النهاية٧
اعلان انتهاء الفيلم.
عاد الضوء ببطء إلى قاعة مهرجان فينيسيا، لكن أحدًا تقريبًا لم يتحرك نحو الباب. وقف الجمهور وصفق. دقيقة، ثم خمس، ثم عشر، حتى امتد التصفيق قرابة خمس وعشرين دقيقة. وبعد يومين، كان فيلم «نازا» للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور يحمل جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
كوثر بن هنية، المخرجة التونسية وعضو لجنة التحكيم، شرحت لاحقًا لماذا اختارت اللجنة الفيلم. قالت إنه شجاع، وإن مخرجيه استطاعا، رغم إخفاء هويات أصحاب الشهادات، أن يجدا صيغة سينمائية قوية. والأهم أنها قالت إن الفيلم لا يتوقف عند مشاعر الجنود والضباط الذين يتحدثون فيه، بل يقدمهم باعتبارهم تروسًا في آلة أكبر.
توقفت طويلًا عند هذه العبارة.
تروس في آلة أكبر.
الفيلم نفسه يقوم على شهادات أربعة وعشرين عسكريًا وعنصر استخبارات إسرائيليًا، بعضهم يصف منظومة تحديد الأهداف، وحساب أعداد المدنيين المتوقع قتلهم، وسلاسل القرار التي تنتهي بالقنبلة أو بالصاروخ. والمخرجان لا يريدان أن نخرج من الفيلم بفكرة أن هؤلاء أربعة وعشرون شريرًا خرجوا عن قواعد الجيش. يريدان أن نرى النظام الذي حوّل القتل إلى آلية.
وأنا أتفق.
لكنني وجدتني أسأل:
وأين تنتهي الآلة؟
هل تنتهي عند الجندي؟
نتراجع بالكاميرا قليلًا، فنرى الجيش.
نتراجع أكثر، فنرى الحكومة.
نتراجع أكثر، فنرى المؤسسة السياسية، والإعلام، والدبلوماسية، والقانون، والثقافة، والسينما.
ثم نتراجع أكثر.
وهنا لا تعود أمامنا عدة آلات منفصلة.
نرى المصنع.
المشكلة ليست في أن هناك آلة عسكرية شريرة، وإلى جانبها آلة سينمائية بريئة، وآلة إعلامية، وآلة دبلوماسية، لا علاقة بينها إلا المصادفة.
كل هذه الآلات تتحرك داخل مشروع سياسي وتاريخي واحد، ولكل واحدة منها وظيفة مختلفة.
آلة تنتج القوة.
آلة تنتج القانون الذي يبررها.
آلة تنتج الرواية.
آلة تنتج الصورة التي تجعل الرواية قابلة للتصديق.
وآلة تنتج، عند الحاجة، القدرة على نقد بعض ما فعله المصنع نفسه.
ولا يعني هذا أن هناك غرفة سرية يجلس فيها أحد ليقول للمخرج ماذا يصور، أو للجمهور متى يصفق.
المصانع الحديثة لا تعمل بهذه السذاجة.
قد يتمرد عامل على آلة.
وقد تكشف آلة عيوب آلة أخرى.
وقد يخرج من داخل المصنع من يدينه بصدق.
لكن ذلك كله لا يلغي السؤال الأكبر:
ما المشروع الذي تعمل داخله هذه الآلات جميعًا؟
ربما لأنني لم أتعلم يومًا أن أرى السينما منفصلة عن السياسة. هكذا تكوّن عقلي. حين أشاهد فيلمًا لا أسأل فقط ماذا يقول، بل من يقف خلف الكاميرا، ومن يحمل الصورة، وأي طريق ستسلكه، وما الذي ستصبحه عندما تغادر يد صاحبها وتدخل العالم.
ولهذا لا أستطيع أن أقرأ «نازا» منفصلًا عن اللحظة التي ظهر فيها.
بعد غزة حدث شيء عميق في صورة دولة الاحتلال إسرائيل أمام قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
لم تعد صور البيوت المدمرة، والأطفال، والجوع، والجثث، مجرد رواية فلسطينية يمكن دفعها بسهولة إلى هامش الشاشة.
العالم رأى أكثر مما ينبغي.
والصورة أصبحت أكبر من قدرة الإنكار.
وهنا، في تقديري، تتغير وظيفة آلة الصورة.
حين تصبح الجريمة أكبر من أن تُنكر، لا تتوقف آلة الصورة عن العمل. تغيّر مهمتها.
لم يعد ضروريًا أن تقول إن الجريمة لم تقع.
يمكن أن تبدأ معركة أخرى:
مَن يتحملها؟
نتنياهو.
بن غفير.
سموتريتش.
اليمين المتطرف.
الحكومة الحالية.
مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.
وببطء يمكن أن تنتقل المسؤولية من البنية إلى الأشخاص، ومن التاريخ إلى مرحلة، ومن المشروع إلى حكومة.
لا تُمحى الجريمة.
يُعاد مونتاج المسؤولية عنها.
وهكذا يمكن أن يظهر في الكادر شيء آخر:
«دولة الاحتلال إسرائيل أخرى».
دولة الاحتلال إسرائيل الليبرالية.
دولة الاحتلال إسرائيل الديمقراطية.
دولة الاحتلال إسرائيل التي تعترض.
دولة الاحتلال إسرائيل التي تحقق في نفسها.
دولة الاحتلال إسرائيل التي يخرج منها مخرجان يكشفان للعالم ما يفعله جيشها.
ولا أقول إن يوفال أبراهام وراشيل زور يقومان بهذه المهمة عمدًا.
بل إن الوقائع تجعل هذا التفسير المبسط ظالمًا لهما.
هما ليسا مجرد مخرجين يقولان إن نتنياهو بالغ في استخدام القوة. شاركا مع باسل عدرا وحمدان بلال في «لا أرض أخرى»، في فيلم يصف واقع مسافر يطا باعتباره احتلالًا وأبارتهايد. ويوفال أبراهام ربط في أكثر من مناسبة عنف المستوطنين بالدولة والجيش، وتحدث عن التفوق اليهودي بوصفه سمة تأسيسية في النظام، كما أن المخرجين لم يقدما «نازا» بوصفه فيلمًا عن «أخطاء الحرب»، بل بوصفه تفكيكًا لمنظومة قتل.
واليمين الإسرائيلي نفسه لم يحتفل بهما. وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار دعا بعد فوز الفيلم إلى سحب جنسيتهما وهاجمهما بشدة.
وهذا يجعل السؤال أكثر صعوبة، لا أسهل.
لأن الفيلم الواحد يستطيع أن يكون تهديدًا حقيقيًا لبعض أجزاء المصنع، ثم يصبح في مكان آخر دليلًا على أن المصنع نفسه ما زال يمتلك القدرة على النقد والضمير والتصحيح.
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأهم.
لا أبحث عن العامل الذي صنع علبة الحليب لكي أتهمه بأنه صنع السم.
السؤال ليس هكذا.
السؤال هو:
ما المصنع الذي ينتج فيه السم والحليب معًا؟
قد تكون آلة الصورة صادقة.
وقد يكون الفيلم شجاعًا.
وقد يكون مخرجه معارضًا حقيقيًا.
لكن المصنع قد يحتاج إلى هذه الصورة النظيفة في واجهته لكي يقول للعالم:
لا تحكموا علينا بما فعلته هذه الحكومة.
لا تحكموا علينا بما فعله هؤلاء الجنود.
انظروا، لدينا من يعترض.
لدينا من يكشف.
لدينا من يخاطر بجنسيته ومكانته لكي يقول الحقيقة.
وهنا لا تكون المشكلة في وجود الضمير.
المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود الضمير دليلًا على براءة الجسد الذي أنجب الجريمة.
تذكرت هنا حكاية قديمة لا علاقة لها بالسينما، وربما لها كل العلاقة بها.
أحد أقاربي استطاع أن يعود إلى فلسطين بجواز سفر أميركي. ذهب إلى يافا يبحث عن بيت عائلته الذي احتُل عام 1948.
وجده.
دار حوله.
الحديقة ما زالت هناك. البناء، الأبواب، البرندة، كراج السيارة. كل زاوية أعادت إليه شيئًا كان يظن أنه بقي في الذاكرة فقط.
تردد طويلًا.
ثم قرع الجرس.
فتح الباب رجل كبير في السن.
قال له قريبي بالإنجليزية:
هذا بيتي. بيت عائلتي قبل 1948. هل تسمح لي فقط أن أراه؟
رحب به الرجل.
نادى زوجته وأخبرها أن الرجل الذي يقف أمامهما كان صاحب هذا البيت قبل 1948.
رحبت به هي الأخرى.
دخل.
مشى في الغرف التي يعرفها.
تذكر هذه الزاوية، وهذه البرندة، وهذا الباب.
ثم جلسوا.
وقدموا له القهوة العربية.
كان الرجل وزوجته قد أتيا من أوكرانيا، وقالا إنهما حصلا على البيت من الوكالة اليهودية.
عندما عاد قريبي، حدثني عنهما بإعجاب.
قال:
ناس محترمون جدًا.
سألته:
وماذا يغيّر ذلك؟
قد يكون الرجل أطيب إنسان في يافا.
وقد تكون زوجته أرق امرأة قابلتها.
لكن بيت مَن هذا؟
هذه ليست دعوة إلى كراهية الرجل أو زوجته.
إنها دعوة إلى ألا تجعلنا أخلاق الفرد ننسى طبيعة العلاقة.
فالإنسان المحترم يستطيع أن يقدم لك القهوة.
لكن صاحب البيت الحقيقي، عندما تنتهي القهوة، يقوم ويغادر.
ويبقى المفتاح في جيب الآخر.
ولهذا أيضًا لا أريد أن أحاكم يوفال أو راشيل بسبب هويتهما.
المعيار ليس الدم.
ولا الدين.
ولا الهوية.
وهذا، في جوهره، ما تميز به أيضًا منطق المقاطعة الفلسطينية حين فرّق بين الهوية وبين التواطؤ والتطبيع.
السؤال ليس:
هل أنت يهودي؟
ولا:
هل أنت إسرائيلي؟
السؤال:
أين تقف من حقوق الفلسطيني التي جرى سلبها؟
هل تقف مع حقه في الحرية وتقرير المصير والمساواة والعودة وامتلاك روايته وأرضه؟
هل ترى المشكلة في نتنياهو؟
أم في الحكومة الحالية؟
أم في الاحتلال الاسرائيليى لفلسطين ؟
أم تصل رؤيتك إلى الجذر الذي جعل الفلسطيني صاحب البيت يتحول إلى ضيف فيه؟
هذا هو المعيار.
ولهذا، لو كنت عضوًا في لجنة تحكيم فينيسيا، لما اكتفيت بالسؤال:
هل «نازا» فيلم شجاع؟
كنت سأسأل:
شجاع ضد ماذا؟
ضد نتنياهو؟
ضد هذه الحرب؟
ضد طريقة عمل الجيش؟
ضد الاحتلال؟
ضد الأبارتهايد؟
ثم:
إلى أين يصل هذا النقد؟
وهنا لا أجري امتحانًا أيديولوجيًا للمخرج قبل مشاهدة فيلمه.
الفيلم نفسه هو الذي نقلني من الفرد إلى البنية.
فإذا طلب مني أن أرى الجندي باعتباره ترسًا في آلة، فمن حقي أن أسأل عن الآلة التي يوجد فيها الجيش نفسه.
ومن حقي أن أتراجع بالكاميرا أكثر.
حتى أرى المصنع.
قبل سنوات طويلة، كنت أعيش في قبرص بعد خروجنا من بيروت.
وفي الطريق من نيقوسيا إلى مطار لارنكا أوقفت سيارتي لشاب وفتاة كانا ينتظران من يقلّهما.
اكتشفت خلال الطريق أنه إسرائيلي وهي سويدية، وأنهما جاءا إلى قبرص ليتزوجا مدنيًا ثم يعودا.
سألته إن كان قد خدم في الجيش.
قال لا.
ثم سألتهما:
هل تعرفان من أين أنا؟
ظنا أنني قبرصي.
قلت:
أنا فلسطيني.
راقبت وجه الشاب في المرآة.
ثم أضفت:
ولست فلسطينيًا فقط. أنا عضو في منظمة التحرير الفلسطينية.
دخل القلق وجهه، واقترب قليلًا من زوجته.
ضحكت.
وقلت له ما معناه:
أعضاء منظمة التحرير إرهابيون، أليس كذلك؟
ثم أوصلته إلى المطار.
وقبل أن ينزل قلت له:
حين تعود إلى فلسطين، احكِ ما جرى.
قل إنك ركبت سيارة فلسطيني عضو في منظمة التحرير، في طريق خالٍ بين نيقوسيا ولارنكا، ولم يقتلك ولم يخطفك، بل أوصلك إلى المطار.
وقل لهم شيئًا آخر:
نحن لسنا ضد اليهود. نحن ضد من يحتل أرضنا.
أستعيد هذه الحكاية اليوم لأن المعيار الذي وضعته لنفسي يومها لا يزال هو نفسه.
لا أحاكم الإنسان بهويته.
لكنني أيضًا لا أسمح لأخلاق الفرد أن تمحو العلاقة السياسية التي يقف داخلها.
يمكن أن يكون ساكن البيت محترمًا.
ويبقى البيت مسلوبًا.
يمكن أن يكون الإسرائيلي شجاعًا.
ويبقى السؤال:
ما موقفه من حق صاحب البيت؟
وهنا يصبح تصفيق فينيسيا جزءًا من الفيلم الذي أشاهده أنا.
الجمهور لم يكن كاذبًا.
كوثر بن هنية لم تكن مخدوعة بالضرورة.
ولجنة التحكيم لم تجتمع في غرفة مغلقة لكي تخطط لتبييض صورة دولة الاحتلال.
هذه قراءة ساذجة لعمل الثقافة.
الآلة الثقافية الأكثر تطورًا لا تحتاج إلى أن تعطي الجمهور أمرًا بالتصفيق.
يكفي أن يصبح الكادر نفسه طبيعيًا في عقل المتلقي.
الجمهور يشاهد إسرائيليين يكشفان جرائم الجيش الإسرائيلي.
يغضب.
يتألم.
يرفع بعض أفراده الأعلام الفلسطينية.
ثم يقف خمسًا وعشرين دقيقة.
كل ذلك يمكن أن يكون صادقًا.
ومع ذلك كله... قد تعمل الآلة.
لأن السؤال ليس فقط ماذا شعر الجمهور وهو يصفق.
السؤال:
ما الصورة التي ستبقى بعد أن ينتهي التصفيق؟
هل ستبقى صورة دولة استعمارية أنتجت الجيش والسياسات والظروف التي سمحت بما تكشفه الشهادات؟
أم تدخل إلى جوارها صورة أخرى أكثر راحة للضمير الغربي:
نعم، هناك نتنياهو.
نعم، هناك بن غفير وسموتريتش.
نعم، هناك جنود قتلوا.
لكن هناك أيضًا يوفال وراشيل.
هناك إسرائيليون يعترضون.
هناك مجتمع يستطيع أن ينتقد نفسه.
هناك «دولة الاحتلال إسرائيل أخرى».
وهنا لا أقول إن هذه الصورة كاذبة بالضرورة.
وجود هؤلاء حقيقي.
لكن الحقيقة الجزئية تستطيع أحيانًا أن تؤدي وظيفة أكبر من ذاتها.
ولهذا فإن السؤال ليس:
هل يوجد ضمير إسرائيلي؟
بل:
ماذا يحدث لهذا الضمير عندما يدخل سوق الصورة العالمي؟
هل يصبح أداة لتفكيك البنية؟
أم يُعاد استيعابه داخل صورة تقول إن المشكلة كانت في من انحرفوا عن «دولة الاحتلال إسرائيل الحقيقية»؟
هنا، تحديدًا، تتقاطع هذه القراءة مع ما سمته د. غانية ملحيس في قراءتها لـ«نازا» «التطهر»: قدرة المنظومة على استقبال نقدها وإعادة إنتاج قدر من شرعيتها من خلاله.
لكنني أذهب إلى مكان آخر قليلًا.
المسألة عندي ليست ما يحدث بعد الجريمة فقط.
بل تاريخ أطول بكثير لآلة الصورة.
فالحركة الصهيونية أدركت منذ وقت مبكر أن الصراع على فلسطين ليس على الأرض وحدها.
إنه أيضًا على الصورة التي ستُرى بها الأرض.
في مرحلة مبكرة كان المطلوب أن ترى أوروبا الأرض وهي تنتظر القادم.
أرضًا يجري زرعها وإحياؤها وبناؤها.
المستوطن الجديد حاضر في الكادر.
وصاحب الأرض غائب.
ثم تغير الزمن.
ظهرت صورة الدولة الصغيرة المحاصرة.
الجيش الذي «يدافع عن وجودها».
الديمقراطية المحاصرة في منطقة معادية.
الضحية التي تحاول النجاة.
ثم صورة «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
كل مرحلة احتاجت صورة تناسب حاجتها السياسية.
وآلة الصورة لم تكن يومًا مجرد زينة إلى جانب السياسة.
كانت إحدى الأدوات التي صنعت شرعية المشروع في المخيلة الغربية.
ولهذا أرى «نازا» أيضًا من هذه المسافة التاريخية.
بعد غزة، لم يعد ممكنًا أن تعمل الصورة القديمة كما كانت.
لا تستطيع أن تقنع العالم كله بأن الجيش لا يقتل المدنيين.
العالم رأى المدنيين.
ولا تستطيع أن تخفي الدمار.
العالم رآه.
ولا تستطيع أن تجعل الجثث تختفي من الشاشة.
ولهذا ليس ضروريًا أن تتوقف آلة الصورة.
يكفي أن تغيّر وظيفتها.
في الأمس:
أنكر الجريمة.
اليوم:
اعترف بها وحدد من يتحملها.
في الأمس:
هذه أكاذيب فلسطينية.
اليوم:
نعم، حدثت جرائم، لكن هذه ليست «دولة الاحتلال إسرائيل الحقيقية».
في الأمس كانت وظيفة الصورة الدفاع عن المصنع.
واليوم قد تصبح وظيفتها القول:
العطل كان في بعض الآلات.
وهذا فرق هائل.
ولذلك لا أرى «نازا» فيلمًا دعائيًا متنكرًا في هيئة فيلم نقدي.
هذه قراءة سطحية تقتل السؤال بدل أن تفتحه.
قد يكون «نازا» نقدًا حقيقيًا.
وقد يكون مخرجاه في صراع حقيقي مع أجزاء أساسية من المنظومة.
لكن السؤال الذي يعنيني هو:
ماذا تفعل المنظومة بالنقد بعد أن يُنتج؟
فالقوة الحديثة لا تظهر فقط في قدرتها على إسكات النقد.
أحيانًا تظهر قوتها في قدرتها على استيعابه وعرضه والاستفادة من وجوده باعتباره دليلًا على أنها ما زالت ديمقراطية وقادرة على تصحيح نفسها.
وهنا أتوقف عند «لا أرض أخرى».
هناك كان باسل عدرا وحمدان بلال الفلسطينيان مع يوفال أبراهام وراشيل زور الإسرائيليين.
فيلم ولد من سنوات طويلة من تصوير الفلسطيني لأرضه، وهدم بيته، ومقاومته، ثم أصبح العمل الفلسطيني–الإسرائيلي المشترك واحدًا من أهم الأفلام الوثائقية في العالم، وصولًا إلى الأوسكار.
واليوم ينتقل المشهد خطوة أخرى.
في «نازا» يستطيع مخرجان إسرائيليان أن يرويا للعالم ما فعلته دولة الاحتلال بالفلسطينيين من خلال أربعة وعشرين صوتًا إسرائيليًا من داخل الجيش والاستخبارات.
بل إن يوفال نفسه قال عند تسلم جائزة فينيسيا إن الحقيقة كانت معروفة منذ البداية بفضل الصحفيين الفلسطينيين الذين وثقوا ما يجري ودفع كثير منهم حياتهم ثمنًا لذلك.
وأنا أصدقه.
لكن هذه الجملة نفسها تجعل السؤال أكثر إيلامًا.
إذا كان الفلسطيني قد قال الحقيقة منذ اليوم الأول، فلماذا احتاجت الحقيقة إلى أربعة وعشرين إسرائيليًا حتى تقف لها إحدى أهم قاعات السينما في العالم خمسًا وعشرين دقيقة؟
هنا المشكلة ليست في يوفال.
ولا في راشيل.
المشكلة في سوق المصداقية العالمي.
من يملك حق الشهادة؟
مَن يُصدَّق؟
مَن يصل إلى الشاشة؟
مَن يُسمع صوته؟
ومن يحتاج إلى شاهد من الطرف الذي قتله حتى تصبح جثته حقيقة كاملة أمام العالم؟
لهذا لم يكن سؤالي يومًا:
لماذا صنع الإسرائيلي فيلمًا عن الفلسطيني؟
السؤال أصعب بكثير:
لماذا يحتاج الفلسطيني أحيانًا إلى الإسرائيلي لكي يسمعه العالم، بينما لا يحتاج الإسرائيلي إلى فلسطيني حين يقرر أن يروي للعالم ما فعلته دولته بالفلسطيني؟
وربما يكون «نازا» فعلًا واحدًا من أشجع الأفلام التي صنعت داخل المجتمع الإسرائيلي عن غزة.
وربما يستحق جائزته سينمائيًا.
وربما كان تصفيق الجمهور صادقًا ونبيلًا.
ولا شيء من ذلك يلغي السؤال.
لأن المصنع لا يُقرأ من آلة واحدة.
يمكن لآلة أن تنتج القوة.
وأخرى أن تنتج الصورة.
وثالثة أن تنتج النقد.
وقد تكون الآلات في صراع حقيقي فيما بينها.
لكن السؤال الذي يجب ألا يضيع هو:
ما الذي يبقى قائمًا بعد انتهاء هذا الصراع كله؟
أعود إلى يافا.
إلى البيت.
إلى الرجل القادم من أوكرانيا وزوجته.
إلى القهوة العربية.
إلى الفلسطيني الذي يمشي في غرف يعرفها أكثر ممن يسكنها، ويتذكر أين كان يجلس أبوه، وأين كانت البرندة، وأين كان كراج السيارة.
الرجل الذي فتح الباب محترم.
زوجته محترمة.
القهوة طيبة.
المشهد كله إنساني ودافئ.
ثم تنتهي الزيارة.
يقف صاحب البيت.
يشكر مضيفيه.
ويمشي نحو الباب.
يخرج.
يغلق الباب خلفه.
ويبقى المفتاح في جيب الرجل الآخر.
وهنا فقط أعود إلى قاعة فينيسيا.
إلى الضوء.
إلى كوثر بن هنية.
إلى لجنة التحكيم.
إلى خمسة وعشرين دقيقة من التصفيق.
وأسمع من جديد العبارة:
«تروس في آلة أكبر».
فأتمنى لو أن الكاميرا لم تتوقف هناك.
لو أنها تراجعت خطوة أخرى.
ثم أخرى.
حتى ظهر الجيش داخل الدولة.
والدولة داخل المشروع.
والسينما داخل آلة الصورة.
وآلة الصورة داخل المصنع.
وعندها لن يكون السؤال:
هل كان الفيلم شجاعًا؟
ولا:
هل كان المخرجان صادقين؟
بل السؤال الذي سبق الفيلم وسيبقى بعده:
بيت مَن هذا؟
ثم سؤال السينما:
ومَن ما زال يملك المفتاح إلى الصورة؟
يحيى بركات
14/8/2026
اعلان انتهاء الفيلم.
عاد الضوء ببطء إلى قاعة مهرجان فينيسيا، لكن أحدًا تقريبًا لم يتحرك نحو الباب. وقف الجمهور وصفق. دقيقة، ثم خمس، ثم عشر، حتى امتد التصفيق قرابة خمس وعشرين دقيقة. وبعد يومين، كان فيلم «نازا» للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور يحمل جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
كوثر بن هنية، المخرجة التونسية وعضو لجنة التحكيم، شرحت لاحقًا لماذا اختارت اللجنة الفيلم. قالت إنه شجاع، وإن مخرجيه استطاعا، رغم إخفاء هويات أصحاب الشهادات، أن يجدا صيغة سينمائية قوية. والأهم أنها قالت إن الفيلم لا يتوقف عند مشاعر الجنود والضباط الذين يتحدثون فيه، بل يقدمهم باعتبارهم تروسًا في آلة أكبر.
توقفت طويلًا عند هذه العبارة.
تروس في آلة أكبر.
الفيلم نفسه يقوم على شهادات أربعة وعشرين عسكريًا وعنصر استخبارات إسرائيليًا، بعضهم يصف منظومة تحديد الأهداف، وحساب أعداد المدنيين المتوقع قتلهم، وسلاسل القرار التي تنتهي بالقنبلة أو بالصاروخ. والمخرجان لا يريدان أن نخرج من الفيلم بفكرة أن هؤلاء أربعة وعشرون شريرًا خرجوا عن قواعد الجيش. يريدان أن نرى النظام الذي حوّل القتل إلى آلية.
وأنا أتفق.
لكنني وجدتني أسأل:
وأين تنتهي الآلة؟
هل تنتهي عند الجندي؟
نتراجع بالكاميرا قليلًا، فنرى الجيش.
نتراجع أكثر، فنرى الحكومة.
نتراجع أكثر، فنرى المؤسسة السياسية، والإعلام، والدبلوماسية، والقانون، والثقافة، والسينما.
ثم نتراجع أكثر.
وهنا لا تعود أمامنا عدة آلات منفصلة.
نرى المصنع.
المشكلة ليست في أن هناك آلة عسكرية شريرة، وإلى جانبها آلة سينمائية بريئة، وآلة إعلامية، وآلة دبلوماسية، لا علاقة بينها إلا المصادفة.
كل هذه الآلات تتحرك داخل مشروع سياسي وتاريخي واحد، ولكل واحدة منها وظيفة مختلفة.
آلة تنتج القوة.
آلة تنتج القانون الذي يبررها.
آلة تنتج الرواية.
آلة تنتج الصورة التي تجعل الرواية قابلة للتصديق.
وآلة تنتج، عند الحاجة، القدرة على نقد بعض ما فعله المصنع نفسه.
ولا يعني هذا أن هناك غرفة سرية يجلس فيها أحد ليقول للمخرج ماذا يصور، أو للجمهور متى يصفق.
المصانع الحديثة لا تعمل بهذه السذاجة.
قد يتمرد عامل على آلة.
وقد تكشف آلة عيوب آلة أخرى.
وقد يخرج من داخل المصنع من يدينه بصدق.
لكن ذلك كله لا يلغي السؤال الأكبر:
ما المشروع الذي تعمل داخله هذه الآلات جميعًا؟
ربما لأنني لم أتعلم يومًا أن أرى السينما منفصلة عن السياسة. هكذا تكوّن عقلي. حين أشاهد فيلمًا لا أسأل فقط ماذا يقول، بل من يقف خلف الكاميرا، ومن يحمل الصورة، وأي طريق ستسلكه، وما الذي ستصبحه عندما تغادر يد صاحبها وتدخل العالم.
ولهذا لا أستطيع أن أقرأ «نازا» منفصلًا عن اللحظة التي ظهر فيها.
بعد غزة حدث شيء عميق في صورة دولة الاحتلال إسرائيل أمام قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
لم تعد صور البيوت المدمرة، والأطفال، والجوع، والجثث، مجرد رواية فلسطينية يمكن دفعها بسهولة إلى هامش الشاشة.
العالم رأى أكثر مما ينبغي.
والصورة أصبحت أكبر من قدرة الإنكار.
وهنا، في تقديري، تتغير وظيفة آلة الصورة.
حين تصبح الجريمة أكبر من أن تُنكر، لا تتوقف آلة الصورة عن العمل. تغيّر مهمتها.
لم يعد ضروريًا أن تقول إن الجريمة لم تقع.
يمكن أن تبدأ معركة أخرى:
مَن يتحملها؟
نتنياهو.
بن غفير.
سموتريتش.
اليمين المتطرف.
الحكومة الحالية.
مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.
وببطء يمكن أن تنتقل المسؤولية من البنية إلى الأشخاص، ومن التاريخ إلى مرحلة، ومن المشروع إلى حكومة.
لا تُمحى الجريمة.
يُعاد مونتاج المسؤولية عنها.
وهكذا يمكن أن يظهر في الكادر شيء آخر:
«دولة الاحتلال إسرائيل أخرى».
دولة الاحتلال إسرائيل الليبرالية.
دولة الاحتلال إسرائيل الديمقراطية.
دولة الاحتلال إسرائيل التي تعترض.
دولة الاحتلال إسرائيل التي تحقق في نفسها.
دولة الاحتلال إسرائيل التي يخرج منها مخرجان يكشفان للعالم ما يفعله جيشها.
ولا أقول إن يوفال أبراهام وراشيل زور يقومان بهذه المهمة عمدًا.
بل إن الوقائع تجعل هذا التفسير المبسط ظالمًا لهما.
هما ليسا مجرد مخرجين يقولان إن نتنياهو بالغ في استخدام القوة. شاركا مع باسل عدرا وحمدان بلال في «لا أرض أخرى»، في فيلم يصف واقع مسافر يطا باعتباره احتلالًا وأبارتهايد. ويوفال أبراهام ربط في أكثر من مناسبة عنف المستوطنين بالدولة والجيش، وتحدث عن التفوق اليهودي بوصفه سمة تأسيسية في النظام، كما أن المخرجين لم يقدما «نازا» بوصفه فيلمًا عن «أخطاء الحرب»، بل بوصفه تفكيكًا لمنظومة قتل.
واليمين الإسرائيلي نفسه لم يحتفل بهما. وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار دعا بعد فوز الفيلم إلى سحب جنسيتهما وهاجمهما بشدة.
وهذا يجعل السؤال أكثر صعوبة، لا أسهل.
لأن الفيلم الواحد يستطيع أن يكون تهديدًا حقيقيًا لبعض أجزاء المصنع، ثم يصبح في مكان آخر دليلًا على أن المصنع نفسه ما زال يمتلك القدرة على النقد والضمير والتصحيح.
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأهم.
لا أبحث عن العامل الذي صنع علبة الحليب لكي أتهمه بأنه صنع السم.
السؤال ليس هكذا.
السؤال هو:
ما المصنع الذي ينتج فيه السم والحليب معًا؟
قد تكون آلة الصورة صادقة.
وقد يكون الفيلم شجاعًا.
وقد يكون مخرجه معارضًا حقيقيًا.
لكن المصنع قد يحتاج إلى هذه الصورة النظيفة في واجهته لكي يقول للعالم:
لا تحكموا علينا بما فعلته هذه الحكومة.
لا تحكموا علينا بما فعله هؤلاء الجنود.
انظروا، لدينا من يعترض.
لدينا من يكشف.
لدينا من يخاطر بجنسيته ومكانته لكي يقول الحقيقة.
وهنا لا تكون المشكلة في وجود الضمير.
المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود الضمير دليلًا على براءة الجسد الذي أنجب الجريمة.
تذكرت هنا حكاية قديمة لا علاقة لها بالسينما، وربما لها كل العلاقة بها.
أحد أقاربي استطاع أن يعود إلى فلسطين بجواز سفر أميركي. ذهب إلى يافا يبحث عن بيت عائلته الذي احتُل عام 1948.
وجده.
دار حوله.
الحديقة ما زالت هناك. البناء، الأبواب، البرندة، كراج السيارة. كل زاوية أعادت إليه شيئًا كان يظن أنه بقي في الذاكرة فقط.
تردد طويلًا.
ثم قرع الجرس.
فتح الباب رجل كبير في السن.
قال له قريبي بالإنجليزية:
هذا بيتي. بيت عائلتي قبل 1948. هل تسمح لي فقط أن أراه؟
رحب به الرجل.
نادى زوجته وأخبرها أن الرجل الذي يقف أمامهما كان صاحب هذا البيت قبل 1948.
رحبت به هي الأخرى.
دخل.
مشى في الغرف التي يعرفها.
تذكر هذه الزاوية، وهذه البرندة، وهذا الباب.
ثم جلسوا.
وقدموا له القهوة العربية.
كان الرجل وزوجته قد أتيا من أوكرانيا، وقالا إنهما حصلا على البيت من الوكالة اليهودية.
عندما عاد قريبي، حدثني عنهما بإعجاب.
قال:
ناس محترمون جدًا.
سألته:
وماذا يغيّر ذلك؟
قد يكون الرجل أطيب إنسان في يافا.
وقد تكون زوجته أرق امرأة قابلتها.
لكن بيت مَن هذا؟
هذه ليست دعوة إلى كراهية الرجل أو زوجته.
إنها دعوة إلى ألا تجعلنا أخلاق الفرد ننسى طبيعة العلاقة.
فالإنسان المحترم يستطيع أن يقدم لك القهوة.
لكن صاحب البيت الحقيقي، عندما تنتهي القهوة، يقوم ويغادر.
ويبقى المفتاح في جيب الآخر.
ولهذا أيضًا لا أريد أن أحاكم يوفال أو راشيل بسبب هويتهما.
المعيار ليس الدم.
ولا الدين.
ولا الهوية.
وهذا، في جوهره، ما تميز به أيضًا منطق المقاطعة الفلسطينية حين فرّق بين الهوية وبين التواطؤ والتطبيع.
السؤال ليس:
هل أنت يهودي؟
ولا:
هل أنت إسرائيلي؟
السؤال:
أين تقف من حقوق الفلسطيني التي جرى سلبها؟
هل تقف مع حقه في الحرية وتقرير المصير والمساواة والعودة وامتلاك روايته وأرضه؟
هل ترى المشكلة في نتنياهو؟
أم في الحكومة الحالية؟
أم في الاحتلال الاسرائيليى لفلسطين ؟
أم تصل رؤيتك إلى الجذر الذي جعل الفلسطيني صاحب البيت يتحول إلى ضيف فيه؟
هذا هو المعيار.
ولهذا، لو كنت عضوًا في لجنة تحكيم فينيسيا، لما اكتفيت بالسؤال:
هل «نازا» فيلم شجاع؟
كنت سأسأل:
شجاع ضد ماذا؟
ضد نتنياهو؟
ضد هذه الحرب؟
ضد طريقة عمل الجيش؟
ضد الاحتلال؟
ضد الأبارتهايد؟
ثم:
إلى أين يصل هذا النقد؟
وهنا لا أجري امتحانًا أيديولوجيًا للمخرج قبل مشاهدة فيلمه.
الفيلم نفسه هو الذي نقلني من الفرد إلى البنية.
فإذا طلب مني أن أرى الجندي باعتباره ترسًا في آلة، فمن حقي أن أسأل عن الآلة التي يوجد فيها الجيش نفسه.
ومن حقي أن أتراجع بالكاميرا أكثر.
حتى أرى المصنع.
قبل سنوات طويلة، كنت أعيش في قبرص بعد خروجنا من بيروت.
وفي الطريق من نيقوسيا إلى مطار لارنكا أوقفت سيارتي لشاب وفتاة كانا ينتظران من يقلّهما.
اكتشفت خلال الطريق أنه إسرائيلي وهي سويدية، وأنهما جاءا إلى قبرص ليتزوجا مدنيًا ثم يعودا.
سألته إن كان قد خدم في الجيش.
قال لا.
ثم سألتهما:
هل تعرفان من أين أنا؟
ظنا أنني قبرصي.
قلت:
أنا فلسطيني.
راقبت وجه الشاب في المرآة.
ثم أضفت:
ولست فلسطينيًا فقط. أنا عضو في منظمة التحرير الفلسطينية.
دخل القلق وجهه، واقترب قليلًا من زوجته.
ضحكت.
وقلت له ما معناه:
أعضاء منظمة التحرير إرهابيون، أليس كذلك؟
ثم أوصلته إلى المطار.
وقبل أن ينزل قلت له:
حين تعود إلى فلسطين، احكِ ما جرى.
قل إنك ركبت سيارة فلسطيني عضو في منظمة التحرير، في طريق خالٍ بين نيقوسيا ولارنكا، ولم يقتلك ولم يخطفك، بل أوصلك إلى المطار.
وقل لهم شيئًا آخر:
نحن لسنا ضد اليهود. نحن ضد من يحتل أرضنا.
أستعيد هذه الحكاية اليوم لأن المعيار الذي وضعته لنفسي يومها لا يزال هو نفسه.
لا أحاكم الإنسان بهويته.
لكنني أيضًا لا أسمح لأخلاق الفرد أن تمحو العلاقة السياسية التي يقف داخلها.
يمكن أن يكون ساكن البيت محترمًا.
ويبقى البيت مسلوبًا.
يمكن أن يكون الإسرائيلي شجاعًا.
ويبقى السؤال:
ما موقفه من حق صاحب البيت؟
وهنا يصبح تصفيق فينيسيا جزءًا من الفيلم الذي أشاهده أنا.
الجمهور لم يكن كاذبًا.
كوثر بن هنية لم تكن مخدوعة بالضرورة.
ولجنة التحكيم لم تجتمع في غرفة مغلقة لكي تخطط لتبييض صورة دولة الاحتلال.
هذه قراءة ساذجة لعمل الثقافة.
الآلة الثقافية الأكثر تطورًا لا تحتاج إلى أن تعطي الجمهور أمرًا بالتصفيق.
يكفي أن يصبح الكادر نفسه طبيعيًا في عقل المتلقي.
الجمهور يشاهد إسرائيليين يكشفان جرائم الجيش الإسرائيلي.
يغضب.
يتألم.
يرفع بعض أفراده الأعلام الفلسطينية.
ثم يقف خمسًا وعشرين دقيقة.
كل ذلك يمكن أن يكون صادقًا.
ومع ذلك كله... قد تعمل الآلة.
لأن السؤال ليس فقط ماذا شعر الجمهور وهو يصفق.
السؤال:
ما الصورة التي ستبقى بعد أن ينتهي التصفيق؟
هل ستبقى صورة دولة استعمارية أنتجت الجيش والسياسات والظروف التي سمحت بما تكشفه الشهادات؟
أم تدخل إلى جوارها صورة أخرى أكثر راحة للضمير الغربي:
نعم، هناك نتنياهو.
نعم، هناك بن غفير وسموتريتش.
نعم، هناك جنود قتلوا.
لكن هناك أيضًا يوفال وراشيل.
هناك إسرائيليون يعترضون.
هناك مجتمع يستطيع أن ينتقد نفسه.
هناك «دولة الاحتلال إسرائيل أخرى».
وهنا لا أقول إن هذه الصورة كاذبة بالضرورة.
وجود هؤلاء حقيقي.
لكن الحقيقة الجزئية تستطيع أحيانًا أن تؤدي وظيفة أكبر من ذاتها.
ولهذا فإن السؤال ليس:
هل يوجد ضمير إسرائيلي؟
بل:
ماذا يحدث لهذا الضمير عندما يدخل سوق الصورة العالمي؟
هل يصبح أداة لتفكيك البنية؟
أم يُعاد استيعابه داخل صورة تقول إن المشكلة كانت في من انحرفوا عن «دولة الاحتلال إسرائيل الحقيقية»؟
هنا، تحديدًا، تتقاطع هذه القراءة مع ما سمته د. غانية ملحيس في قراءتها لـ«نازا» «التطهر»: قدرة المنظومة على استقبال نقدها وإعادة إنتاج قدر من شرعيتها من خلاله.
لكنني أذهب إلى مكان آخر قليلًا.
المسألة عندي ليست ما يحدث بعد الجريمة فقط.
بل تاريخ أطول بكثير لآلة الصورة.
فالحركة الصهيونية أدركت منذ وقت مبكر أن الصراع على فلسطين ليس على الأرض وحدها.
إنه أيضًا على الصورة التي ستُرى بها الأرض.
في مرحلة مبكرة كان المطلوب أن ترى أوروبا الأرض وهي تنتظر القادم.
أرضًا يجري زرعها وإحياؤها وبناؤها.
المستوطن الجديد حاضر في الكادر.
وصاحب الأرض غائب.
ثم تغير الزمن.
ظهرت صورة الدولة الصغيرة المحاصرة.
الجيش الذي «يدافع عن وجودها».
الديمقراطية المحاصرة في منطقة معادية.
الضحية التي تحاول النجاة.
ثم صورة «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
كل مرحلة احتاجت صورة تناسب حاجتها السياسية.
وآلة الصورة لم تكن يومًا مجرد زينة إلى جانب السياسة.
كانت إحدى الأدوات التي صنعت شرعية المشروع في المخيلة الغربية.
ولهذا أرى «نازا» أيضًا من هذه المسافة التاريخية.
بعد غزة، لم يعد ممكنًا أن تعمل الصورة القديمة كما كانت.
لا تستطيع أن تقنع العالم كله بأن الجيش لا يقتل المدنيين.
العالم رأى المدنيين.
ولا تستطيع أن تخفي الدمار.
العالم رآه.
ولا تستطيع أن تجعل الجثث تختفي من الشاشة.
ولهذا ليس ضروريًا أن تتوقف آلة الصورة.
يكفي أن تغيّر وظيفتها.
في الأمس:
أنكر الجريمة.
اليوم:
اعترف بها وحدد من يتحملها.
في الأمس:
هذه أكاذيب فلسطينية.
اليوم:
نعم، حدثت جرائم، لكن هذه ليست «دولة الاحتلال إسرائيل الحقيقية».
في الأمس كانت وظيفة الصورة الدفاع عن المصنع.
واليوم قد تصبح وظيفتها القول:
العطل كان في بعض الآلات.
وهذا فرق هائل.
ولذلك لا أرى «نازا» فيلمًا دعائيًا متنكرًا في هيئة فيلم نقدي.
هذه قراءة سطحية تقتل السؤال بدل أن تفتحه.
قد يكون «نازا» نقدًا حقيقيًا.
وقد يكون مخرجاه في صراع حقيقي مع أجزاء أساسية من المنظومة.
لكن السؤال الذي يعنيني هو:
ماذا تفعل المنظومة بالنقد بعد أن يُنتج؟
فالقوة الحديثة لا تظهر فقط في قدرتها على إسكات النقد.
أحيانًا تظهر قوتها في قدرتها على استيعابه وعرضه والاستفادة من وجوده باعتباره دليلًا على أنها ما زالت ديمقراطية وقادرة على تصحيح نفسها.
وهنا أتوقف عند «لا أرض أخرى».
هناك كان باسل عدرا وحمدان بلال الفلسطينيان مع يوفال أبراهام وراشيل زور الإسرائيليين.
فيلم ولد من سنوات طويلة من تصوير الفلسطيني لأرضه، وهدم بيته، ومقاومته، ثم أصبح العمل الفلسطيني–الإسرائيلي المشترك واحدًا من أهم الأفلام الوثائقية في العالم، وصولًا إلى الأوسكار.
واليوم ينتقل المشهد خطوة أخرى.
في «نازا» يستطيع مخرجان إسرائيليان أن يرويا للعالم ما فعلته دولة الاحتلال بالفلسطينيين من خلال أربعة وعشرين صوتًا إسرائيليًا من داخل الجيش والاستخبارات.
بل إن يوفال نفسه قال عند تسلم جائزة فينيسيا إن الحقيقة كانت معروفة منذ البداية بفضل الصحفيين الفلسطينيين الذين وثقوا ما يجري ودفع كثير منهم حياتهم ثمنًا لذلك.
وأنا أصدقه.
لكن هذه الجملة نفسها تجعل السؤال أكثر إيلامًا.
إذا كان الفلسطيني قد قال الحقيقة منذ اليوم الأول، فلماذا احتاجت الحقيقة إلى أربعة وعشرين إسرائيليًا حتى تقف لها إحدى أهم قاعات السينما في العالم خمسًا وعشرين دقيقة؟
هنا المشكلة ليست في يوفال.
ولا في راشيل.
المشكلة في سوق المصداقية العالمي.
من يملك حق الشهادة؟
مَن يُصدَّق؟
مَن يصل إلى الشاشة؟
مَن يُسمع صوته؟
ومن يحتاج إلى شاهد من الطرف الذي قتله حتى تصبح جثته حقيقة كاملة أمام العالم؟
لهذا لم يكن سؤالي يومًا:
لماذا صنع الإسرائيلي فيلمًا عن الفلسطيني؟
السؤال أصعب بكثير:
لماذا يحتاج الفلسطيني أحيانًا إلى الإسرائيلي لكي يسمعه العالم، بينما لا يحتاج الإسرائيلي إلى فلسطيني حين يقرر أن يروي للعالم ما فعلته دولته بالفلسطيني؟
وربما يكون «نازا» فعلًا واحدًا من أشجع الأفلام التي صنعت داخل المجتمع الإسرائيلي عن غزة.
وربما يستحق جائزته سينمائيًا.
وربما كان تصفيق الجمهور صادقًا ونبيلًا.
ولا شيء من ذلك يلغي السؤال.
لأن المصنع لا يُقرأ من آلة واحدة.
يمكن لآلة أن تنتج القوة.
وأخرى أن تنتج الصورة.
وثالثة أن تنتج النقد.
وقد تكون الآلات في صراع حقيقي فيما بينها.
لكن السؤال الذي يجب ألا يضيع هو:
ما الذي يبقى قائمًا بعد انتهاء هذا الصراع كله؟
أعود إلى يافا.
إلى البيت.
إلى الرجل القادم من أوكرانيا وزوجته.
إلى القهوة العربية.
إلى الفلسطيني الذي يمشي في غرف يعرفها أكثر ممن يسكنها، ويتذكر أين كان يجلس أبوه، وأين كانت البرندة، وأين كان كراج السيارة.
الرجل الذي فتح الباب محترم.
زوجته محترمة.
القهوة طيبة.
المشهد كله إنساني ودافئ.
ثم تنتهي الزيارة.
يقف صاحب البيت.
يشكر مضيفيه.
ويمشي نحو الباب.
يخرج.
يغلق الباب خلفه.
ويبقى المفتاح في جيب الرجل الآخر.
وهنا فقط أعود إلى قاعة فينيسيا.
إلى الضوء.
إلى كوثر بن هنية.
إلى لجنة التحكيم.
إلى خمسة وعشرين دقيقة من التصفيق.
وأسمع من جديد العبارة:
«تروس في آلة أكبر».
فأتمنى لو أن الكاميرا لم تتوقف هناك.
لو أنها تراجعت خطوة أخرى.
ثم أخرى.
حتى ظهر الجيش داخل الدولة.
والدولة داخل المشروع.
والسينما داخل آلة الصورة.
وآلة الصورة داخل المصنع.
وعندها لن يكون السؤال:
هل كان الفيلم شجاعًا؟
ولا:
هل كان المخرجان صادقين؟
بل السؤال الذي سبق الفيلم وسيبقى بعده:
بيت مَن هذا؟
ثم سؤال السينما:
ومَن ما زال يملك المفتاح إلى الصورة؟
يحيى بركات
14/8/2026