فجأة قد تجد نفسك غارقا في شعور دافئ لم تعرف من أين جاء شعور يشبه نافذة فُتحت بعد زمن طويل في غرفة أثقلها الاختناق أوضوء خافت تسلل إلى قلب اعتاد العتمة لا شيء محدد حدث بالضرورة، لكن شيئًا في الداخل بدأ يتحرك من جديد وكأن الحياة تهمس لك: ما زال في الطريق متسع لبداية أخرى
ومع ذلك لا يكون القلم قد تعافى تماما فالقلم مثل صاحبه يحتفظ بآثار ما مرّ به فترات التعب والانكسار، وخيبات الواقع وطول الصمت، كلها تترك ندوبها على الكلمات. وقد يجلس الكاتب أمام صفحته البيضاء وفي داخله الكثير مما يريد قوله لكنه يعجز عن العثور على الجملة التي تشبهه أو الصورة التي تختصر وجعه أو العبارة التي تستطيع أن تعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الأيام في روحه
وهنا تحديدًا يبدأ دور الكاتب الحقيقي فالكاتب لا ينتظر دائمًا أن تأتيه الكلمات مكتملة ولا يتعامل مع القلم بوصفه آلة تكتب حين يأمرها إنه يتعهد كلماته كما يتعهد الإنسان شجرة أنهكتها العواصف يسقيها بالصبر ويقلم أغصانها اليابسة، ويمنحها فرصة أخرى كي تستعيد قدرتها على النمو إن إحياء الكتابة بعد فترة صعبة ليس عودة إلى ما كان بل محاولة لصناعة ما سيكون
ولهذا قد تبدو الكلمات الجديدة مختلفة عن سابقاتها أكثر هدوء وأقل اندفاعًا لكنها في المقابل أكثر نضجًا وصدقا فالألم الذي مرّ به الكاتب لم يكن بالضرورة عبثًا، حتى وإن بدا في لحظته كذلك. بعض التجارب القاسية تعيد تشكيل رؤيتنا للأشياء، وتجعلنا نرى التفاصيل التي كنا نعبر أمامها دون انتباه: يدًا تمتد في صمت، أمًّا تخفي تعبها خلف ابتسامة، عاملًا يواصل يومه رغم ثقل الحاجة، أو إنسانًا يضحك أمام الآخرين بينما يحمل في داخله معركة لا يعرفها أحد وهكذا يصبح القلم أكثر إنسانية كلما اقترب صاحبه من حقيقة الحياة
الكتابة ليست دائما أن نقول ما نعرف، بل أن نكتشف أثناء الكتابة ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا وعن العالم. وربما لهذا يعود الكاتب إلى صفحته بعد انقطاع طويل، لا ليكرر نفسه، وإنما ليختبر قدرته على رؤية الحياة بعين جديدة إن أجمل الفصول قد تبدأ بعد أكثر الفصول قسوة
فالنباتات لا تسأل الرماد عن سبب احتراقها إنها تبحث عن منفذ صغير للضوء، ثم تبدأ من هناك. وكذلك الإنسان حين يقرر ألا يجعل ماضيه مقبرة لمستقبله. قد يحمل في ذاكرته آثار ما حدث، لكنه لا يمنح تلك الآثار حق تحديد ما سيحدث.
والكاتب تحديدًا مطالب بأن يفعل ذلك مع قلمه أن يعيد للكلمات حرارتها وللجمل نبضها، وللنص روحه أن يتخلص من اللغة التي استهلكها الألم، ويمنح نفسه فرصة لاكتشاف لغة أكثر اتزانًا، لا تنكر ما حدث، لكنها لا تبقى أسيرة له فالتجديد في الأدب ليس مجرد تغيير المفردات، وإنما تغيير زاوية النظر قد نكتب عن الحزن ذاته مرات كثيرة لكننا في كل مرة نستطيع أن نراه من نافذة مختلفة. وقد نكتب عن الوطن، والحب، والفقد، والإنسان، والعدالة، والانتظار، لكن التجربة الإنسانية لا تنفد؛ لأن الإنسان نفسه يتغير، ولأن الأيام تضيف إلى المعنى طبقات جديدة كلما تقدمنا في العمر والتجربة
ومن هنا تأتي مسؤولية الكاتب تجاه الحياة ليس مطلوبا منه أن يجمل الواقع على نحو زائف، ولا أن يحوّل الألم إلى عبارات براقة تخفي الحقيقة. مهمته الأعمق أن يمنح الحقيقة لغة تستطيع أن تصل إلى الإنسان دون أن تفقد قسوتها أو كرامتها. أن يكتب عن الجرح دون أن يستثمر في وجع الآخرين، وعن الفقر دون أن يهين الفقراء، وعن الخسارة دون أن يحوّلها إلى متعة عابرة للقارئ
وحين يستعيد القلم عافيته، يصبح النص أكثر من كلمات متجاورة؛ يصبح محاولة لإعادة التوازن إلى شيء اختل في الداخل أو الخارج
فالأدب في جوهره ليس هروبًا من الحياة، بل طريقة أخرى لمواجهتها
وكم من كاتب ظن أن صمته الطويل يعني أنه فقد قدرته على الكتابة، ثم اكتشف بعد زمن أن الكلمات كانت فقط تعيد ترتيب نفسها في أعماقه. وكم من قلم ظن صاحبه أنه انتهى، فإذا به يعود في لحظة غير متوقعة، أكثر قوة وصدقًا، لأنه لم يعد يكتب من فراغ، وإنما من تجربة ربما لهذا تأتي بعض البدايات متأخرة، لكنها تأتي أكثر جمالًا وحين نشعر بذلك الدفء المفاجئ الذي يخبرنا بأن شيئًا ما في الداخل بدأ يتعافى، علينا ألا نخاف من العودة. لنجلس أمام الورقة، حتى لو كانت الجملة الأولى مرتبكة، وحتى لو بدا الطريق طويلًا. فالكتابة لا تطلب منا أن نكون كاملين؛ إنها تمنحنا فرصة لأن نصير أكثر اتزانًا ونحن نكتب
قد لا نستطيع تغيير الأيام التي مضت، لكننا نستطيع أن نمنحها معنى جديدا وقد لا نستطيع محو الرماد الذي خلفته العواصف، لكن بإمكاننا أن نزرع فيه شيئًا أخضر
وهناتحديدًا، يستعيد القلم عافيته؛ لا لأنه نسي ما مرّ به، بل لأنه تعلّم كيف يحوّل آثار العاصفة إلى تربة جديدة، وكيف يجعل من الكلمات نباتات تتفتح بعد الرماد، ومن الكتابة فصلًا جديدًا لا ينكر الماضي لكنه يفتح نوافذ واسعة على جمال الأيام القادمة فربما لا تكون الكتابة عودة إلى القلم بقدر ما تكون عودة الإنسان إلى نفسه!!
ومع ذلك لا يكون القلم قد تعافى تماما فالقلم مثل صاحبه يحتفظ بآثار ما مرّ به فترات التعب والانكسار، وخيبات الواقع وطول الصمت، كلها تترك ندوبها على الكلمات. وقد يجلس الكاتب أمام صفحته البيضاء وفي داخله الكثير مما يريد قوله لكنه يعجز عن العثور على الجملة التي تشبهه أو الصورة التي تختصر وجعه أو العبارة التي تستطيع أن تعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الأيام في روحه
وهنا تحديدًا يبدأ دور الكاتب الحقيقي فالكاتب لا ينتظر دائمًا أن تأتيه الكلمات مكتملة ولا يتعامل مع القلم بوصفه آلة تكتب حين يأمرها إنه يتعهد كلماته كما يتعهد الإنسان شجرة أنهكتها العواصف يسقيها بالصبر ويقلم أغصانها اليابسة، ويمنحها فرصة أخرى كي تستعيد قدرتها على النمو إن إحياء الكتابة بعد فترة صعبة ليس عودة إلى ما كان بل محاولة لصناعة ما سيكون
ولهذا قد تبدو الكلمات الجديدة مختلفة عن سابقاتها أكثر هدوء وأقل اندفاعًا لكنها في المقابل أكثر نضجًا وصدقا فالألم الذي مرّ به الكاتب لم يكن بالضرورة عبثًا، حتى وإن بدا في لحظته كذلك. بعض التجارب القاسية تعيد تشكيل رؤيتنا للأشياء، وتجعلنا نرى التفاصيل التي كنا نعبر أمامها دون انتباه: يدًا تمتد في صمت، أمًّا تخفي تعبها خلف ابتسامة، عاملًا يواصل يومه رغم ثقل الحاجة، أو إنسانًا يضحك أمام الآخرين بينما يحمل في داخله معركة لا يعرفها أحد وهكذا يصبح القلم أكثر إنسانية كلما اقترب صاحبه من حقيقة الحياة
الكتابة ليست دائما أن نقول ما نعرف، بل أن نكتشف أثناء الكتابة ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا وعن العالم. وربما لهذا يعود الكاتب إلى صفحته بعد انقطاع طويل، لا ليكرر نفسه، وإنما ليختبر قدرته على رؤية الحياة بعين جديدة إن أجمل الفصول قد تبدأ بعد أكثر الفصول قسوة
فالنباتات لا تسأل الرماد عن سبب احتراقها إنها تبحث عن منفذ صغير للضوء، ثم تبدأ من هناك. وكذلك الإنسان حين يقرر ألا يجعل ماضيه مقبرة لمستقبله. قد يحمل في ذاكرته آثار ما حدث، لكنه لا يمنح تلك الآثار حق تحديد ما سيحدث.
والكاتب تحديدًا مطالب بأن يفعل ذلك مع قلمه أن يعيد للكلمات حرارتها وللجمل نبضها، وللنص روحه أن يتخلص من اللغة التي استهلكها الألم، ويمنح نفسه فرصة لاكتشاف لغة أكثر اتزانًا، لا تنكر ما حدث، لكنها لا تبقى أسيرة له فالتجديد في الأدب ليس مجرد تغيير المفردات، وإنما تغيير زاوية النظر قد نكتب عن الحزن ذاته مرات كثيرة لكننا في كل مرة نستطيع أن نراه من نافذة مختلفة. وقد نكتب عن الوطن، والحب، والفقد، والإنسان، والعدالة، والانتظار، لكن التجربة الإنسانية لا تنفد؛ لأن الإنسان نفسه يتغير، ولأن الأيام تضيف إلى المعنى طبقات جديدة كلما تقدمنا في العمر والتجربة
ومن هنا تأتي مسؤولية الكاتب تجاه الحياة ليس مطلوبا منه أن يجمل الواقع على نحو زائف، ولا أن يحوّل الألم إلى عبارات براقة تخفي الحقيقة. مهمته الأعمق أن يمنح الحقيقة لغة تستطيع أن تصل إلى الإنسان دون أن تفقد قسوتها أو كرامتها. أن يكتب عن الجرح دون أن يستثمر في وجع الآخرين، وعن الفقر دون أن يهين الفقراء، وعن الخسارة دون أن يحوّلها إلى متعة عابرة للقارئ
وحين يستعيد القلم عافيته، يصبح النص أكثر من كلمات متجاورة؛ يصبح محاولة لإعادة التوازن إلى شيء اختل في الداخل أو الخارج
فالأدب في جوهره ليس هروبًا من الحياة، بل طريقة أخرى لمواجهتها
وكم من كاتب ظن أن صمته الطويل يعني أنه فقد قدرته على الكتابة، ثم اكتشف بعد زمن أن الكلمات كانت فقط تعيد ترتيب نفسها في أعماقه. وكم من قلم ظن صاحبه أنه انتهى، فإذا به يعود في لحظة غير متوقعة، أكثر قوة وصدقًا، لأنه لم يعد يكتب من فراغ، وإنما من تجربة ربما لهذا تأتي بعض البدايات متأخرة، لكنها تأتي أكثر جمالًا وحين نشعر بذلك الدفء المفاجئ الذي يخبرنا بأن شيئًا ما في الداخل بدأ يتعافى، علينا ألا نخاف من العودة. لنجلس أمام الورقة، حتى لو كانت الجملة الأولى مرتبكة، وحتى لو بدا الطريق طويلًا. فالكتابة لا تطلب منا أن نكون كاملين؛ إنها تمنحنا فرصة لأن نصير أكثر اتزانًا ونحن نكتب
قد لا نستطيع تغيير الأيام التي مضت، لكننا نستطيع أن نمنحها معنى جديدا وقد لا نستطيع محو الرماد الذي خلفته العواصف، لكن بإمكاننا أن نزرع فيه شيئًا أخضر
وهناتحديدًا، يستعيد القلم عافيته؛ لا لأنه نسي ما مرّ به، بل لأنه تعلّم كيف يحوّل آثار العاصفة إلى تربة جديدة، وكيف يجعل من الكلمات نباتات تتفتح بعد الرماد، ومن الكتابة فصلًا جديدًا لا ينكر الماضي لكنه يفتح نوافذ واسعة على جمال الأيام القادمة فربما لا تكون الكتابة عودة إلى القلم بقدر ما تكون عودة الإنسان إلى نفسه!!