حيفي الفيلم الأول أعدت الكاميرا إلى الأسابيع والشهور التي سبقت السابع من أكتوبر.
كان أمامي كتاب الصحفيين الإسرائيليين شلومي إلدار وروتي يوفال، وكانت أمامي مشاهد محددة: مفاوضات، رسائل، تحذيرات، كلمة «زلزال»، الشاباك، نتنياهو، السنوار، ثم صباح السابع من أكتوبر.
وكان السؤال محددًا:
ماذا كان يرى السنوار؟ وماذا كان يعرف نتنياهو؟ وماذا فعل كل منهما بما كان يعرفه؟
لكن بعد نشر المقال بدأت الكاميرا تتحرك من تلقاء نفسها.
قرأت د. غانية ملحيس، فوجدتها تسحب العدسة إلى الخلف.
لم تعد غزة وحدها في الكادر.
ظهرت القدس، والاتفاقات الإبراهيمية، والتطبيع، والسعودية، والممر الاقتصادي الجديد، ونتنياهو واقفًا أمام الأمم المتحدة يعرض خريطة لشرق أوسط جديد، وفلسطين تبدو كأنها تفقد حتى قدرتها على تعطيل الطريق الذي يرسم من حولها.
كانت غانية تقول لي، بمعنى ما:
الكاميرا قريبة أكثر مما ينبغي.
ابتعد قليلًا.
انظر إلى الخريطة.
فابتعدت.
ثم جاء خالد عطية.
قال: يحيى أخذنا إلى الغرفة، وغانية فتحت لنا الخريطة، لكن علينا أن نذهب إلى البنية التي جعلت الغرفة والخريطة ممكنتين.
وفجأة لم تعد المسألة نتنياهو والسنوار فقط.
ظهر الزمن نفسه لاعبًا في الفيلم.
إسرائيل تحتاج إلى الوقت.
مستوطنة أخرى.
طريق آخر.
تطبيع آخر.
علاقة عربية جديدة.
غزة محاصرة لكنها هادئة.
الضفة مجزأة لكنها تحت السيطرة.
القضية الفلسطينية تتحول بالتدريج من قضية تحرر إلى ملف يمكن إدارته.
والزمن يفعل الباقي.
وفي الجهة الأخرى كانت هناك مقاومة ترى الزمن بطريقة معاكسة.
إذا تركت الساعة تسير كما هي، فإن ما يبدو هدوءًا اليوم قد يصبح هزيمة غدًا.
وهكذا لم تعد المعركة على الأرض وحدها.
أصبحت معركة على الساعة أيضًا.
نتنياهو يريد أن يستمر الزمن.
والسنوار يريد أن يكسره.
ثم جاء المخرج مصطفى النبيه من غزة، وأعاد الكاميرا إلى مكان آخر.
لم يأخذها إلى السابع من أكتوبر.
أعادها سنوات إلى الوراء.
إلى مسيرات العودة.
إلى السياج.
إلى الدخان.
إلى القناصة.
إلى الشهداء.
إلى الوسطاء.
إلى التهدئة.
إلى حقيبة المال القطري.
إلى العمال الذين يعبرون للعمل.
إلى المعابر التي تفتح وتغلق.
إلى التصعيد الذي يتبعه تفاوض، والتفاوض الذي يتبعه هدوء، والهدوء الذي يسمح للجميع بأن يعتقد أنه نجح في إدارة اللعبة.
هنا بدأت أرى فيلمًا آخر.
نتنياهو ينظر إلى غزة ويقول لنفسه، بصورة أو بأخرى:
حماس تريد أن تحكم.
تريد المال.
تريد العمال.
تريد التسهيلات.
يمكن ردعها.
يمكن احتواؤها.
يمكن إدارة غزة من دون حل القضية الفلسطينية.
وفي غزة ربما كانت الصورة المقابلة تتشكل:
إسرائيل لا تعطي شيئًا بلا ضغط.
التصعيد يفتح باب التفاوض.
القوة تحسن شروطه.
يمكن أن نفاوض ونبني القوة في الوقت نفسه.
وعدت عندها إلى جملة كتبتها في الفيلم الأول:
«خصمي أسير الصورة التي صنعها عني.»
لكن تعليق مصطفى جعلني أتوقف أمامها.
ماذا لو كان الاثنان أسيرين؟
أسيرين للصورة التي صنعها كل منهما عن الآخر.
وربما للصورة التي صنعها كل منهما عن نفسه أيضًا.
كل واحد يعتقد أنه يمسك بالخيوط.
كل واحد يعتقد أنه يفهم الآخر.
كل واحد يعتقد أن الآخر يتحرك داخل الحدود التي رسمها له.
حتى جاء اليوم الذي خرجت فيه اللعبة من حدود الجميع.
لكن هنا شعرت أن شيئًا ما لا يزال ناقصًا.
هناك كاميرا لم تتحرك بعد.
كاميرتنا نحن.
الكاميرا الفلسطينية.
فأعدتها إلى الوراء.
لا إلى تل أبيب.
ولا إلى غزة.
ولا إلى واشنطن أو الرياض.
إلى قاعات الاجتماعات.
طاولة طويلة.
وفدان فلسطينيان.
مصافحة.
ابتسامات.
كاميرات.
إعلان مصالحة.
صورة جماعية.
ثم...
قطع.
غزة.
مسيرات العودة.
قطع.
القاهرة.
اجتماع جديد لإنهاء الانقسام.
قطع.
غزة.
تصعيد.
تهدئة.
حقيبة مال.
عمال يعبرون.
قطع.
اجتماع فلسطيني آخر.
بيان آخر.
اتفاق آخر.
قطع.
رام الله وحدها.
غزة وحدها.
قطع.
وسطاء جدد.
عاصمة جديدة.
صورة جماعية جديدة.
ولا مصالحة.
وهنا تغير الفيلم كله بالنسبة إلي.
لأن السؤال لم يعد فقط:
ماذا كان يفعل نتنياهو؟
ولا ماذا كان يخطط السنوار؟
ولا ماذا كانت تفعل المنطقة بفلسطين؟
بل:
ماذا كنا نفعل نحن بينما كان كل ذلك يحدث؟
لسنوات طويلة كنا نذهب إلى المصالحة.
من اتفاق إلى اتفاق.
ومن عاصمة إلى عاصمة.
نتفق على إنهاء الانقسام.
ثم نختلف على تنفيذ الاتفاق.
ثم نذهب إلى اجتماع جديد لإنهاء الانقسام الذي اتفقنا سابقًا على إنهائه.
وكان الزمن يمر.
إسرائيل تبني.
المنطقة تتغير.
غزة تُحاصر.
الضفة تتفتت.
وحركتان فلسطينيتان كبيرتان تديران واقعين فلسطينيين مختلفين.
ثم جاء السابع من أكتوبر.
انقلبت الطاولة.
لكن هنا تؤلمني جملة خالد عطية:
قلب الطاولة لا يعني امتلاك الطاولة التالية.
وأضيف إليها الآن:
ربما كانت المأساة الفلسطينية أكبر من ذلك.
حين انقلبت الطاولة في السابع من أكتوبر، لم تكن هناك أصلًا طاولة فلسطينية واحدة تنتظر اللحظة.
كانت هناك طاولة في غزة.
وطاولة في رام الله.
وطاولات للفصائل.
وطاولات للوسطاء.
وطاولات للمصالحة تنتقل بين العواصم.
لكن أين كانت طاولة فلسطين؟
من كان سيأخذ تلك اللحظة، بكل ما حملته من اختراق عسكري هائل وكارثة إنسانية هائلة وتحول عالمي هائل، ويضعها داخل مشروع سياسي فلسطيني واحد؟
من كان سيقول:
إلى هنا نذهب؟
وهذه أهدافنا؟
وهذا ما نريده من الحرب؟
وهذا ما نريده من السياسة؟
وهذه رؤيتنا لليوم التالي؟
لا أحد.
وهذا ليس اتهامًا لفصيل وحده.
إنه سؤال عن نظام سياسي كامل.
نتنياهو كان يدير صراعه.
حماس كانت تدير غزة وتبني قوتها.
السلطة تدير ما تستطيع إدارته في الضفة.
الفصائل تدير خلافاتها.
والوسطاء يديرون جولات المصالحة.
الجميع كان يدير شيئًا، ولا أحد كان يبني المشروع الوطني الذي يجمع الأشياء كلها.
ثم وقع الزلزال.
والأغرب أن الكاميرا لا تتوقف هنا.
بعد السابع من أكتوبر نراها مرة أخرى.
هذه المرة في موسكو.
الفصائل الفلسطينية تجتمع.
ثم بكين.
أربعة عشر فصيلًا.
طاولة.
مصافحات.
صورة جماعية.
إعلان جديد لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية.
مرة أخرى نتحدث عن منظمة التحرير.
عن حكومة وفاق.
عن قيادة موحدة.
عن انتخابات.
عن مجلس وطني.
عن غزة والضفة تحت نظام سياسي واحد.
كأن الكاميرا شاهدت هذا المشهد من قبل.
لكن هذه المرة غزة ليست غزة التي كانت.
المدن مدمرة.
العائلات موزعة بين الموت والنزوح.
الضفة تتغير.
الاستيطان يتقدم.
المنطقة تغيرت.
وصورة إسرائيل في العالم اهتزت.
وفلسطين التي كان يراد تجاوزها عادت بقوة إلى مركز النقاش العالمي.
كل شيء تقريبًا تغير.
إلا السؤال الفلسطيني القديم:
كيف نصبح واحدًا؟
وهنا ربما نكون قد ظلمنا المصالحة حين اعتبرناها طوال السنوات مجرد اتفاق بين فتح وحماس.
لأن الانقسام لم يبق في المكاتب.
نزل إلى المجتمع.
دخل اللغة.
دخل الذاكرة.
دخل تفسير الأحداث.
حتى السابع من أكتوبر نفسه لا يملك الفلسطينيون اليوم فيلمًا واحدًا عنه.
هناك من يراه لحظة كسرت أسطورة القوة الإسرائيلية وأعادت فلسطين إلى العالم.
وهناك من لا يرى فيه إلا قرارًا كارثيًا دفع المجتمع ثمنه.
وهناك من يجمع الصورتين ولا يستطيع أن يلغي إحداهما بالأخرى.
وهناك من اختصر المسألة كلها في السنوار.
بطل عند طرف.
مغامر عند آخر.
عبقري في قراءة إسرائيل عند البعض.
ورجل قاد شعبه إلى الكارثة عند آخرين.
وهنا يصبح سؤال المصالحة أكثر صعوبة.
يمكن أن تجمع وفدين في غرفة.
يمكن أن تكتب بيانًا.
يمكن أن تتفق على حكومة.
لكن كيف تصالح مجتمعًا عاش قرابة عقدين داخل روايتين فلسطينيتين مختلفتين؟
كيف تعيد بناء معنى «نحن»؟
ربما لهذا لم تكن مشكلتنا يومًا نقص الاتفاقات.
كان لدينا الكثير منها.
مشكلتنا أن الاتفاق كان يحدث فوق المجتمع، ثم يعود كل طرف إلى جمهوره وروايته ومؤسساته وسلاحه ومصالحه ومخاوفه.
وكان المجتمع ينتظر.
وهنا أصل إلى اللقطة التي لم تعطِني إياها غانية.
ولا خالد.
ولا مصطفى.
أعطوني العدسات التي أوصلتني إليها.
غانية قالت لي: انظر إلى الخريطة.
خالد قال: انظر إلى البنية.
مصطفى قال: ارجع إلى السنوات التي صنعت وهم السيطرة في غزة.
لكنني عندما أعدت الكاميرا إلى البيت الفلسطيني، رأيت شيئًا آخر:
لم تكن أزمتنا فقط في كيفية مقاومة إسرائيل، بل في غياب المركز الذي يملك شرعية تقرير كيف نقاومها، وكيف نفاوضها، ومتى نحارب، ومتى نتوقف، وما الثمن الذي يستطيع المجتمع احتماله، وإلى أين نريد أن نصل.
وهنا لا يعود السؤال:
من كان على حق، فتح أم حماس؟
ولا:
هل كان السنوار على حق أم أخطأ؟
ولا:
هل فشل نتنياهو أم استثمر الفشل؟
هذه كلها أسئلة مهمة.
لكن خلفها سؤال أقدم وأخطر:
من يملك القرار الفلسطيني؟
إذا كان قرار الحرب يستطيع أن يعيد تشكيل حياة ملايين الفلسطينيين، فمن يمنح شرعية اتخاذه؟
وإذا كان قرار التسوية يستطيع أن يعيد تشكيل مستقبل ملايين الفلسطينيين، فمن يمنح شرعية اتخاذه؟
وإذا اتفقت الفصائل على المصالحة، فمن الذي يحاسبها حين لا تنفذها؟
ربما هنا أخطأنا طويلًا.
كنا نبحث عن المصالحة بين الفصائل قبل أن نعيد القرار إلى صاحبه.
وكنا نبحث عن القائد القادر على قيادة القاطرة، بينما المشكلة كانت في السكة نفسها.
السكة ليست رجلًا استثنائيًا.
وليست فصيلًا منتصرًا.
السكة هي مجتمع يعرف أنه مصدر الشرعية، ومؤسسات تجعل إرادته قابلة للتحول إلى قرار، وقواعد تمنع أي شخص أو فصيل من أن يصبح أكبر من البيت الذي يسكنه.
أعود إلى القاعة.
انتهى اجتماع المصالحة.
يقف المجتمعون.
مصافحات.
ابتسامات.
صورة جماعية.
ثم يغادر الجميع.
تبقى الكاميرا وحدها.
طاولة طويلة.
ميكروفونات صامتة.
أسماء الفصائل ما زالت أمام الكراسي.
وعلم فلسطين في آخر القاعة.
أقترب بالكاميرا ببطء.
هناك كرسي لم نضع أمامه اسمًا طوال كل هذه السنوات.
لا فتح.
لا حماس.
لا سلطة.
لا فصيل.
كرسي المجتمع الفلسطيني.
ربما قبل أن نسأل متى تكون المصالحة القادمة، علينا أن نسأل لماذا ظل هذا الكرسي فارغًا.
لأن فلسطين لم تكن يومًا بحاجة إلى طاولة أخرى بقدر حاجتها إلى معرفة:
من صاحب الطاولة؟
يحيى بركات
9/9/2026
كان أمامي كتاب الصحفيين الإسرائيليين شلومي إلدار وروتي يوفال، وكانت أمامي مشاهد محددة: مفاوضات، رسائل، تحذيرات، كلمة «زلزال»، الشاباك، نتنياهو، السنوار، ثم صباح السابع من أكتوبر.
وكان السؤال محددًا:
ماذا كان يرى السنوار؟ وماذا كان يعرف نتنياهو؟ وماذا فعل كل منهما بما كان يعرفه؟
لكن بعد نشر المقال بدأت الكاميرا تتحرك من تلقاء نفسها.
قرأت د. غانية ملحيس، فوجدتها تسحب العدسة إلى الخلف.
لم تعد غزة وحدها في الكادر.
ظهرت القدس، والاتفاقات الإبراهيمية، والتطبيع، والسعودية، والممر الاقتصادي الجديد، ونتنياهو واقفًا أمام الأمم المتحدة يعرض خريطة لشرق أوسط جديد، وفلسطين تبدو كأنها تفقد حتى قدرتها على تعطيل الطريق الذي يرسم من حولها.
كانت غانية تقول لي، بمعنى ما:
الكاميرا قريبة أكثر مما ينبغي.
ابتعد قليلًا.
انظر إلى الخريطة.
فابتعدت.
ثم جاء خالد عطية.
قال: يحيى أخذنا إلى الغرفة، وغانية فتحت لنا الخريطة، لكن علينا أن نذهب إلى البنية التي جعلت الغرفة والخريطة ممكنتين.
وفجأة لم تعد المسألة نتنياهو والسنوار فقط.
ظهر الزمن نفسه لاعبًا في الفيلم.
إسرائيل تحتاج إلى الوقت.
مستوطنة أخرى.
طريق آخر.
تطبيع آخر.
علاقة عربية جديدة.
غزة محاصرة لكنها هادئة.
الضفة مجزأة لكنها تحت السيطرة.
القضية الفلسطينية تتحول بالتدريج من قضية تحرر إلى ملف يمكن إدارته.
والزمن يفعل الباقي.
وفي الجهة الأخرى كانت هناك مقاومة ترى الزمن بطريقة معاكسة.
إذا تركت الساعة تسير كما هي، فإن ما يبدو هدوءًا اليوم قد يصبح هزيمة غدًا.
وهكذا لم تعد المعركة على الأرض وحدها.
أصبحت معركة على الساعة أيضًا.
نتنياهو يريد أن يستمر الزمن.
والسنوار يريد أن يكسره.
ثم جاء المخرج مصطفى النبيه من غزة، وأعاد الكاميرا إلى مكان آخر.
لم يأخذها إلى السابع من أكتوبر.
أعادها سنوات إلى الوراء.
إلى مسيرات العودة.
إلى السياج.
إلى الدخان.
إلى القناصة.
إلى الشهداء.
إلى الوسطاء.
إلى التهدئة.
إلى حقيبة المال القطري.
إلى العمال الذين يعبرون للعمل.
إلى المعابر التي تفتح وتغلق.
إلى التصعيد الذي يتبعه تفاوض، والتفاوض الذي يتبعه هدوء، والهدوء الذي يسمح للجميع بأن يعتقد أنه نجح في إدارة اللعبة.
هنا بدأت أرى فيلمًا آخر.
نتنياهو ينظر إلى غزة ويقول لنفسه، بصورة أو بأخرى:
حماس تريد أن تحكم.
تريد المال.
تريد العمال.
تريد التسهيلات.
يمكن ردعها.
يمكن احتواؤها.
يمكن إدارة غزة من دون حل القضية الفلسطينية.
وفي غزة ربما كانت الصورة المقابلة تتشكل:
إسرائيل لا تعطي شيئًا بلا ضغط.
التصعيد يفتح باب التفاوض.
القوة تحسن شروطه.
يمكن أن نفاوض ونبني القوة في الوقت نفسه.
وعدت عندها إلى جملة كتبتها في الفيلم الأول:
«خصمي أسير الصورة التي صنعها عني.»
لكن تعليق مصطفى جعلني أتوقف أمامها.
ماذا لو كان الاثنان أسيرين؟
أسيرين للصورة التي صنعها كل منهما عن الآخر.
وربما للصورة التي صنعها كل منهما عن نفسه أيضًا.
كل واحد يعتقد أنه يمسك بالخيوط.
كل واحد يعتقد أنه يفهم الآخر.
كل واحد يعتقد أن الآخر يتحرك داخل الحدود التي رسمها له.
حتى جاء اليوم الذي خرجت فيه اللعبة من حدود الجميع.
لكن هنا شعرت أن شيئًا ما لا يزال ناقصًا.
هناك كاميرا لم تتحرك بعد.
كاميرتنا نحن.
الكاميرا الفلسطينية.
فأعدتها إلى الوراء.
لا إلى تل أبيب.
ولا إلى غزة.
ولا إلى واشنطن أو الرياض.
إلى قاعات الاجتماعات.
طاولة طويلة.
وفدان فلسطينيان.
مصافحة.
ابتسامات.
كاميرات.
إعلان مصالحة.
صورة جماعية.
ثم...
قطع.
غزة.
مسيرات العودة.
قطع.
القاهرة.
اجتماع جديد لإنهاء الانقسام.
قطع.
غزة.
تصعيد.
تهدئة.
حقيبة مال.
عمال يعبرون.
قطع.
اجتماع فلسطيني آخر.
بيان آخر.
اتفاق آخر.
قطع.
رام الله وحدها.
غزة وحدها.
قطع.
وسطاء جدد.
عاصمة جديدة.
صورة جماعية جديدة.
ولا مصالحة.
وهنا تغير الفيلم كله بالنسبة إلي.
لأن السؤال لم يعد فقط:
ماذا كان يفعل نتنياهو؟
ولا ماذا كان يخطط السنوار؟
ولا ماذا كانت تفعل المنطقة بفلسطين؟
بل:
ماذا كنا نفعل نحن بينما كان كل ذلك يحدث؟
لسنوات طويلة كنا نذهب إلى المصالحة.
من اتفاق إلى اتفاق.
ومن عاصمة إلى عاصمة.
نتفق على إنهاء الانقسام.
ثم نختلف على تنفيذ الاتفاق.
ثم نذهب إلى اجتماع جديد لإنهاء الانقسام الذي اتفقنا سابقًا على إنهائه.
وكان الزمن يمر.
إسرائيل تبني.
المنطقة تتغير.
غزة تُحاصر.
الضفة تتفتت.
وحركتان فلسطينيتان كبيرتان تديران واقعين فلسطينيين مختلفين.
ثم جاء السابع من أكتوبر.
انقلبت الطاولة.
لكن هنا تؤلمني جملة خالد عطية:
قلب الطاولة لا يعني امتلاك الطاولة التالية.
وأضيف إليها الآن:
ربما كانت المأساة الفلسطينية أكبر من ذلك.
حين انقلبت الطاولة في السابع من أكتوبر، لم تكن هناك أصلًا طاولة فلسطينية واحدة تنتظر اللحظة.
كانت هناك طاولة في غزة.
وطاولة في رام الله.
وطاولات للفصائل.
وطاولات للوسطاء.
وطاولات للمصالحة تنتقل بين العواصم.
لكن أين كانت طاولة فلسطين؟
من كان سيأخذ تلك اللحظة، بكل ما حملته من اختراق عسكري هائل وكارثة إنسانية هائلة وتحول عالمي هائل، ويضعها داخل مشروع سياسي فلسطيني واحد؟
من كان سيقول:
إلى هنا نذهب؟
وهذه أهدافنا؟
وهذا ما نريده من الحرب؟
وهذا ما نريده من السياسة؟
وهذه رؤيتنا لليوم التالي؟
لا أحد.
وهذا ليس اتهامًا لفصيل وحده.
إنه سؤال عن نظام سياسي كامل.
نتنياهو كان يدير صراعه.
حماس كانت تدير غزة وتبني قوتها.
السلطة تدير ما تستطيع إدارته في الضفة.
الفصائل تدير خلافاتها.
والوسطاء يديرون جولات المصالحة.
الجميع كان يدير شيئًا، ولا أحد كان يبني المشروع الوطني الذي يجمع الأشياء كلها.
ثم وقع الزلزال.
والأغرب أن الكاميرا لا تتوقف هنا.
بعد السابع من أكتوبر نراها مرة أخرى.
هذه المرة في موسكو.
الفصائل الفلسطينية تجتمع.
ثم بكين.
أربعة عشر فصيلًا.
طاولة.
مصافحات.
صورة جماعية.
إعلان جديد لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية.
مرة أخرى نتحدث عن منظمة التحرير.
عن حكومة وفاق.
عن قيادة موحدة.
عن انتخابات.
عن مجلس وطني.
عن غزة والضفة تحت نظام سياسي واحد.
كأن الكاميرا شاهدت هذا المشهد من قبل.
لكن هذه المرة غزة ليست غزة التي كانت.
المدن مدمرة.
العائلات موزعة بين الموت والنزوح.
الضفة تتغير.
الاستيطان يتقدم.
المنطقة تغيرت.
وصورة إسرائيل في العالم اهتزت.
وفلسطين التي كان يراد تجاوزها عادت بقوة إلى مركز النقاش العالمي.
كل شيء تقريبًا تغير.
إلا السؤال الفلسطيني القديم:
كيف نصبح واحدًا؟
وهنا ربما نكون قد ظلمنا المصالحة حين اعتبرناها طوال السنوات مجرد اتفاق بين فتح وحماس.
لأن الانقسام لم يبق في المكاتب.
نزل إلى المجتمع.
دخل اللغة.
دخل الذاكرة.
دخل تفسير الأحداث.
حتى السابع من أكتوبر نفسه لا يملك الفلسطينيون اليوم فيلمًا واحدًا عنه.
هناك من يراه لحظة كسرت أسطورة القوة الإسرائيلية وأعادت فلسطين إلى العالم.
وهناك من لا يرى فيه إلا قرارًا كارثيًا دفع المجتمع ثمنه.
وهناك من يجمع الصورتين ولا يستطيع أن يلغي إحداهما بالأخرى.
وهناك من اختصر المسألة كلها في السنوار.
بطل عند طرف.
مغامر عند آخر.
عبقري في قراءة إسرائيل عند البعض.
ورجل قاد شعبه إلى الكارثة عند آخرين.
وهنا يصبح سؤال المصالحة أكثر صعوبة.
يمكن أن تجمع وفدين في غرفة.
يمكن أن تكتب بيانًا.
يمكن أن تتفق على حكومة.
لكن كيف تصالح مجتمعًا عاش قرابة عقدين داخل روايتين فلسطينيتين مختلفتين؟
كيف تعيد بناء معنى «نحن»؟
ربما لهذا لم تكن مشكلتنا يومًا نقص الاتفاقات.
كان لدينا الكثير منها.
مشكلتنا أن الاتفاق كان يحدث فوق المجتمع، ثم يعود كل طرف إلى جمهوره وروايته ومؤسساته وسلاحه ومصالحه ومخاوفه.
وكان المجتمع ينتظر.
وهنا أصل إلى اللقطة التي لم تعطِني إياها غانية.
ولا خالد.
ولا مصطفى.
أعطوني العدسات التي أوصلتني إليها.
غانية قالت لي: انظر إلى الخريطة.
خالد قال: انظر إلى البنية.
مصطفى قال: ارجع إلى السنوات التي صنعت وهم السيطرة في غزة.
لكنني عندما أعدت الكاميرا إلى البيت الفلسطيني، رأيت شيئًا آخر:
لم تكن أزمتنا فقط في كيفية مقاومة إسرائيل، بل في غياب المركز الذي يملك شرعية تقرير كيف نقاومها، وكيف نفاوضها، ومتى نحارب، ومتى نتوقف، وما الثمن الذي يستطيع المجتمع احتماله، وإلى أين نريد أن نصل.
وهنا لا يعود السؤال:
من كان على حق، فتح أم حماس؟
ولا:
هل كان السنوار على حق أم أخطأ؟
ولا:
هل فشل نتنياهو أم استثمر الفشل؟
هذه كلها أسئلة مهمة.
لكن خلفها سؤال أقدم وأخطر:
من يملك القرار الفلسطيني؟
إذا كان قرار الحرب يستطيع أن يعيد تشكيل حياة ملايين الفلسطينيين، فمن يمنح شرعية اتخاذه؟
وإذا كان قرار التسوية يستطيع أن يعيد تشكيل مستقبل ملايين الفلسطينيين، فمن يمنح شرعية اتخاذه؟
وإذا اتفقت الفصائل على المصالحة، فمن الذي يحاسبها حين لا تنفذها؟
ربما هنا أخطأنا طويلًا.
كنا نبحث عن المصالحة بين الفصائل قبل أن نعيد القرار إلى صاحبه.
وكنا نبحث عن القائد القادر على قيادة القاطرة، بينما المشكلة كانت في السكة نفسها.
السكة ليست رجلًا استثنائيًا.
وليست فصيلًا منتصرًا.
السكة هي مجتمع يعرف أنه مصدر الشرعية، ومؤسسات تجعل إرادته قابلة للتحول إلى قرار، وقواعد تمنع أي شخص أو فصيل من أن يصبح أكبر من البيت الذي يسكنه.
أعود إلى القاعة.
انتهى اجتماع المصالحة.
يقف المجتمعون.
مصافحات.
ابتسامات.
صورة جماعية.
ثم يغادر الجميع.
تبقى الكاميرا وحدها.
طاولة طويلة.
ميكروفونات صامتة.
أسماء الفصائل ما زالت أمام الكراسي.
وعلم فلسطين في آخر القاعة.
أقترب بالكاميرا ببطء.
هناك كرسي لم نضع أمامه اسمًا طوال كل هذه السنوات.
لا فتح.
لا حماس.
لا سلطة.
لا فصيل.
كرسي المجتمع الفلسطيني.
ربما قبل أن نسأل متى تكون المصالحة القادمة، علينا أن نسأل لماذا ظل هذا الكرسي فارغًا.
لأن فلسطين لم تكن يومًا بحاجة إلى طاولة أخرى بقدر حاجتها إلى معرفة:
من صاحب الطاولة؟
يحيى بركات
9/9/2026