إبراهيم محمود - الحق المشروع للمرأة في السرقة

أتحدث هنا عن المرأة، وكيف دُوّن عنها وحتى باسمها تاريخياً، من منظور ديني أو ما يتردد باسم" علماني " والمسافة الزمنية الهائلة الفاصلة بينهما. كيف يُنظَر فيها جسداً" مثقوباً من وسطه السفلي " وتعليقها من خلاله، كما لو أن ذلك الثقب، البوابة الحدودية التي يستحيل سدُّها أمام أي اجتياح، تسلسل، أو غزو خارجي، مما يجعله في موقع المساءلة ذي الطابع الجنائي الفريد جداً من نوعه، ومحاكمتها استناداً إلى جرمها المشهود الذي لا يد لها فيه إطلاقاً، إنما هي صنعة طبيعة، وإن شئت، فإلهية، كما هو الرجل في جسده، وأن أي اتهام إليها موصول بـ" الثقب " ذاك، اتهام للطبيعة وللكون ولخالقهما معاً، وتحميلها بجريرة مؤبدة، وبناء على رؤية دخيلة واقعاً.
عبر، أو من الثقب ذاك كان حضور الإنسان: الرجل هنا، كانت ديمومته، كان الإله نفسه الحاضر حيث يكون، مراهناً عليه، وما يستحق هو تحرير الثقب " الفاضل والجليل " ذاك من كل تبعة جانبية.
لكن، بما أن تاريخ الخليقة الطويل شهد بهذا الإجحاف بحقها، بهذا الذل الذي تلبَّسها حكْماً مبرماً ما بقيت الحياة، وبهذه التبعية القسرية لصالح الرجل وزعم الذكورية المبرَّأة من أي مساءلة بالمقابل، كما في خاصية " الضلع الأعوج " السارية المفعول دحضاً لكل محاولة استقامة وتصويب الخطأ القاتل، يعني ذلك، أن هذا التاريخ الطويل الذي تكلم، ولا يزال يتكلم إجمالاً بلسان الرجل: الذكر، مستدعى للاستنطاق، وقراءة اللائحة الكبرى من " الجرائم " المرتكبة بحق المرأة انطلاقاً من الثقب" العضو الطبيعي في تكوينها الحيوي"، والمعزَّزة باعتبارها حقائق دامغة، تفعَّل في مختلف ميادين الحياة، في القول والفعل. وبالتالي، فإن الكثير مما يُعرَف به الرجل أنّى توجه، وأنى يكون، أو عرف به تاريخياً، يدخل في نطاق ملْكية المرأة العضوية والاعتبارية .
ثمة حق مشروع إذاً، في أن تضاء هذه النقطة، ويُنظر في بنيتها، وما يمكن للمرأة القيام به حقاً مشروعاً لها.

عن الحق المشروع للمرأة
في الحديث عن السرقة الفعلية" باليد "، أعتبر أن سرقة المرأة للرجل لا تُعتَبر سرقة، كما هي السرقة، بمفهومها الجنائي. بقدْر ما تكون نوعاً حياً من استرداد حقوق للمرأة على مر التاريخ. يا لها من ديون لا تُسد لضخامتها!
على الصعيد الاجتماعي لا تكون المرأة، بمفهومها العام، سارقة، في الحالة المذكورة عموماً، لأنها تحاول استرداد ما يخص ملْكية لها، هذه التي التي نحّيت، وطويت، باسم سيادة الرجل، وقيمومته على المرأة، وتمثيلها رغماً عنها.
كانت المرأة عرضة للسرقة على مر التاريخ، في قواها الحية: في جسدها، في رغباتها، في تطلعاتها الحيوية، حتى في لون شهوتها، حتى في نوعية أوجاعها الخاصة بها، وفي صوتها الممثّل لطبيعتها، أو في مكانتها ذات التنوع داخلاً وخارجاً، وتعددية أدوارها، حتى وهي في البيت المحدَّد لها، حتى وهي تقوم بدور الأم ومربية الأطفال، وخدمة الرجل، والرأسمال الرمزي المهين، في فحواه للمرأة ككينونة لا تقاس أو تقابَل بكينونة الرجل، لاختلاف بنيتها، وتمايزها المعتبَر طبعاً، ليس من جهة الدونية، كما وضِعت فيها باسم الذكورة النافرة في الرجل، حتى وهو عنّين، وعاقر، وإنما من جهة الاختلاف الذي ينطوي على جملة مؤهلات تتماشى مع كونها امرأة لا يجوز القيام بأي مقارنة ناحية الأفضلية. إنه التنوع الجنسي المطلوب، الذي تكون الطبيعة وحدها قادرة، بصدق، على تبيان مآثره ومقتضياته.
هذه السرقة التي أنزلتها " من شامخ عال إلى خفْض " كما يقال،سلبتْها عبر عصور التاريخ المختلفة، وفي مضمار المأثور الديني نفسه، كما تقول نصوصه في سردياته الجنسانية الكبرى، مجمل ما يبقيها في ضوء التاريخ، وفي نور الجغرافيا بكامل وساعتها، وإمكانية رؤيتها في تنوع أنشطتها. هذا السلب المتعدد، قلّص من حدودها كسلطة، ضيَّق عليها خناق الحياة، كتواصل مع الذات بالذات، اختزلها جسدياً، كمكوّن بيولوجي لها موقعه الحياتي المختلف، والمؤثر في صيرورة الحياة نفسها وسيرورتها، ومنح الرجل ما هو مضاعف، ومبالغ فيه، جهة الموهوب الاعتباري له، على حسابها. لتكون هذه سرقة نوعية مركبة لا نظير لها تاريخياً.
لهذا، أرى أن المرأة في ضوء ما تقدم، في سرقاتها المختلفة، عموماً، تقوم بما هو حق مهضوم لها وهي تسترده بطرق مختلفة، وما في ذلك من استدعاء كل ما يدخل في نطاق القانون وكتابته مختلفاً من أساساً.
المرأة في التاريخ كائن منهوب في جل ما تُعرَف به مادياً، وما يمكن أن تقوم به نفضاً لهذا التاريخ، محاولة لتصحيح مسار التاريخ، لإعادة التاريخ إلى رشده، وتحرره من علامته الفارقة له في التدوين نوعياً.

ماذا عن السرقة الأدبية والفكرية والفنية
شهد التاريخ الذي يتكلم بلسان الرجل، ولا يزال، أي الذكر كثيراً، حضوراً للمرأة من خلال ثقبها المعرَّفة به كثيراً، تجاوباً مع إرادة الاستعلاء والتباهي الذكورية، كموديل، ودلالة الموديل في الرسم، وفي السرد تكون الغياب الذي يُسمى حضوراً بعد توليفه تاريخياً، بما يتجاوب والمنشود والموجه باسم الرجل.
هكذا الحال في الأدب والفكر والفلسفة، وقد زُج بالمرأة كسردية جسدية معرّاة من قوتها الدالة عليها لصالح مركزية الذكورة" فالوسنتريسم" وقيمومتها. إن الحضور المقل جداً والمخزي للمرأة هنا، تعرية لكل زعم من مزاعم الرجل على أنه أنصف المرأة" هكذا، هو الذي أنصف المرأة، ودلالة هذه العلاقة، بوصفه الحاكم والقاضي، والمرأة هي الموضوع، أو الجسد المنظور إليه من الزاوية التي تتحدد من خلال الرجل ".
لأكن مبالغاً. نعم، وأنا أعترف بمبالغتي في كتابة هذا المقال، أكثر من ذلك، لم أعترف بمثل هذه المبالغة، في أي عمل لي. إنما، مهلاً! لماذا هذا التشديد على " المبالغة " ؟ إنها مبالغة نفي الاسم نفسه، تعبيراً عن الذي جرى ويجري لا بد من النظر فيه، ففيه تاريخ كامل ، تكون المرأة مقروءة بلسان غيرها " الرجل " ومقرَّر عنها باسمها، لتكون الجسد الموكَل بمراعاته بمقاييس موجَّهة خارج حقيقة حياة هذا الجسد بنوعيته.
وفي إثر هذا المنوَّه، إليه، يمكنني الإقرار، بأن مجمل ما كتبه الرجل، ما حرَّره الرجل من أعمال، آثار، أو كتابات ذات مراميَ مختلفة، تكون المرأة حاضرة ، منهوبة الصوت والصورة فيه.
بالطريقة هذه، حين تجهر المرأة، على أن رواية كيشوت " لسرفانتس، مثلاً، أو " الحرب والسلام " الملحمية لليو تولستوي، هي روايتها في الأساس، لا يجب التهويل والوقوف في وجهها، أو ادَّعت أخرى، أنها صاحبة ملحمتي هوميروس" الأوذيسة- الإلياذة " أو زعمت ثالثة أن أعمال شكسبير المسرحية محررة بالأساس باسمها، وأن " سيمفونيات " بيتهوفن هي لها، وأفصحت رابعة أنها لوحة " الجوكندا " تخصها وليس دافنشي، وصرخة خامسة بأ‘لى صوتها، أن مأثرة " ألف ليلة وليلة " تعنيها، ومنسوبة إليها، ودونها لما كان لها أي إقامة في التاريخ السعيد، كما يُزعَم للرجل...إلخ، فلا يجب الإسراع والرد عليها ، وفي وضع كهذا، وإصدار حكْم قطعي عليها، باسم " الملكية الأدبية ، الفكرية، الفنية، والعلمية، بعلنيّها وخفيها..."،لأنها تكون قد قامت وتقوم بالتصرف الصحيح، وتستحق التقدير، بكل محاولة من هذا النوع، لحظة اقتفاء أثرها الصامت، وتحرّي حقيقة المعمول والمسطور هنا وهناك.
كانت المرأة ولا تزال قائمة في التاريخ فاعلة لا منفعلة. من صيَّرها منفعلة هو من يعرَف بما هو مكتوب، أو منجَز حضارياً وثقافياً هنا وهناك. ولو أن آثار التاريخ بروائعها تكلمت، لكان صوت المرأة متصادياً فيها!
في كتابة كهذه، يجري النظر من الزاوية الأكثر تعتيماً في العلاقة البينية بين الرجل والمرأة التي تجري قولبتها بالمعايير التي تجعلها الكتلة اللحمة المستساغة: مهضومة على مائدة رغبات الذكورة الجلية .
كما هي الحروب التي تحمل جنسية الرجل إجمالاً، هكذا تكون الأعمال ذات المد التاريخ: إبداعاً أدبياً وفنياً، وفلسفياً وفكرياً، تحمل جينة المرأة ولو بصمت.
أي شكل، لون، صوت، أو وجه للتاريخ، فيما لو كانت المرأة حاضرة باسمها الثلاثي الأنثوي طبعاً، مقابل الرجل، وفي حقوق ما يُعرَف التاريخ البشري من أدب وفكر، من فن وفلسفة، من علم ودين ؟...إلخ.
هنا، أستغرب، كيف يمكن للمرأة أن تكون متوّجهة ربة إلهام الرجل" لنتذكر آلهات الإلهام تاريخياً " ودلالة هذه المكانة، وفي الوقت نفسه يُتحفّظ عليها في الفناء الخلفي للتاريخ، للحقيقة، لأي مفهوم سائد؟
بالطريقة هذه، يكون الرجل عاجزاً عن فهم نفسه، تاريخه،عن فهمه للحياة، حتى لموته، طالما أنه يستمر في تجاهل المرأة، أو عدم الاعتراف بالغبن الملحق بها، أي باعتبارها المنهوبة الأكثر حضوراً وعلانية في تاريخ الخليقة المعهود مادياً ومعنوياً. بالطريقة هذه، لن يكون في مقدور الرجل أن يتبصر عالمه الداخلي، الأصول التي وضِعت باسمه منذ فجر الخليقة، دون نقدها جذرياً، الاستعداد لولادة رمزية جديدة.
إنها الولادة التي تحرره هو نفسه من ميثولوجيا الثقب الأنثوي، السفلي اعتباراً، لأنه هبَته، فلولاه لما كان.
لذا، فإن التأكيد على قيام المرأة بأي عملية سرقة منه، وفي الذي يتوجهه لسان التاريخ المتقدم في كل ما هو حضاري، ثقافي، ومدني، هو وجوب النظر في الاتجاه الذي غيّب تاريخياً، حيث تسترد المرأة وجهها الفعلي، كينونتها كامرأة، وليس كما يُراد منها، صوتها النافذ في الإنصاف التاريخي. دونها سيستمر الانحدار التاريخي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى