يحيى بركات - واحدة... دعوا الشعب يقرر

منذ أيام وأنا أقرأ مقالات وتعليقات فلسطينية كثيرة. بعضها مكتوب بوجع صادق، وبعضها يحمل أسئلة تستحق النقاش. لكنني كلما انتقلت من مقال إلى آخر، شعرت أنني لا أقرأ نقدًا بقدر ما أقرأ لوائح اتهام.

فتح تتهم حماس، وحماس تتهم فتح. اليمين يرى الخطيئة في اليسار، واليسار يعيدها إلى اليمين. هذا يستدعي التاريخ ليحاكم خصمه، وذاك يقتطع من التاريخ ما يكفي لتبرئة نفسه. وفي كل مرة تقريبًا أعرف المتهم قبل أن أكمل القراءة: إن كان الكاتب يقف هنا، فالمسؤول يقف هناك.

توقفت أمام هذه الظاهرة أكثر مما توقفت أمام الأسماء. ليس لأن النقد خطأ؛ نحن أحوج ما نكون إليه، وإلى مراجعة قاسية أيضًا بعد كل ما أصاب شعبنا وقضيتنا. لكن النقد الذي نحتاجه ليس الذي ينتصر فيه فصيل على فصيل، ولا المقال الذي ينتهي وقد أثبت الكاتب أن جماعته أقل خطايا من جماعة أخرى. فالبيت الفلسطيني كله من زجاج. ومن يسكن بيتًا من زجاج يستطيع أن يرى عيوب البيت المقابل بسهولة، لكنه يحتاج إلى شيء من الشجاعة كي يلتفت إلى الجدار الذي يقف خلفه.

ربما لهذا أصبح تاريخنا مجموعة أفلام مختلفة عن الأحداث نفسها. كل فصيل يملك نسخته. يبدأ الفيلم من اللقطة التي تناسبه، ويحذف ما قبلها، ويتوقف عند اللحظة التي تثبت روايته. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.

عشت جزءًا من تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان، وأعرف كم يمكن أن تكون المسافة قصيرة بين الحدث والذريعة والحرب. في آذار 1978 جاءت عملية الساحل، وبعد أيام اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان في عملية الليطاني. وفي حزيران 1982 كانت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي شلومو أرغوف في لندن، مع أن المنفذين كانوا من تنظيم أبو نضال المعادي لمنظمة التحرير وقيادتها، ثم جاءت الحرب التي قيل في بدايتها إنها لإبعاد القوات الفلسطينية عن الحدود، فإذا بالدبابات لا تتوقف عند الأربعين كيلومترًا، بل تصل إلى بيروت وتحاصرها.

هل يعني ذلك أن الثورة الفلسطينية لم ترتكب أخطاء في لبنان؟ بالتأكيد لا. ارتكبنا أخطاء، وبعضها كان كبيرًا، ودفع الفلسطيني واللبناني ثمنًا باهظًا لها. ومن حق اللبناني أن يقرأ تجربتنا على أرضه من زاويته أيضًا، لا من زاويتنا وحدنا. لكن هل تصبح الثورة الفلسطينية مسؤولة عن قرار إسرائيل باجتياح لبنان وعن كل ما فعلته إسرائيل فيه؟ إذا قبلنا هذه المعادلة، فعلينا أن نعيد كتابة تاريخنا كله.

وهنا بالضبط تصبح المرآة ضرورية. لأن المنطق الذي نرفضه عندما نحاكم به أنفسنا لا يجوز أن يصبح فجأة حقيقة مطلقة عندما نحاكم به خصومنا. وهذا يأخذنا مباشرة إلى غزة.

من حقنا أن نسأل حماس عن السابع من أكتوبر. بل يجب أن نسأل. من اتخذ القرار؟ كيف حُسبت موازين القوى؟ ماذا كان متوقعًا من رد إسرائيل؟ ما الخطة لحماية المجتمع؟ ماذا عن اليوم التالي؟ ومن أعطى أي تنظيم، مهما كانت تضحياته، حق اتخاذ قرار حرب بهذا الحجم نيابة عن شعب كامل؟ هذه ليست أسئلة عداء للمقاومة، بل أسئلة مسؤولية.

لكن مسؤولية صاحب القرار الفلسطيني عن قراره شيء، ومسؤولية الاحتلال عن حربه وجرائمه ومشروعه شيء آخر. لا تمحو إحداهما الأخرى، ولا يجوز أن تصبح أخطاء الفلسطيني شهادة براءة للاحتلال. وإلا عدنا إلى لبنان، وقلنا إن عملية الساحل هي المسؤولة عن اجتياح 1978، وإن محاولة اغتيال سفير في لندن تفسر حصار بيروت عام 1982.

والأهم ألا يبدأ فيلم غزة عند الساعة التي عبر فيها المقاتلون الحدود في السابع من أكتوبر. فلنعد بالكاميرا قليلًا. ماذا كان هناك في السادس من أكتوبر؟ هل كانت غزة بخير؟ كانت هناك سنوات طويلة من الحصار، وحروب متكررة، وقصف وقتل واغتيالات وبيوت تهدم، واقتصاد يخنق، وحدود تغلق، وشباب يولدون ويكبرون وهم لا يعرفون العالم خارج ذلك الشريط الصغير. قول ذلك لا يجعل السابع من أكتوبر قرارًا صحيحًا بالضرورة، لكنه يجعل التاريخ كاملًا. وهذا ما نفتقده: نحن بارعون في اختيار نقطة البداية.

وعندما نصل إلى الانقسام يحدث الشيء نفسه. حماس تقول إن نتائج انتخابات 2006 لم تُحترم، وإن حكومة جاءت عبر صندوق الاقتراع حوصرت سياسيًا وماليًا وفُرضت عليها شروط إسرائيلية ودولية. وهذا جزء من الحقيقة. وفتح تقول إن حماس حسمت الصراع بالسلاح وسيطرت على غزة وأقامت سلطة منفردة هناك. وهذا أيضًا جزء من الحقيقة. لكن أن يأخذ كل طرف نصف الفيلم ويعرضه على الناس باعتباره الفيلم كاملًا، فهذا ليس تاريخًا. هذا مونتاج سياسي.

لقد أخطأ الطرفان. وتدخلت أطراف إقليمية ودولية وإسرائيلية. وفشل النظام السياسي الفلسطيني كله في حماية نتيجة صندوق الاقتراع وفي إدارة الخلاف داخل مؤسسات يحتكم إليها الجميع. ومع ذلك، بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نسأل: من قسم الوطن؟ والجواب جاهز قبل السؤال: الفصيل الآخر.

ثم تنتقل الكاميرا إلى الضفة. ثلاثة عقود تقريبًا من مسار سياسي بدأ بوعد أن تكون السلطة مرحلة على طريق الدولة. جرى الاعتراف، والتفاوض، والتنسيق، وبناء المؤسسات، وتقديم الالتزامات، وانتظر الفلسطيني الدولة التي قيل إنها في نهاية الطريق. واليوم يدخل جيش الاحتلال حتى مناطق A، ويعتقل ويقتل ويهدم حيث يريد، ويتسع الاستيطان، ويُطرح الضم، وتتآكل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة.

فهل نستطيع أن نطالب حماس بمراجعة طريقها بعد ما وصلت إليه غزة، ثم نعفي فتح والسلطة من مراجعة الطريق الذي أوصل الضفة إلى ما هي عليه؟ وهل يستطيع أحد أن يقول إن كل ما حدث في غزة سببه فتح، أو إن كل ما حدث في الضفة سببه حماس؟ هنا يجب أن يتوقف هذا العبث.

ليس المطلوب أن نساوي بين الجميع، ولا أن نوزع الأخطاء بالتساوي حتى لا يغضب أحد. التاريخ ليس جمعية خيرية توزع المسؤولية بالحصص. المعيار أبسط من ذلك: كل طرف مسؤول عن قراره بقدر ما امتلك من سلطة وقدرة على اتخاذه. الاحتلال مسؤول عن احتلاله واستيطانه وحروبه وجرائمه. وحماس مسؤولة عن قراراتها حين امتلكت القرار. وفتح والسلطة مسؤولتان عن خياراتهما حين امتلكتا القرار. والفصائل مسؤولة عن أفعالها، والقيادات مسؤولة أمام الناس عن النتائج التي رتبتها خياراتها. لا أحد يحمل خطيئة الآخر، ولا أحد يختبئ خلف خطيئة الآخر. بهذا فقط تصبح المراجعة ممكنة.

ووسط هذا المشهد الفلسطيني القاتم، يحدث شيء آخر يستحق أن نرفع رؤوسنا إليه. بينما نعيد نحن عرض أفلامنا القديمة ونتبادل الاتهامات، تظهر فلسطين في مكان آخر. في شوارع العالم. طلاب جامعات، نقابيون، فنانون، أطباء، حقوقيون، ومواطنون لا يعرف معظمهم أسماء لجاننا المركزية ولا مكاتبنا السياسية، لكنهم يعرفون غزة. في عواصم غربية ظلت إسرائيل لعقود تطمئن إلى دعمها، بدأت اللغة تتغير. خرجت التظاهرات، واتسعت المقاطعة، وارتفعت أصوات داخل البرلمانات والحكومات، وبدأت الرواية الإسرائيلية التي بدت يومًا عصية على الاختراق تفقد شيئًا من قدرتها القديمة على احتكار الصورة.

من صنع ذلك؟ هل فتح؟ هل حماس؟ هل اليسار؟ هل الإسلاميون؟ الحقيقة أبسط وأكبر: صنعه شعبنا. صنعته غزة وهي تنزف أمام العالم ولا تختفي. صنعه الفلسطيني في الضفة وهو يتمسك بأرضه بينما تتقدم المستوطنات نحوه. صنعه أهل القدس، والأسرى، واللاجئون، والصحفي الذي ظل يحمل الكاميرا، والطبيب الذي بقي في مستشفاه، والأم التي خرجت من تحت الركام، والإنسان الفلسطيني الذي ظهر أمام العالم لا رقمًا في نشرة أخبار، بل شعبًا يريد أن يعيش حرًا على أرضه. وصنعه أيضًا ملايين البشر الذين رأوا ذلك وقرروا ألا يصمتوا.

وهنا تبدو المفارقة مؤلمة: العالم بدأ يرى الفلسطيني قبل أن يرى فصيله. فلماذا ما زلنا نحن نصر على رؤية الفصيل قبل أن نرى الفلسطيني؟

قضيتنا اليوم تكاد تكون في حالة موت سريري. غزة تحتاج إلى أن تقوم من الركام، والضفة تواجه الاستيطان والضم والاستباحة، والقدس تتغير، والنظام السياسي منقسم ومأزوم، والمؤسسات التي يفترض أن تمثل الفلسطينيين تحتاج إلى استعادة معناها وشرعيتها. وفي مثل هذه اللحظة لا أرى أن المهمة التاريخية هي أن نثبت أن فتح أسوأ من حماس أو أن حماس أسوأ من فتح. فلسطين أكبر منهما، وأكبر من اليمين واليسار، وأكبر من كل تنظيم وقيادة.

وأقرأ، وسط كل هذا، أصواتًا تأتي أحيانًا من داخل الفصيل نفسه وتقول لقيادته: راجعوا أنفسكم، استمعوا إلى الناس، غيّروا أدواتكم ووجوهكم وآلياتكم، فما كان يصلح قبل أربعين عامًا ليس بالضرورة صالحًا اليوم. هذه بالنسبة لي بداية مختلفة. أن تقول لخصمك: أخطأت، أمر سهل. أن تقف داخل بيتك وتقول: هنا أخطأنا نحن، هو بداية المراجعة.

لكن المراجعة وحدها لا تكفي. لأن السؤال الذي ظل يرافق كل هذه المشاهد هو: من يملك في النهاية حق الحكم على التجربة؟ من يقرر أن هذا الطريق فشل وأن طريقًا آخر يجب أن يُجرب؟ من يمنح القيادة حق الاستمرار أو يسحب منها هذا الحق؟ من يختار؟ وهنا نعود، بعد كل هذه السنوات، إلى صندوق تركناه في زاوية المشهد منذ انتخابات 2006. صندوق الاقتراع.

ربما كانت مشكلتنا أننا نتحدث كثيرًا باسم الشعب، ونثق به قليلًا عندما يحين وقت القرار. نقول إن الظروف غير مناسبة، وإن الاحتلال يمنع، وإن الانقسام يمنع، وإن الحرب تمنع، وإن الأولوية للمصالحة، وإن علينا أولًا أن نتوافق على من يمثل الناس قبل أن نسأل الناس من يريدون أن يمثلهم. وهكذا تتحول الاستثناءات إلى نظام، والمؤقت إلى دائم، ويبقى صاحب القضية خارج لحظة القرار.

لماذا؟ إذا كان هذا الشعب هو الذي دفع ثمن الحرب والسلام، والمقاومة والمفاوضات، وأوسلو والانقسام والحصار والسجون والاستيطان، فلماذا لا يكون هو صاحب الحق في تقييم كل هذه التجارب واختيار من يقوده بعدها؟ ليس مطلوبًا أن نختار له. ولا أن تختار فتح أفضل الفتحاويين، أو حماس أفضل الحمساويين، أو أن يقرر اليسار من هو التقدمي، أو يمنح اليمين شهادات الوطنية. افتحوا الطريق فقط. وليذهب الجميع إلى الناس بتاريخهم وبرامجهم وأخطائهم وإنجازاتهم.

دعوا فتح تقول ما لديها. ودعوا حماس تقول ما لديها. ودعوا اليسار والمستقلين والشباب والنساء وكل من يعتقد أنه يحمل مشروعًا لهذا الشعب أن يقف أمامه. ثم ابتعدوا عن الصندوق. شعبنا يعرف أكثر مما نعتقد. يعرف من كذب عليه ومن صدق معه، من سرق ومن بقي نظيف اليد، من ضحى ومن استثمر في التضحيات، من قاوم ومن فاوض، ومن جعل السلطة أو التنظيم غاية بدل أن يكونا وسيلة لخدمة الوطن.

وقد يخطئ الشعب في اختياره. فالشعوب ليست معصومة. لكن من حقها أن تخطئ، ومن حقها بعد ذلك أن تصحح خطأها. أما أن نخطئ نحن باسمها، ثم نمنعها عشرين عامًا من تصحيح أخطائنا، فذلك شيء آخر.

فلسطين اليوم لا تحتاج إلى انتصار فتح على حماس، ولا حماس على فتح، ولا اليمين على اليسار. تحتاج إلى أن تنتصر فلسطين على عجزنا جميعًا. فلنقرأ تاريخنا كاملًا، لا نصف الفيلم الذي يبرئنا. ولنقل الحقيقة للناس، حتى عندما تؤلمنا نحن. ثم لنفعل شيئًا بسيطًا ظل يبدو مستحيلًا كل هذه السنوات: نعيد القرار إلى صاحبه.

مرة واحدة، لا تقرروا عن الشعب ماذا يريد. لا تختاروا له ممثليه. لا تخافوا من حكمه عليكم. ضعوا أمامه التجربة كلها: بطولاتها وأخطاءها، مقاومتها ومفاوضاتها، شهداءها وسجونها، نزاهتها وفسادها، انتصاراتها وهزائمها. ثم افسحوا الطريق. فهذا الشعب الذي استطاع، وهو تحت الركام والحصار والاستيطان، أن يعيد قضيته إلى شوارع العالم، لن يكون عاجزًا عن أن يخرج من بين صفوفه الوطنيين والأحرار والصادقين ونظيفي الأيدي والعقول.

وربما لا تبدأ نهضتنا يوم يعترف الفصيل الآخر بأنه أخطأ. ربما تبدأ يوم نمتلك جميعًا الشجاعة لنقول: هنا أخطأنا نحن.

ثم نترك للشعب أن يقول كلمته.
مرة واحدة... دعوا الشعب يقرر.

يحيى بركات
13/9/2026





FB_IMG_1789293520894.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى