نبيل العريني - الكلام ألي في قلبي على لساني

لم تعد الكلمة في واقعنا الثقافي مجرد أداة تعبير، بل غدت فخاً نرسيه لبعضنا البعض. المتأمل في دهاليز هذا الوسط الفلسطيني لا يرى حراكاً معرفياً بقدر ما يبصر خنادق محفورة للتناحر، ومعارك كسر عظم مجانية، ووقوفاً فجاً ومترصداً خلف كل شواذ، أو هفوة، أو ما يروق للبعض تصنيفه - وفق أمزجتهم - كخروج عن الأخلاق الوطنية والأدبية، أو تجاوز للمنطق السائد.
هذا التلاوم المتبادل، المسكون بركض هستيري خلف صغائر الأمور وتضخيمها، ليس حرصاً على فضيلة مفقودة؛ بل هو في عمقه، وبتدبير واعٍ أو حتى في غيابات اللاوعي، وقود طازج يذكي طموحات المتكالبين على الكراسي الوظيفية والامتيازات النقابية. وتلك هي المفارقة الفاضحة التي ينأى عنها المبدع الحقيقي. إن الكتاب والشعراء الذين تعجنهم نار التجربة وتولَد نصوصهم من حرقهم اليومي، أرفع من أن يشغلهم هذا المستنقع، وأكبر من أن تضل بوصلتهم في زحام هذه الصراعات الهامشية.
لسنا هنا في معرض الهجوم على الطامحين للمناصب أو اللاهثين خلف الألقاب والمسميات؛ فهذا حقهم الإنساني والأخلاقي، والساحة تتسع لكل ذي مأرب. لكن الخطيئة الكبرى تبدأ حين يمتد لهيب هذه المعارك الصغيرة ليحرق أطراف العاجزين عن الرد. ولذا، نطلقها صرخةً حادة لا رجاء فيها: كفّوا عتبكم وعيونكم المترصدة عن كُتّاب غزة!
إن المبدعين في غزة لم يلمسوا حتى اللحظة عتبات التعافي، ولم يستفيقوا من هول الإبادة التي طحنت حيواتهم، وهدمت سقوفهم، واختطفت أحبتهم. كُتّاب غزة اليوم يخطّون حروفهم بأصابع يرتجف فيها الفقد، وتحت خيام مؤقتة لا تقي حراً ولا برداً. هؤلاء لا يملكون ترف المناورة في الأروقة النقابية، ولا رفاهية الدخول في تصفية الحسابات الفصائلية أو الشخصية؛ إنهم لم يبلغوا بعد ذلك الاستقرار النفسي البسيط الذي يتيح لآدمي أن يتنفس، فكيف لهم بامتلاك ترف الصياغة وبلاغة الترف في إنتاج نصوصهم؟
هذا الحسم لا يعني مطلقاً مطالبة أصحاب المعارك – الكبيرة منها أو الصغيرة – بأن يضعوا أوزار حراكهم أو يطفئوا غيرتهم على العمل الثقافي. فليناضل من شاء، وكيفما شاء. ولكن، لتكن نيرانكم بعيدة عن أجسادهم المستنزفة وأرواحهم المثقلة بالرماد. لا تعتبوا على غزة، ولا على كتابها، ولا على نصوصها التي قد تخرق قوالبكم الجامدة وقواعدكم النظرية الباردة. لا تجعلوا من دماء غزة ومآسي مثقفيها حطباً توقدون به صراعاتكم ونزواتكم الذاتية.
وفي المقابل، نوجه الخطاب الحاد إليكم أنتم، يا كُتّاب غزة ويا حراس كلمتها النابضة: إياكم ثم إياكم أن تكونوا مطايا لأحد، أو حطباً رخيصاً يُلقى في مواقد الآخرين لتتدفأ عليه مصالحهم الخاصة. لا تقبلوا بمهانة لا تشبه شيمكم، ولا ترتضوا لأنفسكم موقع التابع في غمرة تضحياتكم الأسطورية. قبل أن تمدوا أيديكم لأي عرض، أو توقعوا على أي سياق، اسألوا واستقصوا الحقائق والأرقام والجهات بدقة بالغة. إذا شممتم في الأمر أدنى تقليل من كرامة محيطكم، أو غمطاً لحق أهلكم ولحمكم الحي، فاربؤوا بأنفسكم؛ لا تكونوا جسراً يعبر عليه الانتهازيون لتصفية حساباتهم الشخصية وضغائنهم الشللية المقيتة.
ها أنتم ترون، بعيون مفتوحة إلى يوم الناس هذا، كيف تتغير الكراسي وتبادَل الوجوه الأدوار في مسرح العبث الثقافي. تذكروا جيداً أنه لا شيء يدوم؛ فكل التكتلات المصلحية، والمؤامرات الملتوية، والتحالفات الضيقة، والشلل العابرة، مآلها الحتمي أن تتهاوى وتسقط متناثرة، غير مأسوف عليها من أحد.
إننا الآن نخطو بوعي مثقَل، وبأقدام عارية، فوق أسطر التاريخ المشتعلة.. والتاريخ لا ولن يرحم أحداً، ولن يخلّد في صفحاته سوى الكلمة الحرة الشريفة والموقف الصلب المترفع عن الانحناء.
اترکوا غزة وشأنها لترمم انكساراتها الوجودية، فالحبر هناك ما زال ممتزجاً بالدم، والنجاة بنفسها هي أسمى نص إبداعي يسطره أهلها كل يوم.


نبيل العريني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى