د. حسام الدين فياض - المعلم في زمن اختلال المكانة وموازين التقدير

" أخطر ما يفعله مجتمع ما بمستقبله أن يطلب من المعلم أن يصنع جيلاً واعياً، ثم ينتقص من صورته أمام هذا الجيل، فوعي الأجيال بقيمة المعرفة لا يتشكل داخل المدرسة وحدها، بل يتأثر أيضاً بمكانة المعلم في المجتمع، وبما تحمله هذه المكانة من تقدير للعلم وأهله " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل تراجع مكانة المعلم اجتماعياً بوصفه انعكاساً لتحول موقع المعرفة والخبرة في البناء الاجتماعي، والكشف عن كيفية انتقال هذا التحول إلى وعي الأجيال وتصوراتها عن التعليم والعمل والمكانة، وما قد يترتب عليه من آثار سلبية بعيدة في تكوين المجتمع ومستقبله.

يكشف المجتمع عن نظرته إلى الإنسان من خلال الأشخاص الذين يمنحهم المكانة، أكثر مما يكشفها من خلال الشعارات التي يرفعها عن العلم والتعليم. ومن هذه الزاوية، تبدو مكانة المعلم مؤشراً على موقع المعرفة في البناء الاجتماعي، وعلى المعايير التي تحدد من يستحق الاعتراف والاحترام. فحين يتراجع المعلم في سلم المكانة، بينما تتقدم أدوار تستمد قيمتها من المال أو النفوذ أو الظهور، فإن المسألة تتجاوز مهنة التعليم إلى تحول أعمق في معايير التقدير الاجتماعي. عندها يصبح السؤال عن المعلم سؤالاً عن المجتمع نفسه، وعن القيمة التي يمنحها للمعرفة، وعن الإنسان الذي يريد أن يصنعه للأجيال القادمة.

يدخل المعلم إلى الصف حاملاً أكثر من كتاب ومعلومة، يحمل معه صورة المجتمع عن المعرفة وصاحبها. والطالب لا يتعلم قيمة الأشياء من المناهج وحدها، بل يقرأها في الطريقة التي يتعامل بها محيطه مع أصحابها. فإذا رأى أن المعلم يمكن التقليل من شأنه أو تجاوز دوره، فإنه يتلقى رسالة ضمنية عن العلاقة بين المعرفة والمكانة، فالعلم مطلوب، لكن صاحبه لا يحظى بالضرورة بالاعتراف الذي يفترضه الخطاب عن أهمية العلم. عندئذ تظهر مفارقة اجتماعية عميقة، حيث تطلب المؤسسة التعليمية من الطالب احترام المعرفة والخبرة، بينما قد تقدم له البيئة المحيطة معايير أخرى تجعل المال والنفوذ والقدرة على فرض الحضور أكثر تأثيراً في تحديد المكانة. وبذلك يصبح ضعف احترام المعلم تعبيراً عن تناقض بين القيم التي يعلنها المجتمع والقيم التي يمنحها اعترافه الفعلي.

وتتسع هذه المفارقة عندما يكبر الدور المطلوب من المعلم بينما تتراجع المكانة الممنوحة له. فالمجتمع ينتظر منه أن يسهم في بناء شخصية قادرة على التفكير والانضباط وتحمل المسؤولية، وأن يصل المعرفة بالجيل الجديد، لكنه قد يتعامل معه في الحياة اليومية بوصفه موظفاً يؤدي وظيفة محددة. هذا الاختزال يفصل الدور عن معناه الاجتماعي، لأن التعليم لا ينتج أثره كله في لحظة الدرس، بل يتسرب إلى طرق التفكير والاختيار والسلوك عبر سنوات طويلة. ولذلك فإن الفجوة بين المسؤولية والمكانة لا تنتقص من المعلم وحده، بل تقلل القيمة الرمزية للعمل الذي يقوم على المعرفة والخبرة والصبر، وتضعف جاذبية هذه المهنة في الوعي الاجتماعي.

ولا تنتج مكانة المعلم داخل المدرسة وحدها، بل تتشكل في شبكة واسعة من العلاقات التي تشترك الأسرة والطلاب والمجتمع ووسائل التواصل في صياغتها. فالطالب الذي يسمع التقليل من شأن معلمه أو يراه يتعرض للاستخفاف لا يتلقى مجرد موقف عابر، بل يتعلم بصورة غير مباشرة معياراً لتوزيع الاحترام. ومع تكرار هذه المواقف، تنتقل الصورة من فرد إلى آخر ومن جيل إلى آخر، حتى تتحول الممارسة اليومية إلى معيار اجتماعي غير مكتوب. وهكذا يصبح تراجع مكانة المعلم جزءاً من عملية إعادة إنتاج اجتماعي تحدد قيمة الأدوار وفق ما يراه المجتمع جديراً بالاعتراف، لا وفق مقدار أثرها الحقيقي في حياة الناس.

وتكشف هذه العملية عن تحول أعمق في موقع المعرفة داخل السلم الاجتماعي. فالمعلم يقدم أثراً لا يظهر كله في اللحظة التي يقدم فيها الدرس، فقد يتحول ما يزرعه في طالب إلى قدرة على التفكير، أو احترام للاختلاف، أو التزام بالمسؤولية، ثم يظهر بعد سنوات داخل الأسرة أو المؤسسة أو المجال العام. إن العمل التعليمي يعمل في الزمن الاجتماعي أكثر مما يعمل في اللحظة المباشرة، ولذلك يصعب على ثقافة تستعجل النتائج أن ترى قيمته كاملة. وحين لا تتحول هذه القيمة البعيدة إلى مكانة اجتماعية واضحة، تتسع المسافة بين ما يحتاجه المجتمع فعلاً وما يمنحه من اعتراف، فيصبح ضعف تقدير المعلم علامة على ضعف تقدير الأعمال التي تصنع الإنسان ببطء.

ويمتد أثر ذلك إلى اختيارات الأجيال وتصوراتها عن المستقبل. فالشاب لا يحدد قيمة المهن من الخطاب الرسمي وحده، بل من توزيع المكانة الذي يراه أمامه. وإذا وجد أن صاحب المعرفة لا يحظى بمكانة تتناسب مع علمه، بينما يحصل أصحاب المال أو النفوذ أو الظهور على اعتراف اجتماعي أكبر، فإن الرسالة التي يتلقاها عن قيمة المعرفة تصبح ملتبسة. وقد يتحول التعليم عندئذ من قيمة في ذاته إلى وسيلة للحصول على شهادة أو موقع، بينما تتراجع المعرفة بوصفها مصدراً للوعي والمسؤولية. وهكذا يعيد المجتمع إنتاج تصور يرى المكانة غاية مستقلة عن القيمة التي يضيفها الإنسان إلى حياة الآخرين.

لهذا لا ينفصل مستقبل المعلم عن مستقبل البناء الاجتماعي نفسه. فتراجع مكانته قد يسهم في إضعاف قيمة الخبرة والاختصاص والمعرفة، وهي عناصر لا تستقيم المؤسسات والعلاقات العامة من دونها. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يحتاجه المجتمع وما يمنحه من اعتراف، أصبحت المدرسة مطالبة بإنتاج أجيال أكثر وعياً ضمن بيئة قد تقلل من القيمة الرمزية لمن يصنعون هذا الوعي. ومع تراكم ذلك عبر الزمن، يمكن أن تظهر آثاره في ضعف الثقة بالتعليم، وتراجع احترام الاختصاص، واتساع المسافة بين المعرفة والممارسة، وهي تحولات تمس قدرة المجتمع على إنتاج أفراد قادرين على المشاركة الواعية في حياته.

وفي النهاية، لا تكمن قضية المعلم في مقدار الاحترام الذي يحصل عليه شخص يمارس مهنة بعينها، بل في السؤال الذي تكشفه مكانته عن المجتمع نفسه ما الذي يجعل الإنسان جديراً بالمكانة؟ فإذا كان الاعتراف الاجتماعي يتجه بصورة متزايدة نحو المال والنفوذ والظهور، بينما يتراجع تقدير المعرفة والخبرة والعمل الذي يبني الإنسان في صمت، فإن المجتمع لا يغير ترتيب مهنه فقط، بل يعيد تعريف القيمة نفسها. والمعلم لا يصنع المستقبل وحده، لكنه يشارك في تشكيل الإنسان الذي سيحمله؛ ولذلك فإن الطريقة التي يُعامل بها اليوم ستترك أثراً في علاقة الأجيال غداً بالمعرفة والخبرة والمسؤولية. فالمجتمع لا يكشف رؤيته لمستقبله بما يقوله عن التعليم، وإنما بالمكانة التي يمنحها لمن يصنعون الإنسان الذي سيصنع ذلك المستقبل.

نصيحتي لك، اجعل العلم جزءاً من سلوكك اليومي، فالمعرفة لا تكتسب قيمتها بما نقوله عنها، بل بالمكانة التي نمنحها لها في حياتنا. ومن هنا يبدأ احترام المعلم، بتقدير علمه وخبرته، والاعتراف بقيمة ما يقدمه في بناء المعرفة وتكوين الإنسان، ومنحه المكانة الاجتماعية التي تليق بهذا الدور. فحين نفصل بين قيمة علمه وخبرته ومكانته، يصبح احترام العلم شكلياً، وحين تصبح المكانة رهينة المال أو النفوذ أو الظهور، تتراجع قيمة المعرفة وأهلها، ويعيد المجتمع إنتاج اختلال معاييره في الأجيال القادمة. لذلك فإن احترام العلم والمعلم ليس سلوكاً فردياً فحسب، بل إسهام في بناء ثقافة اجتماعية تجعل المعرفة والخبرة والتعلم مصادر حقيقية للمكانة.

--------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا
​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى