أدب السيرة الذاتية عبدالعزيز كوكاس - عزيز ولد "مول الكاميو"

بعد أن كان أبي يُعرف في الحي بـ«مول البيت»، صار له لقب آخر أشد وقعًا في نفوسنا: «مول الكاميو». والحقيقة أنه لم يمتلك الشاحنة يومًا، ظلّ سائقًا لها، يقودها لحساب صاحبها، وينقل على متنها الماشية من الأسواق الأسبوعية، في المدن والقرى البعيدة، إلى مجزرة الرباط. غير أن الحي لم يكن شديد التدقيق في سجلات الملكية، كان يكفي أن يرى الرجل كل يوم وراء المقود، وأن يسمع هدير الشاحنة معلنًا عودته، حتى ينسبها إليه، وينسبه إليها، كأن طول العِشرة بين الإنسان وآلة عمله يمنحه حقًّا رمزيًّا في امتلاكها.
صار أبي «مول الكاميو»، في البداية "طايمس خضرا" ثم "فورد حمرا" "وبيرلي شاحنة ذات مقصورة أمامية قلّابة camion à cabine avancée basculante لأنه كان وجهها المعروف في الحي، وصوتها البشري، واليد التي تقودها عبر الطرق الطويلة. وربما كانت هذه إحدى طرائق الأحياء الفقيرة في إنصاف رجالها: تمنحهم باللغة ما حرمهم منه الواقع، وتردّ إليهم، عبر الألقاب، شيئًا من ثمرة تعبهم. كانت الشاحنة ملكًا لغيره في الأوراق، لكنها كانت لأبي في أعين الناس، يملك خبرتها وذاكرتها وأسرار أعطابها، يعرف صوت محركها حين يصفو وحين يئن، ويميّز ارتجافها العابر من الإنذار الذي يسبق العطب. لم نكن نملك المركبة، لكن لغة أهل الحي وضعتها، للحظات، في حوزتنا. وكأن الفقر، حين يعجز عن امتلاك الأشياء، يمتلك أسماءها.
كان أبناء الحي يُنسبون إلى مهن آبائهم، وإلى أدواتهم، وإلى الأماكن التي يشغلونها في ذاكرة الجماعة. كان الواحد منا يحمل أباه في اسمه. ولد السيكليس ولد الجيّار أو الصباغ، ولد الكوّاي... ولد مول الكروسة، ولد مول لا مانيو... وهكذا حملتُ «الكاميو» في لقبي، كنت لذلك أُعرف بين الأطفال بـ"عزيز ولد مول الكاميو" كما باقي إخوتي.
حين كانت الشاحنة تدخل الحي بصوت محركها الثقيل، كنا نشعر أن شيئًا عظيمًا يصل معها. كانت أكبر من الأزقة الضيقة، وأعلى من البيوت الواطئة، حتى ليبدو دخولها إلى حي الخير حدثًا يحتاج إلى أن تتراجع أمامه الأجساد والعربات والأطفال. كان الصغار يركضون خلفها، وكانت الوجوه تطل عبر الشارع، فيما كنت أشعر بزهو خفي لأن الرجل الجالس في مقصورتها العالية هو أبي.
كان «الكاميو» - بالنسبة إليّ وأنا طفل- بيتًا متنقلًا، ومدرسة ليلية، ومكانًا سرّيًّا تشكّلت فيه علاقتي بأبي. كنت طفلًا يعجز عن النوم، أو لعل النوم كان يعجز عن العثور عليّ، ولذلك كان أبي يصحبني معه أحيانًا كثيرة في رحلاته الليلية من الرباط إلى أسواق المدن والقرى البعيدة. كنت أجلس إلى جانبه في المقصورة العالية، فيما تمتد الطريق أمامنا طويلة ومعتمة، لا يشق ظلامها إلا ضوء مصابيح السيارات والشاحنات القادمة من الاتجاه المعاكس، ولا يبدد صمتها سوى هدير المحرك وصوت العجلات على إسفلت الطريق.
كنت أراقب يدي أبي وهما تمسكان بالمقود، وأشعر أنني أرافق رجلًا جعل من الطريق مملكته المؤقتة. كان يعرف المنعرجات والحفر والمنحدرات، ويصغي إلى المحرك كما يُصغى إلى كائن حيّ.. داخل مقصورة «الكاميو» احتضنتنا حكايات كثيرة: قصص عن الأسواق والقرى، وعن الرجال الذين عرفهم أبي في رحلاته، وعن قسوة العمل وتقلّب أحوال الناس... كانت الحكايات تخرج منه متقطعة على إيقاع الطريق، تبدأ عند منعطف، وتتوقف عند حاجز، ثم تستأنف بعد أميال.. ولم أفهم آنذاك أن أبي كان يتقصّد كثيرًا في حكيه. لم يكن يروي لمجرد طرد الصمت أو تبديد وحشة الليل، كان يضع داخل كل قصة وصية، ويخفي في ثنايا كل حادثة توجيهًا. كان يحدثني عن رجل أضاع ماله ليعلّمني الحذر، وعن آخر حفظ كلمته ليزرع فيّ قيمة الوفاء، وعن قسوة بعض الناس ليحذرني من الظلم، وعن رجال بدأوا من لا شيء ليقول لي إن الطريق، مهما طال، يمكن أن يوصل صاحبه إذا لم يتوقف.
لم تكن وصاياه تأتي في صورة أوامر مباشرة. كان يعرف، بفطرته، أن الحكاية أقدر على البقاء من النصيحة المجرّدة. لذلك كان يتركني أستخلص المعنى بنفسي، وما حسبته يومها تسلية لطفل لا ينام، اكتشفت لاحقًا أنه كان تربية هادئة يمارسها أبي بعيدًا عن صرامة البيت وضجيج الحي.
كانت مقصورة الشاحنة تضيق بنا جسديًّا، لكنها تتسع لعالم كامل. فيها اقتربت من أبي كما لم أقترب منه في مكان آخر، فالطريق الطويلة تمنح الرجال الصامتين فرصة للكلام، والليل يخفف عن الآباء حذرهم، فيكشفون لأبنائهم شيئًا مما يخفونه في وضح النهار. كان أبي، وهو يقود، يفتح لي نوافذ على ماضيه، وعلى الحياة كما عرفها: شاقةً ومتقلبة، لا تمنح أحدًا شيئًا من غير ثمن.
أما أنا، فكنت أستمع إليه مأخوذًا بصوته المختلط بهدير المحرك، وبالظلام المنساب خلف الزجاج. لم أكن أدرك أن تلك الكلمات ستظل تسافر في داخلي بعد أن تتوقف الشاحنة، وأن بعض نصائحه سيعود إليّ بعد سنوات من رحيله. لقد انقضت الرحلات، وتغيّرت الطرق، ولم تكن الشاحنة ملكنا كي يبقى منها شيء في البيت، غادرت حياتنا كما تغادر الأشياء المستعارة، من غير أن تترك وراءها سوى صورتها في الذاكرة. ومع ذلك، ما تزال مقصورتها في داخلي مضاءة بذلك الحوار الليلي بين أب وابنه.
كنت أحس في لقب «مول الكاميو» شيئا من عدالة الفقراء الشعرية. فقد أنصف الحي أبي بطريقته، فنسب إليه الأداة التي أفنى جزءًا من عمره في خدمتها، ومنحنا نحن أبناءه نصيبًا من ذلك المجد الصغير. لقد نقلت الشاحنة الماشية من الأسواق إلى مجزرة الرباط، لكنها حملتني أنا من طفولة غافلة إلى أول تخوم الوعي. وبين سوق بعيد وآخر، وبين قرية نائمة وضوء مدينة يلوح في الأفق، كان أبي يقود الشاحنة، ويقودني، من غير أن أشعر، إلى معرفة الحياة. وهكذا علّمني «مول الكاميو» أن الإنسان قد لا يملك الشيء الذي يقضي عمره معه، لكنه يترك عليه من أثره ما يجعل الناس عاجزين عن نسبته إلى أحد سواه.
كانت ألذّ اللحظات وأجملها، هي عندما يمدّ أبي يده إليّ بمفاتيحها، طالبًا مني أن أجلب له شيئًا نسيه في المقصورة. كنت أتناول المفاتيح كما لو أنني أتسلّم، للحظات قليلة، علامة سرية على ثقته بي، ودليلًا على أن لي صلة خاصة بذلك الكائن الضخم الذي يثير فضول أطفال الحي وإعجابهم. كنت أعبر الحي والمفاتيح في يدي، متعمدًا ألّا أخفيها. أترك رنينها الصغير يعلن مروري، وأشعر بنظرات الأطفال تلاحقني: أنا وحدي أستطيع الاقتراب من الشاحنة، وفتح بابها، والصعود إلى مقصورتها العالية. لم أكن أذهب فقط لأجلب سترة نسيها أبي، أو علبة سيجارة أو كيسًا، أو غرضًا من أغراضه.. كنت أذهب لأثبت، أمام الآخرين وأمام نفسي، أنني ابن «مول الكاميو»، وأن تلك الشاحنة، تفتح لي بابها بمفاتيح أبي.
كان صعودي إليها مغامرة صغيرة. أضع قدمي على الدرج المعدني، وأتعلق بالمقبض، ثم أرفع جسدي حتى أصل إلى المقصورة. وما إن أفتح الباب حتى تستقبلني رائحتها المميزة: مزيج من زيت المحرك والحديد الساخن والغبار والتبغ ورائحة الماشية العالقة بها. كانت أشياء أبي مبعثرة في الداخل، تحمل أثر يديه وحضوره، وكان مقعده يبدو لي أشبه بعرش صغير مرتفع فوق الحي.
وأحيانًا كنت أتأخر قليلًا قبل أن أعود. أضع يدي على المقود، وأنظر من خلف الزجاج الأمامي إلى البيوت الصفيحية وقد بدت أصغر مما أعرفها من علو المقصورة. في تلك اللحظة كنت أتحول، في خيالي، من طفل يتسلل إليه الأرق إلى سائق يعرف الطرق والمدن والأسواق. كنت أقلّد هيئة أبي، وأتخيل المحرك يستيقظ تحت قدمي، والطريق تنفتح أمامي، والقرى البعيدة تنتظر وصولي.
كانت متعتي في المسافة القصيرة بين يد أبي وباب الشاحنة، كانت المفاتيح تمنحني ملكية خاطفة فأتحول من ولد "مولد الكاميو" إلى "مول الكاميو" ذاته ولو للحظة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى