الدكتور محمد ازلماط - المثقف والفعل الانتخابي: من سلطة الخطاب إلى إعادة بناء الشرعية المجتمعية

مقدمة
لم يعد حضور المثقف في المجال العمومي مقصورًا على إنتاج المعرفة، أو ممارسة النقد، أو بناء المواقف من القضايا التي تشغل المجتمع، بل أصبح من الممكن أن يتخذ هذا الحضور أشكالًا أكثر مباشرة، من بينها الانخراط في الحياة السياسية والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية. غير أن انتقال المثقف من موقع إنتاج الخطاب إلى موقع المنافسة الانتخابية لا يمثل مجرد تغيير في مجال النشاط، ولا يمكن
اختزاله في إضافة صفة سياسية إلى صفته الثقافية، وإنما يضعه أمام تحول أعمق يمس طبيعة حضوره ووظيفته وعلاقته بالمجتمع وبمؤسسات السلطة وبالجمهور الذي كان يخاطبه من موقع المعرفة والنقد.
فالمثقف الذي يدخل المجال الانتخابي ينتقل من فضاء تقوم شرعيته فيه أساسًا على المعرفة والخبرة والإنتاج الفكري والقدرة على النقد والتفسير، إلى فضاء آخر تتأسس فيه الشرعية على التمثيل والاختيار الشعبي والقدرة على الإقناع والتواصل وتحويل الأفكار إلى مواقف وبرامج وممارسات. وبين المجالين تتولد أسئلة متعددة حول حدود الاستقلال الفكري، وحول قدرة المثقف على الحفاظ على مسافته النقدية وهو يخوض منافسة تحكمها قواعد حزبية وانتخابية، وحول ما إذا كان انخراطه في السياسة يؤدي إلى تعزيز وظيفته المجتمعية أم إلى إعادة تشكيلها وربما تقييدها.
ولا تكمن الإشكالية في المشاركة الانتخابية في حد ذاتها، وإنما في الشروط التي تتم داخلها هذه المشاركة والآليات التي تحكمها والآثار التي تتركها في وظيفة المثقف. فالمجال الانتخابي لا يستقبل المثقف كما هو بالضرورة، وإنما يفرض عليه أن يعيد ترتيب علاقته بالخطاب والجمهور والتنظيم السياسي والمصلحة العامة. وقد يجد نفسه أمام ضرورة التوفيق بين قناعاته الفكرية وبين مقتضيات العمل السياسي، وبين استقلاله النقدي ومتطلبات الانتماء أو الدعم الحزبي، وبين اللغة التي اعتاد أن يخاطب بها النخب واللغة التي يقتضيها التواصل مع جمهور انتخابي واسع. ومن هنا تصبح المشاركة الانتخابية لحظة اختبار حقيقية لقدرة المثقف على تحويل رصيده الرمزي والمعرفي إلى مسؤولية عملية دون أن يفقد الأسس التي منحت حضوره معناه.
ويأخذ هذا الاختبار بعدًا أكثر عمقًا عندما ننظر إلى الانتقال من إنتاج الخطاب إلى ممارسة الفعل الانتخابي. فالمثقف، في موقعه الثقافي، يستطيع أن ينتج الأفكار ويمارس النقد ويقترح البدائل، لكنه عندما يدخل المجال الانتخابي يصبح مطالبًا بتحويل هذه الأفكار إلى مواقف قابلة للتداول الاجتماعي، وإلى برامج ومبادرات وممارسات تستجيب لحاجات المواطنين. وهنا لا يعود الخطاب مجرد أداة لإنتاج المعنى، وإنما يصبح جزءًا من فعل سياسي يسعى إلى التأثير والتمثيل وتحمل المسؤولية. وبذلك تتغير طبيعة العلاقة بين المثقف والجمهور: من علاقة تقوم على التلقي والتفاعل مع الأفكار إلى علاقة تقوم، إضافة إلى ذلك، على الثقة والاختيار والمساءلة والتمثيل.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى دخول المثقف المجال الانتخابي باعتباره تخليًا بالضرورة عن وظيفته الثقافية، كما لا ينبغي اعتباره انتقالًا آليًا من الثقافة إلى السياسة، وإنما يمكن فهمه بوصفه إعادة تشكيل لوظيفته داخل المجال العمومي. فالمثقف الذي يشارك في الانتخابات يضع رصيده المعرفي والرمزي أمام اختبار جديد، ويصبح مطالبًا بإعادة تعريف علاقته بالمجتمع من خلال القدرة على الانتقال من النقد إلى الاقتراح، ومن إنتاج الخطاب إلى تحمل المسؤولية، ومن التأثير الرمزي إلى المشاركة في صناعة القرار. غير أن هذا الانتقال يظل مشروطًا بقدرته على الحفاظ على استقلاله الفكري والإنساني، وعلى ألا تتحول المشاركة السياسية إلى إلغاء للوظيفة النقدية التي تميز المثقف.
ومن هنا تبرز مسألة الشرعية المجتمعية باعتبارها إحدى أهم نتائج هذا التحول. فإذا كانت شرعية المثقف قبل دخوله المجال الانتخابي تستمد جزءًا أساسيًا من إنتاجه الفكري ومن الاعتراف بمكانته المعرفية، فإن الشرعية داخل المجال الانتخابي تخضع لمنطق مختلف يقوم على الاختيار الشعبي والثقة والقدرة على تمثيل المصالح والتعبير عن تطلعات المجتمع. ولذلك فإن دخول المثقف إلى الانتخابات لا يضيف إلى شرعيته شرعية أخرى بصورة تلقائية، بل يضعه أمام ضرورة إعادة بنائها داخل فضاء جديد، حيث لا تكفي المعرفة وحدها، ولا يكفي الرصيد الثقافي السابق، وإنما يصبح الفعل والمسؤولية والقدرة على الإنصات والتواصل والإنجاز عناصر أساسية في إنتاج الاعتراف المجتمعي.
وتأسيسًا على ذلك، تنطلق هذه الدراسة من النظر إلى المشاركة الانتخابية بوصفها لحظة تحول في مسار المثقف ووظيفته، وليست مجرد شكل من أشكال المشاركة السياسية. وهي تسعى إلى مساءلة هذا التحول من خلال أربعة مستويات مترابطة؛ يتعلق أولها بقدرة المثقف على الحفاظ على استقلاله الفكري ومسؤوليته الإنسانية عندما يدخل المجال الانتخابي، ويتصل ثانيها بمساءلة شروط المشاركة الانتخابية وآلياتها وآثارها في وظيفة المثقف، بينما يركز ثالثها على الانتقال من إنتاج الخطاب إلى ممارسة الفعل الانتخابي وما يترتب عنه من إعادة تعريف للعلاقة بين الثقافة والسياسة والمجتمع، وينتهي المستوى الرابع إلى بحث الكيفية التي يستطيع بها المثقف إعادة بناء شرعيته المجتمعية وتوسيع حضوره داخل المجال العمومي.
وعليه، فإن القضية لا تتعلق بالسؤال عما إذا كان المثقف ينبغي أن يشارك أو لا يشارك، بقدر ما تتعلق بفهم ما الذي يحدث له وللوظيفة التي يمثلها عندما يختار المشاركة. فالمشاركة الانتخابية قد تكون مجالًا لفقدان الاستقلال حين يخضع المثقف لمنطق التبعية الحزبية، لكنها قد تكون أيضًا مجالًا لإعادة تفعيل مسؤوليته المجتمعية حين يحافظ على استقلاله ويحوّل معرفته إلى فعل عمومي. وبين هذين الاحتمالين تتشكل المسافة التي يسعى هذا المقال إلى تفكيكها، من خلال مساءلة العلاقة بين الثقافة والسياسة، وبين الاستقلال والفعل، وبين الشرعية الرمزية والشرعية الانتخابية.
ومن ثم يتأسس السؤال المركزي للمقال على الصيغة الآتية: ماذا يحدث للمثقف عندما ينتقلمن إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي؟ وكيف يعيد بناء شرعيته المجتمعية؟ وهو سؤال يفتح البحث على دراسة المثقف لا باعتباره فاعلًا ثقافيًا منفصلًا عن المجتمع، ولا باعتباره سياسيًا يفقد خصوصيته الثقافية بمجرد دخوله الانتخابات، وإنما باعتباره فاعلًا يعيد التفاوض مع موقعه ووظيفته وشرعيته في لحظة انتقال من سلطة المعرفة إلى مسؤولية الفعل، ومن التأثير الرمزي إلى الاختيار الشعبي، ومن إنتاج الخطاب إلى المشاركة في بناء القرار العمومي.
الحفاظ على الاستقلال الفكري والإنساني عندما ولوج المثقف إلى المجال الانتخابي
لا يعني دخول المثقف إلى المجال الانتخابي التخلي عن استقلاله الفكري والإنساني، كما لا يعني استقلاله أن يظل بالضرورة خارج المجال السياسي. فالمسألة تتعلق أساسًا بكيفية إدارة العلاقة بين الانتماء السياسي من جهة، والاستقلال الفكري والمسؤولية الإنسانية من جهة أخرى. فالانتخابات تفتح أمام المثقف إمكانية الانتقال من إنتاج الأفكار والمواقف إلى المشاركة في التمثيل وصناعة القرار العمومي، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام منظومة من الالتزامات الحزبية والانتخابية والمؤسساتية التي قد تضغط على حريته في التفكير والتعبير. ومن هنا يصبح الحفاظ على الاستقلال ليس موقفًا سلبيًا من السياسة، وإنما ممارسة واعية داخلها.
ويبدأ هذا الاستقلال من الاحتفاظ بمرجعية فكرية سابقة على الانتماء الحزبي. فالمثقف الذي يدخل حزبًا سياسيًا ينبغي ألا يجعل الحزب مصدرًا لأفكاره، بل أن يدخل إليه حاملًا لمشروعه الفكري والقيمي، بحيث يكون الحزب إطارًا لتنظيم الممارسة وتحويل القناعات إلى برامج، لا إطارًا لإنتاج القناعة ذاتها. وبهذا المعنى يكون الانتماء السياسي اختيارًا واعيًا، لا تنازلًا عن الشخصية الفكرية.
ويترتب على ذلك التمييز بين الالتزام والتبعية. فالالتزام السياسي يعني أن يقبل المثقف قواعد العمل الجماعي، وأن يحترم البرنامج الذي اختاره، وأن يتحمل مسؤولية المواقف التي اتخذها ضمن التنظيم. أما التبعية فتعني أن يتنازل عن حقه في التفكير المستقل، وأن يصبح موقفه السياسي انعكاسًا آليًا لموقف الحزب. ولذلك فإن المثقف يحافظ على استقلاله عندما يستطيع أن يكون ملتزمًا دون أن يكون تابعًا، وأن يكون وفيًا للتنظيم دون أن يكون وفيًا له على حساب قناعاته الأساسية.
وتتجلى هذه الاستقلالية بصورة خاصة في الحق في الاختلاف. فالمثقف لا يختبر استقلاله عندما يتفق مع حزبه، وإنما عندما يجد نفسه أمام موقف لا يستطيع قبوله فكريًا أو أخلاقيًا. فإذا امتلك القدرة على إعلان اختلافه، وتقديم حججه، والمطالبة بمراجعة الموقف، فإنه يحافظ على وظيفته النقدية. أما إذا أصبح الخوف من خسارة الموقع أو التأثير الانتخابي سببًا للصمت، فإن المشاركة السياسية تبدأ في تحويل المثقف من فاعل نقدي إلى تابع تنظيمي.
ويحتاج المثقف كذلك إلى الحفاظ على استقلال لغته. فالمجال الانتخابي يقوم على الخطاب الموجه إلى الناخبين، وعلى الإقناع والتعبئة والمنافسة، ولذلك يمكن أن تدفع الضرورة الانتخابية إلى استعمال خطاب مبسط أو شعاراتي أو عاطفي. غير أن المثقف يستطيع أن يشارك في هذا المجال دون أن يتخلى عن مسؤوليته تجاه الحقيقة، فلا يحول المعرفة إلى دعاية، ولا الثقافة إلى أداة لاستقطاب الأصوات، ولا مكانته الرمزية إلى وسيلة لتضليل الناخبين. إن استقلال اللغة هنا هو جزء من استقلال الضمير.
كما أن الحفاظ على الاستقلال الإنساني يقتضي ألا يتحول الإنسان إلى مجرد ناخب. فالمواطن في المجال الانتخابي ليس رقمًا انتخابيًا، ولا ينبغي للمثقف أن ينظر إليه فقط باعتباره مصدرًا للصوت الذي يحتاج إليه للوصول إلى المؤسسة. إن المسؤولية الإنسانية تبدأ عندما يتجاوز المثقف الحساب الانتخابي الضيق إلى النظر في حاجات الناس وحقوقهم وكرامتهم ومصالحهم بعيدة المدى.
ومن هنا تصبح المسؤولية الإنسانية معيارًا لتقييم الالتزام السياسي. فإذا تعارض موقف حزبي أو انتخابي مع مبدأ أساسي من مبادئ العدالة أو الكرامة أو حقوق الإنسان، فإن المثقف يواجه اختبارًا حقيقيًا: هل يقدم مقتضيات الانضباط السياسي أم مقتضيات ضميره؟ ولا يعني ذلك أن كل اختلاف مع الحزب يقتضي الانسحاب منه، وإنما يعني أن المثقف يجب أن يحتفظ بقدرة حقيقية على المراجعة والاعتراض عندما تصبح المبادئ الأساسية موضع تهديد.
كما أن الاستقلال يتطلب الشفافية في العلاقة مع الناخبين. فالمثقف الذي يترشح للانتخابات يدخل في علاقة جديدة مع الجمهور، ولا يعود خطابه مجرد خطاب ثقافي يحتمل التأويل، بل يصبح جزءًا من عقد تمثيلي يقوم على الوعد والمساءلة. ولذلك فإن مسؤوليته تقتضي ألا يقدم وعودًا يعلم استحالتها، وألا يستخدم شهرته الثقافية لإنتاج صورة انتخابية زائفة، وأن يظل مستعدًا لمحاسبة نفسه على الفارق بين ما قاله قبل الانتخابات وما فعله بعدها.
أما الاستقلال الإنساني، فيقتضي أيضًا أن يحتفظ المثقف بحق العودة إلى موقع النقد بعد الممارسة. فالمنتخب المثقف لا ينبغي أن يتحول بمجرد وصوله إلى المؤسسة إلى شخص محصن ضد النقد. بل إن تجربته السياسية يمكن أن تصبح موضوعًا لإعادة النظر والتقييم، بما يسمح له بأن يكتشف حدود أفكاره السابقة وأن يعيد بناء مواقفه على ضوء التجربة. وهنا يتحول المجال الانتخابي إلى فضاء للتعلم السياسي، لا إلى نهاية لمسار المثقف.
وتكتسب مسألة الانتقال من حزب إلى آخر معناها داخل هذا الإطار. فالمثقف المستقل لا يُقاس بثباته الأبدي على الانتماء التنظيمي، وإنما بقدرته على تفسير تحولاته السياسية انطلاقًا من تحولات فكرية أو قيمية واضحة. فإذا غادر حزبًا لأنه لم يعد يجد فيه مجالًا لممارسة قناعاته، فقد يكون الانتقال تعبيرًا عن الاستقلال. أما إذا أصبح الانتقال تابعًا لتحولات المواقع وفرص الفوز والنفوذ، فإنه قد يكشف عن انتقال من الالتزام بالمبدأ إلى الالتزام بالمصلحة.
ومن ثم، فإن الحفاظ على الاستقلال الفكري والإنساني لا يعني الحياد السياسي بالضرورة، بل يعني امتلاك معيار مستقل للحكم على المواقف السياسية. يستطيع المثقف أن يكون منحازًا إلى العدالة والحرية وحقوق الإنسان، وأن يشارك في حزب أو انتخابات، دون أن يصبح تابعًا له. فالاستقلال لا يعني غياب الموقف، وإنما يعني أن يكون للمثقف موقفه الذي يستطيع أن يراجعه ويبرره ويدافع عنه حتى عندما لا ينسجم مع مقتضيات التنظيم.
ويمكن بناء هذه العلاقة في حركة تشكلية:
الاستقلال الفكري → الاختيار السياسي → المشاركة الانتخابية → الالتزام التنظيمي → الممارسة → الاختلاف والنقد → المسؤولية الإنسانية → إعادة تقييم الموقف.
وبذلك لا يكون المجال الانتخابي نقيضًا للمجال الثقافي، وإنما يصبح فضاءً لاختبار ما ينتجه المجال الثقافي من قيم وأفكار. فالمثقف قبل الانتخابات يتحدث عن الإنسان والعدالة والحرية، أما بعد دخوله المجال الانتخابي فإنه يواجه السؤال العملي: كيف تتحول هذه المفاهيم إلى مواقف وبرامج وقرارات؟ وهنا بالضبط يتحدد الفرق بين ثقافة تُستخدم انتخابيًا وثقافة تدخل الانتخابات لكي تجعل السياسة أكثر إنسانية.
وعليه، فإن الحفاظ على الاستقلال الفكري والإنساني عندما يدخل المثقف إلى المجال الانتخابي يقوم على أن يظل الانتماء السياسي في مرتبة الوسيلة، وأن تبقى القيم الإنسانية في مرتبة الغاية؛ وأن يكون الالتزام الحزبي قابلًا للنقد والمراجعة؛ وأن يظل الاختلاف ممكنًا؛ وأن تبقى علاقة المثقف بالناخب قائمة على الصدق والمساءلة؛ وأن يظل الإنسان، لا الموقع الانتخابي، هو المعيار النهائي للممارسة.
وفي هذا المعنى، لا تكمن قوة المثقف في أن يبتعد عن الانتخابات خوفًا من فقدان استقلاله، ولا في أن يدخلها بحثًا عن النفوذ، وإنما في أن يستطيع العبور إلى المجال الانتخابي دون أن يفقد المرجعية التي جعلت من ثقافته وإبداعه فعلًا ذا قيمة إنسانية في الأصل. فالانتخابات تمنحه موقعًا للتأثير، لكن استقلاله هو الذي يمنح هذا التأثير مشروعيته.
و تتحدد المحافظة على الاستقلال الفكري في مجموعة من الآليات المترابطة، لا في مجرد اتخاذ موقف من المشاركة أو عدمها.أول هذه الآليات هو الفصل بين الانتماء الحزبي والاقتناع الفكري. فالمثقف يستطيع أن ينتمي إلى حزب وأن يشارك في الانتخابات، من دون أن يجعل الحزب مصدرًا نهائيًا للحقيقة. فالانتماء هنا وسيلة لتنظيم الفعل السياسي وتحويل الأفكار إلى برامج، وليس تفويضًا للمؤسسة الحزبية لكي تحل محل ضمير المثقف. ولذلك يظل من حقه أن يراجع موقف الحزب وأن يعترض على ما يراه متعارضًا مع مبادئه.
وثانيها تحويل المعرفة إلى مسؤولية انتخابية. فالمثقف لا يدخل المجال الانتخابي باعتباره شخصًا يبحث عن موقع، وإنما باعتباره حاملًا لرصيد معرفي وثقافي يفترض أن ينعكس على نوعية الخطاب والبرنامج والمواقف التي يقدمها للناخبين. وهنا تصبح الثقافة مصدرًا لتجويد الممارسة السياسية، لا مجرد وسيلة لاكتساب الشعبية.
وثالثها الحفاظ على حق النقد من الداخل. وهذه ربما هي الآلية الأهم؛ لأن استقلال المثقف لا يُختبر عندما يكون خارج التنظيم، وإنما عندما يصبح جزءًا منه. فإذا استطاع أن ينتقد الحزب الذي ينتمي إليه، وأن يعترض على قرار يتعارض مع قناعته، وأن يعلن موقفه عندما يرى أن المصلحة العامة تتطلب ذلك، فإنه يحافظ على المسافة الضرورية بين الالتزام والتبعية.
ورابعها جعل الإنسان معيارًا للموقف السياسي. فالمثقف لا يستطيع أن يجعل الحساب الانتخابي معيارًا وحيدًا لمواقفه. فقد يكون موقف ما مفيدًا انتخابيًا لكنه ضار بفئة اجتماعية معينة، وقد يكون الدفاع عن حق إنساني أقل شعبية ولكنه أكثر اتساقًا مع المسؤولية الأخلاقية. هنا ينبغي أن تتقدم كرامة الإنسان وحقوقه على مصلحة الموقع الانتخابي.
وخامسها الشفافية في التحول السياسي. فإذا انتقل المثقف من حزب إلى آخر، فإن استقلاله يقتضي أن يشرح أسباب الانتقال وأن يبين ما الذي تغير في قناعاته أو في برنامج الحزب السابق أو الجديد. فالمشكلة ليست في تغيير الانتماء، وإنما في أن يصبح الانتقال بلا مبرر فكري واضح، أو أن يتكرر تبعًا لتغير فرص الوصول إلى الموقع.
وسادسها عدم توظيف الإبداع بوصفه أداة انتخابية محضة. فالشاعر والروائي والناقد والفيلسوف وغيرهم يمتلكون رأسمالًا رمزيًا خاصًا، وقد يمنحهم حضورهم الثقافي ثقة الجمهور. لكن استعمال هذا الرصيد فقط للوصول إلى الأصوات يمكن أن يحول الإبداع الثقافي إلى وسيلة انتخابية. أما إذا ظل الإبداع مستقلًا، وأصبحت المشاركة السياسية امتدادًا للمسؤولية الثقافية، فإن العلاقة تكون أكثر توازنًا.ومن هنا يمكن صياغة الآلية كلها في حركة متكاملة:
المعرفة الثقافية → الموقف السياسي → المشاركة الانتخابية → الالتزام الحزبي → ممارسة النقد → حماية الاستقلال → المسؤولية الإنسانية → المساءلة.
وهذه الحركة لا تسير في خط مستقيم؛ فالمشاركة تعيد اختبار الموقف، والممارسة تكشف حدود الالتزام، والنقد يعيد تشكيل الموقف، والمسؤولية الإنسانية تعيد توجيه المشاركة.وبذلك لا يكون السؤال: هل يشارك المثقف في الانتخابات؟ وإنما:كيف يدخل المثقف المجال الانتخابي دون أن يتحول من صاحب رسالة إلى تابع، وكيف يحول التزامه السياسي إلى ممارسة للمسؤولية الإنسانية، مع احتفاظه بحقه في النقد والمراجعة والاختلاف؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يصبح المجال الانتخابي مختبرًا أخلاقيًا للمثقف: فخارج الانتخابات يمكن للمثقف أن يعلن قيمه، أما داخلها فيُختبر مدى قدرته على تحويل هذه القيم إلى موقف وممارسة وقرار.
مساءلة شروط المشاركة وآلياتها ونتائجها على وظيفة المثقف
إن مساءلة علاقة المثقف بالمجال الانتخابي تقتضي الانتقال من سؤال المشاركة في حد ذاتها إلى تحليل الشروط التي تجعل هذه المشاركة ممكنة، والآليات التي تنتظم من خلالها، والنتائج التي تترتب عنها على وظيفة المثقف وموقعه داخل المجال العمومي. فالمشاركة الانتخابية ليست فعلًا معزولًا عن بنية سياسية ومؤسساتية وتنظيمية، وإنما تتشكل داخل شبكة من العلاقات التي تحدد إمكانات الفعل وحدوده، وتعيد توزيع الأدوار بين المثقف والحزب والناخب والمؤسسة. ولذلك فإن دخول المثقف إلى المجال الانتخابي ينبغي أن يُدرس بوصفه سيرورة لإعادة تشكيل موقع الفاعل الثقافي داخل المجال السياسي.
ويبدأ تحليل شروط المشاركة من طبيعة المجال الذي يستقبل المثقف. فالمشاركة الانتخابية تقتضي وجود إطار قانوني ومؤسساتي يحدد شروط الترشح والانتماء والتنظيم والتمثيل، كما تقتضي وجود تنظيمات سياسية ومدنية تسمح بتحويل القناعة الفردية إلى فعل جماعي. ويأتي الحزب في مقدمة هذه التنظيمات، لأنه يمثل إحدى الآليات الأساسية التي تنتقل عبرها المشاركة الفردية إلى المجال المؤسسي. غير أن حضور الحزب لا يلغي تعدد مداخل المشاركة، إذ يمكن أن تتقاطع مع العمل النقابي والمدني والحقوقي والثقافي، بما يجعل المجال الانتخابي جزءًا من بنية أوسع للمشاركة في الشأن العام.
وفي حالة المثقف، تضاف إلى هذه الشروط المؤسسية شروط أخرى تتصل بطبيعة موقعه الرمزي. فالمثقف يدخل المجال الانتخابي حاملًا معه تاريخًا من الكتابة والإنتاج الفكري والإبداعي، ورصيدًا من الثقة أو التأثير لدى فئة من الجمهور. وهذا الرصيد قد يكون عنصر قوة في المشاركة، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى مصدر ضغط؛ لأن الجمهور قد ينتظر من المثقف أن يحافظ على المواقف والقيم التي عرف بها، في حين قد تفرض عليه المنافسة الانتخابية مقتضيات مختلفة. ومن هنا تصبح المشاركة عملية تفاوض بين الرصيد الثقافي ومتطلبات الفعل السياسي.
أما آليات المشاركة فتتمثل في التنظيم الحزبي، والترشح، والحملة الانتخابية، والتواصل مع الناخبين، والبرنامج السياسي، ثم التمثيل داخل المؤسسة المنتخبة. وهذه الآليات لا تعمل بصورة محايدة، لأنها تعيد تشكيل خطاب المثقف وطريقة حضوره وعلاقته بالجمهور. فالمثقف الذي اعتاد إنتاج خطاب معرفي أو أدبي مركب يجد نفسه داخل المجال الانتخابي أمام ضرورة التواصل مع جمهور واسع، والدخول في خطاب سياسي قابل للتداول والتعبئة، والمشاركة في قرارات جماعية. وهنا يمكن أن يحدث تحول في طبيعة الخطاب ذاته، إذ ينتقل من خطاب يهدف إلى إنتاج المعرفة أو مساءلة الواقع إلى خطاب يسعى أيضًا إلى الإقناع واستقطاب الدعم.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة فقدان المثقف لوظيفته الثقافية. فالمسألة تتوقف على كيفية توظيف الرصيد الثقافي داخل الممارسة السياسية. فإذا أصبحت الثقافة مجرد أداة لبناء صورة انتخابية، انكمشت الوظيفة النقدية للمثقف لصالح الوظيفة الدعائية. أما إذا استُثمرت المعرفة في تحليل المشكلات الاجتماعية، وبناء البرامج، وتفسير الخيارات السياسية، والدفاع عن الحقوق، فإن المشاركة يمكن أن توسع وظيفة المثقف بدل أن تلغيها.
وتظهر هنا إشكالية الالتزام الحزبي بوصفها إحدى أهم آليات المشاركة. فالعمل السياسي الجماعي يتطلب قدرًا من الانضباط، لكن هذا الانضباط لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء للاستقلال الفكري. فالمثقف مطالب بأن يوازن بين مقتضيات العمل التنظيمي وحقه في النقد والمراجعة والاختلاف. وكلما استطاع أن يحتفظ بهذه القدرة، أمكن النظر إلى مشاركته باعتبارها فعلًا سياسيًا مستقلًا نسبيًا؛ وكلما تضاءلت هذه القدرة، اقتربت المشاركة من التبعية التنظيمية.
وتتصل بذلك نتائج المشاركة على وظيفة المثقف. فالنتيجة الأولى تتمثل في انتقال المثقف من موقع المراقبة والتحليل إلى موقع الفعل والتأثير. إنه لم يعد يكتفي بتفسير الواقع، بل يصبح شريكًا في بعض القرارات التي تعيد تنظيمه. وهذا الانتقال يضاعف مسؤوليته، لأن الفكرة عندما تدخل المؤسسة تتحول إلى قرار، والقرار يترتب عليه أثر اجتماعي ملموس.
أما النتيجة الثانية فتتمثل في إعادة تشكيل العلاقة مع الجمهور. ففي المجال الثقافي يكون الجمهور قارئًا أو متلقيًا أو محاورًا، بينما يصبح في المجال الانتخابي ناخبًا وشريكًا في منح الشرعية التمثيلية. وهذا التحول يفرض على المثقف درجة أعلى من الوضوح والمساءلة، لأن العلاقة لم تعد قائمة فقط على التأثير الرمزي، وإنما أصبحت قائمة على التمثيل السياسي.
وتتمثل النتيجة الثالثة في احتمال تعرض الاستقلال الفكري لضغوط جديدة. فالمثقف المنتخب قد يجد نفسه أمام التزامات تنظيمية ومواقف جماعية وحسابات انتخابية وتحالفات سياسية، وكلها يمكن أن تحد من قدرته على التعبير عن مواقفه الخاصة. ولذلك فإن الاستقلال لا يصبح قيمة مجردة، بل يتحول إلى ممارسة يومية تتطلب قدرة على التفاوض مع التنظيم دون التخلي عن المبادئ.
أما النتيجة الرابعة فتتصل بإمكان تحول المشاركة إلى إعادة تعريف للمسؤولية الثقافية. فإذا كان المثقف قبل الانتخابات مسؤولًا عن إنتاج المعرفة ونقد الواقع، فإنه بعد دخوله المؤسسة يصبح مسؤولًا أيضًا عن الآثار التي تنتج عن القرارات التي يشارك فيها. وبذلك تتوسع المسؤولية من مسؤولية الخطاب إلى مسؤولية الفعل، ومن مساءلة الآخرين إلى مساءلة الذات.
ومن هنا فإن المشاركة الانتخابية قد تنتج مسارين متناقضين. المسار الأول هو تسييس الثقافة بمعنى تحويل الرصيد الثقافي إلى أداة للمنافسة والتموقع، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف الاستقلال النقدي. والمسار الثاني هو تثقيف السياسة بمعنى إدخال المعرفة والنقد والقيم الإنسانية إلى المجال السياسي، وهو ما يمكن أن يمنح مشاركة المثقف قيمة تتجاوز حدود التمثيل الانتخابي.
وهذا التمييز يسمح بإعادة صياغة المسألة في إطار أكثر دقة: ليست المشكلة في أن يصبح المثقف سياسيًا، وإنما في نوع العلاقة التي يقيمها بين الثقافة والسياسة. فإذا أخضعت الثقافة لمنطق المنافسة السياسية فقد المثقف جزءًا من استقلاله؛ وإذا استخدم معرفته لتوسيع أفق الممارسة السياسية وجعلها أكثر ارتباطًا بالمصلحة العامة، أمكن أن تتحول المشاركة إلى امتداد لوظيفته الثقافية.
ومن ثم فإن نتائج المشاركة لا ينبغي أن تُقاس فقط بالموقع الذي يصل إليه المثقف، وإنما بالتحول الذي تحدثه المشاركة في وظيفته وفي منظومته القيمية. هل يصبح أكثر قدرة على التأثير؟ هل يفقد جزءًا من استقلاله؟ هل تتسع مسؤوليته؟ هل يعيد النظر في مواقفه؟ هل يتحول من منتج للخطاب إلى شريك في إنتاج القرار؟ وهل يستطيع، بعد دخوله المؤسسة، أن يحتفظ بالقدرة على نقد المؤسسة نفسها؟
وتتخذ هذه المساءلة في النهاية شكل حركة تشكلية:
شروط المشاركة → آليات الولوج → الالتزام التنظيمي → الممارسة الانتخابية → التمثيل المؤسسي → اختبار الاستقلال → إعادة تشكيل الوظيفة الثقافية → المسؤولية الإنسانية.
وبذلك تصبح دراسة المثقف في المجال الانتخابي دراسةً في تحول الوظيفة الثقافية نفسها عندما تنتقل من فضاء إنتاج المعنى إلى فضاء إنتاج القرار. فالانتخابات لا تغير فقط موقع المثقف، وإنما يمكن أن تعيد تشكيل مفهوم الثقافة لديه، ومفهوم الالتزام، ومفهوم المسؤولية، وحدود علاقته بالحزب والجمهور والمؤسسة.
وعليه، فإن السؤال الحاسم لا يتمثل في معرفة ما إذا كانت المشاركة الانتخابية تزيد المثقف قوة أو تضعفه، وإنما في الكشف عن الشروط والآليات التي تجعلها إما امتدادًا لوظيفته النقدية والإنسانية، وإما سببًا في انحسار هذه الوظيفة أمام منطق التنظيم والمنافسة والموقع. وهذا هو المستوى الذي تصبح فيه المشاركة الانتخابية موضوعًا لتحليل وظيفة المثقف، لا مجرد موضوع للحكم على موقفه السياسي.
من إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي
يمثل انتقال المثقف من إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي تحولًا نوعيًا في طبيعة علاقته بالمجال العمومي؛ فالمثقف الذي كان يمارس تأثيره أساسًا من خلال الكتابة والنقد والتحليل وإنتاج الأفكار، يجد نفسه، بمجرد دخوله المجال الانتخابي، أمام نمط آخر من الفعل يقوم على المبادرة والاقتراح والتمثيل والمساءلة وتحمل المسؤولية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد انتقال من فضاء ثقافي إلى فضاء سياسي، وإنما بإعادة تشكيل لوظيفة المثقف ذاتها، لأن الخطاب الذي كان ينتج في فضاء المعرفة والنقد يصبح مطالبًا بأن يتحول إلى مواقف وبرامج واختيارات قابلة للعرض على المواطنين وقابلة كذلك للتقييم والمساءلة. ومن ثم فإن الفعل الانتخابي يضع المثقف أمام اختبار مختلف: هل يستطيع أن يحول الرصيد الرمزي الذي اكتسبه من إنتاج المعرفة إلى قدرة على الفعل العمومي دون أن يفقد استقلاله الفكري والإنساني؟
تكشف هذه النقلة أولًا عن تغير في طبيعة السلطة التي يستند إليها المثقف. ففي المجال الثقافي، تتأسس شرعيته أساسًا على المعرفة والقدرة على التحليل والنقد والإقناع، بينما تتخذ الشرعية في المجال الانتخابي صورة أخرى، لأنها تصبح مرتبطة بالاختيار الشعبي وبالقدرة على تمثيل مصالح المواطنين وتحويل المطالب الاجتماعية إلى قضايا عمومية وبرامج قابلة للتنفيذ. ومن هنا لا يعود المثقف قادرًا على الاكتفاء بامتلاك الخطاب، لأن الخطاب الانتخابي لا يكتسب فاعليته من قيمته الفكرية وحدها، وإنما من قدرته على الانتقال إلى المجال العملي. وهذا ما يجعل المنافسة الانتخابية لحظة كاشفة لحدود السلطة الرمزية للمثقف؛ إذ إن الرصيد الثقافي لا يتحول بصورة آلية إلى شرعية انتخابية، كما أن المكانة العلمية أو الأدبية لا تكفي وحدها لإنتاج الثقة السياسية. فالانتخابات تنقل المثقف من وضعية المتكلم في الشأن العام إلى وضعية الفاعل الذي يُطلب منه أن يبرهن على قدرته على تمثيل الآخرين.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الفعل الانتخابي بوصفه انتقالًا من سلطة الخطاب إلى مسؤولية الفعل. فالخطاب النقدي يسمح للمثقف بأن يطرح الأسئلة، ويفكك البنى القائمة، ويكشف التناقضات، ويقترح إمكانات بديلة؛ أما الفعل الانتخابي فيطالبه بما هو أبعد من ذلك: أن يحدد الأولويات، وأن يختار، وأن يقترح، وأن يدخل في عملية تفاوض اجتماعي وسياسي، وأن يقبل في النهاية بأن يخضع اختياره لحكم المواطنين. ولذلك فإن المشاركة الانتخابية لا تلغي الوظيفة النقدية للمثقف، لكنها تعيد تعريفها داخل شروط جديدة؛ إذ ينتقل النقد من موقع المراقبة والمساءلة الخارجية إلى موقع المشاركة في صناعة القرار وتحمل تبعاته.
وهنا تبرز أهمية المثقف، الذي لا يحصر وظيفته في النشاط الفكري المجرد، بل يربطها بوظائف اجتماعية وتنظيمية وسياسية. فالمثقف، في تصوره، لا يوجد خارج البنية الاجتماعية، وإنما يؤدي وظيفة داخلها، وقد تتصل هذه الوظيفة بالتنظيم والتوجيه وصناعة الرؤية المشتركة. ولذلك فإن الانتقال من إنتاج الأفكار إلى تنظيم الفعل ليس غريبًا عن الوظيفة الاجتماعية للمثقف، بل يمكن أن يمثل أحد امتداداتها عندما تنتقل المعرفة من مستوى التفسير إلى مستوى الممارسة (غرامشي، 1971، ص. 5–23).
غير أن هذا الانتقال لا يخلو من مفارقة أساسية؛ فكلما اقترب المثقف من المجال السياسي ازدادت قدرته المحتملة على التأثير، لكنها قد تزداد معها أيضًا مخاطر خضوعه لشروط المجال السياسي ومنطقه الخاص. فالمنافسة الانتخابية تقوم على بناء التحالفات، واستقطاب الناخبين، وتحديد المواقف، والتواصل المستمر، والاستجابة للحاجات الاجتماعية المباشرة، وهي شروط قد تدفع المثقف إلى إعادة صياغة خطابه بما يتلاءم مع متطلبات المنافسة. وهنا يصبح السؤال المتعلق بالاستقلالية أكثر إلحاحًا: كيف يحافظ المثقف على استقلال حكمه الفكري عندما يصبح جزءًا من عملية سياسية تتطلب الاصطفاف والالتزام واتخاذ القرار؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء المجال السياسي بوصفه مجالًا له قواعده الخاصة، وفيه لا تكفي الكفاءة أو المعرفة العامة للدخول الفعلي في عملية إنتاج الخطاب السياسي والتأثير فيها. فالمجال السياسي يتطلب امتلاك أشكال معينة من الكفاءة والموارد والقدرة على الحضور داخله، الأمر الذي يجعل انتقال المثقف إليه انتقالًا بين مجالين مختلفين من حيث منطق العمل وأشكال الاعتراف. ولذلك فإن دخول المثقف إلى المنافسة الانتخابية لا يعني ببساطة نقل رأس ماله الثقافي إلى المجال السياسي، وإنما يفرض عليه إعادة تحويل هذا الرصيد واكتساب أشكال جديدة من الكفاءة والشرعية. وقد تم جعل العلاقة بين المعرفة والسياسة؛ من إمكان توظيف القوة النقدية للعلم في المجال السياسي جزءًا من سؤاله حول المجال السياسي وشروط المشاركة فيه (بورديو، 2000، ص. 7–10، 45–48).
ومن جهة أخرى، فإن الفعل الانتخابي يغير علاقة المثقف بالجمهور. ففي المجال الثقافي قد يكون الجمهور متلقيًا للكتاب أو المقال أو المحاضرة أو الموقف النقدي، أما في المجال الانتخابي فإنه يتحول إلى مواطن يمتلك سلطة الاختيار والمساءلة. ولذلك تصبح العلاقة بين المثقف والجمهور علاقة أكثر مباشرة وأقل تجريدًا؛ فالمواطن لا يكتفي هنا بالاستماع إلى خطاب المثقف، بل يملك أن يمنحه أو يحجبه تفويضًا سياسيًا. وهذه النقلة تجعل من الانتخابات آلية لتحويل الاعتراف الرمزي إلى اعتراف سياسي قابل للقياس، وتجعل من الثقة عنصرًا حاسمًا في بناء الشرعية.
وهذا ما يفسر أهمية المجال العمومي في فهم هذه العملية؛ إذ إن المجال العمومي، يقوم على التواصل حول القضايا ذات الاهتمام العام؛ وعلى تشكل الرأي العام من خلال النقاش والتداول. مع الربط بين التواصل العمومي وبين تكوين الرأي العام وممارسة التأثير في المؤسسات السياسية (هابرماس، 1989، ص. 57–88، 181–235). ومن ثم فإن ولوج المثقف إلى المجال الانتخابي يمكن النظر إليه باعتباره انتقالًا من المساهمة في تشكيل النقاش العمومي إلى محاولة التأثير المباشر في القرار العمومي عبر آلية التمثيل الانتخابي.
غير أن هذا الانتقال لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تخليًا عن الخطاب لصالح الممارسة، لأن الفعل الانتخابي نفسه يحتاج إلى خطاب، وإنما الذي يتغير هو وظيفة الخطاب. فالخطاب الثقافي قد يكتفي بالكشف والتفسير والنقد، في حين يصبح الخطاب الانتخابي مطالبًا بتحويل المعرفة إلى برنامج، والموقف إلى اقتراح، والنقد إلى بديل، والتشخيص إلى سياسة عمومية. وبذلك يتحول السؤال من: ماذا يقول المثقف؟ إلى: ماذا يستطيع أن يفعل بما يقوله؟ وهذه النقلة هي التي تمنح الفعل الانتخابي قيمته بوصفه اختبارًا عمليًا للخطاب، لأن الأفكار لا تعود معروضة فقط في فضاء النقاش، وإنما تصبح مرتبطة بإمكان ترجمتها إلى اختيارات وقرارات وممارسات.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المثقف الذي يمارس السياسة بخطابه والمثقف الذي يدخل السياسة بفعلها. ففي الحالة الأولى يحتفظ المثقف بموقع نقدي يستطيع من خلاله مساءلة السلطة والأحزاب والمؤسسات والبرامج، أما في الحالة الثانية فإنه يصبح جزءًا من العملية التي كان يراقبها وينقدها. وهذا التحول قد يمنحه قدرة أكبر على التأثير، لكنه يحمّله في الوقت نفسه مسؤولية أكبر تجاه نتائج مواقفه. فإذا كان الخطاب يسمح بدرجة من المسافة بين الفكرة ونتائجها، فإن الفعل الانتخابي يضيّق هذه المسافة؛ إذ يصبح المثقف مسؤولًا عن الموقف الذي اتخذه، وعن البرنامج الذي قدمه، وعن التمثيل الذي طلب تفويضًا لممارسته.
وتتأكد هذه المسألة في الضرورة أن يحتفظ المثقف بقدرته على مساءلة السلطة وألا يتحول إلى مجرد تابع للجمهور أو المؤسسة أو الجماعة التي تمنحه الاعتراف. وأيضا في ربط وظيفة المثقف بمواجهة السلطة وبالحفاظ على القدرة النقدية، وجعل العلاقة مع الجمهور جزءًا من المشكلة الأخلاقية والسياسية للمثقف: فهل يسعى إلى إرضاء جمهوره أم إلى دفعه نحو مزيد من المشاركة والنقد؟ (سعيد، 2005، ص. 18، 21، 38، 42–43). ومن هذه الزاوية، لا تصبح المشاركة الانتخابية نقيضًا بالضرورة للاستقلال الفكري، وإنما يصبح معيارها الحقيقي هو قدرة المثقف على تحويل المشاركة إلى ممارسة مسؤولة دون أن يفقد المسافة النقدية التي تمنح فعله قيمته الفكرية والأخلاقية.
وعليه، فإن دخول المثقف إلى المنافسة الانتخابية ينبغي ألا يُقاس فقط بقدرته على الفوز بمقعد أو الحصول على أصوات، بل بقدرته على إعادة صياغة العلاقة بين المعرفة والمجتمع والفعل. فالمثقف الذي ينتقل إلى المجال الانتخابي يواجه امتحانًا مزدوجًا: امتحان تحويل المعرفة إلى فعل، وامتحان تحويل الفعل إلى مسؤولية. وإذا كان الفوز الانتخابي يمثل في مستواه المباشر اعترافًا بإرادة الناخبين، فإن الشرعية الأعمق لا تتحدد لحظة إعلان النتائج، وإنما تتشكل من خلال القدرة على الوفاء بالوعود، والدفاع عن المصلحة العامة، وممارسة التمثيل بوصفه مسؤولية لا امتيازًا، والحفاظ على الاستقلال الفكري في مواجهة ضغوط الانتماء والمنافسة.
ومن ثم فإن الانتقال من إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي لا يمثل خروجًا من المجال الثقافي بقدر ما يمثل إعادة تركيب لوظيفة المثقف داخل المجال العمومي. فالمثقف لا يتخلى عن المعرفة عندما يدخل الانتخابات، وإنما يُطلب منه أن يعيد اختبارها في الواقع؛ ولا يتخلى عن النقد عندما يصبح فاعلًا سياسيًا، وإنما يصبح مطالبًا بتحويل النقد إلى اقتراح؛ ولا يفقد صفته الثقافية عندما يمارس التمثيل، وإنما تصبح صفته الثقافية أكثر مسؤولية لأنها تدخل في علاقة مباشرة مع مصالح المواطنين وانتظاراتهم. وهكذا يصبح الفعل الانتخابي لحظة انتقال من إنتاج المعنى إلى تحمل تبعاته، ومن التأثير الرمزي إلى المسؤولية العمومية، ومن سلطة الخطاب إلى شرعية الفعل.
وبهذا المعنى، فإن القيمة الحقيقية لمشاركة المثقف في الانتخابات لا تكمن في انتقاله من موقع إلى آخر فحسب، وإنما في قدرته على بناء جسر بين المجالين الثقافي والسياسي، بحيث لا تتحول الثقافة إلى أداة للدعاية، ولا تتحول السياسة إلى قيد على الفكر، وإنما يصبح الفعل الانتخابي امتدادًا لمسؤولية المثقف تجاه المجتمع. وفي هذه المنطقة تحديدًا تبدأ عملية إعادة بناء الشرعية المجتمعية التي ستشكل الحلقة التالية في مسار المقال: فبعد أن كان المثقف يطلب الاعتراف بسلطة المعرفة، يصبح مطالبًا باكتساب ثقة المواطنين من خلال مسؤولية الفعل.
إعادة بناء الشرعية المجتمعية وآفاق المشاركة العمومية
إذا كان انتقال المثقف من إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي يمثل تحولًا في طبيعة الممارسة، فإن هذا التحول لا يكتمل بمجرد الوصول إلى موقع التمثيل، لأن الفوز الانتخابي لا يمثل نهاية المسار، وإنما يشكل بداية امتحان جديد يتعلق بالقدرة على تحويل التفويض الانتخابي إلى شرعية مجتمعية مستدامة. فالشرعية التي يحصل عليها المرشح من صناديق الاقتراع تظل، في جوهرها، شرعية إجرائية ومؤقتة، بينما تتشكل الشرعية المجتمعية الأوسع من خلال الممارسة اليومية للتمثيل، والقدرة على الإنصات إلى المواطنين، والاستجابة لمطالبهم، والدفاع عن المصلحة العامة، والوفاء بالالتزامات التي تأسس عليها التفويض. ومن ثم فإن دخول المثقف إلى المجال الانتخابي يضعه أمام انتقال جديد: من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية إلى بناء الثقة في قدرته على تمثيل المجتمع وتحمل المسؤولية تجاهه.
وهنا ينبغي التمييز بين الشرعية الانتخابية والشرعية المجتمعية. فالأولى تتأسس على نتيجة انتخابية محددة وتمنح صاحبها تفويضًا قانونيًا لممارسة وظيفة تمثيلية، أما الثانية فهي أكثر اتساعًا وتعقيدًا، لأنها تتشكل داخل العلاقة المستمرة بين الفاعل السياسي والمجتمع. ولذلك لا يكفي أن يحصل المثقف على أصوات الناخبين حتى تتحول مكانته الثقافية إلى شرعية اجتماعية وسياسية مستقرة؛ بل عليه أن يحافظ على الثقة التي أنتجها التصويت وأن يبرهن من خلال الممارسة على أن دخوله المجال الانتخابي لم يكن مجرد انتقال من فضاء ثقافي إلى فضاء للامتياز السياسي، وإنما انتقال إلى فضاء للمسؤولية العمومية.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من طبيعة التمثيل السياسي ذاته؛ فالتمثيل لا يعني مجرد حلول شخص محل مجموعة من المواطنين، وإنما يفترض علاقة مستمرة بين الممثل والمُمثَّلين. لأن التمثيل الديمقراطي لا ينبغي اختزاله في لحظة الانتخابات، وإنما يرتبط بأشكال متعددة من التأثير والمشاركة والرقابة الشعبية، وبالحضور السياسي للأفكار والخطاب داخل المؤسسات التمثيلية (Urbinati, 2006, pp. 1–16). وبناء على ذلك، فإن المثقف الذي يدخل المجال الانتخابي لا يصبح ممثلًا بمجرد فوزه، وإنما تبدأ مسؤوليته التمثيلية الحقيقية بعد الفوز، عندما يصبح مطالبًا بتحويل الأفكار التي حملها في خطابه إلى مواقف وسياسات وممارسات قابلة للمساءلة.
ومن هنا فإن إعادة بناء الشرعية المجتمعية لا تعني إعادة إنتاج الشرعية الثقافية بأدوات سياسية، بل تعني بناء علاقة جديدة مع المجتمع تقوم على الثقة والإنصات والتمثيل والمساءلة والنتائج. فالمثقف يمتلك قبل دخوله الانتخابات رأسمالًا رمزيًا قد يكون ناتجًا عن المعرفة أو البحث أو الكتابة أو التدريس أو المشاركة في النقاش العمومي، لكن هذا الرأسمال لا ينتقل بصورة آلية إلى المجال الانتخابي. إن المواطن لا يصوت للمثقف لأنه مثقف فحسب، وإنما لأنه يفترض أن ثقافته يمكن أن تتحول إلى قدرة على فهم مشكلاته وتمثيل مصالحه والدفاع عنها. وهنا تتغير وظيفة المعرفة: لم تعد قيمتها في إنتاج خطاب يصف الواقع أو ينقده فحسب، بل في قدرتها على المساهمة في تغييره.
ولهذا فإن الشرعية المجتمعية الجديدة التي يسعى المثقف إلى بنائها لا تقوم على التفوق المعرفي على المواطنين، وإنما على القدرة على تحويل المعرفة إلى خدمة عمومية. فالمثقف الذي يدخل المجال الانتخابي لا ينبغي أن يتعامل مع الناخب باعتباره مجرد متلقٍ لخطابه، بل باعتباره شريكًا في إنتاج الأولويات والاختيارات. ومن هذه الزاوية تصبح المشاركة العمومية امتدادًا طبيعيًا للفعل الانتخابي؛ إذ إن الانتخابات لا ينبغي أن تكون لحظة موسمية لاستدعاء المواطنين إلى التصويت، ثم تعود العلاقة بعد ذلك إلى حالة من الانقطاع، وإنما ينبغي أن تؤسس لشكل أكثر استمرارية من التواصل والمشاركة والرقابة، حيث ترتبط الديمقراطية بوجود فضاء للتداول والنقاش وتكوين الرأي العام، وليس فقط بآليات الاختيار الانتخابي. فالمجال العمومي يؤدي وظيفة أساسية في جعل القضايا الاجتماعية قابلة للنقاش، وفي تحويل المطالب والمواقف إلى قضايا ذات صلة بالقرار السياسي. ومن ثم فإن شرعية الفاعل السياسي لا تتأسس فقط داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما تتشكل أيضًا في المجال العمومي الذي يسمح للمواطنين بمناقشة السياسات ومساءلة ممثليهم والمشاركة في تكوين الرأي العام (Habermas, 1989, pp. 181–235.)
وفي هذا السياق، يصبح المثقف أمام مسؤولية مزدوجة: مسؤولية التمثيل داخل المؤسسة المنتخبة، ومسؤولية الإسهام في إعادة بناء المجال العمومي خارجها. فإذا اكتفى بالموقع المؤسساتي، فقد تتحول مشاركته إلى مجرد وظيفة انتخابية محدودة؛ أما إذا حافظ على صلته بالمجال العمومي، فإنه يستطيع أن يجعل من موقعه السياسي امتدادًا لدوره الثقافي، بحيث يستمر في إنتاج النقاش، وفتح إمكانات الحوار، وتفسير السياسات، والدفاع عن قيم المشاركة، ومساءلة القرارات التي تتعارض مع المصلحة العامة. وهنا تتجدد وظيفة المثقف بدل أن تنتهي بدخوله إلى المؤسسة السياسية.
غير أن هذا الأمر يقتضي أيضًا إعادة النظر في مفهوم «المشاركة العمومية». فالمشاركة لا تنحصر في التصويت، ولا في الانتماء الحزبي، ولا في الترشح للانتخابات، وإنما تشمل مجموعة من الممارسات التي تسمح للمواطنين بالتأثير في الشأن العام ومراقبة ممثليهم والمساهمة في النقاش العمومي. ولذلك فإن المثقف المنتخب يستطيع أن يجعل من موقعه الانتخابي منصة لتوسيع المشاركة بدل اختزالها، وذلك عبر الاستماع المنتظم إلى المواطنين، وفتح قنوات التواصل معهم، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالقرارات والسياسات، وتحويل القضايا المحلية والاجتماعية إلى موضوعات للنقاش العمومي.
وتظهر هنا قيمة الرصيد الثقافي للمثقف من جديد، ولكن في صورة مختلفة عن تلك التي كانت عليها قبل دخوله الانتخابات. فالمعرفة التي كانت تمنحه سلطة رمزية تصبح الآن وسيلة للوساطة بين المجتمع والمؤسسات؛ والقدرة على التحليل تصبح أداة لتفسير القرارات والسياسات؛ والقدرة على النقد تصبح آلية لممارسة الرقابة؛ والقدرة على الكتابة والتواصل تصبح وسيلة لتوسيع النقاش العمومي. وبذلك لا يختفي المثقف داخل السياسي، وإنما يعاد تشكيل دوره السياسي من داخل وظيفته الثقافية نفسها.
وتتصل هذه المسألة أيضًا بطبيعة المسؤولية التي تترتب عن التمثيل. فالمنتخب لا يمثل نفسه فقط، وإنما يدخل في علاقة تفويض مع المواطنين، وهذا التفويض يظل مشروطًا بقدرته على ممارسة التمثيل بصورة مسؤولة. وفي هذا الإطار تؤكد أوربيني أن الديمقراطية التمثيلية لا تختزل في العلاقة بين الناخب وصندوق الاقتراع، لأن التمثيل الديمقراطي يفتح المجال أمام الحكم السياسي والمداولة والصراع بين الأفكار والمواقف، بما يجعل المواطنين جزءًا من عملية سياسية تتجاوز لحظة التصويت (Urbinati, 2006, pp. 17–59).) ومن ثم فإن المثقف الذي يدخل المجال الانتخابي مطالب بأن يحافظ على حيوية هذه العلاقة، وألا يسمح بتحول التفويض إلى انفصال عن المجتمع.
ومن هنا تتخذ المساءلة مكانة مركزية في إعادة بناء الشرعية. فالمثقف الذي كان يمارس النقد قبل الانتخابات يجد نفسه بعد الانتخابات موضوعًا للنقد والمساءلة. وهذه المفارقة ليست عيبًا في المشاركة السياسية، بل تمثل أحد شروطها الديمقراطية؛ إذ إن من يدخل المجال العمومي بوصفه ناقدًا للسلطة ينبغي أن يكون مستعدًا لأن يخضع هو نفسه للمساءلة عندما يصبح جزءًا من ممارسة السلطة أو التمثيل. ولذلك فإن الشرعية المجتمعية لا تتقوى بمحاولة حماية المثقف من النقد، وإنما بقدرته على قبول النقد وتحويله إلى عنصر من عناصر تصحيح الممارسة.
وهنا تتغير أيضًا العلاقة بين المثقف والجمهور. فالجمهور الذي كان يستقبل خطابه يصبح ناخبًا ومواطنًا ومراقبًا ومساءلًا. وهذه النقلة تفرض على المثقف أن يتخلى عن التصور العمودي للعلاقة مع المجتمع، حيث يتكلم المثقف من موقع المعرفة ويتلقى المجتمع خطابه، وأن يستبدله بعلاقة أكثر أفقية تقوم على الحوار والتفاعل والتعلم المتبادل. فالمشاركة السياسية لا تنجح عندما يفترض المثقف أنه يعرف المجتمع أكثر مما يعرف المجتمع نفسه، وإنما عندما يحول معرفته إلى قدرة على الإصغاء إلى التجارب الاجتماعية المختلفة وفهمها وتمثيلها.
ومن هذه الزاوية يصبح التواضع المعرفي أحد شروط الشرعية السياسية للمثقف. فامتلاك المعرفة لا يعني امتلاك الحقيقة السياسية النهائية، كما أن القدرة على التحليل لا تعني القدرة على تمثيل جميع المصالح الاجتماعية. ولذلك فإن المثقف الذي يدخل المجال الانتخابي يحتاج إلى الانتقال من صورة «العارف الذي يتحدث عن المجتمع» إلى صورة «الفاعل الذي يتعلم مع المجتمع ويمثله ويتحمل مسؤوليته أمامه». وهذه النقلة هي التي تجعل مشاركته السياسية امتدادًا فعليًا لمسؤوليته الإنسانية، لا مجرد تحويل لرصيده الثقافي إلى رصيد انتخابي.
وبذلك يمكن النظر إلى إعادة بناء الشرعية المجتمعية بوصفها عملية مستمرة تتجاوز اللحظة الانتخابية نفسها. فالانتخابات تمنح الشرعية الأولية، لكن الممارسة هي التي تختبرها؛ والخطاب يقدم الوعود، لكن الفعل يختبر صدقيتها؛ والبرنامج يحدد التصورات، لكن النتائج تكشف قابليتها للتحقق؛ والفوز يمنح التفويض، لكن المسؤولية تحدد قيمته. ومن هنا تصبح الشرعية المجتمعية سيرورة وليست حالة ثابتة، لأنها تتجدد كلما استطاع المثقف أن يثبت أن حضوره في المجال الانتخابي يمثل إضافة إلى الحياة العامة وليس مجرد انتقال شخصي نحو موقع سياسي.
إن هذا الفهم يفتح للمثقف أفقًا يتجاوز الثنائية التقليدية بين «المثقف» و«السياسي». فالمسألة ليست في أن يختار المثقف أحد الموقعين ويتخلى عن الآخر، وإنما في أن يعيد تركيب العلاقة بين المعرفة والفعل. فالمثقف الذي يدخل الانتخابات يستطيع أن يظل مثقفًا بقدر ما يحافظ على قدرته على التفكير النقدي، وعلى استقلاله الأخلاقي، وعلى صلته بالمجتمع، وعلى استعداده لمساءلة السلطة التي أصبح جزءًا منها. وفي المقابل، يمكن للفعل السياسي أن يوسع وظيفة المثقف عندما يمنحه إمكانية الانتقال من تشخيص المشكلات إلى المشاركة في حلها، ومن إنتاج الخطاب حول المجتمع إلى تحمل المسؤولية داخله.
وعليه، فإن آفاق المشاركة العمومية لا ينبغي أن تقف عند حدود الترشح والانتخاب، بل ينبغي أن تمتد إلى بناء نموذج جديد للمثقف بوصفه فاعلًا عموميًا يجمع بين المعرفة والمسؤولية، وبين النقد والمشاركة، وبين الاستقلالية والانخراط، وبين إنتاج المعنى وتحمل نتائج الفعل. وفي هذا النموذج لا تكون السياسة نهاية للوظيفة الثقافية، كما لا تكون الثقافة مجرد أداة لتجميل الممارسة السياسية، وإنما يصبح التفاعل بينهما مجالًا لإعادة تعريف وظيفة المثقف في المجتمع.
إن المسار الذي بدأ بانتقال المثقف من إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي ينتهي، بهذا المعنى، إلى نتيجة أعمق: إعادة بناء الشرعية لا تتم بالاستناد إلى سلطة المعرفة وحدها، ولا بالفوز الانتخابي وحده، وإنما بتحويل المعرفة إلى مسؤولية، والتفويض إلى تمثيل، والتمثيل إلى مشاركة، والمشاركة إلى ثقة مجتمعية متجددة. وهنا تتحدد القيمة الحقيقية للفعل الانتخابي بالنسبة إلى المثقف: ليس في أن يمنحه موقعًا سياسيًا جديدًا، وإنما في أن يختبر قدرته على إعادة وصل الثقافة بالمجتمع، والفكر بالفعل، والشرعية بالمسؤولية، والمشاركة الانتخابية بالمشاركة العمومية.
خاتمة
يكشف تحليل علاقة المثقف بالفعل الانتخابي أن دخول المثقف إلى المجال الانتخابي لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال من موقع ثقافي إلى موقع سياسي، ولا في إضافة وظيفة انتخابية إلى وظيفته الفكرية، وإنما يمثل تحولًا أعمق يمس طبيعة علاقته بالمعرفة والمجتمع والسلطة والتمثيل. فالمثقف عندما يغادر موقع إنتاج الخطاب والموقف والنقد، ليدخل في منافسة انتخابية تستند إلى الاختيار الشعبي، يجد نفسه أمام شروط جديدة تعيد اختبار موقعه ووظيفته وشرعيته. ومن ثم فإن الفعل الانتخابي لا يظهر في هذه الدراسة بوصفه نهاية للمسار الثقافي، وإنما بوصفه لحظة لإعادة تعريف وظيفة المثقف داخل المجال العمومي.
كما يتضح أن الشرعية التي يسعى المثقف إلى بنائها داخل المجال الانتخابي ليست مجرد امتداد تلقائي لشرعيته الثقافية. فالمكانة العلمية أو الفكرية أو الأدبية قد تمنحه رصيدًا رمزيًا أوليًا، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى أصوات انتخابية، كما أن الفوز الانتخابي لا يحول بصورة آلية صاحبه إلى ممثل حقيقي للمجتمع. إن الشرعيتين، الثقافية والانتخابية، تنتميان إلى مجالين مختلفين من الاعتراف، ولا تلتقيان إلا عندما يستطيع المثقف أن يحول رصيده المعرفي إلى قدرة على الإصغاء والتمثيل والعمل وتحمل المسؤولية. ولذلك فإن نجاح المثقف في المجال الانتخابي لا يقاس فقط بقدرته على الوصول إلى المؤسسة، وإنما بقدرته على الحفاظ على الصلة بالمجتمع بعد الوصول إليها.
ويكشف هذا المسار كذلك أن العلاقة بين المثقف والسياسة لا ينبغي أن تُبنى على ثنائية الاختيار بين الاستقلال والمشاركة، وكأن الانخراط في المجال السياسي يستلزم بالضرورة فقدان الاستقلال، وإنما يمكن تصورها باعتبارها علاقة توتر منتج بين الاستقلالية والمسؤولية. فالمثقف يحتاج إلى الاستقلال حتى لا يتحول إلى تابع لمنطق السلطة أو الحزب أو المنافسة الانتخابية، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى المشاركة حتى لا تتحول استقلاليته إلى عزلة عن المجتمع. وبين هذين الحدين يتشكل نموذج المثقف بوصفه فاعلًا عموميًا، أي المثقف الذي يجعل من معرفته أداة للمشاركة، ومن مشاركته مجالًا لممارسة النقد، ومن نقده وسيلة لتصحيح الفعل العمومي.
وعلى هذا الأساس، فإن الفعل الانتخابي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره خروجًا للمثقف من المجال الثقافي، وإنما باعتباره إعادة تموضع للثقافة داخل المجال العمومي. فالمثقف لا يتخلى عن وظيفته عندما يصبح منتخبًا، وإنما تتغير شروط ممارستها؛ إذ يصبح مطالبًا بأن يترجم المعرفة إلى فعل، وأن يحول الخطاب إلى اقتراح، وأن يجعل النقد وسيلة لتطوير السياسات والممارسات، وأن يقبل أن يخضع هو نفسه للمعايير التي كان يستخدمها في مساءلة الآخرين. وبذلك يمكن للفعل الانتخابي أن يوسع المجال الذي تمارس فيه الثقافة تأثيرها، بدل أن يكون مجرد انتقال فردي إلى موقع سياسي.
وتتأسس على ذلك رؤية أوسع للمشاركة العمومية، لا تختزل المثقف في صورة المرشح أو المنتخب، بل تنظر إليه باعتباره فاعلًا قادرًا على الربط بين المعرفة والنقاش العمومي والتمثيل والمساءلة. فالمشاركة لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، والتمثيل لا ينتهي عند إعلان النتائج، والشرعية لا تُمنح مرة واحدة، وإنما تظل قابلة للتجدد أو التراجع بحسب طبيعة الممارسة. ومن هنا فإن المثقف المنتخب يظل مطالبًا بالحفاظ على علاقته بالمجتمع، وبالانخراط في النقاش العمومي، وبالدفاع عن الحق في الاختلاف، وبإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في تقييم السياسات والقرارات التي يمثلهم فيها.
وفي ضوء ذلك كله، يمكن القول إن التحول من إنتاج الخطاب إلى الفعل الانتخابي يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والسلطة والتمثيل والشرعية. فالمعرفة تمنح المثقف قدرة على الفهم والتفسير والنقد، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج الشرعية السياسية؛ والانتخاب يمنحه تفويضًا، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج الشرعية المجتمعية؛ أما الممارسة المسؤولة فهي التي تصل بين الاثنين، لأنها تحول الرصيد المعرفي إلى فعل، والتفويض الانتخابي إلى تمثيل، والتمثيل إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى ثقة متجددة.
وعليه، فإن المثقف في المجال الانتخابي لا يقف أمام خيار بين أن يكون مثقفًا أو سياسيًا، وإنما أمام تحدي إعادة تركيب هويته العمومية بما يسمح له بأن يجمع بين التفكير والفعل، وبين النقد والمشاركة، وبين الاستقلال والالتزام، وبين المعرفة والمسؤولية. وإذا كان المثقف قد امتلك، في المجال الثقافي، سلطة إنتاج الخطاب وتشكيل المعنى، فإن دخوله المجال الانتخابي يجعله مطالبًا بتحويل هذه السلطة الرمزية إلى مسؤولية اجتماعية، وبإثبات أن المعرفة لا تكتمل قيمتها إلا عندما تنفتح على المجتمع، وأن المشاركة لا تكتمل مشروعيتها إلا عندما تظل مرتبطة بالنقد والوعي والمسؤولية.
ومن ثم تنتهي هذه الدراسة إلى أن المثقف والفعل الانتخابي يمثلان علاقة متحركة لا حالة ثابتة؛ تبدأ من الاستقلال الفكري والإنساني، وتمر بمساءلة شروط المشاركة وآلياتها، ثم تنتقل من إنتاج الخطاب إلى ممارسة الفعل، لتنتهي إلى إعادة بناء الشرعية المجتمعية وتوسيع آفاق المشاركة العمومية. وفي هذا المسار كله لا يكون معيار نجاح المثقف هو مجرد الانتقال إلى السياسة، ولا مجرد الفوز في الانتخابات، وإنما قدرته على أن يجعل من هذا الانتقال إضافة إلى وظيفته العمومية، وأن يحافظ على استقلاله وهو يشارك، وأن يحول معرفته إلى فعل، وأن يحول التفويض إلى مسؤولية، وأن يجعل من الشرعية الانتخابية بداية لمسار أوسع من الثقة والمشاركة والمساءلة.
وبذلك،. فالمثقف الذي يدخل المجال الانتخابي لا ينبغي أن يبحث فقط عن موقع داخل المؤسسات، وإنما عن صيغة جديدة للحضور في المجتمع؛ حضورٍ يجعل الثقافة قادرة على الفعل، والسياسة قابلة للنقد، والتمثيل قائمًا على المسؤولية، والشرعية متجددة من خلال ثقة المواطنين. وفي هذه الصيغة تحديدًا يمكن للفعل الانتخابي أن يتحول من مجرد منافسة على المواقع إلى ممارسة للمواطنة والمسؤولية، وأن يتحول المثقف من منتج للخطاب حول المجتمع إلى شريك مسؤول في بناء مستقبله.
المراجع المعتمدة
 سعيد، إدوارد. (2005). المثقف والسلطة. ترجمة وتقديم محمد عناني. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، ص. 18، 21، 38، 42–43، 55، 111.
 غرامشي، أنطونيو. (1994). كراسات السجن. ترجمة عادل غنيم. القاهرة: دار المستقبل العربي.
 هابرماس، يورغن. (2010). التحول البنيوي للمجال العام: بحث في فئة من فئات المجتمع البرجوازي. ترجمة محمد عبد الوهاب. بيروت: دار نينوى.
 بورديو، بيير. (2010). بؤس العالم: آثار المكان. ترجمة سلمان حرفوش. دمشق: دار كنعان.
 بورديو، بيير. (2024). عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989–1992). ترجمة نصير مروة. الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
 سعيد، إدوارد. (2011). خيانة المثقفين: النصوص الأخيرة. ترجمة أسعد الحسين. دمشق: دار نينوى.
 Bourdieu, P. (2000). Propos sur le champ politique. Lyon: Presses Universitaires de Lyon.
 Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. Edited and translated by Quintin Hoare and Geoffrey Nowell Smith. New York: International Publishers.
 Habermas, J. (1989). The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Translated by Thomas Burger with the assistance of Frederick Lawrence. Cambridge, MA: The MIT Press.
 Said, E. W. (1994). Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures. London: Vintage.
 Urbinati, N. (2006). Representative Democracy: Principles and Genealogy. Chicago: The University of Chicago Press.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى