د. حسام الدين فياض - المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار العلاقة

" الخلافات الزوجية لا تكشف مقدار الحب بين الزوجين بقدر ما تكشف مقدار ما بقي في قلبيهما من مودة ورحمة عندما يغيب عنهما التفاهم والرضا " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح أن المبادرة في حل الخلافات الزوجية مسؤولية مشتركة بين الزوجين، وأن المودة والرحمة والاحتواء والتغافل تمثل مهارات أساسية في إدارة الاختلاف والحفاظ على توازن العلاقة الزوجية واستمرارها.

تكشف الخلافات الزوجية طبيعة العلاقة أكثر مما تكشفه لحظات الانسجام. ففي أوقات الهدوء يستطيع الجميع أن يبدو محباً ومهتماً ومتسامحاً، بينما تضع لحظة الاختلاف هذه الصفات أمام اختبار حقيقي. وتصبح المبادرة في هذه اللحظة فعلاً يتجاوز الكلمات العابرة، لأنها تعبر عن استعداد الإنسان لتحمل مسؤولية العلاقة، وعن قدرته على تجاوز منطق الانتظار والمراقبة وحساب من يبدأ أولاً. فالمبادرة ليست مجرد ابتسامة أو كلمة (بحبك) تقال لتخفيف ثقل الخلاف، وإنما هي موقف يكشف مقدار ما يمنحه الإنسان للعلاقة من قيمة، واستعداده لأن يكون جزءاً من حل المشكلة بدلاً من انتظار تراجع الآخر.

ينشأ كثير من الخلافات الزوجية من تحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع على المكانة داخل العلاقة. ويصبح السؤال في هذه اللحظة من المخطئ؟ ومن ينبغي أن يعتذر من الآخر أولاً؟ عندئذ تنتقل العلاقة تدريجياً من البحث عن استعادة التوازن إلى البحث عن إثبات التفوق. ويأخذ الصمت معنى العقاب، ويتحول الابتعاد إلى وسيلة ضغط، وتصبح المبادرة وكأنها تنازل عن الكرامة. هذا التفكير يختزل العلاقة في ميزان للقوة، بينما تقوم الحياة المشتركة على قدرة الطرفين على إعادة التوازن كلما تعرض للاختلال. بذلك تصبح المبادرة فعلاً واعياً ينقل العلاقة من منطق تسجيل الأخطاء إلى فهم ما حدث وإصلاح أثره. فالإنسان الناضج لا يرى في المبادرة خسارة لموقعه، بل حفاظاً على قيمة العلاقة التي اختار أن يكون طرفاً فيها.

وتتحدد مسؤولية المبادرة داخل الزواج وفق طبيعة العلاقة نفسها، لا وفق تقسيم جامد للأدوار بين الرجل والمرأة. فالحب لا يمنح أحد الطرفين حق انتظار الآخر دائماً، كما أن المسؤولية العاطفية لا يمكن تحميلها لطرف واحد بحجة أنه أكثر قدرة على التعبير أو أكثر حاجة إلى الاحتواء. والرجل والمرأة يشتركان في بناء المناخ العاطفي للعلاقة، ولذلك يشتركان أيضاً في معالجة ما يطرأ عليه من اضطراب. ويصبح الاهتمام والاحتواء والتسامح أفعالاً متبادلة تنبع من فهم أن العلاقة ليست مجموع مواقف فردية، وإنما فضاء مشترك يتأثر فيه كل طرف بالآخر. لذلك قد تبدأ المبادرة من كلمة هادئة، أو اقتراب صادق، أو اعتراف بالمسؤولية، أو رغبة حقيقية في الفهم، وقيمتها لا تتحدد بحجم الفعل، وإنما بما يحمله من استعداد لتجاوز الذات عندما تصبح جزءاً من المشكلة.

وتمنح المبادرة العلاقة فرصة لاستعادة إنسانيتها قبل أن يتحول الخلاف إلى ذاكرة تراكمية. فالكلمات التي تقال أثناء الغضب، والمسافات التي تفرض بقصد العقاب، والمواقف التي تُترك من دون معالجة، يمكن أن تستقر في الذاكرة وتعيد تشكيل نظرة كل طرف إلى الآخر. ومع تكرار ذلك يصبح الخلاف الحالي محملاً بخلافات سابقة، وتتحول العلاقة إلى مساحة تتراكم فيها الديون العاطفية. هنا تظهر أهمية المبادرة في إيقاف هذا التراكم قبل أن يصبح جزءاً من بنية العلاقة. والمبادرة الأكثر نضجاً هي التي لا تبحث عن انتصار طرف على آخر، بل عن استعادة القدرة على العيش مع الاختلاف دون أن يتحول إلى تهديد للروابط التي تجمعهما.

يبدأ الحب الحقيقي من الطرف الذي يمتلك شجاعة الاقتراب، لا من الطرف الذي ينتظر أن يثبت الآخر حبه أولاً. وهذه الشجاعة لا تعني الخضوع أو التنازل عن الكرامة، وإنما تعني القدرة على التمييز بين الكرامة والعناد، وبين حفظ الحقوق وتحويل العلاقة إلى ساحة للمواجهة. فالاعتذار عندما يكون مستحقاً قوة أخلاقية، والتسامح عندما يكون واعياً قدرة على التحرر من أسر الإساءة، والاحتواء في لحظة الاضطراب فعل مسؤولية قبل أن يكون تعبيراً عن العاطفة. وبذلك تصبح المبادرة مؤشراً على نضج العلاقة، لأنها تكشف قدرة الإنسان على رؤية ما وراء موقفه الشخصي، وإدراك أن استمرار العلاقة الصحية يحتاج إلى طرفين قادرين على إصلاح ما يتعرض للكسر.

وتعيد المبادرة تعريف الخلاف نفسه، إذ يصبح الخلاف جزءاً طبيعياً من الحياة المشتركة، بينما تتحدد آثاره وفق الطريقة التي يدار بها، فقد يفتح مجالاً لمزيد من الفهم والتقارب، وقد يتحول، إذا أدير بصورة خاطئة، إلى سبب لمزيد من القطيعة. والعلاقات الإنسانية لا تستمر لأنها خالية من التوتر، بل لأنها تمتلك آليات تسمح لها باستعادة توازنها بعده. ومن هذه الآليات القدرة على الاقتراب بعد الابتعاد، والحوار بعد الصمت، والتسامح بعد الأذى، وتحمل المسؤولية بعد الخطأ. لذلك فإن العلاقة التي يستطيع طرفاها المبادرة إلى إصلاحها كلما اختل توازنها تكون أكثر قدرة على تحويل الخلاف من تهديد للاستقرار إلى فرصة لإعادة فهم بعضهما بعضاً.

وفي النهاية، تكشف المبادرة متانة العلاقة أكثر مما تكشفه الكلمات الجميلة التي تقال في أوقات الرضا، لأنها تظهر ما يفعله الإنسان عندما تتعارض مشاعره مع كبريائه، وعندما يصبح الحفاظ على العلاقة بحاجة إلى خطوة تتجاوز الحسابات الشخصية. فالزواج الناضج لا يقوم على معرفة من يبدأ، بل على وجود طرفين يدركان أن استمرار المودة مسؤولية مشتركة، وأن بعض الخلافات لا تحتاج إلى منتصر بقدر ما تحتاج إلى شخص يمتلك شجاعة الاقتراب، ثم إلى آخر يمتلك شجاعة استقبال هذا الاقتراب. والعلاقات التي تستمر طويلاً ليست تلك التي يغيب عنها الخلاف، وإنما تلك التي لا تسمح للخلاف بأن يصبح أقوى من الرغبة في الإصلاح والاستمرار. فالمبادرة في العلاقة ليست انحناءً أمام الآخر، بل ارتفاع فوق لحظة الخلاف، ومن يملك شجاعة الإصلاح عندما يستطيع أن ينتظر، يثبت أن قيمة العلاقة عنده أكبر من انتصار الذات.

برأيي، في الحياة الزوجية، يحتاج الإنسان أحياناً إلى مهارة التغافل أكثر من مهارة الانتصار، وإلى الاحتواء أكثر من الانشغال بالخطأ، وإلى المودة والرحمة أكثر من التمسك بحسابات المواقف. فالتغافل الواعي يحفظ للعلاقة صفاءها، والاحتواء يمنح الطرف الآخر شعوراً بالأمان، والمودة تفتح في القلوب طريقاً إلى الصلح، والرحمة تجعل الإنسان يرى ضعف شريكه قبل أن يرى تقصيره. وعندما تصبح هذه المعاني مهارات حاضرة في الحياة اليومية، يغدو الخلاف عارضاً لا يملك القدرة على إفساد المعنى الأعمق للحياة المشتركة، لأن العلاقة التي تسكنها المودة والرحمة تعرف متى تتجاوز ما يستحق التجاوز، وكيف تحتوي ما يحتاج إلى الاحتواء، وتحفظ في الذاكرة من جميل العِشرة ما يجعل لحظة الغضب أصغر من أن تهدم سنوات من المحبة.

--------------------------------------​
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى