يدور بينهم كمن يحاول أن يعلن عن وجوده في عالم نسيه قليلا ؛ ثم، وقد نفد صبره، قرر أن يستدعي أقوى حجة يمكن أن تخطر لطفل في السادسة ؛ وقف في وسط المكتبة، وأطلق صوته عاليا، حتى وصل إلى آخر الرفوف: أنا في الجوع !
ساد المكان صمت خاطف ، ثم انقلب المشهد كله إلى ارتباك! ؛ تجمع أفراد العائلة حوله دفعة واحدة، بعدما اكتشفوا فجأة أن لهذا الكائن الصغير مطلبا لا يمكن تأجيله، وحاولوا تهدئته وإسكاته، لكنه كان قد وجد في الجوع ما لم يجده في كل احتجاجاته السابقة: قوة الحجة وقوة الصوت معا.
كان بعض رواد المكتبة يبتسمون، وبعضهم يضحك، والعائلة بين الحرج والدهشة، بينما بدا الطفل منتصرا على الجميع، وكأنه يقول لهم : يمكنكم أن تبحثوا عن الكتب التي تشاؤون، لكن لا أحد يستطيع أن يقرأ جملة واحدة ومعدتي فارغة!
وهكذا، حُسمت المعركة.
غادرت العائلة المكتبة كلها، لا لأن الكتب لم تعجبهم، ولا لأن البحث انتهى، وإنما لأن الجوع كان أكثر إلحاحا من القراءة ؛ خرجوا وهم بين الضحك والصدمة، أما الطفل فخرج في المقدمة، منتصرا في أول معركة له مع عائلته داخل مكتبة.
ابتسمت وأنا أراقبهم يغادرون، وفكرت: كم يحتاج الكبار أحيانا إلى طفل صغير كي يذكّرهم بأن للحياة حاجات لا تؤجلها الكتب... وأن أجمل القراءات قد تبدأ، أحيانا، بعد أن نشبع أولا ، وفي المكتبة كما في الحياة، ليس دائما الكتاب هو من يختار القارئ... أحيانا تختار المعدة موعد القراءة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى