د. حسين عبدالبصير - ستة أصوات... ومصر واحدة

منذ أن عرف المصري القديم معنى الاستقرار، لم يكن النيل مجرد ماء يجري من الجنوب إلى الشمال، وإنما كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان هو الإيقاع الذي انتظمت حوله حياة المصريين، والذاكرة التي حفظت أخبارهم، والمشهد الذي ظل يتكرر بينما تتغير الوجوه والعصور والبيوت والسلطات. على ضفافه ظهرت القرى الأولى، ونمت المدن، وشُقت الترع، وزُرعت الأرض، وقامت المعابد، وشُيدت المقابر، ثم جاءت عصور أخرى تبدلت فيها أسماء الحكام وعواصم البلاد، وظل النيل في مكانه، يرى كل شيء ويمضي. وربما لهذا السبب لا يمكن أن نفهم مصر بعيدًا عن النيل، كما لا يمكن أن نفهم الأدب المصري بعيدًا عن ذلك النهر الذي لم يكن خلفية للحياة المصرية فحسب، وإنما كان جزءًا من تكوينها النفسي والروحي.

والنيل في الثقافة المصرية ليس نهرًا واحدًا. لكل مصري نيله الخاص؛ نيل الفلاح غير نيل الصياد، ونيل الطفل غير نيل الشيخ، ونيل القاهرة غير نيل الصعيد، ونيل الشاعر غير نيل المؤرخ أو الروائي. وكلما اقتربنا من الأدب، اكتشفنا أن النهر تحول إلى مرآة ترى مصر من خلالها نفسها. لذلك فإن قراءة عدد من كبار الكتاب المصريين يمكن أن تصبح، في جانب منها، قراءة للنيل نفسه. أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ؛ ستة أصوات مختلفة، عاش كل واحد منها مصر بطريقة خاصة، لكنه ترك في كتابته شيئًا من ذلك النهر القديم الذي كان حاضرًا في وجدان البلاد قبل أن يولدوا بآلاف السنين.

كان أحمد شوقي يرى النيل بعين الشاعر الذي يعرف أن الماء يمكن أن يحمل التاريخ. لم يكن النيل عنده مجرد منظر جميل أو رمز للوطن في صورته المباشرة، وإنما كان جزءًا من الذاكرة المصرية التي تربط الماضي بالحاضر. حين ينظر الشاعر إلى النيل، فإنه لا يرى الماء وحده، وإنما يرى مصر التي عبرت من هنا؛ مصر الفراعنة، ومصر الفتح، ومصر الخديوية، ومصر الحديثة التي كانت تحاول أن تجد لنفسها مكانًا في عالم جديد. ولذلك كان النيل قريبًا من عالم شوقي الشعري؛ نهرًا يختصر فكرة الاستمرار. فالزمن يتغير، والحكام يرحلون، والقصور تتبدل، لكن النيل يبقى. ومن هنا جاء ارتباط شوقي بفكرة التاريخ والوطن؛ كان يرى في النهر شاهدًا على عظمة مصر وعلى قدرتها على البقاء. وإذا كان الشعر عند شوقي ذاكرة الأمة، فإن النيل كان أقدم قصيدة مصرية، قصيدة لم يكتبها شاعر، وإنما كتبتها الطبيعة نفسها.

أما حافظ إبراهيم، الذي التصق اسمه بالنيل حتى أصبح «شاعر النيل»، فقد اقترب من النهر بطريقة أخرى. كان النيل عند حافظ هو النهر الذي يمر بين الناس، لا النهر الذي يقف الشاعر بعيدًا ليتأمله. كان نيل الفلاح والعامل والموظف والطالب والمرأة والرجل البسيط. ولذلك ارتبط شعر حافظ بالحياة العامة وقضايا الناس واللغة والتعليم والوطن. كان صوته أقرب إلى صوت الشارع، والنيل نفسه كان أقرب إلى الشارع المصري من أي رمز آخر؛ يمر أمام الجميع، ولا يسأل عن الطبقة أو المكان أو الثروة. وحين أصبح حافظ شاعر النيل في الذاكرة الأدبية، لم يكن اللقب مصادفة. كان فيه شيء من طبيعة شعره؛ شعر يتحرك بين الناس مثلما يتحرك النهر بين القرى والمدن. وإذا كان شوقي قد رأى النيل بوصفه ذاكرة مصر، فإن حافظ رآه بوصفه صوتها الشعبي؛ الماء الذي يحمل أحزان الناس وأفراحهم ويصل بينهم من قرية إلى أخرى ومن جيل إلى جيل.

ثم جاء طه حسين، ولم يعد النيل مجرد ذاكرة أو صوت، وإنما تحول إلى طريق. طريق يسير فيه الإنسان من الجهل إلى المعرفة. وهذا المعنى يبدو عميقًا إذا تذكرنا أن النيل في الحضارة المصرية القديمة كان طريقًا للحياة والاتصال والحركة، بينما كان طه حسين يريد للمعرفة أن تكون طريقًا جديدًا للحياة. في «الأيام» نرى طفلًا نشأ في بيئة مصرية بسيطة، وفقد بصره، لكنه لم يسمح للظلام أن يصبح قدره النهائي. كان يريد أن يرى، لا بعينيه فقط، وإنما بعقله. وكأن النيل هنا يأخذ معنى جديدًا؛ النهر الذي لا يتوقف عن الحركة يصبح رمزًا للإنسان الذي لا ينبغي له أن يتوقف عن طلب المعرفة. كان طه حسين يريد مصر متحركة، لا مصر ساكنة عند ماضيها، ولذلك دعا إلى التعليم والانفتاح والعقل النقدي. النيل الذي جعل المصري القديم يبني حياته على فكرة التجدد كان عند طه حسين يمكن أن يصبح استعارة لمصر التي تجدد نفسها بالعلم. فالماء الراكد يموت، أما الماء الجاري فيواصل الحياة. وكذلك الفكر.

وعند عباس محمود العقاد، يتغير النيل مرة أخرى. يصبح شاهدًا على الإنسان الفرد، وعلى صراعه من أجل أن يحتفظ بصوته وسط تيار الحياة. العقاد كان شخصية مستقلة، لا يحب أن يكون تابعًا، ولا يرى الكاتب مجرد صدى لجماعة أو سلطة أو تيار. وربما هنا تظهر صلة خفية بينه وبين النيل. فالنهر يجري في مجراه، لكنه لا يفقد طبيعته. يمر بالقرى والمدن، وتنعكس عليه أضواء الليل، وتلامسه أيدي الناس، لكنه يظل نهرًا له طريقه الخاص. كان العقاد يشبه هذا المعنى في استقلاله الفكري؛ يمر وسط التيارات ولا يذوب فيها. وحين كتب سير الشخصيات الكبرى، كان يبحث عن الفرد الذي يقف خلف التاريخ، عن الإنسان الذي يتخذ قرارًا ويصنع مصيره. وكأن العقاد كان يحاول أن يقول إن التاريخ ليس مجرد أمواج ضخمة تحركها الجماعات، وإنما تصنعه أيضًا إرادات أفراد استطاعوا أن يقاوموا التيار.

أما توفيق الحكيم، فقد أخذ النيل إلى المسرح. عنده يصبح النهر مسرحًا مفتوحًا للحياة المصرية، والمصريون جميعًا شخصيات تتحرك فوق خشبته. النهر يجري أمامهم، وهم يتجادلون حول الحب والقدر والسلطة والموت والحرية، ثم يكتشفون في النهاية أن الحياة أكبر من قدرتهم على تفسيرها. كان الحكيم شديد الحساسية تجاه المفارقة بين الإنسان وما يريد، وبين ما يحلم به وما تسمح به الحياة. والنيل مناسب جدًا لعالمه؛ لأنه يجمع بين الثبات والحركة في الوقت نفسه. يبدو ثابتًا حين تنظر إليه من الشاطئ، لكنه في الحقيقة لا يتوقف لحظة واحدة. وهذه المفارقة تكاد تكون جوهر عالم الحكيم نفسه: الأشياء تبدو مستقرة، بينما كل شيء في الداخل يتحرك. لذلك كان النيل عنده يمكن أن يكون مسرحًا فلسفيًا لمصر، مكانًا يتجاور فيه الواقع والخيال، والضحك والقلق، والحياة والموت.

ثم جاء نجيب محفوظ، وهنا اقترب النيل من قلب المدينة نفسها. لم يعد النهر رمزًا مجردًا، وإنما أصبح جزءًا من الحياة اليومية التي تتحرك حولها الرواية. القاهرة عند محفوظ ليست مدينة مباني وشوارع فقط، وإنما كائن حي؛ تتنفس، وتتغير، وتكبر، وتشيخ، وتخفي أسرارها في الحارات والبيوت والمقاهي. والنيل حاضر في هذه المدينة مثل الزمن نفسه. يجري إلى جوار القاهرة بينما تتغير العائلات، ويموت الآباء، ويولد الأبناء، وتسقط أفكار وتظهر أخرى، وتتحول السلطة، وتتبدل الملابس واللغة والعادات. النهر وحده يبدو وكأنه يعرف أن كل ذلك مؤقت. ولهذا فإن النيل في عالم محفوظ ليس مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل هو شاهد صامت على مرور الزمن. الإنسان عند محفوظ يعيش عمرًا واحدًا، أما النهر فيعيش أعمار الجميع.

وإذا تأملنا هذه العلاقة بين محفوظ والنيل، اكتشفنا شيئًا آخر. القاهرة التي كتبها محفوظ لم تكن بعيدة عن النهر حتى عندما لا يكون النيل حاضرًا في المشهد مباشرة. فالنهر حاضر في بنية المدينة، في حركة سكانها، وفي فكرة الزمن التي تحكم مصائر شخصياته. النيل هو الحد الفاصل بين الثابت والمتغير، بين ما يبقى وما يرحل. ولذلك فإن الإنسان المحفوظي، مهما حاول أن يهرب من قدره أو من مدينته أو من تاريخه، يظل جزءًا من تيار أكبر منه. وهذه واحدة من أقوى الأفكار التي يمكن أن يرمز إليها النيل في الرواية المصرية: أننا نعبر الحياة، بينما الحياة نفسها تستمر في الجريان.

وإذا جمعنا هذه العلاقات الست، بدا لنا أن النيل لم يكن مجرد موضوع أدبي عند هؤلاء الكتاب، وإنما كان طريقة مختلفة لرؤية مصر. شوقي رأى فيه ذاكرة البلاد وتاريخها، وحافظ سمع فيه صوت الناس، وطه حسين وجده طريقًا للحركة والمعرفة، والعقاد رأى فيه صورة للفرد الذي يحافظ على استقلاله وسط التيارات، والحكيم رأى فيه مسرحًا مفتوحًا للأسئلة الكبرى، بينما رأى محفوظ فيه زمن المدينة وشاهدها الصامت. وهكذا أصبح لكل واحد منهم نيل خاص، لكن الأنهار الستة كانت تصب في النهاية في بحر واحد اسمه مصر.

شوقي ينظر إلى النيل من بعيد فيراه ممتدًا عبر التاريخ. حافظ يقترب منه فيسمع أصوات الذين يعيشون على ضفتيه. طه حسين يبحث في حركة النهر عن معنى الحركة في العقل. العقاد يقف أمام تياره وكأنه يسأل الإنسان: هل تستطيع أن تكون نفسك وأنت تعيش وسط تيار أقوى منك؟ الحكيم يضع الحياة كلها على ضفته، ويترك الشخصيات تتجادل حول معنى وجودها. ومحفوظ يمشي بالنهر داخل القاهرة، حتى يصبح جزءًا من الزمن الذي تعيشه الشخصيات وتموت فيه.

وهنا تكمن قوة النيل في الذاكرة المصرية. فهو يجمع بين ما يبدو متناقضًا: الثبات والحركة، الماضي والمستقبل، الفرد والجماعة، القرية والمدينة، الحياة والموت. وهذه التناقضات نفسها هي التي صنعت عالم هؤلاء الكتاب. لذلك لم يكن غريبًا أن يجد كل واحد منهم في النيل شيئًا يخصه. الشاعر وجد الذاكرة، والشاعر الشعبي وجد الناس، والمفكر وجد المعرفة، والكاتب وجد استقلال الإنسان، والمسرحي وجد السؤال، والروائي وجد المدينة.

لكنهم جميعًا كانوا يعرفون، بوعي أو من دونه، أن النيل ليس ملكًا لأحد. هو أقدم من الكتابة نفسها، وأقدم من القاهرة، وأقدم من أسماء كثيرة ظن أصحابها أنهم سيخلدون. النهر وحده لا يحتاج إلى الخلود؛ لأنه يعيش الخلود يومًا بعد يوم. وكل الذين يكتبون عنه يعرفون في أعماقهم أنهم عابرون، بينما يظل هو.

ولعل أجمل ما في هؤلاء الستة أنهم لم يحاولوا تقديم مصر في صورة واحدة. مصر شوقي ليست مصر حافظ، ومصر حافظ ليست مصر طه حسين، ومصر طه حسين ليست مصر العقاد، ومصر العقاد ليست مصر الحكيم، ومصر الحكيم ليست مصر محفوظ. ومع ذلك فإن هذه الصور المختلفة لا تلغي بعضها، وإنما تكمل بعضها بعضًا. وحين نضعها جنبًا إلى جنب، نقترب أكثر من مصر الحقيقية؛ مصر المتعددة التي لا يمكن أن تختصر في صوت واحد أو رؤية واحدة.

إن الأدب العظيم لا يقدم لنا وطنًا مكتملًا ونهائيًا، وإنما يجعلنا نكتشف الوطن من جديد. وكل واحد من هؤلاء الكبار فتح نافذة على مصر. ومن خلال النوافذ الستة، رأينا النهر نفسه في صور مختلفة: مرة وهو يحمل التاريخ، ومرة وهو يحمل أصوات الناس، ومرة وهو يمضي بالمعرفة، ومرة وهو يقاوم التيار، ومرة وهو يشاهد الإنسان في حيرته، ومرة وهو يمر داخل المدينة حاملًا الزمن على كتفيه.

ولهذا فإن النيل، في النهاية، ليس الشخصية السابعة في هذه الحكاية فقط، بل هو الشخصية التي جمعت الشخصيات الست كلها. هو الخيط الذي يصل بينها، والذاكرة التي تتجاوزها، والصوت الصامت الذي كان حاضرًا خلف أصواتهم.

حين نقرأ شوقي، نسمع شيئًا من النيل القديم. وحين نقرأ حافظًا، نسمع النهر وهو يمر بين الناس. وحين نقرأ طه حسين، نشعر بحركة الماء وهي تتحول إلى حركة في العقل. وحين نقرأ العقاد، نرى الإنسان واقفًا أمام التيار يحاول أن يحتفظ بصوته. وحين نقرأ الحكيم، نرى الحياة كلها مسرحًا مفتوحًا على ضفة النهر. وحين نقرأ محفوظ، نرى القاهرة وهي تمضي في الزمن، والنيل إلى جوارها لا يتوقف.

ثم نعود إلى النهر.

نراه كما كان، وكما سيكون. يحمل انعكاس السماء، ويمر أمام المدن، ويواصل رحلته القديمة دون أن يسأل عن الذين مروا من هنا. لكنه يحمل في مياهه شيئًا من آثارهم؛ شيئًا من الشعر، وشيئًا من الفكر، وشيئًا من الحكايات.

ستة أصوات... ومصر واحدة.

ستة طرق للنظر إلى الوطن، وستة وجوه للنهر، ونهر واحد ظل طوال آلاف السنين يقول الشيء نفسه بطريقته الصامتة: أن مصر تتغير، وأن أبناءها يرحلون، وأن الزمن يمضي، لكن الحكاية لا تنتهي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى