خالد عطية - ما بين الزلزال والبنية: حين لا يكفي أن نعرف من رأى الانفجار

٠أحيانًا لا يكون أخطر ما في الزلزال ما أسقطه، بل ما كشفه من مبانٍ كانت واقفة منذ زمن، وهي في الحقيقة آيلة للسقوط.
لهذا قرأت مقال الصديق العزيز يحيى بركات، وردّ الصديقة وشريكة الفكر والمعنى الدكتورة غانية ملحيس، لا بوصفهما روايتين متعارضتين حول السابع من تشرين الأول/أكتوبر، بل بوصفهما محاولتين للاقتراب من حدث ما زلنا، بعد ثلاث سنوات تقريبًا، نقرأه من داخله ولم نصل بعد إلى طبقاته العميقة.

يحيى أخذنا إلى الغرفة. غانية فتحت لنا الخريطة. وأظن أن علينا أن نذهب خطوة أبعد: إلى البنية التي جعلت الغرفة والخريطة ممكنتين أصلًا.

فالمسألة في تقديري ليست فقط: ماذا كان السنوار يعرف؟ وماذا كان نتنياهو يعرف؟ وليست فقط: ماذا كانت إسرائيل تخطط له في المنطقة؟ وماذا كانت حماس تريد أن تمنعه؟ السؤال الأعمق هو: أي بنية تاريخية وسياسية وإقليمية جعلت انفجارًا بهذا الحجم ممكنًا، وجعلت الأطراف المختلفة تدخل إليه وهي تحمل تصورات متناقضة تمامًا عن الزمن، والقوة، والقضية الفلسطينية، ومستقبل المنطقة؟

هنا أجد أن مقال يحيى وقراءة غانية لا تتناقضان، بل تكمل إحداهما الأخرى. يحيى محق في إعادة الكاميرا إلى ما قبل السادسة والنصف صباحًا. وغانية محقة في القول إن علينا ألا نكتفي بالكاميرا، بل أن نوسع الكادر حتى تدخل إليه الخريطة والتاريخ والمنطقة. لكنني أضيف طبقة ثالثة: لا يكفي أن نضع المشاهد إلى جانب بعضها؛ علينا أن نبحث عن النظام الذي أنتج هذه المشاهد.

فالسابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يكن فقط لحظة فشل استخباري إسرائيلي، وإن كان كذلك. ولم يكن فقط لحظة انتصار عملياتي فلسطيني، وإن كان قد قلب قواعد الاشتباك. ولم يكن فقط محاولة لقطع الطريق على التطبيع الإقليمي، وإن كان هذا البعد حاضرًا بقوة في توقيته. ولم يكن فقط نتيجة حصار غزة، أو الاحتلال، أو الاستيطان، أو الانقسام الفلسطيني، أو أزمة النظام الإقليمي. كان تراكبًا لهذه المستويات كلها في لحظة واحدة.

وهنا تصبح كلمة «الزلزال» التي توقف عندها يحيى أكثر دلالة مما تبدو عليه. فالزلزال لا يصنع هشاشة المبنى. هو يكشفها.

ربما كان السنوار يرى أن الزمن الفلسطيني يضيق. وكان نتنياهو يرى أن الزمن السياسي الإسرائيلي يمكن تمديده. وكانت الولايات المتحدة ترى أن هناك فرصة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. وكانت بعض الدول العربية ترى أن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية يمكن أن تتقدم حتى من دون حل القضية الفلسطينية. وكان الفلسطينيون يرون، بدرجات مختلفة، أن قضيتهم تُدفع تدريجيًا من مركز الإقليم إلى هامشه.
هنا لا يعود السؤال: من كان يخطط لمن؟ بل: أي طرف كان يحاول أن يعيد تعريف الزمن نفسه؟
هذه نقطة أظنها مركزية.
لأن الاحتلال لا يعمل بالقوة وحدها. إنه يعمل أيضًا بالزمن. الاستيطان يحتاج إلى زمن. تغيير الجغرافيا يحتاج إلى زمن. تطبيع الاحتلال يحتاج إلى زمن. إعادة تعريف الصراع يحتاج إلى زمن. تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى «ملف» يحتاج إلى زمن. وإدارة غزة عبر الحصار والهدوء الاقتصادي والتسهيلات والوساطات تحتاج إلى زمن.

وفي المقابل، فإن المقاومة أيضًا تدخل في صراع مع الزمن: إلى متى يمكن أن تبقى القضية حاضرة؟ إلى متى يمكن منع تحويل الاحتلال إلى أمر طبيعي؟ إلى متى يمكن منع المنطقة من تجاوز فلسطين؟

ومن هنا ربما نفهم شيئًا من التناقض الظاهري في سلوك السنوار الذي أشار إليه يحيى: التفاوض مع الاستعداد للمواجهة. قد لا يكون التناقض هنا بين خيارين، بل بين تصورين للزمن. كان هناك من يراهن على أن إدارة الصراع يمكن أن تستمر. وكان هناك من يرى أن استمرار الإدارة هو نفسه شكل من أشكال الهزيمة.

لكن هنا تبدأ مسؤوليتنا الفلسطينية في القراءة.

لأننا إذا اكتفينا بإعادة بناء ما فعله نتنياهو، وما فعلته حماس، وما فعلته الولايات المتحدة، فسنبقى مرة أخرى نكتب تاريخ فلسطين باعتبارها موضوعًا لأفعال الآخرين.
وهذا غير مقبول.
الفلسطيني ليس مجرد ضحية لما تقرره إسرائيل، ولا مجرد متلقٍ لما تقرره واشنطن، ولا مجرد ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية. هناك بنية فلسطينية صنعت جزءًا من هذه اللحظة أيضًا.

وهنا لا بد أن يدخل الانقسام، وأزمة التمثيل، وتآكل المشروع الوطني، وانفراد بعض القوى بقرار الحرب والسلم، وتحول السلطة الفلسطينية من أداة مؤقتة في مسار تحرر وطني إلى بنية سياسية وأمنية واقتصادية تعمل داخل شروط الاحتلال، في الوقت الذي تحولت فيه المقاومة المسلحة، خصوصًا في غزة، إلى حامل بديل للقوة والقرار في جزء من الجغرافيا الفلسطينية.

وهذا الانقسام ليس تفصيلًا داخليًا. لقد أصبح مع الوقت جزءًا من بنية الصراع نفسها.

فلسطين قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم تكن فقط فلسطين الواقعة تحت الاحتلال. كانت أيضًا فلسطين الواقعة تحت انقسام في تعريف السياسة نفسها: هل الأولوية هي التفاوض؟ هل الأولوية هي بناء المؤسسات؟ هل الأولوية هي المقاومة؟ هل يمكن الجمع بينهما؟ من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يمثل الفلسطينيين؟ ومن يحدد الأولويات الوطنية؟ وماذا بقي أصلًا من المشروع الوطني الموحد؟

هذه الأسئلة لم يبدأ طرحها في 7 أكتوبر. بل كان ذلك اليوم، في أحد أبعاده، لحظة انفجار لأزمة فلسطينية أقدم.

وهنا أختلف قليلًا مع القراءة التي قد تجعل من السابع من تشرين الأول/أكتوبر مجرد محاولة ناجحة لإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد.
نعم، أعادها.
لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو: إلى أي مركز أعادها؟
لقد عادت فلسطين إلى مركز العالم، ولكن بثمن فلسطيني هائل.
وعادت القضية بوصفها قضية استعمار واحتلال وإبادة وحق سياسي، لكن غزة دُفعت إلى واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية تدميرًا في تاريخها الحديث.

وهذا يفرض علينا أن نتحرر من القراءة التي تقيس الحدث فقط بقدرته على كسر المسار السابق.
فكسر المسار ليس بالضرورة بناء مسار بديل.
وقلب الطاولة لا يعني بالضرورة امتلاك الطاولة التالية.
وهذه ربما واحدة من أكثر المسائل إيلامًا في التجربة الفلسطينية الراهنة.
لقد استطاعت المقاومة أن تكسر صورة الردع الإسرائيلي، وأن تعيد فلسطين إلى قلب النظام الدولي، وأن تكشف هشاشة سرديات كاملة عن «إدارة الصراع».

لكنها، مثل النظام السياسي الفلسطيني كله، دخلت الحرب من دون حامل وطني فلسطيني موحد قادر على تحويل الانفجار إلى مشروع سياسي جامع.
وهنا تكمن المعضلة.
لقد امتلك الفلسطينيون لحظة تاريخية استثنائية، لكنهم لم يمتلكوا بعد البنية السياسية القادرة على تحويل اللحظة إلى تأسيس.
ولهذا أظن أن علينا أن نقرأ نتنياهو أيضًا بطريقة مختلفة.
ليس باعتباره رجلًا منفردًا صنع كل شيء. كما لا ينبغي اختزال إسرائيل في شخص نتنياهو. فهو، مهما كانت مسؤوليته السياسية والأمنية والأخلاقية، ليس البنية كلها.

نتنياهو نتاج بنية إسرائيلية أوسع: احتلال طويل الأمد، استيطان متصاعد، عسكرة المجتمع، تفوق عسكري هائل، إدارة أمنية للصراع، رفض متكرر لتحويل القوة إلى تسوية سياسية عادلة، ثم صعود تيارات ترى أن السيطرة على الأرض يمكن أن تحل محل السياسة.

لذلك فإن السؤال: «هل كان نتنياهو يريد السابع من أكتوبر؟» قد يكون جذابًا سينمائيًا، لكنه أقل عمقًا من السؤال: ما الذي جعل إسرائيل، بكل مؤسساتها وأجهزتها وتفوقها التكنولوجي والعسكري، عاجزة عن رؤية ما كان يتشكل أمامها؟
هنا نعود إلى فكرة يحيى عن المونتاج.
فالمشكلة لم تكن فقط في غياب المعلومات. قد تكون المشكلة في البنية التي تفسر المعلومات.

حين ترى خصمك من خلال الصورة التي صنعتها عنه، تصبح المعلومات التي لا تنسجم مع الصورة قابلة للتهميش.
وهذه ليست مشكلة جهاز استخباري فقط. إنها مشكلة عقل سياسي كامل.
لكن غانية تفتح لنا بابًا أكثر أهمية حين تنقل المشهد من غزة والقدس إلى الخريطة الإقليمية.
لأن فلسطين كانت تواجه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر خطرًا من نوع آخر: ليس فقط أن تُهزم عسكريًا، بل أن تنتصر المنطقة عليها سياسيًا من خلال تجاوزها.

كانت مشاريع التطبيع، والممرات الاقتصادية، وإعادة بناء التحالفات الإقليمية، والاندماج المتزايد لإسرائيل في منظومة الشرق الأوسط، تتحرك بسرعة أكبر من قدرة النظام الفلسطيني على إنتاج استراتيجية مضادة.

وهنا يصبح السابع من تشرين الأول/أكتوبر، في أحد أبعاده، انفجارًا ضد محاولة تحويل غياب الحل الفلسطيني إلى شرط غير ضروري لإعادة تشكيل المنطقة.
لكن علينا أيضًا أن نكون حذرين.
فليس صحيحًا أن فلسطين كانت مجرد ضحية لمؤامرة إقليمية. كما ليس صحيحًا أن كل ما حدث يمكن تفسيره من خلال قرار حماس وحده. ولا يمكن تحويل التاريخ الفلسطيني كله إلى مؤامرة إسرائيلية ـ أمريكية ـ إقليمية.
البنية أعقد من ذلك.
هناك استعمار استيطاني. هناك قوة فلسطينية مقاومة. هناك سلطة فلسطينية مأزومة. هناك انقسام فلسطيني. هناك دول عربية لها مصالحها. هناك الولايات المتحدة. هناك إسرائيل. هناك إيران ومحاورها. وهناك نظام دولي يسمح أحيانًا بإدارة الاحتلال بدل إنهائه.
كل هذه القوى لا تتحرك في اتجاه واحد، لكنها تتقاطع داخل بنية واحدة.
وهذا هو معنى القراءة البنيوية.
لذلك، إذا أردنا أن نكمل فيلم يحيى، ونوسع خريطة غانية، فأنا أظن أن علينا أن نضيف إلى المونتاج مشهدًا آخر: المشهد الفلسطيني.
ليس غزة وحدها. وليس حماس وحدها. بل فلسطين كلها.
الضفة التي تآكلت جغرافيًا بالاستيطان. القدس التي تتغير بنيتها يومًا بعد يوم. غزة التي تحولت إلى مساحة محاصرة منذ سنوات. اللاجئون الذين بقيت قضيتهم معلقة. السلطة التي فقدت تدريجيًا قدرتها على إنتاج أفق وطني. الفصائل التي عجزت عن إنتاج صيغة سياسية مشتركة. والشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه بين سلطة لا تستطيع التحرر، ومقاومة تستطيع كسر قواعد الاشتباك لكنها لا تستطيع وحدها بناء النظام الوطني.

هذه ليست خلفية للسابع من تشرين الأول/أكتوبر.
هذه بعض الشروط التي أنتجت لحظته.
ومن هنا، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نتجاوزه اليوم هو: من انتصر في السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟ ومن خسر؟
لأن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
قد يخسر جيش معركة ويعيد بناء استراتيجيته. وقد تنجح مقاومة في اختراق منظومة أمنية هائلة ثم تدفع مجتمعها ثمنًا فادحًا. وقد تخسر إسرائيل صورتها الدولية لكنها تواصل احتلالها. وقد تعود فلسطين إلى مركز السياسة العالمية دون أن تمتلك بعد أدوات ترجمة هذه العودة إلى دولة وحرية وسيادة.

الانتصار الحقيقي ليس أن تكسر البنية للحظة، بل أن تستطيع بناء بديل لها.
وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأصعب فلسطينيًا.
لأن السؤال بعد الزلزال ليس فقط: ماذا حدث؟ بل: ماذا سنفعل باللحظة التي خلقها الحدث؟

هل نعود إلى الانقسام نفسه؟ هل تعود السلطة إلى وظيفتها القديمة؟ هل تعود الفصائل إلى حساباتها القديمة؟ هل تعود إسرائيل إلى إدارة الصراع بعد انتهاء الحرب؟ هل تعود المنطقة إلى التطبيع وكأن غزة لم تكن؟ هل يعود العالم إلى التعامل مع فلسطين بوصفها ملفًا إنسانيًا بدل كونها قضية تحرر وطني؟

إذا حدث ذلك، نكون قد عشنا زلزالًا هائلًا ولم نغيّر البنية التي جعلته ممكنًا.

ولهذا أرى أن أهم ما في مقال يحيى، ورد غانية عليه، ليس الوصول إلى إجابة نهائية حول ما كان يعرفه السنوار أو نتنياهو.
أهميتهما أنهما يفتحان سؤالًا أكبر:
كيف نقرأ اللحظة الفلسطينية حين تتقاطع فيها إرادة المقاومة مع بنية الاحتلال، وأزمة النظام الفلسطيني مع إعادة تشكيل الإقليم، والمصلحة السياسية الإسرائيلية مع مشروع إقليمي ودولي أوسع؟

هنا لا يعود السابع من تشرين الأول/أكتوبر «حدثًا».
يصبح لحظة صفرية.
واللحظة الصفرية ليست اللحظة التي يبدأ عندها التاريخ. بل اللحظة التي تتكثف فيها تناقضات تاريخ طويل إلى درجة يصبح معها استمرار النظام القديم مستحيلًا بالشكل نفسه.
وهذا ما يجعل السؤال الفلسطيني الآن أصعب بكثير من سؤال: من كان يعرف؟
السؤال هو:
هل نستطيع أن نقرأ ما انكشف لنا، لا لكي نفسر الماضي فقط، بل لكي نبني حاملًا وطنيًا قادرًا على إنتاج المستقبل؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا الدم هو أن نكتفي بفهم الزلزال، ثم نعيد بناء المبنى نفسه.
وربما هنا تلتقيان، يا يحيى ويا غانية، أكثر مما تختلفان.
أنت يا يحيى أعطيتنا الكاميرا.
وغانية أعطتنا الخريطة.
وأظن أن ما ينقصنا الآن هو أن نرى البنية.
فمن دونها سنبقى نسأل:
ماذا رأى السنوار؟
ماذا عرف نتنياهو؟
ماذا فعلت إسرائيل؟
ماذا أرادت حماس؟
ماذا خططت واشنطن؟
لكن فلسطين تحتاج إلى سؤال مختلف:

ماذا يجب أن نغيّر نحن، حتى لا يبقى تاريخنا سلسلة من الزلازل التي تكشف هشاشة بيتنا، ثم نعود إلى السكن فيه كما كان؟

هذه، في ظني، هي المسألة التي تبدأ بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لا التي تنتهي عنده.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى