فاتن فاروق عبدالمنعم - الصليبيون الجدد (16) معركة كونية

(16)
معركة كونية:
معركة حطين، قادها صلاح الدين وابنه الأفضل، اهتم صلاح الدين بدقائق التفاصيل، عينه على الأرض المخطوفة عنوة، عينه على مسرى الحبيب، عينه على رينو دو شاتيون الذي أغار على المدينة المنورة وكان ينوي أن يستخرج الرسول من قبره، ويهدم الكعبة ويسويها بالأرض فقطع صلاح الدين العهد على نفسه بأن يقتله بيده، في حطين حانت اللحظة ونفذ ما أراد من تحرير القدس وأسر الكثير ومنهم الملك غي، ورينو دو شاتيون ونفذ وعده وقطع رقبته بالسيف وأخذ يركل جسده بقدمه حتى بلغ قدمي الملك غي الذي راح يرتجف فزعا، فقال له صلاح الدين لا تقلق "ما كان لملك أن يقتل ملكا" وأودعه في سجن بدمشق بعض الأيام ثم أطلق سراحه (وانتقدت ذلك كارين فما كان له أن يطلق سراحه وقالت أنه سيدفع ثمن هذه الرأفة غاليا)
وعن حالة صلاح الدين وقناعته بأن النصر من وفضل من الله فإنه بعد إحراز النصر قال ابنه:
"نزل أبي وسجد شكرا لله تعالى، وبكى من فرحته"
وعن هذه المعركة تقول كارين:
"كان رجال جيش صلاح الدين فيما هم يترقبون بلهفة طلوع الفجر، كمن ينتظر صدور حكم إلهي، وقد رأى عماد الدين الأصفهاني، أمين سر صلاح الدين ومستشاره، ليلة القدر تلك السنة كأنها الفاصل بين الحق والباطل، بين الخير والشر.
وفصل الليل ما بين الجانبين، وسد الفرسان كلا السبيلين، أمضى الإسلام الليلة وجها لوجه مع الكفر، والتوحيد في نزال مع التثليث، سبيل الحق ينظر من عل إلى الباطل، والإيمان يقارع الشرك، في تلك الأثناء كانت منازل عدة في الجنة تهيء نفسها، مالك (خازن جهنم) يقف مترقبا، ورضوان (حامل مفتاح الجنة) يهلل مبتهجا"
ورغم انشغال الحنود بإطلاق صيحات الحماس والفرحة بالنصر من التهليل والتكبير والتسبيح، فقد شغل صلاح الدين بإحكام قبضته على مواقع المسيحيين إلى أن أغلق الطوق عليهم تماما وكما قالت كارين " ما كان لقط حتى أن يفلت من تلك الشبكة"
عن قتل الأخويات العسكرية تقول كارين:
"وبعد بضعة أيام أمر صلاح الدين بإحضار جميع الأسرى ممن ينتمون إلى الأخويات العسكرية إلى مجلسه، وهناك جرت تصفيتهم بدم بارد، فقد ترجاه المتصوفة في جيشه أن يمنح كل واحد منهم شرف قتل أسير حرب، وجلس صلاح الدين يتابع عمليات الإعدام وإبتسامة زهو بادية على وجهه، لقد حكم عن صواب بأن هؤلاء كانوا الأشد تحمسا للحرب على الإسلام من بين سائر المسيحيين في الأراضي المقدسة، وكتب عماد الدين الأصفهاني الذي كان حاضرا المجزرة، يقول في تأريخه لصلاح الدين:
(رأيت في ذلك اليوم كيف قتل الكفر ليهب الحياة للإسلام، وكيف هدم الشرك ليبني التوحيد) فكانت المجزرة إذن عملا دينيا من أعمال الخلاص"
ولنا هنا وقفة مطولة نوعا ما:
عندما احتلت فرنسا سوريا، ذهب الجنرال الفرنسي إلى قبر صلاح الدين يركله بقدمه ويقول له "ها قد عدنا ياصلاح الدين"
ما يعني أنه قرابة ألف ومائة عام لم يوجعه سوى صلاح الدين.
لا تفتأ كارين بالقول مرارا وتكرارا بأنها حرب دينية، وذكرت مفردات مثل الحرب بين الإسلام والكفر، التوحيد والثالوث، وكتبت بإعجاب مفرط بصلاح الدين،عسكريا وإنسانيا وأخلاقيا.
في زماننا يعيش بيننا كائنات من فرط إنسانيتهم يبكون لقتلى الفئران والصراصير وكلاب الشوارع ولا يبكون للتنكيل بالمسلمين في أي مكان، وفي أعينهم كل مسلم يحمل سلاح يقاتل به عدو هو إرهابي وداعشي، هؤلاء أيضا يصفون صلاح الدين بأسوأ الصفات.
عندما خرجت المظاهرات في أوروبا للتنديد بإجرام الكيان الغاصب لفلسطين بحق الفلسطينين خاصة غزة طلب منهم نتنياهو أن يدعموه لأنه بهذه الحرب يصد عنهم الإسلام (لم يقل العرب أو المسلمين أو حركة حماس أو الجهاد).
ديباجة النصر التي انتهجها صلاح الدين الذي يوجع الأحياء والأموات على مر العصور هي نفسها المذكورة في القرآن والسنة.
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ـ ﷺ ـ:
" اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله"
ثم قرأ ( إِنَّ فِي ذَلكَ لآيَاتٍ للمُتُوسِّمِين) (سورة الحجر : 75)
بعد الأخذ بكل الأسباب والممكنات المادية الموجبة للنصر قبل الدخول في أي مواجهة، إن لم توقن أنك بحاجة إلى فراسة المؤمن الذي يرى بنور الله فأنت لاشيء، ولكي يبلغ المؤمن هذا المرقى من البصيرة لابد أن يكون طائعا لله يتحين رضاه، يغسل قلبه كما ملابسه، فهل القائد العسكري وجنده يحتاجون إلى ذلك؟ نعم، لأن النصر من عند الله فقط مهما امتلكت من الممكنات والأسباب، ونحن بحاجة ملحة إلى التذكير بذلك الآن، لأنه أكثر ما منينا به من أهوال المحتل عبر كل الأزمنة هو الهزيمة النفسية التي مازالت ماثلة في صور شتى من سلوكياتنا، وهذه هي أثيرته لأنها أصابتنا بشلل رباعي داخلي، أراحه وأصبح يأمن جانبنا، وهو حريص عليها حرصه على الحياة لأن الفتوحات الأولى التي مارسها الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين من بعدهم أحدثت عندهم صدمة لم تمحق، فأصبح يجدد دعواه بيننا بأساليب شتى يمدنا بالمصل الممرض لنا والذي يقيه من العودة لعهد سابق، فأصبح سلوكه معنا دائما وأبدا أنتم لا تقدرون علينا، أنتم الأدنى ونحن الأعلى في كل شيء، وإن كان هذا ماثلا وحقيقة، فإنني أقول لك أنت الأعلى فقط بإيمانك.
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) آل عمران
وهذا ما يثير السؤال كيف وهم إن أغلقوا أبوابهم في وجهونا سنموت جوعا؟ هنا يكون الجواب هل أنت تستعلي بإيمانك؟ بالقطع لا لأن إيمانك مهتريء، منقوص، ضعيف، ومنا من يخجل منه عليه من الله ما يستحق، ولا تبذل جهدا في نفض ما يعيبك وينتقص منك إيمانيا بل إنك ماض في غيك دون وجل، فلماذا تستنكر أن الله أذلنا لهم وبلغنا من العمه أننا نتصور أنهم يصدرون لنا السلاح الذي نصد عدوانهم علينا به!! (أغلب تجار السلاح هم اليهود ومن يواليهم) بينما في الحقيقة هم يسعرون الحروب فيما بيننا ويصدرون لنا السلاح الذي نغير به على بعضنا البعض فلا تلومن إلا نفسك، فالإيمان الذي تستعلي به هو ما يدفعك لأخذ كل الأمور بقوة، صغيرها وكبيرها، فترى جوهر الأشياء وليس ظاهرها فقط، وتوقن أن الأول الذين شقوا الأرض بأقدامهم ليفسحوا لمثلك مكانا تحت الشمس لو فكروا مثلك الآن ما خرجوا من ديارهم إلى الشارع الذي خلف بيوتهم ولكنت أنت من عباد الحجر والبشر، ولكنهم أخذوا الأمر بقوة، فرزقهم الله من فضله ومكنهم ورسخ أقدامهم وجئت أنت الآن فلم تحافظ على ما تركوه لك بل يمحق الله إرثهم لأنك ببساطة لا تستحقه، أخشى ما أخشاه ألا يستعملنا ويستبدلنا فلا نترك بصمة تذكر بل نذهب بحقبتنا ملعونين غير مأسوف علينا.
وهذا الذي ذكرت بسبب خروج أصوات نكرة تستنكر طوفان المختارين تعاطفا مع أهلنا في غزة وما يصيبهم من أهوال، هنا أقول لك لو تعلم ما أحدثه الطوفان في عدوك على المدى البعيد والقصير ما قلت ذلك كما أن الصورة الحقيقية والتي لن يذكرها إعلام الرايات الحمر هي أن العدو يفعل ما يفعل بالفلسطينين وغزة على وجه الخصوص ليس المقصود به غزة في حد ذاتها وإنما المقصود به إذلال العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، نفس الخطاب الدائم، أنتم لا تقدرون علينا، مع العلم أن الكيان الغاصب لفلسطين لا يحارب وحده وإنما العالم كله من خلفه يدعمه بكل الأشكال والصور، وغزة وحدها، فلماذا لا تراه ضغط إلهي علينا جميعا لنصبح كتلة إيمانية في مواجهة كتلة كافرة، لماذا لا تراه فعل إلهي ليرفع الغشاوة من على عينيك وتعود إلى صوابك، أليس الصليبيون خرجوا من أوروبا لمواجهة "الإسلام"، أليست كارين هي من وصفت معركة حطين بالمعركة بين "التوحيد والثالوث" معركة المواجهة بين الإسلام والكفر، الإيمان يقارع الشرك، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وللحديث بقية إن شاء الله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى