عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب . عندما خانتني الفِراسة ، وسبقني الشبه إلى السؤال..

قصص بائع الكتب لا تُكتب كلها بين دفتي كتاب، بعضها يخرج من بين الرفوف على هيئة ابتسامة، أو مصادفة عابرة، وربما موقف صغير يبقى عالقا في الذاكرة أكثر مما تظلّ بعض الحكايات الطويلة ؛ اليوم، لم تكن الحكاية عن كتاب بقدر ما كانت عن شبه خدع عيني.
لمحتُ أحدهم يتجول بين أجنحة المكتبة، فتوقّفت عنده لحظة، ثم رمقتُ ملامحه من بعيد، فإذا بي أستدعي في ذهني صورة أعرفها جيدا.
كان الشبه لافتا إلى درجة جعلت فراستي تتقدّم على عقلي بخطوات.
اقتربت منه، بادرته بالسلام، ثم دخلت مباشرة في صلب الموضوع، بثقة كبيرة لم تترك لي مجالا للتراجع: أستاذ يوسف، نريد نسخا من كتابك: " هكذا تكلم إدغار موران".
نظر إليّ الرجل بدهشة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، وقال بكل هدوء: ربما تشابهتُ لك مع مؤلف الكتاب!
صدرت مني ضحكة استغراب ، لكنني لم أستسلم بعد، وكأنني كنت أبحث عن مخرج صغير يحفظ لفراستي شيئا من ماء الوجه.
قلت له: أنت الأستاذ يوسف اسحيرة؟
فأجابني بلا تردد: لا!
هنا فقط أدركتُ أنني كنتُ أخوض معركة خاسرة منذ اللحظة الأولى!
شعرتُ بشيء من الخجل، لكن الرجل كان كريما في ابتسامته، فتبادلنا الضحكات، وتحول الخطأ من موقف محرج إلى لحظة طريفة من تلك اللحظات التي تمنح المكتبة شيئا من روحها.
اقتنى بعد ذلك بعض المراجع التي لها صلة بالامتحانات المهنية، ثم ودّعني وانصرف.
أما أنا، فبقيتُ للحظات أبتسم وحدي، وأعاتب نفسي: يا بائع الكتب، تعلّم أن تسأل أولا ، ثم ثق بفراستك!
لكنني، وأنا أستعيد ملامح الرجل في ذاكرتي، لم أجد نفسي قادرا على لومها كثيرا.
فالرجل كان يشبه الأستاذ يوسف اسحيرة إلى حد يكاد يبلغ المطابقة؛ العينان، الملامح، الهيئة، وحتى ذلك الهدوء الذي يجعل الصورة تكتمل في لحظة.
غير أن الحياة، في لحظة واحدة، تذكّرنا بأن الشبه مهما بلغ، لا يصنع صاحبه.
ولعل أجمل ما في الأمر أنني، بائع الكتب الذي يقضي يومه في التمييز بين الطبعات والعناوين والأسماء، وقعتُ أنا نفسي في خطأ لا يقع فيه فهرس!
فبعض الوجوه تتشابه ، وإحدى المصادفات منها تتولد الحكايات، وهناك أخطاء صغيرة لا تأتي لتُحرجنا بقدر ما تترك في يومنا ابتسامة لا نجد لها سببا إلا بعد أن يغادر صاحبها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى