عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

سألني ذلك الرجل عن آخر المستجدات في قانون التعليم العالي، فدللته على بعض المراجع التي رأيت أنها أقرب إلى ما يبحث عنه ؛ أخذ يقلب صفحاتها واحدة تلو الأخرى، بعين لا تقرأ بقدر ما تفتش؛ كان واضحا أنه لا يبحث عن كتاب، وإنما عن مسألة بعينها تختبئ في مكان ما بين الصفحات.
وبعد قليل، توقفت أصابعه عند الصفحة التي يبدو أنه كان ينتظرها ؛ أخرج هاتفه المحمول، وتهيأ لالتقاط صورة ؛ كنت أراقب المشهد من بعيد، فاقتربت منه بهدوء وقلت: مهلا سيدي، تصوير محتويات الكتب ممنوع منعا باتا داخل المكتبة.
رفع عينيه نحوي، وقال بنبرة تحمل شيئا من الاستغراب والتحدي: وهل أنت الذي يقرر، أم أن هناك من يقرر عنك؟
أجبته: القرار صادر عن إدارة المكتبة، وأنا فقط أطبقه ، ثم هناك أمر آخر في غاية الأهمية ، إن أغلب الكُتّاب والمؤلفين لا يسمحون بتصوير محتوى كتبهم ونشرها دون إذن منهم ، وإلا ستبقى نسخ كتبهم على الرفوف .
ابتسم ابتسامة باردة، ثم قال: وهل تعلم أنني أستطيع مقاضاة المكتبة بسبب هذا المنع؟
قلت له ببساطة: نعم، يمكنك ذلك، ولك كامل الحرية.
لم يزد كلمة ، حمل الكتاب بين يديه، وظل واقفا لحظات كأنه حسم أمره، ثم غادر بهدوء، دون أن يقول شيئا آخر.
واصلت عملي فالكتب كثيرة، والوجوه عابرة، والمكتبة لا تمنح بائع الكتب دائما فرصة ليتأمل كل من يدخلها.
ومرت ساعات ، وفي نهاية اليوم، وأنا أراجع حركة الكتب ، استوقفني رقم صغير لكنه كان كافيا لإثارة سؤال كبير: نسخة واحدة من ذلك الكتاب اختفت ، بحثت بين الرفوف لم أجدها ؛ راجعت الصندوق ، لم تمر من خلاله.
عدت إلى المشهد كله، من أوله إلى آخره، وكأنني أعيد قراءة صفحة لم أنتبه إلى معناها في المرة الأولى ، وبقي أمامي احتمال أكيد : أن الرجل اختار زاوية هادئة في المكتبة، صوّر الصفحات التي كان يبحث عنها، ثم أعاد الكتاب إلى رف لم أستطع الاهتداء إليه .
لا أملك دليلا على ذلك الاحتمال ، لكنني تعلمت من سنوات طويلة بين الكتب أن بعض الحكايات لا تنتهي بإجابة، لكنها تترك وراءها سؤالا ثقيلا .
لم يهدأ لي بال ذلك اليوم ، فنزلت للقسم الفرنسي للبحث عن الكتاب ؛ وأخيرا وجدناه مركونا على أحد الرفوف، بعيدا عن مكانه، لقد حصل منه على مبتغاه وضعه هناك ومضى على عجل ؛ حملته بين يدي، وتأملته للحظات.
لم أغضب لأن الرجل صوّر صفحات منه، ولا لأن الكتاب تنقل من رف إلى آخر؛ فالصفحات يمكن أن تُصوَّر، والكتب يمكن أن تُعاد إلى أماكنها ، لكنني شعرت بحزن عميق لأن رجلا جاء يبحث عن المعرفة، ثم ترك خلفه سؤالا عن الأمانة.
كم هو مؤسف أن نبحث عن فكرة في كتاب، فنجدها، ثم نفقد في الطريق شيئا من أخلاق الكتاب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى