عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب.

لم أنسَ تلك الفتاة التي جاءت من أقصى ضواحي مدينة سلا، مرسلة من طرف أبيها، لا تحمل في يدها قائمة طويلة من الكتب، ولا تبحث عن عناوين كثيرة، وإنما تسأل فقط عن كتابين: " ساعات بين الكتب" لعباس محمود العقاد، و" سبعون ..حكاية عمر" السيرة الذاتية لميخائيل نعيمة ؛ كان أبوها قد أوصاها بالسؤال عنهما، فلما عثرتُ على الكتابين وأخبرتها بإمكانية اقتنائهما، ترددت قليلا، ثم قالت : سأكتفي بحجز كتاب ميخائيل نعيمة، أما كتاب العقاد فسأؤجل شراءه إلى وقت لاحق ...
كانت جملة عابرة في ظاهرها، لكنها تركت في نفسي شيئا لا يعبر ، فتذكرت فجأة أنني أملك نسخة من "ساعات بين الكتب" في خزانتي الخاصة بالمنزل؛ نسخة أهداها لي أحد الناشرين المصريين خلال المعرض الدولي للكتاب في بداية هذا العام ، نسخة بقيت منذ ذلك الحين هادئة في رفها، لا يمد إليها أحد يده، ولا تقرأها عين، ولا تقلب صفحاتها أصابع عاشقة.
بعد يوم واحد ، عادت الفتاة إلى المكتبة لتسحب الكتاب الذي حجزته ، وحين همّت بالمغادرة، مددتُ إليها الكتاب الآخر وقلت: وهذا لأبيك.
نظرت إليّ بدهشة، وكأنها لم تفهم في اللحظة الأولى ما الذي أعنيه.
قلت لها: هذا هو الكتاب الذي أجّلتِ اقتنائه.
لم تكن الهدية كبيرة في ثمنها، لكنها كانت بالنسبة إليّ أكبر من مجرد كتاب ، فبعض الكتب لا تحتاج إلى قارئ بقدر ما هي في حاجة إلى لحظة صادقة كي تجد طريقها إلى قارئها ، وقلت لها وأنا أودعها: تعلمين؟ هذا الكتاب رابض في رفّه منذ شهر ماي الماضي، ينتظر من يوقظ فيه الحياة ،حتى جئتِ أنتِ، فحركت سكونه، ونفخت فيه من روحك، وأعدتِه إلى الطريق.
غادرت الفتاة وهي تحمل كتابين؛ واحدا دفع أبوها ثمنه، وآخر حملته إليه هدية ، أما أنا، فعدت إلى رفوف المكتبة وأنا أفكر في ذلك الكتاب الذي ظل شهورا ينتظر قارئا بعينه .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى