غانية ملحيس - هندسة «التطهر» واستعادة الشرعية: من سينما «نازا» إلى آليات التجديد الذاتي لنظام الحداثة الغربية المهيمن

٠في مهرجان البندقية السينمائي، خلال دورته الثالثة والثمانين التي أقيمت في الفترة من 2 إلى 12 أيلول/سبتمبر 2026، حظي فيلم «نازا» (NAZA)، للمخرجين الإسرائيليين يوڤال أبراهام وراشيل زور، بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، قبل أن يحصل لاحقاً على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ويعتمد الفيلم على شهادات 24 من الجنود وعناصر الاستخبارات الإسرائيليين.
لكن أهمية هذه اللحظة لا تكمن في طول التصفيق وحده، ولا في الحصول على الجائزة، ولا في الاحتفاء بجماليات وثائقية تفكك آليات القتل والذكاء الاصطناعي في غزة؛ بل فيما مثلته تلك اللحظة من تجسيد عملي مكثف لآليات بنيوية يعتمد عليها نظام الحداثة الغربية المهيمن لتجديد شرعيته، وإعادة امتصاص أزماته الأخلاقية في لحظات انكشاف غير مسبوق. والمشهد الافتتاحي المعبر عن «هندسة التطهر الأخلاقي» التي يمارسها النظام.
فمن منصات السينما إلى أروقة السياسة الدولية، تتكشف آليات معقدة تعمل من خلالها المنظومة الغربية على حماية بنيتها الصلبة عبر التضحية بهوامشها، وشراء الزمن، وتبييض صحيفتها الأخلاقية في لحظات الانكشاف الحاد.
يشكل الاحتفاء بفيلم «نازا» أحد تجليات الأطروحة التفكيكية التي يقدمها كتاب «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»، الصادر في آب/أغسطس 2026 عن مؤسسة الناشر في رام الله والدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان. إذ يضعنا هذا التقاطع النظري بالتوازي مع التحولات السياسية الراهنة أمام بنية متكاملة لإعادة تدوير النظام وإنقاذه من السقوط عبر أدوات متعددة:

أولاً: اختزال البنيوي في الإجرائي (تفكيك الجريمة وتبرئة النظام)
يُبين كتاب «إبادة غزة» أن الإبادة ليست مجرد انحراف طارئ يقوده «يمين فاشي»، بل هي تكثيف أداتي وتقني أصيل في بنية الحداثة الكولونيالية التي أنتجت مؤسسات القتل وشرعنتها. لكن المنظومة الغربية تسعى حثيثا لإنقاذ بنيتها عبر تفكيك الجريمة ونسبتها إلى أفراد وحكومات:
• ظاهرة «نازا» وثنائية الإسرائيليين:
عبر التبجيل الثقافي للفيلم، يُصنع تمييز وظيفي بين «إسرائيل المتطرفة» (نتنياهو واليمين) و«إسرائيل الأخرى» (الدمثة والمشككة وواعية الضمير)، مما يتيح للغرب التمهيد لإعادة تطبيع العلاقات مع المنظومة بمجرد تغيير الوجوه السياسية.
• عقوبات المستوطنين الأفراد:
تندرج العقوبات الغربية المفروضة على مستوطنين محددين في الضفة الغربية، أو التهديد بمقاطعة منتجات المستوطنات دون البنية الاستيطانية نفسها، ضمن ذات الخديعة المعرفية؛ إذ يُصور الاستعمار الاستيطاني الإحلالي كـ «سلوكيات فردية خشنة» خارجة عن القانون، لإبراء ذمة الدولة المؤسسة والداعمين الدوليين لها.

ثانياً: شق السردية والتنفيس الانتخابي (شراء الزمن لإنقاذ المنظومة)
تتزامن التغيرات في الخطاب الغربي مع مواسم الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل في أيلول/سبتمبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر، وفي عدة دول أوروبية، إلى جانب الانتخابات التشريعية الفلسطينية في تشرين الثاني/نوفمبر، لمحاولة إعادة تدوير النخبة السياسية في السلطة الفلسطينية.
تكشف هذه التقاطعات عن أبعاد سياسية حاسمة:
• الاعترافات المتأخرة بالدولة الفلسطينية:
قد لا يكون انضمام دول كأستراليا لموجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية صحوة أخلاقية، بقدر ما يمكن أن يعمل، في غياب إجراءات قادرة على تغيير البنية الاستعمارية على الأرض، بوصفه أداة لامتصاص غضب الشارع الغربي، ووسيلة لمنح السلطة المتهالكة شرعية شكلية تُبقيها كوكر إداري يضبط الضحايا. ومن هنا يطرح الاعتراف سؤالا يتجاوز رمزيته الدبلوماسية:
هل يتحول الاعتراف إلى أداة لتغيير ميزان القوة، أم يعمل، في غياب إجراءات موازية، بوصفه آلية لامتصاص الضغط السياسي والأخلاقي؟
• إستراتيجية تصفير العداد السياسي:
تتيح المواسم الانتخابية للنظام الغربي فرصة الادعاء بـ«بدء عهد جديد»؛ حيث يُضحى بالأقنعة المستهلكة (كإسقاط حكومات أو تغيير أشخاص) لإغلاق ملف المحاسبة الدولية على الإبادة، وبدء جولة جديدة من المفاوضات العقيمة التي تضمن استمرار البنية الاستعمارية.

ثالثاً: احتكار حق الشهادة وسلطة التطهير الأخلاقي
تتجلى فوقية الحداثة الغربية في تحديد من يحق له الحديث وتوثيق الجريمة:
• إقصاء الضحية الأصلية:
على مدى عقود، عومل الصوت الفلسطيني وحلفاؤه الأصليون بالريب والرقابة؛ وحين تصرح كفاءات وثقافات حرة (كما حدث عند حذف مقابلة أديل هينيل لقولها إن ما يحدث إبادة، أو التهميش الموجه لسوزان ساراندون) بحدوث إبادة وجبت عليها العقوبات، تُحظر إعادات البث أو صُنفن كعناصر غير مرحب بها، لأن قبول الصوت الفلسطيني يفرض استحقاقا تفكيكيا كاملا للبنية.
• تقديس «الجاني التائب»:
حين ينطق الجاني نفسه أو عنصر الاستخبارات السابق بشهادته عن الجريمة، تكتسب المأساة، داخل المجال الثقافي الغربي، درجة مختلفة من قابلية السماع والاحتفاء. تتحول الـ 25 دقيقة تصفيق في البندقية من الوقوف مع غزة، إلى تصفيق المنظومة لنفسها، ولجماليات ضميرها التائب.
• جماليات «الكادر التائب» كيف تُمارس السينما التطهر داخل شاشتها؟:
لا يتوقف التطهر عند تصفيق الجمهور في الصالة، بل يبدأ من البنية البصرية للفيلم نفسه؛ كما أظهرته المشاهد المتداولة في وسائل الإعلام، حيث تعتمد الكاميرا على اللقطات القريبة جدا لوجوه الجنود وهم يشهدون لتسليط الضوء على انظلامهم النفسي وعلامات الندم، مما يحوّل الجريمة من «فعل إبادة بنيوي» إلى «مأساة أخلاقية يعاني منها المنفذ».
كما أن تقديم تقنيات القتل بالذكاء الاصطناعي كـ «وحش خوارزمي مجرد» ينقل المسؤولية من المؤسسة العسكرية والحداثة الكولونيالية إلى أجهزة صامتة، ليتطهر الجاني البشري بصفته ضحية أخرى للتكنولوجيا. يكتمل هذا عبر لغة بصريّة حزينة تمنح الفيلم طابع «الاعتراف الكنسي»، فتتحول الشاشة إلى كابينة اعتراف تُغسل فيها خطايا الجاني بمجرد النطق بها أمام الكاميرا.
ماذا يعني أن تكشف إحدى مؤسسات الثقافة الغربية عن آليات القتل عبر شهادات تأتي من داخل جهاز القوة نفسه، ثم تمنح هذا الكشف اعترافاً ثقافيا استثنائيا؟
هل يمثل ذلك اختراقا لبنية النظام، أم يكشف قدرة النظام نفسه على إنتاج نقد ذاتي واستيعابه داخل مؤسساته؟

من هذه الزاوية، لا تكمن أهمية ظاهرة «نازا» في كونها تكشف الجريمة فحسب، بل في أنها تكشف أيضا قدرة المنظومة على إنتاج شهادتها النقدية من داخلها، وإدخالها في مؤسساتها الثقافية، وتحويل لحظة الانكشاف الأخلاقي إلى لحظة اعتراف مؤسسي بالنقد الذاتي. وهنا تتشكل إحدى آليات «التطهر»: كشف الجريمة دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكيك البنية التي جعلتها ممكنة.

رابعاً: مستويات التلقي والتوظيف بين السرديات المختلفة
• المؤسسة الغربية الرسمية والثقافية:
ركزت في قراءتها الوظيفية على إبراز النقد الذاتي الداخلي، والعقوبات الفردية، والاعترافات الشكلية بالدولة الفلسطينية، محاولة الترويج لها بوصفها أدلة قاطعة على حيوية المنظومة الديمقراطية، وصحة عقلها الأخلاقي، وقدرتها الاستثنائية على «التطهر الذاتي» من داخل المنظومة دون الحاجة لتفكيك بنيتها الكولونيالية.
• المشهد الإسرائيلي المزدوج:
توزّع التناول الداخلي بين أسلوبين متكاملين؛ إذ استخدم اليمين الحاكم الفيلم والضغوط الغربية بوصفهما «تآمرا خارجيا» لشد عصب قاعدته الانتخابية، بينما استثمر التيار الليبرالي التقليدي هذه المناخات لغسيل سمعة «إسرائيل الديمقراطية»، واستعادة مقبوليتها الدولية عبر محاولة إثبات حرية التعبير وحيوية المجتمع المفتوح.
• الرؤية العربية والفلسطينية النقدية:
نَفَذت القراءة العربية والفلسطينية الواعية إلى كنه هذه الظاهرة؛ فاستغلت الفيلم كإدانات صريحة وشهادات صادرة عن لسان الجاني نفسه، يمكن أن تكتسب قيمة إثباتية في مسارات المساءلة القضائية لتأكيد مظلومية الضحية، وفي الوقت ذاته، تصدت بحزم فكري لخديعة استبدال العدالة التاريخية والمحاسبة البنيوية بمسرحيات تغيير الوجوه وتصفية الضمائر.

وتكشف هذه الحالات، على اختلاف مستوياتها، عن آلية واحدة تتكرر بأشكال متعددة داخل نظام الحداثة الغربي المهيمن: نقد ذاتي في المجال الثقافي، وعقوبات في المجال القانوني، واعترافات في المجال الدبلوماسي، وتجديد في المجال السياسي. وهي، رغم اختلاف أدواتها ونتائجها المباشرة، تعمل ضمن مسار واحد: كشف الأزمة، ثم الاعتراف بها، ثم اتخاذ إجراءات جزئية أو إجرائية حيالها، وصولا إلى استعادة قدر من الشرعية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكيك البنية التي أنتجت الأزمة.
والمفارقة هنا ليست أن المنظومة الغربية عاجزة عن نقد نفسها؛ بل ربما تكمن قوتها تحديدا في قدرتها على إنتاج نقدها الذاتي، واحتوائه مؤسسياً، وتحويله إلى آليات للعقاب والاعتراف والتجديد، بما يسمح لها بامتصاص لحظات الانكشاف الأخلاقي وإعادة إنتاج شرعيتها، دون أن تضطر، بالضرورة، إلى تفكيك بنيتها المهيمنة.

نحو تجاوز الفخ الغربي: أدوات الممارسة البديلة
إن التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين والعرب هو عدم الانخداع بمنظومة «التنفيس الأخلاقي» وتغيير الأقنعة؛ فنظام الحداثة الغربي المهيمن لا يكتفي بإنتاج أدوات الإبادة وتغطيتها، بل يحتكر أيضاً سوق «التكفير عنها»، وإدارة أزماته ليضمن بقاء بنيته دون تفكيك.
إن مجمل الحراك الراهن - من تصفيق المهرجانات، إلى عقوبات المستوطنين، والاعترافات المتأخرة، وإعادة تدوير الانتخابات - ليس إلا تكتيكا إمبراطوريا لطي الصفحة واستعادة الشرعية.
ولذا، فإن أفق التحرر الحقيقي يقتضي الانتقال من التفكيك النظري لـ «فخ التطهر الغربي»، إلى بناء أدوات عمل مجابهة تُسقط شرعية هذا التدوير، وذلك عبر ثلاث مسارات عملية:
1. المسار القانوني (تعديل أدوات المساءلة):
تجاوز التركيز على عقوبات الأفراد أو ملفات الاستيطان الجزئية، ونقل مركز الثقل القضائي الدولي نحو مساءلة الشركات العابرة للقوميات والأنظمة الداعمة للبنية العسكرية، والمطالبة بتفكيك «البنية القانونية والمؤسسية للإبادة» بدلا من الاكتفاء بملاحقة منفذيها المباشرين.
2. المسار الثقافي والمعرفي (استعادة سلطة الشهادة):
تحويل الاستشهاد بشهادات «الجاني التائب» (كما في فيلم نازا) من مجرد مادة للتطهير الذاتي الغربي إلى وثائق إثبات بالتدليس الإستراتيجي، تُدمج في الأرشيف الشفوي والقانوني الفلسطيني، بالتوازي مع بناء منصات توثيق وتقييم ثقافي مستقلة تُسقط سلطة المهرجانات الغربية في منح «صكوك الغفران الأخلاقية».
3. المسار السياسي (فك الارتهان بديناميات الانتخابات):
بناء استراتيجية فلسطينية وعربية ترفض مقايضة الحقوق التاريخية بالاعترافات الدبلوماسية الرمزية المشروطة بالاستحقاقات الانتخابية الغربية، والإصرار على ربط أي مسار سياسي بإجراءات ملموسة تُفكك البنية الاستعمارية على الأرض بدلا من تدوير نخبة إدارية لضبط الضحايا.
إن رفض شراء الزمن وتغيير الأقنعة يبدأ من حرمان النظام الغربي المهيمن من احتكار إدارة أزماته، والرفض القاطع لمقايضة حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية بدموع عابرة على مسارح الغرب أو بتبديل شكلي للوجوه والحكومات، لفرض كلفة سياسية وقانونية حقيقية تجعل من استمرار البنية الكولونيالية نفسها أمرا غير ممكن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى