يحيى بركات - قبل أن يقع الزلزال... ماذا كان يرى السنوار، وماذا كان ينتظر نتنياهو؟

يحقبل أن يقع الزلزال... ماذا كان يرى السنوار، وماذا كان ينتظر نتنياهو؟

-يحيى بركات –
-مخرج وكاتب سينمائي-

ينطلق هذا النص من التحقيق الذي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 8 أيلول/سبتمبر 2026 للصحفيين شلومي إلدار وروتي يوفال، حول قنوات التفاوض السرية التي سبقت السابع من أكتوبر، والرسائل التي بعث بها يحيى السنوار، والتحذيرات التي وصلت إلى جهاز الشاباك وإلى بنيامين نتنياهو.

ما أكتبه هنا ليس إعادة سرد للتحقيق، ولا لائحة اتهام قانونية، بل قراءة فيه وفي ما بين سطوره. محاولة لإعادة الفيلم إلى بدايته، ووضع المشاهد إلى جانب بعضها بعضًا: ماذا كان يفكر السنوار؟ ماذا كان يعرف نتنياهو؟ لماذا كان الأول يفاوض ويستعد في الوقت نفسه؟ ولماذا كان الثاني يؤجل، ثم يسمع التحذيرات ولا يتصرف بما يتناسب معها؟

فاللقطة وحدها قد تخدع.

أما المونتاج، فيكشف أحيانًا ما تخفيه اللقطات منفردة.

لم يبدأ السابع من أكتوبر عند السادسة والنصف صباحًا.

ذلك هو الوقت الذي بدأت فيه الصور فقط.

أما الحكاية، فكانت قد بدأت قبل ذلك بأسابيع وشهور، في غرف موصدة الأبواب، لا تدخلها عدسات الصحفيين، لكن الرسائل كانت تدخل وتخرج منها.

في غزة مفاوضات.
ليست مفاوضات على معبر يُفتح يومًا أو شاحنة إضافية تمر.

الحديث أكبر.
الحصار.
العمال.
الاقتصاد.
مشاريع تجارية.
غاز غزة.
والأسرى.

يحيى السنوار يفاوض.
والرجل الذي يجلس في غزة يعرف جيدًا من يجلس في الجهة الأخرى.

لم يتعلم إسرائيل من نشرات الأخبار.
قضى أكثر من عشرين عامًا في سجونها.

تعلم العبرية، عاش بين سجانيها ومحققيها، راقب مجتمعها، عرف رجال أمنها، واختبر طريقة تفكيرهم.

ثم خرج من السجن ليصبح بعد سنوات واحدًا من أكثر الرجال الذين فاوضتهم إسرائيل تعقيدًا.

كان يعرف قاعدة بسيطة:

الإسرائيلي يستطيع أن يفاوض طويلًا عندما يشعر أن الزمن يعمل لمصلحته.

يؤجل.
يعد.
يعيد فتح ما أُغلق.
وينتظر أن يتعب الطرف الآخر.
لكن الحساب يتغير عندما يصبح للتأجيل ثمن.

ولهذا لم يكن السنوار يفاوض بيد واحدة.

يد على الطاولة.
والأخرى خلف ظهره.

فوق الطاولة مفاوضات تتقدم.
وخلفها قوة تُبنى بصمت.

لم يكن التفاوض عنده نقيض القوة، ولا القوة نقيض التفاوض.

كان الاثنان يسيران معًا.
والدليل أن المفاوضات لم تكن مسرحية فارغة.

المطالب تنخفض.
خمسمئة أسير.
ثم مئتان وخمسون.
ثم خمسون.

وفي الجهة الأخرى تصل إسرائيل إلى الاستعداد للإفراج عن ثلاثين أسيرًا فلسطينيًا، بينهم عشرون من أصحاب المؤبدات.

وبحسب ما كشفه تحقيق «هآرتس»، وافق نتنياهو في أواخر آب 2023 على ذلك.

بقي أن تجتمع اللجنة الوزارية المختصة.

كان الباب قريبًا.
لكن نتنياهو لم يفتحه.
ولم يغلقه.

فعل شيئًا يجيده أكثر:
أجّل.
أسبوعًا.
ثم أسبوعًا آخر.
الملف موجود.
الموافقة موجودة.
لكن الاجتماع لا يأتي.

وفي غزة رجل ينتظر.
يرفع السنوار عينيه عن طاولة المفاوضات.

ربما أدرك أن الكلمات لم تعد كافية.

يستدعي الوسيط الفلسطيني الذي كان يحمل الرسائل بين الأطراف.

لم يعد الحديث هذه المرة عن خمسين أسيرًا أو ثلاثين.

هناك رسالة أخرى.

يقول له:
إذا لم يتقدم الإسرائيليون، أخبرهم أنني أعد لهم مفاجأة كبيرة.

ثم يستخدم كلمة واحدة:
زلزال.

وهنا يجب أن نتوقف.
لماذا يخبر رجل خصمه بأنه يعد له مفاجأة؟

إذا كنت تخطط لعملية عسكرية ضخمة، أليس أول شروط نجاحها أن تخفيها؟

لماذا يريد السنوار أن تصل كلمة «زلزال» إلى الإسرائيليين؟

ربما لأنه لم يكن قد أغلق باب الاتفاق بعد.

ربما كان يقول لهم بلغته:

الوقت لم يعد مجانيًا.

وربما كان يفعل شيئًا أكثر ذكاءً:
يختبر خصمه.

يرمي حجرًا في الماء وينتظر الدوائر.
تمر الأيام.
ولا يرى الدوائر.
فيستدعي الوسيط مرة أخرى.
وسؤاله الأول يكشف الكثير:

هل نقلت الرسالة إلى الإسرائيليين؟

لم تُنقل كما أراد.
فيشددها.
ليست مفاجأة فقط.
إنها «أم المفاجآت».

عملية مرعبة.
شيء استثنائي.
زلزال.

ويطلب أن تُنقل كلماته حرفيًا.

كان يستطيع أن يصمت.
لكنه اختار أن يحذر.
مرة.
ثم مرة أخرى.

الرسالة الآن تبدأ رحلة أغرب من أي سيناريو.
تخرج من غزة.
تصل إلى رجل فلسطيني قريب من مستشار لمحمد بن زايد.

يصل معناها إلى رئيس الإمارات.

يسأل:

ماذا يعني السنوار عندما يقول «زلزال»؟

الجواب:
ربما يعني الحرب.

حتى محمد بن زايد يتردد.
فالتحذير نفسه قد يشعل الحرب التي يريد منعها.
ماذا لو نقل إلى إسرائيل معلومة غير مؤكدة، فقامت إسرائيل بضربة استباقية على غزة؟

يُطلب المزيد من اليقين.

يعود الوسيط إلى السنوار.
وهناك تأتي الرسالة الثانية، الأشد والأوضح.

أم المفاجآت.
عملية مرعبة.

انقلوا كلامي كما قلته.
هذه المرة لم يعد الأمر همسًا يمكن تجاهله.

في 15 أيلول تصل الرسالة إلى الشاباك.

رئيس الشاباك رونين بار يتحرك.

نتنياهو يُبلّغ.
تُعقد اجتماعات.
تُناقش كلمة «زلزال».
يقال إن إسرائيل تسير نحو مسار تصادم.

تُطرح خيارات هجومية ودفاعية.
ثم ينتهي الاجتماع.
يخرج الرجال.
يُغلق الباب.

ولا يحدث شيء يوازي حجم الكلمة التي دخلت الغرفة.

في غزة، لا يحتاج السنوار إلى جاسوس ليعرف ذلك.

ينظر إلى الجانب الآخر.
لا استنفار يفضح الخوف.
لا تغيير جذريًا على الحدود.
لا حركة تقول إن إسرائيل فهمت الرسالة.

لقد حذرهم.
وسمعوه.
لكنهم لم يصدقوه.

وهنا ربما حصل السنوار على واحدة من أثمن المعلومات الاستخبارية قبل السابع من أكتوبر:

خصمي أسير الصورة التي صنعها عني.

يعتقد أنني مردوع.
يعتقد أنني أريد إدارة غزة.
يعتقد أنني أريد المال والعمال والهدوء.
يعتقد أنني لن أقلب الطاولة.

وأحيانًا لا يكون أقوى الخداع أن تخفي الحقيقة عن خصمك.

بل أن تعطيه جزءًا منها، ثم تتركه يفسرها بالطريقة التي تطمئنه.

لكن هناك غرفة أخرى في الفيلم.
في القدس.
ورجل آخر يعيش حصاره الخاص.

بنيامين نتنياهو.

خارج النافذة، إسرائيل تغلي.
احتجاجات أسبوعًا بعد أسبوع.
مئات الآلاف في الشوارع.
انقسام حول الانقلاب القضائي.
صدام مع المحكمة العليا.
احتياط عسكري يهتز.
ائتلاف يميني متطرف لا يستطيع نتنياهو خسارته بسهولة.

وفوق كل ذلك، محاكمته في قضايا الفساد مستمرة.

الكرسي بالنسبة إلى نتنياهو لم يعد سلطة فقط.
إنه زمن.
وكل يوم يبقى فيه رئيسًا للحكومة هو يوم يستطيع فيه أن يؤجل لحظة الحساب السياسي، وأن يقاتل من موقع السلطة معركته القضائية.

وفي هذه اللحظة تصل كلمة السنوار:

زلزال.
ولا تصل مرة واحدة.
يعرف بها الشاباك.
يعرف بها نتنياهو.
ثم، بحسب تحقيق «هآرتس»، يحدث ما يصعب المرور عليه كأنه تفصيل.

محمد بن زايد نفسه يتصل بنتنياهو.

رئيس دولة يتحدث إلى رئيس حكومة.

السنوار يعد لشيء كبير.
هناك دم.
هناك خطر.
وقد تهتز المنطقة.
ونتنياهو يسمع.

ثم يجيب بما معناه:
غزة تحت السيطرة.

الخطر الأكبر في الضفة.

إسرائيل مستعدة.
والمثير أكثر، وفق التحقيق، أن نتنياهو لم ينقل مضمون ذلك التحذير المباشر إلى رؤساء الجيش والموساد والشاباك.

كأن الرسالة وصلت إلى آخر غرفة كان يجب أن تصل إليها...

ثم توقفت هناك.

الأول من أكتوبر.
ستة أيام فقط.

رونين بار يعود إلى نتنياهو.

السنوار.
حماس.
الخطر.

يطرح التحرك الاستباقي، بما في ذلك استهداف قيادة حماس.

نتنياهو لا يقول لا.

هو لا يحتاج دائمًا إلى قولها.

يقول:
أعدوا الخطط.
وسأنظر فيها.
ويمضي يوم.
ثم آخر.
الثاني من أكتوبر.
الثالث.
الرابع.
الخامس.
السادس.

ليل عادي على الحدود.
جنود.
سياج.
كاميرات مراقبة.
غزة هناك.
وإسرائيل هنا.

أما السنوار، فقد انتهى من الكلام.

السادسة والنصف صباحًا.
هنا يبدأ الفيلم الذي شاهده العالم.

الصواريخ.
السياج يسقط.
مقاتلون يعبرون.
مواقع عسكرية تنهار.
جنود يُقتلون.
مدنيون يُؤسرون .
يُقتادون إلى غزة.

حفلة موسيقية تتحول إلى جحيم.
عائلات تبحث عن أبنائها.
هواتف تصور.
سيارات محترقة.
بيوت.
دم.
خوف.

صدمة مجتمع اكتشف خلال ساعات أن الصورة التي عاش داخلها سنوات لم تكن حقيقة.

ثم تبدأ كاميرا أخرى.

كاميرا الرواية.
الخبر أسرع من التحقيق.
والصدمة أسرع من الحقيقة.

قصص صحيحة تختلط بتفاصيل متضخمة وأخرى يتبين لاحقًا أنها لم تقع كما رُويت.

لكن الصورة تكون قد اكتملت:

الشر المطلق جاء من غزة.

ومن هنا يصبح السؤال التالي أسهل:
ماذا يحق لإسرائيل أن تفعل بغزة؟

تستدير الصورة.
غزة.
القصف يبدأ.
ثم يتسع.
بيت.
عمارة.
شارع.
حي.
مخيم.
مستشفى.
جامعة.
عائلة.
ثم عائلة أخرى.
ناس يحملون أطفالهم.
وناس يحملون ما بقي من أطفالهم.

نزوح إلى الجنوب.
ثم نزوح من الجنوب.

حصار.
جوع.
موت.

وتتحول الحرب من «رد على السابع من أكتوبر» إلى حرب أعادت تشكيل غزة نفسها، جغرافيا وحياةً ومستقبلًا، ووضعت إسرائيل أمام اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

لكن وسط كل هذا الدخان حدث شيء آخر.

الرجل الذي تركناه قبل دقائق محاصرًا في القدس...

لم يعد الرجل نفسه.

اختفت المحكمة من الشاشة الأولى.
تراجعت أزمة الانقلاب القضائي.
تغيرت لغة الشارع.
ولم يعد السؤال:
متى يرحل نتنياهو؟
أصبح:
كيف تنتصر إسرائيل؟

تحول الرجل المحاصر إلى رئيس حكومة حرب
الى مجرم حرب .

السابع من أكتوبر، أكبر كارثة أمنية وقعت تحت حكمه، أصبح في الوقت نفسه الحدث الذي أعاد ترتيب الزمن السياسي كله حوله.

وهنا يبدأ السؤال الذي يخيفني أكثر من كل ما سبقه:

هل كان الدم الإسرائيلي في السابع من أكتوبر مجرد ثمن لكرسي نتنياهو، أم أن الرجل، بعدما وصلته التحذيرات مرة بعد مرة، كان مستعدًا لتحمل خطر هذا الدم لأن انفجارًا كبيرًا قد يفتح أمامه بابًا للهروب إلى الأمام؟

لا أقول إن نتنياهو جلس في غرفته وقرر أن يسمح للسابع من أكتوبر بأن يقع.

لا أملك نافذة إلى رأسه.

لكنني أملك المشاهد.
تحذير.
ثم تحذير.
ثم الشاباك.
ثم رئيس دولة.
ثم اقتراح بالتحرك.
ثم تأجيل.
ثم الكارثة.

وفي السينما، كما في السياسة، لا يمكن دائمًا فهم اللقطة وحدها.

ضع اللقطات وراء بعضها...
وشاهد الفيلم.

ثم انظر إلى ما حدث بعد ذلك.
غزة.
لبنان.
اليمن.
إيران.

ثم غزة مرة أخرى.
ولبنان مرة أخرى.
والعين تعود إلى إيران.
وفي سوريا تقترب خطوط إسرائيل وتركيا من بعضها في مساحة مزدحمة بالقوات والمصالح والسلاح.

وفي الجنوب تقف مصر، وسيناء، ومحور فيلادلفيا، وخط أحمر يعرف الجميع أن كسره يمكن أن يفتح أزمة لا يعرف أحد أين تنتهي.

الخريطة تتسع.
والحرب لا تنتهي.

وكأنها لم تعد ظرفًا استثنائيًا في حياة نتنياهو السياسية.

أصبحت البيئة التي يستطيع العيش داخلها.
لأن لكل حرب نهاية.

وعندما تصمت المدافع يعود الناس إلى بيوتهم.
وتعود الصحافة.
وتعود لجان التحقيق.
وتعود المحكمة.
ويعود السادس من أكتوبر.

ويأتي صباح السابع منه مرة أخرى، لكن هذه المرة ليس بالصواريخ.
بالأسئلة.
ماذا كنت تعرف؟
متى عرفت؟
لماذا لم تتحرك؟

لماذا لم تخبر رؤساء الأجهزة بما وصل إليك؟

ومن المسؤول عن الدم الإسرائيلي الذي سقط؟

ثم عن الدم الفلسطيني الذي سال بعده أنهارًا؟

لهذا يصبح السؤال أكبر من الماضي.

إذا كانت الحرب قد منحت نتنياهو زمنًا إضافيًا في السلطة، فهل أصبح استمرارها اليوم ضمانته لتأجيل الحساب؟

وهل يمكن لرجل يخشى نهاية الحرب لأنها تعيده إلى المحكمة والتحقيق والمسؤولية أن يواصل الهروب إلى الأمام، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الجنود الإسرائيليين والرهائن والمدنيين، ومزيدًا من الدم الفلسطيني واللبناني والإيراني، وحتى لو اقتربت المنطقة كلها من حرب أوسع؟

المشهد الأخير.
ليل.
لا نرى السنوار.
لقد رحل عن الفيلم الذي بدأه.

راهن على القوة لتغيير قواعد اللعبة، فغيّرها، ودفع حياته، ودفع شعبه ثمنًا يفوق الخيال.

أما نتنياهو فما زال في الصورة.

خلفه غزة.
إلى الشمال لبنان.
إلى الشرق سوريا وإيران
إلى الجنوب مصر وسيناء.

وخارج الكادر أصوات حرب لم تتوقف منذ ثلاث سنوات تقريبًا.

نقترب قليلًا.
لا ندخل إلى رأس الرجل.
لا نحتاج.

نسمع فقط أصواتًا قديمة تأتي من أيلول 2023، كأنها آتية من غرفة بعيدة:

«مفاجأة كبيرة».
«زلزال».
«عملية مرعبة».
«هناك خطر».
ثم صمت.

يبقى نتنياهو.
ويبقى الكرسي.
ويبقى صوت الحرب.
وتبقى أمامنا جملة واحدة:

كم حربًا يحتاجها رجل لينجو من سقوطه؟

يحيى بركات
8/9/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى