مصطفى عبدالملك الصميدي - صنعاء... مطلع الضوء

ها هي صنعاء الأبية، درة اليمن وفخرها، وذاكرة مجدها الضارب في جذور التاريخ، يتعالى صوتها المنتصر يوماً بعد يوم؛ كأن حجارتها العتيقة قد وشمت في صمتها صدى القرون فما مر بها عهد إلا خلّف في جدرانها أثراً، ولا انقضى زمان إلا زادها مهابة، وكما لو أن جبالها التي ألفت مصادقة السماء قد علمتها كيف تتقن الاحتمال ليجيء بعده الصبح منبلجاً. ألا تراها تمسك بالنور من أطرافه عند مطلع الفجر، وتطل من شرفاتها على وطن أنهكته السنون، لتقول لليمن كله: إن العتمة مهما طال مقامها لا تملك آخر النهار، وإن الأرض التي عرفت خطى الثابتين عليها لا تنسى من سهروا لحراستها حين كان الثبات ثمناً غالياً؟

فما كل نصر يُروى كما وقعت وقائعه، ولا كل ظفر تُحيط به أخبار الميادين؛ فإن من النصر ما تسجله الأرض، ومنه ما تحفظه القلوب، وما كان منه وليد صبر طويل وليل ثقيل وأيام تناوبت عليها الرزايا، حتى إذا أذن الله له أن يكون، لاح كفجر مُسفِرٍ طال احتجابه، وجاء على مهل يحمل ضياءه جواباً عن أسئلة السنين. فما أعظم النصر حين يكون وراءه شعب ليس لصبره حدود، وما أعظم الصبر حين يكون خلفه أُمهات حففن خوفهن بالدعاء، وآباء دثروا هموهم في سرابيل الصمت، وبيوت ظلت أبوابها مواربة على انتظار أعزائها المجاهدين والمرابطين، وقلوب لم يكن لها من زاد الطريق إلا الرجاء.

ثم إن للوطن، حين تضيق به الجهات، قدرة عجيبة على أن يصنع من ضلوع أبنائه متاريس الحمى، ومن عناء صبرهم جسورَ العبور إلى غد أوسع أملا. وما كانت الأرض التي أنهكها الانتظار لتنسى خطى الذين مروا عليها مثقلين بالأمنيات، ولا كانت الجبال، وهي الشاهدة الصامتة، لتغفل عن ليال طويلة ظل فيها اليمني الحر يرقب أقاصي الأفق، كأن في آخره موعداً قديماً بينه وبين الفجر.

وجاء الفرح هذه المرة متعباً من الطريق، لكنه عظيم المقام؛ كمسافرٍ أضناه السفر، فلما بلغ مُقامه لم يسأل عن منام ولا طعام، وإنما ألقى عن كاهله عناء الطريق، وأغمض عينيه، قائلاً في سريرته: ها أنا ذا عدت منتصراً أحمل في قلبي وطناً كاملاً لا تفك عُرى وئامه المحن ولا تطفئ جذوة آماله الخطوب. ولئن كانت للمعارك ساعة تُعلن فيها نهاياتها، فإن للوطن معركة أطول؛ معركة أن يبقى واقفاً عزيزاً موحداً في ذاكرته، قادراً على أن يحوّل الرماد إلى بداية والجرح إلى حكمة والدمعة إلى عهد بألا تضيع البلاد في دروب التيه والمجهول.

فلتشرق الأرواح قبل أن تشرق السماء، ولتنفرج في الصدور ما استعصى عليها الانفراج، ولتستيقظ في القلوب مواسم النور والفرح؛ فإن صنعاء التي صادقت الجبل قروناً، تعرف اليوم كيف تصادق الفجر، وإن اليمن الذي طال ليله، يستحق أن يبصر النور، ويمضي نحو الصباح مرفوع الجبين. وليكن هذا الصباح فاتحة عهد تستعيد فيه البلاد عافيتها، وتسترد فيه البيوت سكينتها، ويجد فيه اليمني ما يليق بصبره الطويل، ويستحقه وطنٌ حمل من أثقال السنين ما لا تحمله الجبال الرواسي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى