غانية ملحيس - هندسة «التطهر» واستعادة الشرعية: من سينما «نازا» إلى آليات التجديد الذاتي لنظام الحداثة الغربية المهيمن

٠في مهرجان البندقية السينمائي، خلال دورته الثالثة والثمانين التي أقيمت في الفترة من 2 إلى 12 أيلول/سبتمبر 2026، حظي فيلم «نازا» (NAZA)، للمخرجين الإسرائيليين يوڤال أبراهام وراشيل زور، بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، قبل أن يحصل لاحقاً على جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ويعتمد الفيلم على شهادات 24 من الجنود وعناصر الاستخبارات الإسرائيليين.
لكن أهمية هذه اللحظة لا تكمن في طول التصفيق وحده، ولا في الحصول على الجائزة، ولا في الاحتفاء بجماليات وثائقية تفكك آليات القتل والذكاء الاصطناعي في غزة؛ بل فيما مثلته تلك اللحظة من تجسيد عملي مكثف لآليات بنيوية يعتمد عليها نظام الحداثة الغربية المهيمن لتجديد شرعيته، وإعادة امتصاص أزماته الأخلاقية في لحظات انكشاف غير مسبوق. والمشهد الافتتاحي المعبر عن «هندسة التطهر الأخلاقي» التي يمارسها النظام.
فمن منصات السينما إلى أروقة السياسة الدولية، تتكشف آليات معقدة تعمل من خلالها المنظومة الغربية على حماية بنيتها الصلبة عبر التضحية بهوامشها، وشراء الزمن، وتبييض صحيفتها الأخلاقية في لحظات الانكشاف الحاد.
يشكل الاحتفاء بفيلم «نازا» أحد تجليات الأطروحة التفكيكية التي يقدمها كتاب «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»، الصادر في آب/أغسطس 2026 عن مؤسسة الناشر في رام الله والدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان. إذ يضعنا هذا التقاطع النظري بالتوازي مع التحولات السياسية الراهنة أمام بنية متكاملة لإعادة تدوير النظام وإنقاذه من السقوط عبر أدوات متعددة:

أولاً: اختزال البنيوي في الإجرائي (تفكيك الجريمة وتبرئة النظام)
يُبين كتاب «إبادة غزة» أن الإبادة ليست مجرد انحراف طارئ يقوده «يمين فاشي»، بل هي تكثيف أداتي وتقني أصيل في بنية الحداثة الكولونيالية التي أنتجت مؤسسات القتل وشرعنتها. لكن المنظومة الغربية تسعى حثيثا لإنقاذ بنيتها عبر تفكيك الجريمة ونسبتها إلى أفراد وحكومات:
• ظاهرة «نازا» وثنائية الإسرائيليين:
عبر التبجيل الثقافي للفيلم، يُصنع تمييز وظيفي بين «إسرائيل المتطرفة» (نتنياهو واليمين) و«إسرائيل الأخرى» (الدمثة والمشككة وواعية الضمير)، مما يتيح للغرب التمهيد لإعادة تطبيع العلاقات مع المنظومة بمجرد تغيير الوجوه السياسية.
• عقوبات المستوطنين الأفراد:
تندرج العقوبات الغربية المفروضة على مستوطنين محددين في الضفة الغربية، أو التهديد بمقاطعة منتجات المستوطنات دون البنية الاستيطانية نفسها، ضمن ذات الخديعة المعرفية؛ إذ يُصور الاستعمار الاستيطاني الإحلالي كـ «سلوكيات فردية خشنة» خارجة عن القانون، لإبراء ذمة الدولة المؤسسة والداعمين الدوليين لها.

ثانياً: شق السردية والتنفيس الانتخابي (شراء الزمن لإنقاذ المنظومة)
تتزامن التغيرات في الخطاب الغربي مع مواسم الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل في أيلول/سبتمبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر، وفي عدة دول أوروبية، إلى جانب الانتخابات التشريعية الفلسطينية في تشرين الثاني/نوفمبر، لمحاولة إعادة تدوير النخبة السياسية في السلطة الفلسطينية.
تكشف هذه التقاطعات عن أبعاد سياسية حاسمة:
• الاعترافات المتأخرة بالدولة الفلسطينية:
قد لا يكون انضمام دول كأستراليا لموجة الاعتراف بالدولة الفلسطينية صحوة أخلاقية، بقدر ما يمكن أن يعمل، في غياب إجراءات قادرة على تغيير البنية الاستعمارية على الأرض، بوصفه أداة لامتصاص غضب الشارع الغربي، ووسيلة لمنح السلطة المتهالكة شرعية شكلية تُبقيها كوكر إداري يضبط الضحايا. ومن هنا يطرح الاعتراف سؤالا يتجاوز رمزيته الدبلوماسية:
هل يتحول الاعتراف إلى أداة لتغيير ميزان القوة، أم يعمل، في غياب إجراءات موازية، بوصفه آلية لامتصاص الضغط السياسي والأخلاقي؟
• إستراتيجية تصفير العداد السياسي:
تتيح المواسم الانتخابية للنظام الغربي فرصة الادعاء بـ«بدء عهد جديد»؛ حيث يُضحى بالأقنعة المستهلكة (كإسقاط حكومات أو تغيير أشخاص) لإغلاق ملف المحاسبة الدولية على الإبادة، وبدء جولة جديدة من المفاوضات العقيمة التي تضمن استمرار البنية الاستعمارية.

ثالثاً: احتكار حق الشهادة وسلطة التطهير الأخلاقي
تتجلى فوقية الحداثة الغربية في تحديد من يحق له الحديث وتوثيق الجريمة:
• إقصاء الضحية الأصلية:
على مدى عقود، عومل الصوت الفلسطيني وحلفاؤه الأصليون بالريب والرقابة؛ وحين تصرح كفاءات وثقافات حرة (كما حدث عند حذف مقابلة أديل هينيل لقولها إن ما يحدث إبادة، أو التهميش الموجه لسوزان ساراندون) بحدوث إبادة وجبت عليها العقوبات، تُحظر إعادات البث أو صُنفن كعناصر غير مرحب بها، لأن قبول الصوت الفلسطيني يفرض استحقاقا تفكيكيا كاملا للبنية.
• تقديس «الجاني التائب»:
حين ينطق الجاني نفسه أو عنصر الاستخبارات السابق بشهادته عن الجريمة، تكتسب المأساة، داخل المجال الثقافي الغربي، درجة مختلفة من قابلية السماع والاحتفاء. تتحول الـ 25 دقيقة تصفيق في البندقية من الوقوف مع غزة، إلى تصفيق المنظومة لنفسها، ولجماليات ضميرها التائب.
• جماليات «الكادر التائب» كيف تُمارس السينما التطهر داخل شاشتها؟:
لا يتوقف التطهر عند تصفيق الجمهور في الصالة، بل يبدأ من البنية البصرية للفيلم نفسه؛ كما أظهرته المشاهد المتداولة في وسائل الإعلام، حيث تعتمد الكاميرا على اللقطات القريبة جدا لوجوه الجنود وهم يشهدون لتسليط الضوء على انظلامهم النفسي وعلامات الندم، مما يحوّل الجريمة من «فعل إبادة بنيوي» إلى «مأساة أخلاقية يعاني منها المنفذ».
كما أن تقديم تقنيات القتل بالذكاء الاصطناعي كـ «وحش خوارزمي مجرد» ينقل المسؤولية من المؤسسة العسكرية والحداثة الكولونيالية إلى أجهزة صامتة، ليتطهر الجاني البشري بصفته ضحية أخرى للتكنولوجيا. يكتمل هذا عبر لغة بصريّة حزينة تمنح الفيلم طابع «الاعتراف الكنسي»، فتتحول الشاشة إلى كابينة اعتراف تُغسل فيها خطايا الجاني بمجرد النطق بها أمام الكاميرا.
ماذا يعني أن تكشف إحدى مؤسسات الثقافة الغربية عن آليات القتل عبر شهادات تأتي من داخل جهاز القوة نفسه، ثم تمنح هذا الكشف اعترافاً ثقافيا استثنائيا؟
هل يمثل ذلك اختراقا لبنية النظام، أم يكشف قدرة النظام نفسه على إنتاج نقد ذاتي واستيعابه داخل مؤسساته؟

من هذه الزاوية، لا تكمن أهمية ظاهرة «نازا» في كونها تكشف الجريمة فحسب، بل في أنها تكشف أيضا قدرة المنظومة على إنتاج شهادتها النقدية من داخلها، وإدخالها في مؤسساتها الثقافية، وتحويل لحظة الانكشاف الأخلاقي إلى لحظة اعتراف مؤسسي بالنقد الذاتي. وهنا تتشكل إحدى آليات «التطهر»: كشف الجريمة دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكيك البنية التي جعلتها ممكنة.

رابعاً: مستويات التلقي والتوظيف بين السرديات المختلفة
• المؤسسة الغربية الرسمية والثقافية:
ركزت في قراءتها الوظيفية على إبراز النقد الذاتي الداخلي، والعقوبات الفردية، والاعترافات الشكلية بالدولة الفلسطينية، محاولة الترويج لها بوصفها أدلة قاطعة على حيوية المنظومة الديمقراطية، وصحة عقلها الأخلاقي، وقدرتها الاستثنائية على «التطهر الذاتي» من داخل المنظومة دون الحاجة لتفكيك بنيتها الكولونيالية.
• المشهد الإسرائيلي المزدوج:
توزّع التناول الداخلي بين أسلوبين متكاملين؛ إذ استخدم اليمين الحاكم الفيلم والضغوط الغربية بوصفهما «تآمرا خارجيا» لشد عصب قاعدته الانتخابية، بينما استثمر التيار الليبرالي التقليدي هذه المناخات لغسيل سمعة «إسرائيل الديمقراطية»، واستعادة مقبوليتها الدولية عبر محاولة إثبات حرية التعبير وحيوية المجتمع المفتوح.
• الرؤية العربية والفلسطينية النقدية:
نَفَذت القراءة العربية والفلسطينية الواعية إلى كنه هذه الظاهرة؛ فاستغلت الفيلم كإدانات صريحة وشهادات صادرة عن لسان الجاني نفسه، يمكن أن تكتسب قيمة إثباتية في مسارات المساءلة القضائية لتأكيد مظلومية الضحية، وفي الوقت ذاته، تصدت بحزم فكري لخديعة استبدال العدالة التاريخية والمحاسبة البنيوية بمسرحيات تغيير الوجوه وتصفية الضمائر.

وتكشف هذه الحالات، على اختلاف مستوياتها، عن آلية واحدة تتكرر بأشكال متعددة داخل نظام الحداثة الغربي المهيمن: نقد ذاتي في المجال الثقافي، وعقوبات في المجال القانوني، واعترافات في المجال الدبلوماسي، وتجديد في المجال السياسي. وهي، رغم اختلاف أدواتها ونتائجها المباشرة، تعمل ضمن مسار واحد: كشف الأزمة، ثم الاعتراف بها، ثم اتخاذ إجراءات جزئية أو إجرائية حيالها، وصولا إلى استعادة قدر من الشرعية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكيك البنية التي أنتجت الأزمة.
والمفارقة هنا ليست أن المنظومة الغربية عاجزة عن نقد نفسها؛ بل ربما تكمن قوتها تحديدا في قدرتها على إنتاج نقدها الذاتي، واحتوائه مؤسسياً، وتحويله إلى آليات للعقاب والاعتراف والتجديد، بما يسمح لها بامتصاص لحظات الانكشاف الأخلاقي وإعادة إنتاج شرعيتها، دون أن تضطر، بالضرورة، إلى تفكيك بنيتها المهيمنة.

نحو تجاوز الفخ الغربي: أدوات الممارسة البديلة
إن التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين والعرب هو عدم الانخداع بمنظومة «التنفيس الأخلاقي» وتغيير الأقنعة؛ فنظام الحداثة الغربي المهيمن لا يكتفي بإنتاج أدوات الإبادة وتغطيتها، بل يحتكر أيضاً سوق «التكفير عنها»، وإدارة أزماته ليضمن بقاء بنيته دون تفكيك.
إن مجمل الحراك الراهن - من تصفيق المهرجانات، إلى عقوبات المستوطنين، والاعترافات المتأخرة، وإعادة تدوير الانتخابات - ليس إلا تكتيكا إمبراطوريا لطي الصفحة واستعادة الشرعية.
ولذا، فإن أفق التحرر الحقيقي يقتضي الانتقال من التفكيك النظري لـ «فخ التطهر الغربي»، إلى بناء أدوات عمل مجابهة تُسقط شرعية هذا التدوير، وذلك عبر ثلاث مسارات عملية:
1. المسار القانوني (تعديل أدوات المساءلة):
تجاوز التركيز على عقوبات الأفراد أو ملفات الاستيطان الجزئية، ونقل مركز الثقل القضائي الدولي نحو مساءلة الشركات العابرة للقوميات والأنظمة الداعمة للبنية العسكرية، والمطالبة بتفكيك «البنية القانونية والمؤسسية للإبادة» بدلا من الاكتفاء بملاحقة منفذيها المباشرين.
2. المسار الثقافي والمعرفي (استعادة سلطة الشهادة):
تحويل الاستشهاد بشهادات «الجاني التائب» (كما في فيلم نازا) من مجرد مادة للتطهير الذاتي الغربي إلى وثائق إثبات بالتدليس الإستراتيجي، تُدمج في الأرشيف الشفوي والقانوني الفلسطيني، بالتوازي مع بناء منصات توثيق وتقييم ثقافي مستقلة تُسقط سلطة المهرجانات الغربية في منح «صكوك الغفران الأخلاقية».
3. المسار السياسي (فك الارتهان بديناميات الانتخابات):
بناء استراتيجية فلسطينية وعربية ترفض مقايضة الحقوق التاريخية بالاعترافات الدبلوماسية الرمزية المشروطة بالاستحقاقات الانتخابية الغربية، والإصرار على ربط أي مسار سياسي بإجراءات ملموسة تُفكك البنية الاستعمارية على الأرض بدلا من تدوير نخبة إدارية لضبط الضحايا.
إن رفض شراء الزمن وتغيير الأقنعة يبدأ من حرمان النظام الغربي المهيمن من احتكار إدارة أزماته، والرفض القاطع لمقايضة حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية بدموع عابرة على مسارح الغرب أو بتبديل شكلي للوجوه والحكومات، لفرض كلفة سياسية وقانونية حقيقية تجعل من استمرار البنية الكولونيالية نفسها أمرا غير ممكن.

تعليقات

1. الدكتور جمال عاشور

أت النص بوصفه أطروحة فكرية لا مجرد تعليق على فيلم، وراجعت أيضا المعلومات الأساسية حول «NAZA» والرابط الذي أرسلته. لكنني أختلف مع المقال في بعض استنتاجاته الجوهرية.
أعتقد أن المقال قوي جدًا في كشف خطر الاكتفاء بالاعتراف الأخلاقي بدل العدالة السياسية. لكنه يضعف عندما يحول كل اعتراف غربي إلى مؤامرة، وكل نقد ذاتي إلى عملية تجميل، وكل مؤسسة غربية إلى جزء من عقل إمبراطوري واحد.
وهذا خطر على الفكر الفلسطيني نفسه.
لأننا إذا افترضنا مسبقًا أن كل نافذة تُفتح لنا هي نافذة في جدار المؤامرة، سنصبح عاجزين عن التمييز بين:
من يريد احتواء قضيتنا،
ومن يريد مساعدتها،
ومن يريد توظيفها،
ومن يريد إسكاتها،
ومن يريد فعلًا تغيير موقفه.
والسياسة الناضجة تحتاج إلى هذا التفريق.
والأهم من كل ذلك

أرفض أن تتحول غزة إلى مادة لتطهير ضمير الآخرين.
لكنني أيضًا أرفض أن نرفض شهادة إسرائيلي لأنه إسرائيلي، أو غربي لأنه غربي.
العدالة لا تسأل الشاهد عن جواز سفره؛ تسأل عن قيمة شهادته.
وإذا كانت شهادة أحد الجنود أو عناصر الاستخبارات تساعد في كشف بنية القتل، فمن العبث أخلاقيًا أن نرفضها لأننا نريد أن يبقى الجاني صامتًا. بل بالعكس: ليتكلم. ليتكلم الجندي، والمخابراتي، والقائد، والسياسي، والمصمم، والمبرمج، وصانع القرار.
فالحقيقة لا تخاف من كثرة الشهود. لكن بعد ذلك لا بد أن يأتي السؤال الأصعب: من المسؤول؟ وهنا لا ينبغي أن ينتهي الفيلم.
بل ينبغي أن يبدأ التحقيق.
الاعتراف بالجريمة ليس عدالة، والتصفيق للجلاد حين يعترف ليس براءة؛ العدالة تبدأ عندما يتحول الاعتراف من مشهدٍ على الشاشة إلى مسؤوليةٍ في المحكمة، ومن دمعةٍ في المهرجان إلى تغييرٍ في الواقع. بمعنى أقسى:
«أخطر تطهير ليس أن يغسل الجاني يديه من الدم، بل أن يغسل النظام يديه من الجريمة ثم يطلب منا أن نصف ذلك بالغسيل الديمقراطي». لكنني أضيف جملة مضادة حتى لا نقع في النقيض:
«لا نرفض المرآة لأنها جاءت من بيت الجاني؛ نأخذ منها الصورة، ونُبقي على الجريمة، ونطالب بعد ذلك بالمساءلة».
وهذه في رأيي هي القراءة الإنسانية الأذكى لـ NAZA:
لا نقدّسه لأنه إسرائيلي، ولا نحتقره لأنه إسرائيلي؛ نقرأه، نفككه، نستخدم ما يكشفه، ثم نسأل السؤال الذي لا يستطيع التصفيق الإجابة عنه: ماذا ستفعلون بعد أن عرفتم؟
د. جمال عاشور

الدكتور جمال عاشور
أشكرك على قراءتك المتأنية للمقال، وعلى أنك قرأته بوصفه أطروحة فكرية وليس مجرد تعليق على فيلم. وأظن أن تعليقك يفتح مساحة حقيقية للحوار، لأنني أجد بيننا قدرًا كبيرًا من التوافق، لكن أيضًا اختلافًا أراه جوهريًا ومثمرًا.
نتفق تمامًا في أن شهادة الجندي أو المخابراتي الإسرائيلي لا تُرفض بسبب هويته، وأن قيمة الشهادة يجب أن تُقاس بما تكشفه من حقائق وآليات للجريمة، لا بجواز سفر صاحبها. بل أذهب أبعد من ذلك: كلما اتسعت دائرة الشهود من داخل منظومة القوة، من الجندي والمخابراتي إلى القائد والسياسي والمصمم والمبرمج وصانع القرار، ازدادت إمكانات بناء ملف المساءلة.
لكن هذا، في رأيي، لا ينقض سؤال المقال، بل يقود إليه مباشرة: ماذا يحدث عندما تدخل هذه الشهادة إلى المؤسسة الثقافية الغربية؟ وما الذي يحدث للمعنى السياسي والأخلاقي للشهادة عندما تتحول لحظة الكشف عن الجريمة إلى لحظة احتفاء مؤسسي بالنقد الذاتي؟ ومن يملك تحويلها إلى مساءلة؟
وهنا أرى أيضًا أن هناك مسألة أوسع تتصل ببنية العدالة الدولية نفسها. فمبدأ التكاملية لا يعني ببساطة أن العدالة الدولية تتدخل كلما كان القضاء الوطني «غير كاف»، وإنما إن وجود نظام قضائي وطني قادر، أو يُفترض أنه قادر، على التحقيق والملاحقة يمكن أن يكون عنصرا حاسما في تحديد إمكان تدخل القضاء الدولي. والمشكلة التي تستحق النقاش هي أن هذا الافتراض لا يعمل بالضرورة بالمعيار نفسه في كل السياقات.
فالدول الغربية الديمقراطية تستطيع أن تستند إلى وجود مؤسسات قضائية مستقلة وإجراءات قانونية راسخة، لتقول إن لديها آليات وطنية للمساءلة، حتى حين تكون هذه المؤسسات نفسها غير قادرة، أو غير راغبة، في مساءلة بعض أشكال العنف الواقع خارج حدودها أو الجهات الداعمة لها، أو حين تكون فرص العدالة فيها غير متساوية بالنسبة إلى الضحايا القادمين من خارج الجماعة السياسية المهيمنة.
وهنا يصبح السؤال الذي أطرحه في المقال والكتاب أكبر من قضية «نازا»: من الذي يملك تعريف العدالة الكافية؟ ومن الذي يملك تحديد ما إذا كان النظام القضائي قادرًا فعلًا على مساءلة الجريمة؟ وهل يكفي وجود مؤسسات قانونية وإجراءات شكلية لكي تصبح الدولة محصنة عمليًا من المساءلة الدولية؟
التاريخ الاستعماري نفسه يجعل هذا السؤال مشروعًا. فهناك فجوة هائلة بين قدرة القوى الغربية على مساءلة الجرائم عندما تكون الضحية داخل مجالها السياسي والأخلاقي، وبين ما لحق بالشعوب غير الغربية من حروب استعمارية وجرائم جماعية لم تنتج عنها مستويات مماثلة من المساءلة.
ومن هنا تأتي أيضا مسألة الهولوكوست وإسرائيل في قراءتي: الاعتراف العالمي بجريمة الهولوكوست، وهو اعتراف أخلاقي وتاريخي لا جدال في مشروعيته، تحوّل في سياقات سياسية معينة إلى حصانة رمزية استثنائية لإسرائيل وداعميها، بحيث أصبح استحضار الهولوكوست في بعض الخطابات وسيلة لتقييد مساءلة إسرائيل وداعميها عن الجرائم الواقعة على الفلسطينيين والعرب، بدل أن يكون الدرس الكوني من الهولوكوست هو رفض التمييز بين حياة وأخرى، أو ضحية وأخرى.
وهذا يعيدني إلى جوهر مقالي: أنا لا أرفض «المرآة» التي يقدمها الجاني، ولا أرفض النقد الذاتي الغربي من حيث المبدأ، ولا أتعامل مع كل مؤسسة غربية بوصفها عقلًا إمبراطوريًا واحدًا. ما أحاول تفكيكه هو اللحظة التي يتحول فيها الاعتراف إلى بديل عن المساءلة، والنقد الذاتي إلى دليل على البراءة البنيوية، ووجود المؤسسات إلى حجة تمنع مساءلة المؤسسة نفسها.
لذلك أجد عبارتك عن المرآة شديدة الأهمية، وربما يكون اختلافنا الحقيقي في السؤال الذي يأتي بعدها: أنت تقول «نأخذ الصورة ونطالب بالمساءلة»، وأنا أضيف: من يملك أدوات المساءلة؟ ومن يقرر متى تحققت؟ ولماذا تعمل هذه الأدوات تاريخيًا بكفاءة متفاوتة عندما تكون الضحية غربية أو غير غربية؟
وهذا بالنسبة لي هو باب الحوار الأهم. فربما لا يكون الخلاف حول ما إذا كان ينبغي أن نستمع إلى شهادة الجاني، بل حول ما إذا كان النظام الذي يستقبل هذه الشهادة قادرًا على تحويلها إلى عدالة متساوية، أم أنه يستطيع أن يستوعبها بوصفها دليلًا على صحته الأخلاقية، ثم يغلق بها ملف المسؤولية.
ومن هنا أعتقد أن «نازا» ليست نهاية السؤال، كما أشرت، وإنما يمكن أن تكون فعلًا بداية التحقيق - لكن ليس فقط في الجريمة التي يكشفها الفيلم، بل أيضًا في البنية التي تحدد من يُحاسَب، ومن يملك تعريف العدالة، ومن يستطيع أن يفلت منها.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نتحاور حوله هو: هل يمكن للنقد الذاتي أن يكون في الوقت نفسه صادقًا وكاشفًا ومفيدًا للضحية، وأن يؤدي، رغم ذلك، وظيفة تجديدية داخل النظام المهيمن؟ وهل يتعارض صدق الفاعل مع إمكانية أن تُستوعب شهادته داخل آلية أكبر لإعادة إنتاج الشرعية؟
هذا بالنسبة لي هو السؤال الذي أريد أن يبقى مفتوحًا، وليس إصدار حكم نهائي على «نازا» أو على المؤسسات الغربية.
فالغاية من المقال، كما هي في كتاب «إبادة غزة: ما تكشفه الحداثة عن نفسها وأفق الفعل الفلسطيني»، ليست رفض كل ما يأتي من الغرب، وإنما محاولة فهم قدرة نظام الحداثة الغربي المهيمن على إعادة إنتاج نفسه، حتى في اللحظات التي تنكشف فيها جرائمه وأزماته الأخلاقية.
أثمن عاليا قراءتك التي دفعت هذا السؤال إلى الواجهة، وأعتقد أن الحوار حوله أهم من الاتفاق السريع على إجابة واحدة.
غانية ملحيس

• المشكلة ليست في أن يعترف الجاني بأن الجريمة وقعت؛ المشكلة في أن يتحول اعترافه إلى شهادة حسن سلوك
الاعتراف الحقيقي لا يكتفي بتغيير اللغة، بل يغيّر علاقة المجتمع بالجريمة: من ينفّذ؟ من يشرّع؟ من يحمي؟ من يستفيد؟ ومن يملك القدرة على تكرارها؟
ولهذا فإن إسقاط نتنياهو أو سموتريتش أو بن غفير لا يكفي إذا بقيت البنية التي تسمح بإنتاج نتنياهو جديد، أو سموتريتش جديد، أو بن غفير آخر. تغيير الوجوه قد يكون تغييرًا سياسيًا؛ أما العدالة فتبدأ حين تصبح المؤسسات والأفكار والممارسات التي جعلت الجريمة ممكنة موضوعًا للمساءلة.
وبني موريس مثال بالغ الدلالة: يمكن للمؤرخ أن يعترف بالطرد والمذابح، ثم يظل متمسكًا بالمشروع الذي يرى أن تلك الجرائم كانت جزءًا من شروط تأسيسه. هنا يصبح الاعتراف معرفةً بلا مراجعة أخلاقية، ووصفًا للجريمة بلا رفض لمنطقها.
لذلك السؤال الأهم ليس: هل اعترفوا؟
بل: هل دفعوا ثمنًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا لما اعترفوا به؟
فالاعتراف الذي لا يقود إلى حق الضحية، ومحاسبة المسؤول، وتفكيك آليات إنتاج العنف، قد يتحول إلى نوع من التطهير الرمزي: يغسل صورة الجاني بدل أن ينصف الضحية.
والأخطر أن تتحول «إسرائيل التائبة» إلى نسخة أكثر قابلية للتسويق عالميًا من إسرائيل نفسها، بينما يبقى الفلسطيني مطالبًا بأن ينسى كي تبدأ صفحة جديدة.
التوبة التي لا تُعيد الحقوق قد تكون إعادة تأهيل للجاني، والاعتراف الذي لا يغيّر ميزان العدالة قد يصبح أرقى أشكال الإنكار
د. جمال عاشور

الدكتور جمال
أظن أن تعليقك الثاني يلامس بصورة مباشرة إحدى النقاط المركزية، خصوصا في عبارتك عن تحوّل اعتراف الجاني إلى «شهادة حسن سلوك»، وفي ملاحظتك أن إسقاط نتنياهو أو سموتريتش أو بن غفير لا يكفي إذا بقيت البنية التي تسمح بإنتاجهم من جديد.
نحن متفقان تماما في أن الاعتراف مهم جدا، لكن المخاوف تكمن في إمكانية أن ينتهي الأمر عنده، وفي الوظيفة التي يمكن أن يؤديها الاعتراف داخل النظام الذي يستقبله.
وهنا أظن أن عبارتك «ماذا يترتب على الاعتراف؟» تختصر جوهر المسألة. فقد يكون الاعتراف صادقا وكاشفا، ومع ذلك يمكن أن يُستوعب بطريقة تجعل الانكشاف الأخلاقي وسيلة لإعادة تأهيل النظام، بدل أن يكون مدخلا لمساءلته وتغيير شروط إنتاج الجريمة.
ولهذا فإن تغيير الوجوه، مهما كان مهما سياسيا، لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ما الذي يحدث للبنية التي جعلت الجريمة ممكنة، ولعلاقات القوة التي سمحت باستمرارها؟
أقدّر هذا الحوار لأنه يضعنا أمام السؤال الأساس: كيف نحافظ على قيمة الشهادة ونأخذها إلى أقصى مداها، من دون أن نسمح بأن تتحول من أداة للمساءلة إلى أداة للتطهر واستعادة الشرعية؟
غانية ملحيس
 
2. بيسان عدوان
ما يثير تخوفنا ليس الاعتراف بالجريمة، بل الوظيفة التي قد يُطلب من هذا الاعتراف أن يؤديها.
هل يتحول كشف الإبادة إلى مدخل لمحاسبة البنية التي أنتجتها، أم إلى وسيلة لإعادة تأهيلها؟ هل يصبح «الإسرائيلي التائب» شاهد إدانة، أم أداة لإثبات حيوية المجتمع الإسرائيلي وقدرته على التطهر الذاتي؟ وهل يكفي إسقاط نتنياهو وسموتريتش وبن غفير لإغلاق الملف، وفتح الباب أمام «إسرائيل أخرى» أكثر قبولًا من دون مساءلة الفكرة الصهيونية والمؤسسات التي سبقتهم وستمضي بعدهم؟
تجربة بني موريس تقول إن كشف الجريمة لا يعني بالضرورة رفض منطقها؛ يمكن الاعتراف بالطرد والمذابح، ثم الدفاع عن المشروع الذي احتاج إليهما.
لهذا فالسؤال ليس: هل اعترفوا؟ بل: ماذا يترتب على الاعتراف؟ محاسبة أم غفران؟ تفكيك للبنية أم تغيير للوجوه؟ عدالة للضحايا أم تجديد لشرعية الجاني؟
الخوف الحقيقي أن تتحول لحظة الانكشاف الأخلاقي إلى لحظة إنقاذ سياسي.
بيسان عدوان

=======

العزيزة بيسان
أقدّر جدا هذه القراءة، وأظن أنكِ تلتقطين بدقة جوهر التخوف الذي ينطلق منه المقال: المشكلة ليست في الاعتراف بالجريمة ولا في قيمة شهادة الجاني، وإنما في الوظيفة التي قد يؤديها الاعتراف داخل البنية المهيمنة. فالشهادة قد تكون في آنٍ واحد شهادة إدانة حقيقية، ويمكن أن تكون المؤسسة التي تستقبلها قادرة على توظيفها لإظهار حيوية النظام وقدرته على «التطهر» واستعادة شرعيته. لذلك لا أرى تناقضا بين أن نأخذ شهادة الجاني بجدية، وأن نسأل في الوقت نفسه: ماذا سيترتب عليها؟
وهنا أعتقد أن السؤال الحاسم ليس: «هل اعترفوا؟» بل كما قلتِ بدقة: «ماذا يترتب على الاعتراف؟» هل يفتح طريقا إلى المحاسبة، أم يغلقه عبر تحويل الانكشاف الأخلاقي إلى إنقاذ سياسي؟
وهذا هو بالضبط ما أحاول تفكيكه في المقال: ألا نسمح للاعتراف أن يصبح نهاية القصة، بينما ينبغي أن يكون بدايتها نحو مساءلة من ارتكب الجريمة ومن أنتج البنية التي جعلتها ممكنة.
غانية ملحيس

• المشكلة ليست في أن يعترف الجاني بأن الجريمة وقعت؛ المشكلة في أن يتحول اعترافه إلى شهادة حسن سلوك.
الاعتراف الحقيقي لا يكتفي بتغيير اللغة، بل يغيّر علاقة المجتمع بالجريمة: من ينفّذ؟ من يشرّع؟ من يحمي؟ من يستفيد؟ ومن يملك القدرة على تكرارها؟
ولهذا فإن إسقاط نتنياهو أو سموتريتش أو بن غفير لا يكفي إذا بقيت البنية التي تسمح بإنتاج نتنياهو جديد، أو سموتريتش جديد، أو بن غفير آخر. تغيير الوجوه قد يكون تغييرًا سياسيًا؛ أما العدالة فتبدأ حين تصبح المؤسسات والأفكار والممارسات التي جعلت الجريمة ممكنة موضوعًا للمساءلة.
وبني موريس مثال بالغ الدلالة: يمكن للمؤرخ أن يعترف بالطرد والمذابح، ثم يظل متمسكًا بالمشروع الذي يرى أن تلك الجرائم كانت جزءًا من شروط تأسيسه. هنا يصبح الاعتراف معرفةً بلا مراجعة أخلاقية، ووصفًا للجريمة بلا رفض لمنطقها. لذلك السؤال الأهم ليس: هل اعترفوا؟ بل: هل دفعوا ثمنًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا لما اعترفوا به؟
فالاعتراف الذي لا يقود إلى حق الضحية، ومحاسبة المسؤول، وتفكيك آليات إنتاج العنف، قد يتحول إلى نوع من التطهير الرمزي: يغسل صورة الجاني بدل أن ينصف الضحية.
والأخطر أن تتحول «إسرائيل التائبة» إلى نسخة أكثر قابلية للتسويق عالميًا من إسرائيل نفسها، بينما يبقى الفلسطيني مطالبًا بأن ينسى كي تبدأ صفحة جديدة
التوبة التي لا تُعيد الحقوق قد تكون إعادة تأهيل للجاني، والاعتراف الذي لا يغيّر ميزان العدالة قد يصبح أرقى أشكال الإنكار
د. جمال عاشور
 
3. مصطفى النبيه
الدكتورة المبدعة، مقال رائع تناول الواقع بكافة تفاصيله، وفتح أسئلة شائكة لا يمكن تجاوزها بسهولة. فالفيلم، في جوهره، يبدو وكأنه مسرحية سخيفة تُخدّر الضمير الإنساني، وتعيد تقديم القاتل في صورة بطل أخلاقي. وهنا يبرز السؤال: هل المخرج والمخرجة خارج المنظومة العسكرية والسياسية الإسرائيلية التي أنتجت هذا الواقع؟ وهل الجنود الذين ارتكبوا الجرائم، ثم تحدثوا عنها باعترافاتهم، يكفّرون بذلك عن خطاياهم؟ وهل مجرد إتاحة مساحة لهم للحديث عن جرائمهم يحوّلهم من مجرمين إلى شخصيات تستحق التعاطف أو البطولة؟ وهل نحن بحاجة فعلًا إلى صناعة سينما «محايدة» حتى نستطيع منافسة العالم؟
أحيانًا أشعر أننا جميعًا نُساق إلى المقصلة، والمطلوب منا، كي ننافس العالم، أن نتنازل عن ملامحنا، وأن نخفي وجعنا، وأن نتخلى حتى عن حقنا في تسمية الأشياء بأسمائها. لكن السينما ليست مطالبة بأن تكون محايدة أمام الجريمة. السينما تستطيع أن تكون إنسانية، عميقة، فنية وجمالية، دون أن تتحول إلى أداة لمحو الحقيقة أو تبرئة الجلاد. المشكلة أننا نعشق العبودية وتخدعنا الأضواء الزائفة، فالسينما التي تفقد ملامحها كي ترضي العالم قد تنجح في المنافسة، لكنها في النهاية قد تفشل في الإجابة عن السؤال الأهم: لمن نصنع هذه الأفلام، وماذا نريد أن نقول من خلالها؟ المضحك أن الأفلام التي يصنعها أي فرد من أفراد منظومة القتل عن الضحايا هي التي تكتسح الأضواء وتحصد الاهتمام.
فشكرًا لسينما تُغري القاتل، وتمنحه المنصة والضوء، بينما يُطلب من الضحية أن تتوارى قليلًا حتى تبدو الصورة «محايدة» و«إنسانية».
مصطفى النبيه

الصديق العزيز مصطفى النبيه
خالص الشكر لك على هذه القراءة التي أضافت إلى المقال زاوية السينما نفسها، لا بوصفها مجرد وسيط لنقل الحقيقة، بل بوصفها جزءا من الصراع على من يملك الكاميرا، ومن يملك حق رواية الجريمة، ومن يُمنح المنصة والضوء.
وأتفق معك أن المسألة ليست في أن يتحدث الجنود أو أن يعترفوا بما فعلوا؛ فشهاداتهم قد تكون بالغة الأهمية في كشف الحقيقة، وإنما في الكيفية التي يُعاد بها تقديم القاتل داخل العمل الفني، وفي ما إذا كان الاعتراف يضعه أمام مسؤوليته أم يعيد إنتاجه بوصفه ذاتا أخلاقية تستحق التعاطف والتطهر.
ولعل هذا هو ما جعلني أتوقف عند «الكادر التائب» في المقال: ليس السؤال فقط ماذا يقول الجاني، وإنما كيف تصوّره الكاميرا، وكيف يستقبله المتلقي، وماذا تفعل المؤسسة الثقافية بهذا التمثيل؟ فالجماليات نفسها يمكن أن تصبح جزءا من عملية إعادة توزيع التعاطف والمسؤولية.
أما سؤالك عن «السينما المحايدة»، فأظن أن هذه إحدى أكثر النقاط التي تستحق النقاش. فالحياد أمام الجريمة ليس بالضرورة نقيضا للإنسانية، كما أن الانحياز للضحية لا يعني التخلي عن الفن أو التعقيد الجمالي. المشكلة تبدأ عندما تصبح «الحيادية» شرطا لقبول رواية الضحية، بينما يُمنح الجاني حق التعقيد والندم والإنسانية.
وأعتقد أن عبارتك الأخيرة تلخص المفارقة التي حاول المقال مساءلتها: لماذا يُمنح القاتل الضوء عندما يتحدث عن الجريمة، بينما يُطلب من الضحية أن تتوارى حتى تبدو الصورة «إنسانية»؟
وهنا تلتقي السينما مع السؤال الذي أطرحه في المقال: ليس فقط من يقول الحقيقة، وإنما من يملك سلطة تحويل الحقيقة إلى صورة، ومن يملك تحديد من يستحق أن يُرى ويُسمع ويُصدَّق؟
أشكرك لأنك نقلت النقاش من سؤال الفيلم إلى سؤال الكاميرا نفسها، وهو في رأيي امتداد مهم جدا لفكرة المقال.
غانية ملحيس

.
 
4. نهى العايدي

عزيزتي دكتورة غانية
الفكرة المركزية للمقال ذكية ومتماسكة، وأقوى ما في المقال ليس القول إن «نازا» يكشف جرائم في غزة؛ فهذا أصبح معروفًا. وإنما السؤال الذي يبنيه المقال:
هل تستطيع المنظومة المهيمنة أن تنتج نقدها الذاتي، ثم تستوعبه بحيث يصبح جزءًا من آلية إعادة إنتاج شرعيتها؟
هذه فكرة أعمق بكثير من مجرد إدانة الفيلم أو مهرجان البندقية، وهي تصلح لتكون الأطروحة الأساسية للمقال كله.
والمفهوم نفسه يمكن أن يكون مفتاح المقال؛ لأنه يربط بين السينما والسياسة والقانون والدبلوماسية والانتخابات في إطار نظري واحد.
أفضل جزء في المقال، في رأيي، هو «احتكار حق الشهادة»
الفكرة التي تقول إن شهادة الضحية الفلسطينية قد تكون أقل قابلية للاحتفاء في المجال الثقافي الغربي من شهادة الإسرائيلي الذي كان جزءًا من المنظومة ثم يشهد عليها، تستحق التوقف عندها.
وكعادتك ِ دكتورة في طرح الفكرة بطريقة مختلفة وذكية،
أعجبني الربط بين «الجاني الشاهد» و«التطهر». وهنا أطرح السؤال الآتي: هل يمكن أن يتحول كشف الجريمة من أداة للمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية، حتى عندما تكون نية صانعي العمل نقدية؟
ما يهمني في المقال هو: وظيفة العمل داخل النظام الثقافي
كيف يمكن للمؤسسة الثقافية الغربية أن تستقبل هذا العمل وتوظفه.
واتفق جدا مع فكرة أن؛ «الغرب يفعل ذلك عمدا كي يطهر نفسه»
سواء بالتصفيق المتواصل لمدة ٢٥ دقيقة أو فوز الفلم بجائزة، ما يهم هو: حتى حين يكون النقد حقيقيًا، تستطيع المؤسسات المهيمنة استيعابه وتحويله إلى مورد من موارد التجديد الذاتي للشرعية.
وأخيرا: قد تكون قوة النظام المهيمن ليست في قدرته على منع النقد، وإنما في قدرته على السماح بنقده، واحتوائه، وإعادة توظيفه في إنتاج شرعيته، وهذا ما نفتقده وما ينقصنا في أنظمتنا الشمولية التي تمنع النقد سواء من باب التطهير او التنفيس او الاعتراف ، مع كل الملاحظات على العمل الفني ودور الفن والغاية منه وما يجب ان يكون عليه، يبقى دور السياسي في القدرة على استثمار هذا الفلم والاعترافات التي يتضمنها في المحافل القضائية لتعويض بسيط للضحايا وإدانة المجرمين أفرادا ومؤسسات و دولة خارجة عن القانون.
نهى العايدي

عزيزتي نهى
ممتنة جدا لك على هذه القراءة العميقة التي التقطتِ فيها بالفعل جوهر الأطروحة التي أردتُ بناء المقال حولها. وأتفق معكِ أن السؤال الأهم ليس في كون «نازا» يكشف جرائم الإبادة، فهذا في حد ذاته مهم، وإنما في السؤال الذي يترتب عليه: كيف تستقبل المنظومة المهيمنة نقدها الذاتي، وكيف يمكن أن تحوّله من لحظة انكشاف إلى مورد من موارد إعادة إنتاج الشرعية؟
وهذا لا يعني، بالنسبة لي، التشكيك في صدق صانعي الفيلم أو التقليل من قيمة الشهادات التي يقدمها. بالعكس، قيمة هذه الشهادات تكمن في أنها تأتي من داخل منظومة القوة نفسها، ولذلك ينبغي أخذها إلى مداها الأقصى، لا الاكتفاء بالتصفيق لها. وهنا أجد اقتراحك بشأن استثمارها في المسارات القضائية والسياسية مهما جدا: أن تتحول الشهادة من مشهد اعتراف إلى مادة مساءلة، ومن كشف الجريمة إلى تحديد المسؤولية عنها، أفرادا ومؤسسات ودولة.
وأوافقك أيضا على أن قوة النظام المهيمن قد لا تكون في منع النقد، وإنما في قدرته على السماح به واحتوائه وإعادة توظيفه. وهذه تحديدًا إحدى الأفكار التي أحاول تفكيكها في الكتاب والمقال: أن النقد الذاتي قد يكون حقيقيا، بل وشجاعا، ومع ذلك يمكن أن تؤدي عملية احتوائه مؤسسيا وظيفة تجديدية للنظام.
ولذلك لا أرى أن السؤال هو: هل نحتفي بالفيلم أم نرفضه؟ بل: كيف نمنع أن يكون التصفيق هو نهاية الاعتراف، وأن نجعل الاعتراف بداية للمساءلة؟
وهنا أعتقد أن دورنا السياسي والفكري هو أن نأخذ ما يكشفه الفيلم، ونُبقي الجريمة في مركز الصورة، ثم ندفع بالشهادة نحو ما هو أبعد من التطهر الأخلاقي: نحو العدالة والمحاسبة وتفكيك البنية التي جعلت الجريمة ممكنة.
وأقدّر كثيرا إضافتك حول الأنظمة الشمولية؛ لأنها تفتح مقارنة مهمة: النظام الذي يمنع النقد يختلف عن النظام الذي يستطيع استيعابه، لكن كليهما يمكن أن يفشل في تحويل الاعتراف إلى عدالة. وربما يكون الفرق الحاسم هو: من يملك القدرة على تحويل النقد إلى مساءلة، ومن يملك القدرة على احتوائه؟
غانية ملحيس
 
5 . أمين كعابنة

غانية،
أظن أن أخطر ما في مقالك ليس فيلم «نازا» نفسه، ولا التصفيق
الذي امتد خمسا وعشرين دقيقة، وإنما السؤال الذي وضعتِه خلف
المشهد: ماذا تفعل المنظومة حين تنكشف أمام نفسها؟
أنتِ تقرئين المشهد بوصفه جزءا من هندسة التطهر؛ أي أن النظام لا يكتفي بإنتاج الجريمة، بل ينتج أيضا أدوات الاعتراف بها، ثم يمنح هذا الاعتراف مساحة ثقافية وأخلاقية كافية ليستعيد شيئا من صورته أمام نفسه والعالم. وهذه، في رأيي، قراءة تستحق التوقف طويلا، لأنها تنقلنا من سؤال «هل اعترفوا بالجريمة؟» إلى السؤال الأصعب: «ماذا فعل الاعتراف ببنية الجريمة؟».
لكن هنا أجد نفسي مشاغبا لك قليلا. فليس كل اعتراف تطهرا، وليس كل نقد ذاتي غسيلا للعار، كما أن المنظومة التي تستطيع إنتاج نقدها من داخلها ليست بالضرورة منظومة متماسكة إلى الحد الذي يبدو في تحليلك. أحيانا يكون النقد الذاتي شقا حقيقيا في الجدار، وقد لا نعرف لحظة ظهوره إن كان سيُمتص ويُعاد تدويره، أم سيتحول إلى أداة تفكيك يصعب احتواؤها.
وهنا أظن أن علينا نحن الفلسطينيين أن نكون أكثر حذرا من الوقوع في الفخ المعاكس أيضا: ألا يتحول رفضنا للتطهر الغربي إلى رفض لكل شهادة تأتي من داخله، أو إلى التقليل من قيمة أي انكشاف يصدر عن أحد أركان منظومة القوة. فشهادة الجاني، حتى لو استثمرتها المنظومة لتلميع صورتها، تظل شهادة. وقد تكون في لحظة ما أكثر إيلاما لها من ألف شهادة تصدر عن الضحية التي اعتادت أن تشكك في روايتها.
المسألة إذن ليست في أن نصدق التصفيق أو نرفضه، وإنما في أن ننتزع من التصفيق ما يفيد قضيتنا، ونترك للمنظومة مهمة التصفيق لنفسها.
وهنا وجدت في مقالك فكرة شديدة الأهمية: أن الصراع ليس فقط على الأرض، ولا على الرواية، وإنما على «سلطة الشهادة» أيضا. من يملك حق الكلام؟ ومن يُسمح لشهادته بأن تصبح معرفة؟ ومن يُمنح موقع الضمير، ومن يبقى محاصرا في موقع المتهم حتى وهو الضحية؟
وهذا يعيدني إلى سؤال أوسع: ربما لم تعد المعركة الفلسطينية اليوم مع من ينكر الجريمة فقط، بل مع من يعترف بها بالطريقة التي لا تفرض عليه شيئا. الاعتراف الذي لا يترتب عليه تغيير في ميزان القوة قد يتحول إلى طقس أخلاقي جميل، لكنه لا يعيد بيتا هدم، ولا يعيد أرضا صودرت، ولا يحمي طفلا من رصاصة.
ومع ذلك، لا أريد أن أذهب معك إلى نهاية الطريق وأقول إن كل ما يحدث في الغرب ليس إلا «تكتيكا إمبراطوريا» لطي الصفحة. فالواقع أكثر تعقيدا من ذلك. داخل هذه المنظومة نفسها صراعات حقيقية، وأصوات تتسع، ومؤسسات تتناقض، وأجيال تتغير، وشهادات تخرج من قلب المؤسسة العسكرية والأمنية والثقافية. وهذه التناقضات لا ينبغي أن نمنحها براءة مجانية، لكنها أيضا ليست وهما ينبغي أن نتجاهله.
لذلك ربما يكون السؤال الأهم من «هل يتطهر الغرب؟» هو: هل نستطيع نحن أن نحوّل لحظة التطهر التي يريدها إلى لحظة مساءلة لا يستطيع الإفلات منها؟
هنا يصبح الجاني التائب شاهدا، والفيلم وثيقة، والتصفيق قرينة على أن شيئا ما انكشف، والاعتراف بالدولة الفلسطينية بداية اختبار لا نهاية القضية، والانتخابات الغربية مناسبة للضغط لا ذريعة للانتظار.
أعجبني في مقالك أنك لم تتوقفي عند إدانة المشهد، بل حاولتِ الانتقال من التفكيك إلى أدوات الفعل. وهذه النقلة هي التي تمنح المقال قيمته الحقيقية. لأننا تعبنا من كشف الأقنعة؛ وربما آن لنا أن نسأل: ماذا سنفعل بعد أن سقط القناع؟
وأخيرا، لعل المفارقة التي تستحق أن تضاف إلى «هندسة التطهر» هي أن المنظومة قد تنجح في غسل صورتها، لكنها لا تستطيع أن تغسل الأرشيف.
والأرشيف، حين يتحول إلى معرفة وقانون وذاكرة ومطالبة، يصبح أخطر من التصفيق كله.
هنا لا تعود شهادة الجاني اعترافا يغسل الجريمة، بل دليلا يبقى شاهدا عليها.
وهذه، في تقديري، هي المسافة التي ينبغي أن نحافظ عليها بين أن نقرأ ما يفعله الآخر بنا، وبين أن نسمح له بأن يحدد لنا كيف نقرأ أنفسنا....
أمين كعابنة



#####


أمين العزيز
شكرا لك على هذه القراءة العميقة التي لم تكتفِ بالتقاط فكرة المقال، بل دفعت بها إلى أسئلة جديدة أوسع.
أتفق معك في نقاط أساسية: أن الاعتراف لا يفقد قيمته لأنه صادر من داخل منظومة القوة، وأن شهادة الجاني يمكن أن تكون ذات قيمة استثنائية في كشف ما جرى، وأن المهم ألا تنتهي هذه الشهادة عند الاعتراف، بل تتحول إلى معرفة وأرشيف ومساءلة وقانون وذاكرة.
وأتفق كذلك أن التناقضات داخل الغرب حقيقية، وأن الأصوات والمؤسسات والأجيال ليست كتلة واحدة.
لكن اختلافي معك يقع في نقطة أعمق: أنا لا أفترض أن النقد الذاتي مجرد «تكتيك إمبراطوري» واع ومخطط له، ولا أن كل اعتراف هو تطهر. ما أحاول تفكيكه هو قدرة المنظومة على استيعاب نقد قد يكون صادقا وحقيقيا، ثم إعادة توظيفه بطريقة تجدد شرعيتها، حتى من دون أن تكون هذه هي نية أصحاب النقد أنفسهم.
ولهذا فإن السؤال بالنسبة لي لا يتوقف عند: هل أحدث الاعتراف شقا حقيقيا في الجدار؟ بل يمتد إلى: ماذا يحدث لهذا الشق بعد أن يدخل في مؤسسات الثقافة والسياسة والقانون؟
وهل يقود إلى تفكيك البنية أم يسمح لها بإعادة ترميم نفسها؟
وهنا أجد اقتراحك مهما جدا: أن ننتزع من الاعتراف ما يفيد قضيتنا، وألا نسمح للتصفيق بأن يكون خاتمة المشهد.
وربما يكون السؤال الذي يمكن أن نواصل منه الحوار: كيف نحول الشهادة من مجرد أرشيف للجريمة إلى قوة تُنتج مساءلة فعلية، من دون أن نسمح للمنظومة باحتواء هذه المساءلة وتحويلها مرة أخرى إلى مورد لتجديد شرعيتها؟
أثمن عاليا هذا النوع من الحوار، لأنه لا يكتفي بتفسير ما يحدث، بل يدفعنا إلى التفكير فيما ينبغي أن نفعله بما ينكشف.
غانية ملحيس
 
6. آمال روحانا طوبي

شكراً دكتورة غانية على التحليل العميق والقيّم والذي يضيء على جوانب قلما ننتبه لها. أتفق معك أن الغرب يريد بقاء اسرائيل بصورتها التي يتمناها دولة متنورة غربية عصرية وهذا هو السبب الأهم للتصفيق. مع ذلك فالفيلم يفتح الباب أمام اسئلة قد توصلهم للحقيقة ولما هي عليه اسرائيل اليوم، وان كان الفيلم يطمئن قلوبهم فالحقيقة سوف تصفعهم، إن آجلاً أو عاجلاً.
آمال روحانا طوبي

شكرا لكِ يا آمال على قراءتك وتفاعلك القيّم. أتفق معكِ أن الفيلم يمكن أن يفتح أسئلة تتجاوز ما أراد له بعض التلقي الغربي أن يطمئن إليه؛ فالمشكلة ليست في انكشاف الحقيقة، بل في قدرة النظام على احتواء هذا الانكشاف وتوظيفه لاستعادة صورته وشرعيته. وربما هنا تكمن أهمية الفيلم: أن الشهادة، إذا لم تُغلق بالتطهر والاحتفاء، يمكن أن تصبح بداية لأسئلة أعمق عن بنية الجريمة والمسؤولية. وفي النهاية، الحقيقة التي تُكشف لا يمكن ضمان السيطرة على ما ستقود إليه، وقد تكون فعلًا أشد وقعًا من كل محاولات التطمين.
غانية ملحيس

• أتفق معك، لكنني أضيف أن المشكلة ليست فقط في أن الغرب يريد إسرائيل «دولة متنورة وعصرية»، بل في أنه كثيراً ما يريد الصورة أكثر مما يريد الحقيقة. فالصورة المضيئة أسهل في التسويق من الواقع، خصوصاً حين تكون الحقيقة محرجة أخلاقياً وسياسياً.
الفن هنا يصبح خطيراً عندما يتوقف عن تجميل المرآة ويبدأ بكشف ما وراءها. قد يصفق البعض للفيلم لأنه يمنحهم إسرائيل التي يحبون أن يروها، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث عندما يبدأ الفيلم نفسه بفتح الشقوق التي تخفي ما لا يريدون رؤيته؟
قد ينجح الفن في تهدئة الضمير مؤقتاً، لكنه لا يستطيع إلى الأبد أن يمنع الحقيقة من الظهور. التجميل قد يؤجل المواجهة، لكنه لا يلغيها.
وأظن أن القيمة الوطنية والإنسانية للفن ليست في أن يصفق لنا أو يدين خصومنا، بل في أن يجبر الجميع على النظر إلى الإنسان الذي تختفي ملامحه خلف الشعارات والهويات والدعاية.

فالصورة يمكن أن تُخرج إسرائيل أمام العالم كما تحب أن تُرى؛ أما الحقيقة، عندما تصل كاملة، فلا تسأل كيف تريد أن تُرى، بل ماذا فعلت؟ ومن دفع الثمن؟
ومهما طال تأجيل السؤال، تبقى الحقيقة أكثر صبرا من الدعاية… وأكثر قسوة عندما تصل.
د. جمال عاشور

.
 
. يحيى بركات 7
د. غانية العزيزة، قرأت مقالك أكثر من مرة، وربما لأنني ابن السينما وجدتني أعود إليه لا من باب الاتفاق والاختلاف، بل من سؤال الصورة نفسها: ماذا يحدث للفيلم بعد أن ينتهي المخرج من صنعه ويغادر غرفة المونتاج؟
أظن أن أهم ما فعلته في مقالك أنك لم تتوقفي عند السؤال الذي يفرضه «نازا» على المشاهد: كيف تعمل آلة القتل؟ بل نقلتِ السؤال إلى مكان أصعب: ماذا تفعل المنظومة باعترافها بجرائمها عندما يصبح إنكارها مستحيلًا؟
وهنا وجدت مفهومك عن «التطهر» شديد الأهمية. فالاعتراف بالجريمة لا يعني بالضرورة تفكيك البنية التي أنتجتها؛ وقد يتحول الاعتراف نفسه إلى لحظة أخلاقية تسمح للنظام بأن يعيد تقديم ذاته باعتباره قادرًا على النقد والمراجعة والتصحيح.
لكن أكثر ما استوقفني في المقال كان ما أسميتِه «احتكار حق الشهادة».
الفلسطيني صوّر موته وبيته وطفله ومدينته منذ اللحظة الأولى. الصحفي الفلسطيني حمل الكاميرا تحت القصف، وبعضهم دفع حياته لكي تصل الصورة. ثم يأتي أربعة وعشرون صوتًا إسرائيليًا من داخل الجيش والاستخبارات، فتكتسب الحقيقة نفسها وزنًا مختلفًا في سوق المصداقية العالمي. وهنا يصبح السؤال مؤلمًا:
لماذا تحتاج الحقيقة الفلسطينية إلى شاهد من الجهة التي ارتكبت الجريمة لكي تصبح أكثر قابلية للتصديق؟
هذه ليست مسألة تخص «نازا» وحده، بل تكشف خللًا أعمق في توزيع الحق في الرواية: مَن يُصدَّق؟ مَن يُسمع؟ ومَن يحتاج إلى شهادة الآخر حتى تصبح شهادته عن موته حقيقة مكتملة أمام العالم؟
وأعتقد أن مقالك يصيب أيضًا حين ينقل النقاش من مضمون الفيلم إلى وظيفة الفيلم بعد دخوله المجال الثقافي والسياسي الدولي. فالفيلم لا ينتهي عندما تظهر أسماء العاملين عليه. هناك حياة أخرى تبدأ بعد الشاشة: مهرجان، لجنة تحكيم، جائزة، صحافة، جمهور، ثم ذاكرة عامة تتشكل.
وهنا تكمن، بالنسبة لي، قيمة مقالك الأساسية: أنه يطلب منا ألا نشاهد الفيلم وحده، بل أن نشاهد أيضًا ما يحدث للفيلم بعد أن نشاهده.
وما أحوجنا إلى هذه القراءة اليوم، لأن المعركة لم تعد فقط على الصورة التي تخرج من غزة، بل على مَن يمنحها المصداقية، ومَن يضعها في الكادر، ومَن يملك في النهاية حق تثبيتها في ذاكرة العالم.
مقال مهم يا غانية، لأنه لا يكتفي بأن يسأل ماذا كشف «نازا»، بل يضع أمامنا السؤال الأصعب: مَن يملك الحقيقة بعد أن تُكشف؟
يحيى بركات

يحيى العزيز
أسعدتني قراءتك، خصوصا أنها جاءت من داخل سؤال السينما نفسها، ومن «حياة الفيلم بعد الفيلم» التي أضفتَ إليها بُعدا مهما.
أتفق معك تماما في أن الفيلم لا ينتهي عند المونتاج أو عند الشاشة، وأن المهرجان والجائزة والصحافة والجمهور والذاكرة كلها تدخل في صناعة المعنى الذي سيبقى من الفيلم. وهذا بالضبط ما حاولتُ أن أنظر إليه: ليس فقط ماذا يقول «نازا»، وإنما ماذا يحدث لما يقوله بعد أن يدخل المجال الثقافي والسياسي.
وأجد سؤالك عن «احتكار حق الشهادة» من أكثر الأسئلة إيلاما: لماذا تحتاج الحقيقة الفلسطينية، بكل صورها وشهاداتها، إلى صوت قادم من داخل منظومة القوة كي تكتسب وزنا إضافيا في سوق المصداقية العالمي؟
هنا لا يعود الأمر متعلقا بالفيلم وحده، بل بمن يملك أصلا سلطة تعريف الحقيقة وتوزيع المصداقية.
وربما أضيف إلى سؤالك الأخير سؤالا آخر: ليس فقط من يملك الحقيقة بعد أن تُكشف، وإنما من يملك القدرة على تحديد ما الذي سيترتب عليها؟
هل تتحول إلى مساءلة، أم إلى ذاكرة، أم إلى لحظة تطهر واستعادة للشرعية؟
وهذه، في رأيي، هي المسافة بين أن نكشف الحقيقة وأن نترك للمنظومة تحديد وظيفة هذا الكشف.
شكرًا لك يا يحيى لأنك أخذتَ النقاش إلى «الكاميرا بعد الكاميرا»؛ أي إلى ما يحدث للصورة حين تغادر الشاشة، وتدخل عالم القوة والمصالح والذاكرة.

8k
 
8. نهى بدوي

منذ البدء استخدموا الأفلام و السينما كما الأدب لخدمة مشروعهم و لم تكن السينما الغربية يوما معنا او محايدة في قضيتنا، و السنيما لها نفوذ و إغراء و سطوة على المشاهد و بما يفوق الكتب أحيانا، ان اعترافهم و بأفواههم اكيد هو شاهد و دليل و لكنه جاء كأنه نوع من تحايل بعد ان لم يعد بمقدورهم ان ينفوه فقد نُقل مباشرة و بلا تأخير عيانا و سماعا على الشاشات التلفزيونية و وسائل السوشيال ميديا ثم ماذا بعد الإعتراف، هل يكفي ليطهرهم من دنس الإبادة، ام يجب ان يمثلوا أمام القضاء و العدالة لينالوا عقابهم و لإنصاف و اعادة الحقوق ألتي سلبوها إلى الضحايا و هل يمكنهم إعادتهم إلى الحياة؟ ثم إذا افترضنا حسن النية، السؤال الملح ماذا بعد هذا الإعتراف وهذا الفيلم؟ هل تابوا؟ هل أصلحوا؟

نهى بدوي



عزيزتي نهى

أتفق معكِ أن تاريخ السينما والأدب الغربي يفرض علينا أن ننتبه إلى قوة الصورة في تشكيل الوعي والرواية، وألا نتعامل معها بوصفها وسيطا محايدا بالضرورة.

وأتفق أيضا أن الاعتراف، مهما كانت قيمته في كشف الحقيقة، لا يمكن أن يكون غاية في ذاته. بل إن السؤال الأهم يبدأ بعده: ماذا يترتب عليه؟ هل يتحول إلى مساءلة ومحاسبة وردّ للحقوق، أم يصبح لحظة أخلاقية تمنح الجاني فرصة للتطهر وإعادة تقديم نفسه بصورة أكثر قبولا؟

لفتني سؤالك الأخير: «هل تابوا؟ هل أصلحوا؟» وربما أضيف إليه: هل تغيّر شيء في الشروط التي جعلت الجريمة ممكنة؟ لأن التوبة التي لا تعيد حقًا، والإصلاح الذي لا يغيّر بنية الظلم، قد يبقيان في حدود الاعتراف الرمزي.

وهنا أظن أن قيمة «نازا» الحقيقية، بالنسبة لنا، ليست في أن يكتفي العالم بالاستماع إلى الاعتراف، وإنما في أن نعرف كيف نحول هذا الاعتراف إلى شهادة لا تسمح بإغلاق ملف الجريمة قبل أن تبدأ العدالة.


.
 
9. نائلة الوعري

عزيزتي غانية

قرأت مقالك باهتمام، وهو مقال مهم يفتح أكثر من باب للنقاش. أكثر ما استوقفني فيه مسألة «شهادة الجاني» وموقعها في تشكيل الوعي الغربي بالجريمة. فالفلسطيني قدّم شهادته ووثيقته وذاكرته منذ عقود، ولم يكن بحاجة إلى اعتراف الجاني حتى تصبح تجربته حقيقة. لذلك أرى أن شهادات الجنود وعناصر الاستخبارات مهمة بوصفها أدلة إضافية من داخل المؤسسة نفسها، لكنها لا تؤسس الحقيقة ولا تمنح الرواية الفلسطينية صدقيتها.

ويبقى السؤال الأهم بالنسبة لي: هل يقود هذا الانكشاف المتزايد إلى مساءلة وتغيير حقيقيين، أم يبقى في حدود الاعتراف الأخلاقي

مقال ثري ومحفّز للتفكير

نائلة الوعري

=========


عزيزتي نائلة


شكرا لك على هذه القراءة الدقيقة، وأتفق معكِ تماما في التفريق بين قيمة شهادة الجاني بوصفها دليلا إضافيا من داخل المؤسسة، وبين الاعتراف بها بوصفها مصدرا لصدقية الرواية الفلسطينية. فالحقيقة الفلسطينية لم تبدأ مع شهادة الجنود، وإنما تأتي هذه الشهادات لتضيف أدلة من داخل المنظومة نفسها. وأظن أن سؤالك الأخير هو جوهر المسألة: ماذا يحدث بعد الانكشاف؟ هل ينتقل من مستوى الاعتراف الأخلاقي إلى المساءلة والتغيير، أم يجري احتواؤه داخل حدود الاعتراف؟

وربما أضيف إليه سؤالا آخر: من يملك تحويل هذا الانكشاف إلى مساءلة، ومن يملك إبقاءه حيا حتى لا يتحول إلى لحظة عابرة من التعاطف والتطهر؟

غانية ملحي
 
أعلى