عن السينما والسياسة... ومن يملك الطريق إلى الصورة؟
-يحيى بركات —
-مخرج وكاتب سينمائي-
أمامي على الطاولة فيلم.
ليس فيلمًا بعد.
أوراق فقط.
شخصيات تتحرك بين السطور، وأصوات سمعتها قبل أن تُسجَّل، ووجوه أعرف متى تدخل الكادر ومتى تغادره، وأماكن لم أصل إليها بالكاميرا بعد، لكنني زرتها عشرات المرات في رأسي.
كل شيء موجود تقريبًا.
إلا الفيلم.
أقلب الصفحات وأفكر: أصعب مسافة في السينما الفلسطينية ليست بين الفكرة والفيلم، بل بين فيلم اكتمل في رأس صاحبه، ومؤسسة قادرة على أن تقول له: تعال... لنحمله معًا إلى الشاشة.
هذه المسافة أعرفها جيدًا. عرفتها من أفلام وُلدت بصعوبة، ومن أفلام لم تولد، ومن أبواب فُتحت قليلًا ثم ظهر خلفها ذلك الشرط الصغير الذي يبدأ عادة بكلمة: ولكن.
---
منذ سنوات حملت مشروع فيلم بعنوان «المياه... الحرب القادمة» إلى اجتماع ضم عددًا من محطات التلفزة في حوض المتوسط. أعجبتهم الفكرة، أُجيز المشروع، وأصبحت الميزانية موجودة. كان يمكن أن أعود سعيدًا: الفيلم وجد المال الذي يحتاجه.
ثم جاءت الـ«ولكن».
نعم، نمول الفيلم... ولكن نريده إنتاجًا فلسطينيًا–إسرائيليًا مشتركًا.
كنت أصنع فيلمًا عن المياه والسيطرة عليها، وعن مشكلة كان الاحتلال نفسه في قلبها، ثم يُطلب مني أن يصبح الاحتلال شريكًا في إنتاج الرواية التي تحاول مساءلته.
قلت لا.
وعاد الفيلم معي إلى الورق.
لم تكن تلك آخر مرة أسمع فيها الـ«ولكن».
حين حاولنا في جماعة السينما الفلسطينية البحث عن دعم سويدي لإقامة مهرجان سينمائي فلسطيني، سافر الصديق الراحل مصطفى أبو علي، ومعه بثينة خوري، وكانت عضوًا في الجماعة وأمينة لصندوقها. عادا بلا مهرجان. الدعم ممكن... ولكن ليكن المهرجان فلسطينيًا–إسرائيليًا.
قلنا لا.
وحين طُرحت إمكانية دعم أميركي لأكاديمية سينمائية، عاد الشرط نفسه تقريبًا: أكاديمية مشتركة.
قلنا لا.
وفي القدس أصبح المشهد أكثر وضوحًا. جاء مشروع ألماني كبير بعنوان «24 ساعة في القدس»، وعُرض علينا أن تتولى جماعة السينما الفلسطينية إنتاج الجزء الفلسطيني منه بميزانية تقارب نصف مليون يورو.
نصف مليون يورو. لم يكن الرقم صغيرًا.
لكنني لم أرَ الرقم وحده.
ربما لأنني لم أتعلم يومًا أن أرى السينما منفصلة عن السياسة. هكذا تكوّن عقلي. عندما أرى فيلمًا لا أسأل فقط أين توضع الكاميرا وكيف يُبنى المشهد. أسأل أيضًا: من يقف خلف الكاميرا؟ من يدفع؟ لماذا يدفع؟ من سيضع اسمه في التترات؟ وأي حقيقة ستبقى بعد أن تنطفئ الشاشة؟
قلنا للألمان إن القدس مدينة محتلة، وإن الجزء الفلسطيني يجب أن يكون إنتاجًا فلسطينيًا مستقلًا، بمخرجين وكتّاب وطواقم فلسطينية، لا جزءًا من إنتاج موحد مع مؤسسات دولة الاحتلال. كان إصرارهم على وحدة الإنتاج والتترات مرتبطًا، بين أشياء أخرى، بمشاركة بلدية الاحتلال في القدس في المشروع.
قلنا لا.
وخسرنا نصف مليون يورو.
وربما لو قلت «نعم» لكل تلك الـ«ولكنات»، لكان في رصيدي اليوم فيلمان كل عام. لكن السؤال الذي كان يطاردني لم يكن: من سيدفع ثمن الفيلم؟ بل: من سيدفع ثمن الرواية؟
فالتمويل ليس بريئًا دائمًا. وأحيانًا يبدأ مونتاج الفيلم سياسيًا قبل أن يدخل المونتير غرفة المونتاج.
قبل أكثر من عشرين عامًا صنعت فيلمي «ريتشيل – ضمير أمريكي». كانت ريتشل كوري قد جاءت إلى غزة، ووقفت أمام الجرافة، وقُتلت. بحثت عن ريتشل الإنسانة، لا الأيقونة فقط. عن الفتاة التي جاءت من مكان بعيد، وعن الفلسطينيين الذين عرفتهم، وعن اللحظة التي التقت فيها حياتها القصيرة بحكاية شعب أطول من أعمارنا جميعًا.
عُرض الفيلم في الولايات المتحدة وبدأ يتحرك. ثم جاءت مخرجة تحمل أيضًا الهوية الإسرائيلية وتعيش في أوروبا، وعبر وسيط حصلت مني على بعض الوثائق المتعلقة بريتشيل، وصنعت هي الأخرى فيلمًا عنها يحمّل دولة الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية موتها.
قال لي أشخاص شاهدوا الفيلمين إن فيلمي أقوى.
لم يشغلني كثيرًا أيهما أقوى. شيء آخر بقي في رأسي.
كنت أكتب اسم ريتشل على Google، فيظهر فيلمي في المقدمة. وبعد ظهور الفيلم الآخر تغير المشهد. تقدم هو. وبقيت أنظر إلى الشاشة.
لم أسأل عن نية المخرجة. سألت سؤالًا آخر: أي فيلم سيصبح، بعد سنوات، الصورة التي يصل العالم من خلالها إلى ريتشل؟
ومنذ ذلك الوقت تعلمت ألا أسأل فقط: ماذا يقول الفيلم؟ بل: ماذا سيصبح الفيلم عندما يدخل المؤسسة؟
عاد السؤال إليّ وأنا أتابع رحلة «لا أرض أخرى». فلسطينيون يصورون اقتلاعهم من مسافر يطا. مادة خرجت من قلب المكان، ثم شراكة فلسطينية–إسرائيلية حملت الفيلم إلى واحد من أكبر مسارات الاعتراف السينمائي في العالم حتى الأوسكار. وقد قلت يومها علنًا إنني أرى أن هذه الشراكة كانت أحد مفاتيح الباب الذي فُتح للفيلم. ليس لأن الحكاية أصبحت أكثر فلسطينية بوجود الإسرائيلي، بل لأن العالم بدا أكثر استعدادًا لسماعها بهذه الصيغة.
واليوم أرى «NAZA». مخرجان إسرائيليان يحققان لسنوات، وأربعة وعشرون عسكريًا واستخباراتيًا من دولة الاحتلال الإسرائيلي يتحدثون عن منظومة قتل الفلسطينيين في غزة، وعن الاستهداف والمراقبة والتكنولوجيا التي دخلت آلة الحرب، ثم يصل الفيلم إلى قلب المسابقة في فينيسيا. ويقول المخرجان إنهما شعرا بمسؤولية، من موقعهما كإسرائيليين، عن فحص منظومة القتل الجماعي التي تتحمل بلدهما مسؤوليتها.
أتوقف عند العبارة: «من موقعنا كإسرائيليين».
أنا لا أقرأ الفيلم وحده. أقرأ اللحظة التي يظهر فيها. أقرأ دولة احتلال أصبحت صورتها في العالم مرتبطة بغزة، بالقتل والدمار والتجويع والاتهامات بالإبادة. وأرى في الوقت نفسه فيلمًا يخرج من داخل مجتمعها ليقول للعالم: هناك إسرائيليون يكشفون الجريمة، وهناك عسكريون إسرائيليون يشهدون عليها، وهناك سينما إسرائيلية قادرة على إدانة ما تفعله دولتها.
هنا لا أستطيع، ولا أريد، أن أكون بريئًا في قراءة الصورة. قد يكون موقف المخرجين أخلاقيًا وصادقًا وشجاعًا، لكن الفيلم عندما يغادر يد صاحبه ويدخل المؤسسة تصبح له حياة أخرى. والفيلم الذي ينتقد دولة الاحتلال يستطيع، في النهاية، أن يخدم صورتها أمام الرأي العام الدولي أيضًا.
تستطيع أن تقول: انظروا... لسنا مجتمعًا يصمت كله عن الجريمة. لدينا من يكشفها أيضًا.
وهنا تكمن قوة المؤسسة. فالمؤسسة القوية لا تحتاج دائمًا إلى إسكات النقد. تستطيع أن تستوعبه، وأن تعرضه، وأن تسمح للعالم بأن يصفق له، ثم تجعل من وجوده نفسه دليلًا على تعدديتها وأخلاقيتها. حتى الصورة التي تدينها تستطيع أن تدخل لاحقًا في صناعة صورتها.
بل قد يكون الفيلم الذي ينتقد دولة الاحتلال أكثر فائدة لصورتها من فيلم يدافع عنها، لأن العالم لا يستقبله بوصفه دعاية، بل بوصفه دليلًا على مجتمع يبدو قادرًا على محاسبة نفسه. وهنا يمكن أن تتحول المعارضة نفسها إلى جزء من القوة الناعمة للدولة التي تعارضها.
لهذا عاد إليّ مشهد ريتشل. ليس لأقارن بين فيلمين. بل لأنني رأيت قبل أكثر من عشرين عامًا كيف يمكن أن تبدأ الحكاية فلسطينية، ثم يأتي إليها الصوت الإسرائيلي الناقد، فيمتلك طريقًا آخر إلى العالم.
ولذلك لم يعد سؤالي: هل الفيلم الإسرائيلي الذي ينتقد الاحتلال جيد أم سيئ؟ سؤالي هو: ماذا تفعل دولة الاحتلال ومؤسساتها بهذا النقد بعد أن يُنتج؟
ثم يأتي السؤال الأصعب:
لماذا يحتاج الفلسطيني، في تجارب كثيرة، إلى الصوت الإسرائيلي كي يصبح سماع مأساته أسهل، بينما يستطيع الإسرائيلي أن يحمل مأساة الفلسطيني إلى أكبر شاشات العالم من دون أن يحتاج إلى فلسطيني يمنحه شرعية روايتها؟
لكن لو أوقفت المقال هنا، سأكون قد صنعت صورة ناقصة.
لأن أفلامنا لم تبقَ كلها على الورق. وصلت أفلام فلسطينية إلى كان وبرلين وفينيسيا والأوسكار، وصعد مخرجون فلسطينيون إلى أهم شاشات العالم.
ولم يحدث ذلك من فراغ.
في رام الله بنى «فيلم لاب فلسطين» مساحة للتطوير والتدريب والعرض وربط المشاريع بعالم الإنتاج والمهرجانات. وفي الدوحة حملت مؤسسة الدوحة للأفلام مشاريع فلسطينية وعربية في مراحل مختلفة. وفي البحر الأحمر فُتحت أبواب أخرى. وفي فلسطين ظهرت صناديق ومنصات ومبادرات مستقلة.
وفي غزة حدث شيء آخر.
من «أفلام من المسافة صفر»، التي وضعت الكاميرا في أيدي اثنين وعشرين سينمائيًا من غزة، امتد الطريق إلى مدرسة غزة للسينما. وصلني قبل أيام مقال للصديق المخرج مصطفى النبيه عنها. الفوج الأول: أحد عشر مخرجًا ومخرجة. وأولى فعالياتهم تحمل اسمًا يكاد وحده يصنع مشهدًا: «صباح الخير يا غزة».
مدينة تخرج من ليل الحرب، وأحد عشر شابًا وشابة يرفعون الكاميرا ويقولون لها: صباح الخير.
كتب مصطفى عبارة توقفت عندها:
«أن تتحول غزة من موضوع أمام الكاميرا... إلى صاحبة الكاميرا».
هذا يكفي.
لأن المسألة ليست أننا نفتقد المبادرات. بالعكس. كلما غابت المؤسسة، حاول الفلسطينيون أن يصنعوا قطعة منها بأيديهم. مدرسة هنا. مختبر هناك. صندوق. منتج. مهرجان. منصة. وعندما وُجد الجسر، عبر الفيلم.
وفي هذه الأيام يقدم فيلم باسل غندور «مخاطر مهنية» مثالًا صغيرًا وواضحًا. انتقل المشروع عبر محطات دعم وتطوير وإنتاج عربية ودولية، حتى وصل وهو في مرحلة ما بعد الإنتاج إلى Final Cut في فينيسيا، فحصل هناك على خمس حزم دعم تساعده على إكمال الطريق إلى الشاشة.
لم تصنع مؤسسة واحدة الفيلم.
صنع الطريقُ الفيلم.
كل جهة حملته أمتارًا وسلمته إلى التالية.
وهذا ما أعنيه بالمنظومة: ألا نترك الفيلم يسقط في المسافة بين الفكرة والشاشة.
لكن ليس كل مخرج يعرف كيف يصل إلى ذلك الطريق. قد يمتلك شاب فيلمًا رائعًا في رأسه، لكنه لا يعرف كيف يحول رؤيته إلى ملف تمويل، أو معالجة، أو ميزانية، أو رؤية مخرج باللغة التي تفهمها الصناديق. وقد يعرف الصندوق لكنه لا يعرف كيف يصل إليه. وقد يصل، ثم يجد لجنة وشروطًا ومقاعد محدودة.
القدرة على صنع الفيلم ليست هي نفسها القدرة على صنع ملف التمويل.
وهنا أسأل: ماذا تفعل المؤسسة الوطنية؟
هل تنتظر المخرج في نهاية الطريق، بعدما يجد المنتج والصندوق والمهرجان، ثم تحتفل به عندما يعود بجائزة؟ أم تجده في البداية؟
ثلاث صفحات. فكرة لم تنضج تمامًا. صور في رأسه لا يعرف بعد كيف يحولها إلى مشروع. يجلس أمام شخص يقول له: احكِ لي الفيلم. ثم يبدأ الطريق.
ومن هنا جاء واحد من الدوافع التي جعلتني أفكر في Cinema Bridge. على ضفة مخرج يحمل فيلمًا. وعلى الضفة الأخرى منتج أو صندوق أو مهرجان أو سوق سينمائي. وأحيانًا يكون الاثنان موجودين. المفقود فقط هو الجسر.
وهذه ليست فكرة جديدة عندي. في عام 2004، حين أعدنا تأسيس جماعة السينما الفلسطينية في فلسطين مع الراحل مصطفى أبو علي وآخرين، لم نكن نبحث عن نادٍ يجمع السينمائيين. كنا نحاول بناء ما نفتقده: صندوق وطني مستقل للإنتاج. سينماتيك فلسطيني. أرشيف يجمع الأفلام الفلسطينية ويحفظها ويرممها. مهرجان فلسطيني دولي. تدريب. وعلاقات مع العالم.
أي أننا كنا، من دون أن نقولها بهذه الكلمات، نحاول أن نبني أجزاء المؤسسة التي كان يفترض أن تكون موجودة أصلًا.
حتى الأرشيف كان فيلمًا آخر لم يكتمل. وجدنا بابًا فرنسيًا يمكن أن يساعدنا في البحث عن أفلام الثورة الفلسطينية المبعثرة واستعادتها وحفظها. ثم دخلت الخلافات الفلسطينية على الخط. وتوقف التمويل.
كنا نبحث عن الأفلام التي ضاعت...
فضاع منا تمويل البحث عنها.
تمر السنوات. تتغير الكاميرات. يختفي الشريط ويأتي الديجيتال. يتغير العالم. ويبقى السؤال نفسه.
واليوم أمامي على الطاولة فيلم جديد: «الوحش الذي عاد إلى المرآة».
يبدأ من سؤال: عندما تنتهي الحرب... من يحملها معه إلى البيت؟
غزة تحت الركام. نور التي خرجت من تحت الركام ولم يخرج معها كل من تحب. أبو إلياس. يافا. وجنود عادوا من غزة، لكن شيئًا من غزة عاد معهم.
ليس فيلمًا عن صوت الحرب فقط. بل عما يحدث بعد أن يصمت صوتها.
أريد أن أكتب الفكرة والسيناريو وأشرف عليها فنيًا، وأن أعطي أجزاء من الفيلم لمخرجين فلسطينيين شباب. أريد أن يخرج من الفيلم فيلم... وأن يخرج منه مخرجون.
وحين عرضت الأمر على بثينة خوري، بعد كل تلك السنوات منذ أن سافرت مع مصطفى أبو علي إلى السويد بحثًا عن مهرجان فلسطيني مستقل، لم تتردد في أن تضع شركتها الإنتاجية في خدمة المشروع. كأن الزمن أغلق دائرة صغيرة.
أما مديرة دائرة السينما في وزارة الثقافة الفلسطينية، فقد أعطت المشروع كل ما تستطيع من دعم معنوي. وأقول ذلك لأن الإنصاف واجب. المشكلة ليست في موظف يريد ولا يستطيع. المشكلة في مؤسسة لم تُعطَ أصلًا الأدوات التي تجعلها تستطيع.
أحيانًا تكون في يدها رسالة دعم. وأمامها على الطاولة ميزانية فيلم. والمسافة بين الورقتين هي حكاية السينما الفلسطينية كلها.
على الجانب الآخر، هناك دولة احتلال فهمت منذ زمن أن السينما ليست هواية مخرج. هناك قانون. مجلس للسينما. صناديق. ميزانيات. اتفاقيات إنتاج مشترك. سينماتيك. مهرجانات. تسويق دولي. حفظ وأرشفة.
وحين يصل المخرج الإسرائيلي إلى باب مهرجان دولي، لا يصل وحده دائمًا. تقف خلفه منظومة. وقد يكون فيلمه ضد حكومة دولة الاحتلال. وقد يفضح جيشها. وقد يدين حربها. لكن المنظومة تعرف أن السينما قوة، وتعرف كيف تستفيد حتى من الفيلم الذي يوجه الكاميرا إليها.
أما نحن، فكثيرًا ما يحمل المخرج الفلسطيني على ظهره شيئين معًا: الفيلم... والمؤسسة التي كان يفترض أن تحمل الفيلم.
ليست المشكلة أن دولة الاحتلال غنية بالمخرجين وفلسطين فقيرة بهم. وليست الحكاية الإسرائيلية أغنى من الحكاية الفلسطينية. ما ينقصنا ليس الموهبة. ولا الحكاية. ولا المبادرة.
فلسطين مليئة اليوم بقطع مؤسسة سينمائية: في غزة ورام الله والشتات، وفي المؤسسات المستقلة ومبادرات السينمائيين، وفي الجسور العربية التي أثبتت أن الفيلم الفلسطيني يستطيع الوصول عندما يجد من يحمله.
ما ينقصنا أن تصبح هذه القطع طريقًا.
سياسة ثقافية لا تتغير بتغير الوزير. صندوقًا لا ينتظر الفيلم بعدما يصبح جاهزًا للعالم. مكانًا يستطيع المخرج الشاب أن يدخله بفكرة، لا بملف كامل أعده له العالم. أرشيفًا يعرف أين أفلامنا قبل أن نسأل بعد عشرين عامًا أين اختفت. ومؤسسة تفهم أن الدفاع عن الرواية الفلسطينية لا يبدأ عندما يصل الفيلم إلى الأوسكار. بل عندما تكون هناك ثلاث صفحات على طاولة مخرج لا يعرف بعد كيف سيحولها إلى فيلم.
ولا أريد لهذه المؤسسة الفلسطينية أن تصبح نسخة أخرى من مؤسسة رسمية تستخدم السينما للدفاع عن السلطة. أريدها قوية بما يكفي لتحمل الفيلم الفلسطيني حتى عندما ينتقد السلطة الفلسطينية نفسها. لأن وظيفة المؤسسة الوطنية ليست حماية صورة الحكومة. وظيفتها حماية حق الفلسطيني في أن يصنع صورته بحرية.
أعود إلى الورقة أمامي. «الوحش الذي عاد إلى المرآة».
أغلق الملف.
لكنني هذه المرة لا أرى فيلمي وحده. أرى أوراقًا أخرى فوق طاولات لا أعرف أصحابها. شابًا في غزة كتب ليلًا مشهدًا لم يره أحد. فتاة في مخيم تحمل على هاتفها صورة يمكن أن يبدأ منها فيلم. مخرجًا شابًا في رام الله لا يعرف اسم الصندوق الذي يمكن أن يساعده. وفلسطينيًا في الشتات يحمل منذ سنوات حكاية ولا يعرف إلى أي باب يذهب.
ربما بينها فيلم أعظم من كل الأفلام التي صنعناها.
وربما سيبقى على الورق.
ليس لأنه فيلم ضعيف.
بل لأنه لم يجد الطريق.
وهنا، بعد كل هذه السنوات، لا أريد وزارة تنتج فيلم يحيى بركات. ولا أريد مؤسسة تختار لي ما يجب أن أقوله. ولا أريد أن يصبح المخرج موظفًا عند الدولة.
أريد شيئًا أبسط وأصعب: أن تكون لفلسطين منظومة تجعل ولادة الفيلم أمرًا طبيعيًا، لا معجزة شخصية تبدأ كل مرة من الصفر.
لأن المعركة على فلسطين لم تكن يومًا على الأرض وحدها.
إنها أيضًا معركة على الصورة.
من يصنعها.
من يمولها.
من يحملها إلى العالم.
من يحفظها.
ومن يجعلها، بعد عشرين عامًا، الصورة الأولى التي يجدها العالم عندما يبحث عنا.
أفكر في ريتشل.
في الفيلم الذي ظهر أولًا ثم تراجع على شاشة البحث.
في مصطفى أبو علي عائدًا من السويد بلا مهرجان.
في نصف مليون يورو تركناها على الطاولة في القدس.
في أفلام بقيت أوراقًا.
وفي أفلام وجدت الجسر فعبرت.
ثم أرى، بعيدًا قليلًا، أحد عشر شابًا وشابة في غزة.
يرفع أحدهم الكاميرا.
لا أعرف ماذا سيصور.
ولا أريد أن أن أعرف.
المهم أن أحدًا لم يقل له هذه المرة:
عد عندما يصبح لديك فيلم.
قالوا له:
احكِ.
يصمت قليلًا.
ينظر أمامه.
ثم تبدأ الصورة.
يحيى بركات
12/9/2026
-يحيى بركات —
-مخرج وكاتب سينمائي-
أمامي على الطاولة فيلم.
ليس فيلمًا بعد.
أوراق فقط.
شخصيات تتحرك بين السطور، وأصوات سمعتها قبل أن تُسجَّل، ووجوه أعرف متى تدخل الكادر ومتى تغادره، وأماكن لم أصل إليها بالكاميرا بعد، لكنني زرتها عشرات المرات في رأسي.
كل شيء موجود تقريبًا.
إلا الفيلم.
أقلب الصفحات وأفكر: أصعب مسافة في السينما الفلسطينية ليست بين الفكرة والفيلم، بل بين فيلم اكتمل في رأس صاحبه، ومؤسسة قادرة على أن تقول له: تعال... لنحمله معًا إلى الشاشة.
هذه المسافة أعرفها جيدًا. عرفتها من أفلام وُلدت بصعوبة، ومن أفلام لم تولد، ومن أبواب فُتحت قليلًا ثم ظهر خلفها ذلك الشرط الصغير الذي يبدأ عادة بكلمة: ولكن.
---
منذ سنوات حملت مشروع فيلم بعنوان «المياه... الحرب القادمة» إلى اجتماع ضم عددًا من محطات التلفزة في حوض المتوسط. أعجبتهم الفكرة، أُجيز المشروع، وأصبحت الميزانية موجودة. كان يمكن أن أعود سعيدًا: الفيلم وجد المال الذي يحتاجه.
ثم جاءت الـ«ولكن».
نعم، نمول الفيلم... ولكن نريده إنتاجًا فلسطينيًا–إسرائيليًا مشتركًا.
كنت أصنع فيلمًا عن المياه والسيطرة عليها، وعن مشكلة كان الاحتلال نفسه في قلبها، ثم يُطلب مني أن يصبح الاحتلال شريكًا في إنتاج الرواية التي تحاول مساءلته.
قلت لا.
وعاد الفيلم معي إلى الورق.
لم تكن تلك آخر مرة أسمع فيها الـ«ولكن».
حين حاولنا في جماعة السينما الفلسطينية البحث عن دعم سويدي لإقامة مهرجان سينمائي فلسطيني، سافر الصديق الراحل مصطفى أبو علي، ومعه بثينة خوري، وكانت عضوًا في الجماعة وأمينة لصندوقها. عادا بلا مهرجان. الدعم ممكن... ولكن ليكن المهرجان فلسطينيًا–إسرائيليًا.
قلنا لا.
وحين طُرحت إمكانية دعم أميركي لأكاديمية سينمائية، عاد الشرط نفسه تقريبًا: أكاديمية مشتركة.
قلنا لا.
وفي القدس أصبح المشهد أكثر وضوحًا. جاء مشروع ألماني كبير بعنوان «24 ساعة في القدس»، وعُرض علينا أن تتولى جماعة السينما الفلسطينية إنتاج الجزء الفلسطيني منه بميزانية تقارب نصف مليون يورو.
نصف مليون يورو. لم يكن الرقم صغيرًا.
لكنني لم أرَ الرقم وحده.
ربما لأنني لم أتعلم يومًا أن أرى السينما منفصلة عن السياسة. هكذا تكوّن عقلي. عندما أرى فيلمًا لا أسأل فقط أين توضع الكاميرا وكيف يُبنى المشهد. أسأل أيضًا: من يقف خلف الكاميرا؟ من يدفع؟ لماذا يدفع؟ من سيضع اسمه في التترات؟ وأي حقيقة ستبقى بعد أن تنطفئ الشاشة؟
قلنا للألمان إن القدس مدينة محتلة، وإن الجزء الفلسطيني يجب أن يكون إنتاجًا فلسطينيًا مستقلًا، بمخرجين وكتّاب وطواقم فلسطينية، لا جزءًا من إنتاج موحد مع مؤسسات دولة الاحتلال. كان إصرارهم على وحدة الإنتاج والتترات مرتبطًا، بين أشياء أخرى، بمشاركة بلدية الاحتلال في القدس في المشروع.
قلنا لا.
وخسرنا نصف مليون يورو.
وربما لو قلت «نعم» لكل تلك الـ«ولكنات»، لكان في رصيدي اليوم فيلمان كل عام. لكن السؤال الذي كان يطاردني لم يكن: من سيدفع ثمن الفيلم؟ بل: من سيدفع ثمن الرواية؟
فالتمويل ليس بريئًا دائمًا. وأحيانًا يبدأ مونتاج الفيلم سياسيًا قبل أن يدخل المونتير غرفة المونتاج.
قبل أكثر من عشرين عامًا صنعت فيلمي «ريتشيل – ضمير أمريكي». كانت ريتشل كوري قد جاءت إلى غزة، ووقفت أمام الجرافة، وقُتلت. بحثت عن ريتشل الإنسانة، لا الأيقونة فقط. عن الفتاة التي جاءت من مكان بعيد، وعن الفلسطينيين الذين عرفتهم، وعن اللحظة التي التقت فيها حياتها القصيرة بحكاية شعب أطول من أعمارنا جميعًا.
عُرض الفيلم في الولايات المتحدة وبدأ يتحرك. ثم جاءت مخرجة تحمل أيضًا الهوية الإسرائيلية وتعيش في أوروبا، وعبر وسيط حصلت مني على بعض الوثائق المتعلقة بريتشيل، وصنعت هي الأخرى فيلمًا عنها يحمّل دولة الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية موتها.
قال لي أشخاص شاهدوا الفيلمين إن فيلمي أقوى.
لم يشغلني كثيرًا أيهما أقوى. شيء آخر بقي في رأسي.
كنت أكتب اسم ريتشل على Google، فيظهر فيلمي في المقدمة. وبعد ظهور الفيلم الآخر تغير المشهد. تقدم هو. وبقيت أنظر إلى الشاشة.
لم أسأل عن نية المخرجة. سألت سؤالًا آخر: أي فيلم سيصبح، بعد سنوات، الصورة التي يصل العالم من خلالها إلى ريتشل؟
ومنذ ذلك الوقت تعلمت ألا أسأل فقط: ماذا يقول الفيلم؟ بل: ماذا سيصبح الفيلم عندما يدخل المؤسسة؟
عاد السؤال إليّ وأنا أتابع رحلة «لا أرض أخرى». فلسطينيون يصورون اقتلاعهم من مسافر يطا. مادة خرجت من قلب المكان، ثم شراكة فلسطينية–إسرائيلية حملت الفيلم إلى واحد من أكبر مسارات الاعتراف السينمائي في العالم حتى الأوسكار. وقد قلت يومها علنًا إنني أرى أن هذه الشراكة كانت أحد مفاتيح الباب الذي فُتح للفيلم. ليس لأن الحكاية أصبحت أكثر فلسطينية بوجود الإسرائيلي، بل لأن العالم بدا أكثر استعدادًا لسماعها بهذه الصيغة.
واليوم أرى «NAZA». مخرجان إسرائيليان يحققان لسنوات، وأربعة وعشرون عسكريًا واستخباراتيًا من دولة الاحتلال الإسرائيلي يتحدثون عن منظومة قتل الفلسطينيين في غزة، وعن الاستهداف والمراقبة والتكنولوجيا التي دخلت آلة الحرب، ثم يصل الفيلم إلى قلب المسابقة في فينيسيا. ويقول المخرجان إنهما شعرا بمسؤولية، من موقعهما كإسرائيليين، عن فحص منظومة القتل الجماعي التي تتحمل بلدهما مسؤوليتها.
أتوقف عند العبارة: «من موقعنا كإسرائيليين».
أنا لا أقرأ الفيلم وحده. أقرأ اللحظة التي يظهر فيها. أقرأ دولة احتلال أصبحت صورتها في العالم مرتبطة بغزة، بالقتل والدمار والتجويع والاتهامات بالإبادة. وأرى في الوقت نفسه فيلمًا يخرج من داخل مجتمعها ليقول للعالم: هناك إسرائيليون يكشفون الجريمة، وهناك عسكريون إسرائيليون يشهدون عليها، وهناك سينما إسرائيلية قادرة على إدانة ما تفعله دولتها.
هنا لا أستطيع، ولا أريد، أن أكون بريئًا في قراءة الصورة. قد يكون موقف المخرجين أخلاقيًا وصادقًا وشجاعًا، لكن الفيلم عندما يغادر يد صاحبه ويدخل المؤسسة تصبح له حياة أخرى. والفيلم الذي ينتقد دولة الاحتلال يستطيع، في النهاية، أن يخدم صورتها أمام الرأي العام الدولي أيضًا.
تستطيع أن تقول: انظروا... لسنا مجتمعًا يصمت كله عن الجريمة. لدينا من يكشفها أيضًا.
وهنا تكمن قوة المؤسسة. فالمؤسسة القوية لا تحتاج دائمًا إلى إسكات النقد. تستطيع أن تستوعبه، وأن تعرضه، وأن تسمح للعالم بأن يصفق له، ثم تجعل من وجوده نفسه دليلًا على تعدديتها وأخلاقيتها. حتى الصورة التي تدينها تستطيع أن تدخل لاحقًا في صناعة صورتها.
بل قد يكون الفيلم الذي ينتقد دولة الاحتلال أكثر فائدة لصورتها من فيلم يدافع عنها، لأن العالم لا يستقبله بوصفه دعاية، بل بوصفه دليلًا على مجتمع يبدو قادرًا على محاسبة نفسه. وهنا يمكن أن تتحول المعارضة نفسها إلى جزء من القوة الناعمة للدولة التي تعارضها.
لهذا عاد إليّ مشهد ريتشل. ليس لأقارن بين فيلمين. بل لأنني رأيت قبل أكثر من عشرين عامًا كيف يمكن أن تبدأ الحكاية فلسطينية، ثم يأتي إليها الصوت الإسرائيلي الناقد، فيمتلك طريقًا آخر إلى العالم.
ولذلك لم يعد سؤالي: هل الفيلم الإسرائيلي الذي ينتقد الاحتلال جيد أم سيئ؟ سؤالي هو: ماذا تفعل دولة الاحتلال ومؤسساتها بهذا النقد بعد أن يُنتج؟
ثم يأتي السؤال الأصعب:
لماذا يحتاج الفلسطيني، في تجارب كثيرة، إلى الصوت الإسرائيلي كي يصبح سماع مأساته أسهل، بينما يستطيع الإسرائيلي أن يحمل مأساة الفلسطيني إلى أكبر شاشات العالم من دون أن يحتاج إلى فلسطيني يمنحه شرعية روايتها؟
لكن لو أوقفت المقال هنا، سأكون قد صنعت صورة ناقصة.
لأن أفلامنا لم تبقَ كلها على الورق. وصلت أفلام فلسطينية إلى كان وبرلين وفينيسيا والأوسكار، وصعد مخرجون فلسطينيون إلى أهم شاشات العالم.
ولم يحدث ذلك من فراغ.
في رام الله بنى «فيلم لاب فلسطين» مساحة للتطوير والتدريب والعرض وربط المشاريع بعالم الإنتاج والمهرجانات. وفي الدوحة حملت مؤسسة الدوحة للأفلام مشاريع فلسطينية وعربية في مراحل مختلفة. وفي البحر الأحمر فُتحت أبواب أخرى. وفي فلسطين ظهرت صناديق ومنصات ومبادرات مستقلة.
وفي غزة حدث شيء آخر.
من «أفلام من المسافة صفر»، التي وضعت الكاميرا في أيدي اثنين وعشرين سينمائيًا من غزة، امتد الطريق إلى مدرسة غزة للسينما. وصلني قبل أيام مقال للصديق المخرج مصطفى النبيه عنها. الفوج الأول: أحد عشر مخرجًا ومخرجة. وأولى فعالياتهم تحمل اسمًا يكاد وحده يصنع مشهدًا: «صباح الخير يا غزة».
مدينة تخرج من ليل الحرب، وأحد عشر شابًا وشابة يرفعون الكاميرا ويقولون لها: صباح الخير.
كتب مصطفى عبارة توقفت عندها:
«أن تتحول غزة من موضوع أمام الكاميرا... إلى صاحبة الكاميرا».
هذا يكفي.
لأن المسألة ليست أننا نفتقد المبادرات. بالعكس. كلما غابت المؤسسة، حاول الفلسطينيون أن يصنعوا قطعة منها بأيديهم. مدرسة هنا. مختبر هناك. صندوق. منتج. مهرجان. منصة. وعندما وُجد الجسر، عبر الفيلم.
وفي هذه الأيام يقدم فيلم باسل غندور «مخاطر مهنية» مثالًا صغيرًا وواضحًا. انتقل المشروع عبر محطات دعم وتطوير وإنتاج عربية ودولية، حتى وصل وهو في مرحلة ما بعد الإنتاج إلى Final Cut في فينيسيا، فحصل هناك على خمس حزم دعم تساعده على إكمال الطريق إلى الشاشة.
لم تصنع مؤسسة واحدة الفيلم.
صنع الطريقُ الفيلم.
كل جهة حملته أمتارًا وسلمته إلى التالية.
وهذا ما أعنيه بالمنظومة: ألا نترك الفيلم يسقط في المسافة بين الفكرة والشاشة.
لكن ليس كل مخرج يعرف كيف يصل إلى ذلك الطريق. قد يمتلك شاب فيلمًا رائعًا في رأسه، لكنه لا يعرف كيف يحول رؤيته إلى ملف تمويل، أو معالجة، أو ميزانية، أو رؤية مخرج باللغة التي تفهمها الصناديق. وقد يعرف الصندوق لكنه لا يعرف كيف يصل إليه. وقد يصل، ثم يجد لجنة وشروطًا ومقاعد محدودة.
القدرة على صنع الفيلم ليست هي نفسها القدرة على صنع ملف التمويل.
وهنا أسأل: ماذا تفعل المؤسسة الوطنية؟
هل تنتظر المخرج في نهاية الطريق، بعدما يجد المنتج والصندوق والمهرجان، ثم تحتفل به عندما يعود بجائزة؟ أم تجده في البداية؟
ثلاث صفحات. فكرة لم تنضج تمامًا. صور في رأسه لا يعرف بعد كيف يحولها إلى مشروع. يجلس أمام شخص يقول له: احكِ لي الفيلم. ثم يبدأ الطريق.
ومن هنا جاء واحد من الدوافع التي جعلتني أفكر في Cinema Bridge. على ضفة مخرج يحمل فيلمًا. وعلى الضفة الأخرى منتج أو صندوق أو مهرجان أو سوق سينمائي. وأحيانًا يكون الاثنان موجودين. المفقود فقط هو الجسر.
وهذه ليست فكرة جديدة عندي. في عام 2004، حين أعدنا تأسيس جماعة السينما الفلسطينية في فلسطين مع الراحل مصطفى أبو علي وآخرين، لم نكن نبحث عن نادٍ يجمع السينمائيين. كنا نحاول بناء ما نفتقده: صندوق وطني مستقل للإنتاج. سينماتيك فلسطيني. أرشيف يجمع الأفلام الفلسطينية ويحفظها ويرممها. مهرجان فلسطيني دولي. تدريب. وعلاقات مع العالم.
أي أننا كنا، من دون أن نقولها بهذه الكلمات، نحاول أن نبني أجزاء المؤسسة التي كان يفترض أن تكون موجودة أصلًا.
حتى الأرشيف كان فيلمًا آخر لم يكتمل. وجدنا بابًا فرنسيًا يمكن أن يساعدنا في البحث عن أفلام الثورة الفلسطينية المبعثرة واستعادتها وحفظها. ثم دخلت الخلافات الفلسطينية على الخط. وتوقف التمويل.
كنا نبحث عن الأفلام التي ضاعت...
فضاع منا تمويل البحث عنها.
تمر السنوات. تتغير الكاميرات. يختفي الشريط ويأتي الديجيتال. يتغير العالم. ويبقى السؤال نفسه.
واليوم أمامي على الطاولة فيلم جديد: «الوحش الذي عاد إلى المرآة».
يبدأ من سؤال: عندما تنتهي الحرب... من يحملها معه إلى البيت؟
غزة تحت الركام. نور التي خرجت من تحت الركام ولم يخرج معها كل من تحب. أبو إلياس. يافا. وجنود عادوا من غزة، لكن شيئًا من غزة عاد معهم.
ليس فيلمًا عن صوت الحرب فقط. بل عما يحدث بعد أن يصمت صوتها.
أريد أن أكتب الفكرة والسيناريو وأشرف عليها فنيًا، وأن أعطي أجزاء من الفيلم لمخرجين فلسطينيين شباب. أريد أن يخرج من الفيلم فيلم... وأن يخرج منه مخرجون.
وحين عرضت الأمر على بثينة خوري، بعد كل تلك السنوات منذ أن سافرت مع مصطفى أبو علي إلى السويد بحثًا عن مهرجان فلسطيني مستقل، لم تتردد في أن تضع شركتها الإنتاجية في خدمة المشروع. كأن الزمن أغلق دائرة صغيرة.
أما مديرة دائرة السينما في وزارة الثقافة الفلسطينية، فقد أعطت المشروع كل ما تستطيع من دعم معنوي. وأقول ذلك لأن الإنصاف واجب. المشكلة ليست في موظف يريد ولا يستطيع. المشكلة في مؤسسة لم تُعطَ أصلًا الأدوات التي تجعلها تستطيع.
أحيانًا تكون في يدها رسالة دعم. وأمامها على الطاولة ميزانية فيلم. والمسافة بين الورقتين هي حكاية السينما الفلسطينية كلها.
على الجانب الآخر، هناك دولة احتلال فهمت منذ زمن أن السينما ليست هواية مخرج. هناك قانون. مجلس للسينما. صناديق. ميزانيات. اتفاقيات إنتاج مشترك. سينماتيك. مهرجانات. تسويق دولي. حفظ وأرشفة.
وحين يصل المخرج الإسرائيلي إلى باب مهرجان دولي، لا يصل وحده دائمًا. تقف خلفه منظومة. وقد يكون فيلمه ضد حكومة دولة الاحتلال. وقد يفضح جيشها. وقد يدين حربها. لكن المنظومة تعرف أن السينما قوة، وتعرف كيف تستفيد حتى من الفيلم الذي يوجه الكاميرا إليها.
أما نحن، فكثيرًا ما يحمل المخرج الفلسطيني على ظهره شيئين معًا: الفيلم... والمؤسسة التي كان يفترض أن تحمل الفيلم.
ليست المشكلة أن دولة الاحتلال غنية بالمخرجين وفلسطين فقيرة بهم. وليست الحكاية الإسرائيلية أغنى من الحكاية الفلسطينية. ما ينقصنا ليس الموهبة. ولا الحكاية. ولا المبادرة.
فلسطين مليئة اليوم بقطع مؤسسة سينمائية: في غزة ورام الله والشتات، وفي المؤسسات المستقلة ومبادرات السينمائيين، وفي الجسور العربية التي أثبتت أن الفيلم الفلسطيني يستطيع الوصول عندما يجد من يحمله.
ما ينقصنا أن تصبح هذه القطع طريقًا.
سياسة ثقافية لا تتغير بتغير الوزير. صندوقًا لا ينتظر الفيلم بعدما يصبح جاهزًا للعالم. مكانًا يستطيع المخرج الشاب أن يدخله بفكرة، لا بملف كامل أعده له العالم. أرشيفًا يعرف أين أفلامنا قبل أن نسأل بعد عشرين عامًا أين اختفت. ومؤسسة تفهم أن الدفاع عن الرواية الفلسطينية لا يبدأ عندما يصل الفيلم إلى الأوسكار. بل عندما تكون هناك ثلاث صفحات على طاولة مخرج لا يعرف بعد كيف سيحولها إلى فيلم.
ولا أريد لهذه المؤسسة الفلسطينية أن تصبح نسخة أخرى من مؤسسة رسمية تستخدم السينما للدفاع عن السلطة. أريدها قوية بما يكفي لتحمل الفيلم الفلسطيني حتى عندما ينتقد السلطة الفلسطينية نفسها. لأن وظيفة المؤسسة الوطنية ليست حماية صورة الحكومة. وظيفتها حماية حق الفلسطيني في أن يصنع صورته بحرية.
أعود إلى الورقة أمامي. «الوحش الذي عاد إلى المرآة».
أغلق الملف.
لكنني هذه المرة لا أرى فيلمي وحده. أرى أوراقًا أخرى فوق طاولات لا أعرف أصحابها. شابًا في غزة كتب ليلًا مشهدًا لم يره أحد. فتاة في مخيم تحمل على هاتفها صورة يمكن أن يبدأ منها فيلم. مخرجًا شابًا في رام الله لا يعرف اسم الصندوق الذي يمكن أن يساعده. وفلسطينيًا في الشتات يحمل منذ سنوات حكاية ولا يعرف إلى أي باب يذهب.
ربما بينها فيلم أعظم من كل الأفلام التي صنعناها.
وربما سيبقى على الورق.
ليس لأنه فيلم ضعيف.
بل لأنه لم يجد الطريق.
وهنا، بعد كل هذه السنوات، لا أريد وزارة تنتج فيلم يحيى بركات. ولا أريد مؤسسة تختار لي ما يجب أن أقوله. ولا أريد أن يصبح المخرج موظفًا عند الدولة.
أريد شيئًا أبسط وأصعب: أن تكون لفلسطين منظومة تجعل ولادة الفيلم أمرًا طبيعيًا، لا معجزة شخصية تبدأ كل مرة من الصفر.
لأن المعركة على فلسطين لم تكن يومًا على الأرض وحدها.
إنها أيضًا معركة على الصورة.
من يصنعها.
من يمولها.
من يحملها إلى العالم.
من يحفظها.
ومن يجعلها، بعد عشرين عامًا، الصورة الأولى التي يجدها العالم عندما يبحث عنا.
أفكر في ريتشل.
في الفيلم الذي ظهر أولًا ثم تراجع على شاشة البحث.
في مصطفى أبو علي عائدًا من السويد بلا مهرجان.
في نصف مليون يورو تركناها على الطاولة في القدس.
في أفلام بقيت أوراقًا.
وفي أفلام وجدت الجسر فعبرت.
ثم أرى، بعيدًا قليلًا، أحد عشر شابًا وشابة في غزة.
يرفع أحدهم الكاميرا.
لا أعرف ماذا سيصور.
ولا أريد أن أن أعرف.
المهم أن أحدًا لم يقل له هذه المرة:
عد عندما يصبح لديك فيلم.
قالوا له:
احكِ.
يصمت قليلًا.
ينظر أمامه.
ثم تبدأ الصورة.
يحيى بركات
12/9/2026