أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٥ أيلول من كل عام

١
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية

تداعيات..وداعا أيتها الحرب..وداعا أيها السلم

أمس زرت متحف محمود درويش لأول مرة.. الفضل يعود للصديق القاص زياد خداش الذي التقط لي الصور .
ربما أكتب الأسبوع القادم عن ندوة بيت لحم وزيارة المتحف وزيارة الشاعر الصديق أحمد دحبور في منزله .
أمس شجعت أبا يسار على كتابة سيرته الذاتية الشعرية . إنه كنز نادر في هذه الأيام وعملة صعبة . حرضوه يا أصدقاءه على هذا ، فلربما لا نجد له في سعة اطلاعه وعمق تجربته شبيهاا.
صباح الخير يا زياد خداش ويا أبا يسار على جلسة الأمس فقد عوضتما بؤس زيارة بيت لحم .
٢٠١٣

٢
مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية وهو المقال السادس حول الأسطر الشعرية المنسوبة لمحمود درويش المغناة من كارول سماحة ، وكنت نشرت المقال الأول في آب ٢٠٢٢ تحت عنوان " العرس الفلسطيني : والدة الشهيد التي تنتظر ابنها " ثم نشرت المقالات الخمسة في التواريخ الآتية :
- ١٢ / ٣ / ٢٠٢٣
- ١٩ / ٣ / ٢٠٢٣
- ٢٦ / ٣ / ٢٠٢٣
- ٢ / ٤ / ٢٠٢٣
- ٩ / ٤ / ٢٠٢٣ .
المقالات نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية أولا فقد كتبت لها ، ثم نقلت عنها ، بموافقتي ، في مواقع أخرى .
٢٠٢٥

٣
إحدى جامعاتنا لم تجدد عقود بعض أعضاء هيئتها التدريسية لأنهم ضعيفون علميا . خطوة جريئة وممتازة .
يجب أن يتبع الخطوة السابقة خطوة أخرى هي :
كل من مر عليه سبع سنوات ولم يكتب أبحاثا لا يجدد عقده .
أكبر خطأ ارتكبته إدارات جامعاتنا هو أنها تراجعت عن قراراتها السابقة التي تربط الترقية بالأبحاث كل ست سنوات ، ووافقت على أن تمتد السنوات الست إلى 15 عاما .
كيف يمكن أن يدرس حامل دكتوراه لم يكتب أبحاثا بعد الماجستير والدكتوراه .
الطريف هو أن هؤلاء الذين لا يكتبون أبحاثا لا عمل لهم سوى الهمز واللمز والقيل والقال والتدخل في قضايا شخصية مثل لماذا فلان يضع طاقية على رأسه ولماذا تزوج ثانية أو لماذا طلق أو لماذا ... الخ .
٢٠١٤

٤
أرض بلا شعب لشعب بلا
1 :

اليوم كنت أحاضر عن رواية آميل حبيبي المتشائل . قرأت مع الطلاب رسالة " حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة " . شرحت لهم نقض اميل للطروحات الصهيونية الزاعمة أن فلسطين أرض بلا شعب واستحضرت ما اكتشفه ( آيفرات كوشين ) في رواية كنفاني حين وصل إلى حيفا .
كان ( كوشين ) هذا عبيء في المنفى بالمقولات الصهيونية ثم اكتشف عكسها فاﻷرض فيها شعب .
سأربط بين هاتين الروايتين ورواية هرتسل " أرض قديمة جديدة " .
سأتذكر شخصية رشيد بك العربي الذي رحب بالصهيونية وأتساءل :
- ماذا سيكون موقفه لو رأى ما جرى منذ 1917 ؟
رواية " المتشائل " تحفل بالأيديولوجيا . ثمة أيديولوجيا وأيديولوجيا مضادة .
هل تحفل أية رواية فلسطينية كتبت بعد " المتشائل " بهذا القدر من الأيديولوجيا ؟

2 :

وأنا أحاضر في طلبة قسم اللغة العربية حول الرواية أسأل نفسي إن كنت في العشرين ، مثل طلبتنا ، بلا ثقافة وطنية ولا أعرف عن الصراع وجذوره أقل القليل .
هل ألوم طلبتنا ؟
دائما أترفق بهم وأقول لهم :
- أنا أيضا كنت مثلكم لا أعرف . المهم أن نتعلم ونعرف أكثر وأكثر .
وأظن أنني ما سخرت يوما من الطلبة في محاضرة لعدم معرفتهم . غالبا ما أشجعهم وأقول :
- المهم أن تحاولوا .
من قراءتي للمنهج الاجتماعي الماركسي أتعلم وأغدو متواضعا جدا .
فيما بعد قلت :
- ها هو محمود درويش في آخر عمره يبدو ماركسيا حقا :
" من أنا ﻷقول لكم ما أقول لكم .
أنا مثلكم أو أقل قليلا .
والوحي حظ المهارة إذ تجتهد ".
أقول للطلبة :
- أي واحد منكم يمكن أن يصبح بعد سنوات أستاذا هنا يحتل مكاني . الماركسية تؤمن بالموهبة ، ولكن لا بد من أن تنمى . لا بد من مواظبة واجتهاد حقا . عمل دؤوب ومتواصل .
٢٠١٤

٥
اﻷشياء أعرفها متأخرة :

كأنني لا أقيم في المدينة .
أحيانا كثيرة أعلم عن اﻷحداث بعد فترة . أو أدرك حقيقة ما حدث من خلال الاسترجاع الذي جعلني أعرف أشياء كثيرة ، مثله مثل الآيحاء ، ومثل لفت الانتباه ، مع أن هذا قد يضلل ، أو أن الآخرين يريدون تضليلي .
عرفت عن موت ( أبو جميل ) طبيب اﻷسنان قبل خمسة أيام .
مات أبو جميل في شباط من هذا العام ولم أعرف . ذهبت إلى عيادته لمراجعته فأخبرني ابنه أنه انتقل إلى رحمته تعالى .
مرة كتبت قصة عنوانها " اﻷشياء تأتي متأخرة " ويبدو أنني سأكتب :
" اﻷشياء أعرفها متأخرة "
يبدو أنني الحاضر الغائب و أنني متأثر بقانون اﻷملاك اﻷسرائيلي الذي سن في 1948. أو أنني مغيب. يبدو .
الله المستعان به
15/9/2016

٦
إميل حبيبي والشتيمة :

هل كان إميل حبيبي شتاما ؟
التقيت به مرات عديدة في 90 ق 20 ولم أسمع منه أية شتيمة . كان مثل بطل روايته " المتشائل " يميل إلى التغابي ، وحين لا يروق له شيء يصرخ .
في 90 ق 20 كتب إن الشتيمة هي صفة الشاتم وقد تعبر عن غيرة الشاتم من المشتوم .
ما سمعته عنه يوم كان في الحزب الشيوعي قياديا يختلف عما أوردته سابقا .
سمعت أنه في خطاباته الجماهيرية ضد جهات لا تروق لها سياسة الحزب كان يتفوه بكلام من الزنار فأسفل . كان لسانه ينقط عسلا .
هل ظاهرة د . سكلانص غريبة عن مجتمعنا حقا ؟
وماذا عنها في رواية حزامة حبايب " مخمل " ؟
15/ 9 / 2017

٧
لي زميل يخبرني غالبا عن توزيع الجوائز والأوسمة وتسمية شخصية العام .
أنا غالبا ما أكرر بيتي الشعر :

مما يزهدني في أرض أندلس
ألقاب معتضد فيها ومعتمد
ألفاظ مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا هيئة الأسد .

هذه الأيام ذكرى مجزرتي صبرا وشاتيلا.
15 ايلول 2018

٨
امتياز دياب :
محمود درويش "ميلاد الكلمات " :

اليوم وصلتني من وزارة الثقافة الفلسطينية ، عن طريق الروائي أسامة مغربي ، نسختان من كتاب الكاتبة امتياز دياب " ميلاد الكلمات " - كان الدكتور عاطف أبو سيف وزير الثقافة وعدني في أثناء زيارته نابلس بعشر نسخ - والكتاب يضم رسائل من محمود درويش وإليه كتبت في فترة ما قبل العام ١٩٧٠ .
ألقيت نظرة عابرة جدا جدا على الكتاب ، ومع ذلك فأعتقد أنه سيفيدني إفادة كبيرة في دراسة أشعار الشاعر وحياته .
حسنا فعلت امتياز دياب ووزارة الثقافة الفلسطينية بإصدار هذا الكتاب .
انتظروا ، خلال أسابيع، كتابة عن موضوع مهم جدا في حياة الشاعر .
شكرا لامتياز دياب وشكرا لوزارة الثقافة .
١٥ أيلول ٢٠١٩

٩

الست كورونا : المحافظ ومبنى البلدية والحبل على الجرار ( 74 )

آخر أخبار المدينة أن المحافظ نفسه أصيب بالكورونا . هكذا ورد في الأخبار وورد فيها أن بلدية المدينة أغلقت مبناها ليومين ثلاثة بسبب إصابات في الكورونا .
سياسة القطيع قالت لمن ينكرون وجود الوباء إنه موجود ، تماما كما أن صفحات وسائل التواصل الاجتماعي قالت الشيء نفسه ، فقد حفلت بأخبار أشخاص أعلنوا بأنفسهم أنهم مصابون ، وبنعي أصدقاء أصدقاءهم أو أقرباءهم أو زملاءهم في العمل .
والأردن تعلن عن تأجيل المدارس وإغلاقها لمدة أسبوعين ، ومثل المدارس المساجد والكنائس والصالات .
لا جديد في حياتنا على هذا الصعيد والجديد هو توقيع البحرين اليوم في واشنطن اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ، وفي فلسطين فإن اليوم هو يوم غضب فلسطيني ضد البحرين والإمارات و ... ويبدو أن الدول العربية مصابة بالكورونا وأن العدوى تنتقل سريعا من دولة إلى ثانية ، وأنا شخصيا مقتنع اقتناعا تاما بأن السفارات الأميركية في كثير من الدول العربية هي من يقرر لا الحكام العرب ، فهؤلاء أحجار شطرنج لا حول لهم ولا قوة ، ورحم الله معين بسيسو :
" قلها ومت
فأنت إن سكت مت
وأنت إن نطقت مت
قلها ومت " .
في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " شخصية عربية هي شخصية رشيد بك الإقطاعي الذي يبيع أرضه لليهود ويرحب بقدومهم ، فهم سيكونون بقعة الضوء التي ستنير الشرق . ويبدو أن الحكام العرب لا يختلفون عن رشيد بك في رؤيته ، وهي عموما رؤية ( هرتسل ) نفسه الذي كتب عن قطارات كهربائية تصل إلى بيروت ودمشق ، وقد تحققت رؤيته فوصلت الانفجارات إلى المدينتين ووصل رشيد بك إلى مخيم صبرا معززا مكرما .
رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد اشتية يهدد :
- إذا لم يلتزم المواطنون بشروط السلامة فإننا سنلجأ إلى سياسة الإغلاق و إيقاع أقصى العقوبات على ..
محافظ المدينة أصيب بالكورونا وآمل ألا نفاجأ هذا المساء بالإعلان عن إصابة السيد رئيس الوزراء بها .
بنت كلب هذه الكورونا لا تفرق بين عامل وبين عطوفة المحافظ . إنها فايروس شيوعي ابن كلب ويا خوف ينقل الوفد البحريني الفايروس إلى أسياده في واشنطن في أثناء التوقيع .
" دير بالك يا ترامب " وإلا
You must pay .
١٥ أيلول ٢٠٢٠

١٠
" جليتر " Maya Abu Alhayyat :

وأنت تقرأ رواية مايا أبو الحيات الرابعة - الأصح نوفيلا وكل أعمالها أشبه بالنوفيلا - تتساءل عن مدلول العنوان " جليتر " ومغزاه . قد تكون تعرف ال " جليتر " وقد لا تكون ، وإن كنت تعرف فسوف تتساءل :
- أيستحق ال " جليتر " رواية ؟
وستظل تقرأ دون أن تعرف المغزى حتى تبلغ الصفحتين الأخيرتين .
شخصيا لم أشعر بشغف وتشوق وأنا أقرأ الرواية ، فقد بدت لي مملة تفتقد إلى عنصر التشويق وإلى اكتمال الشخصيات ، كما بدت لي مجرد سرد يفتقد إلى البناء ، مع أن مايا مهندسة والمفترض أن تهندس روايتها من حيث الشكل .
ولأنني أعرف الدكتور حسين جميل البرغوثي وألم إلماما قليلا بما حدث معه في جامعة بير زيت ، وقد تتشابه قصتي في جامعة النجاح الوطنية جزئيا مع قصته ، لأنني أعرفه فقد واصلت قراءة الرواية مدفوعا بشغف كبير للإلمام بقصة الأستاذ الجامعي " أبو حفاية " في الرواية .
قبل أيام سألني الصديق بسام الكعبي - ووجه السؤال أيضا للقاص محمود شقير - عن ذكر أسماء حقيقية في الرواية ، والإجابة تطول .
وأنا أقرأ " جليتر " لم أستطع نسيان شخصية الدكتور حسين ، فكلما قرأت عن الأستاذ الجامعي " أبو حفاية " تذكرت الدكتور الذي أعرف .
ماذا كان الدكتور سيقول لو قرأ رواية مايا هذه ؟
ماذا سيقول معارفه وأصدقاؤه ؟ هل سيبحثون عن طلابه أيضا في الرواية ويردون على المؤلفة ؟
كنت أمس وجهت سؤالا إلى بعض طلاب الدكتور إن كانوا قرأوا الرواية ، وسألت أيضا إن كانت الرواية حظيت بمراجعة نقدية ما ، وعرفت من الكاتبة نفسها أنها لم تحظ .
أعتقد أن أكثر روائيينا بحاجة إلى أن يولوا لغتهم عناية أكثر ، لا نحوها وصرفها وحسب ، فهذا يمكن أن يتجاوز بإجراء قلمي فيه ، ولكن من حيث الأسلوب وقوة العبارة وجزالتها وتأثيرها في النفس ، وهذا ما لا يستطيع إنجازه إلا الكاتب نفسه ليعبر عن شخصيته وهنا أشير إلى جبرا ابراهيم جبرا واميل حبيبي وغسان كنفاني وبعض روائيينا .
١٥ أيلول ٢٠٢٠

١١
" طاسة وضايعة "
شبهة رقم السيارة الأصفر :

وأنا أغادر بيت لحم إلى نابلس في الرابع من أيلول ، بعد المشاركة في مهرجان القدس الثاني عشر للشعر ، عدت مع الدكتورين إحسان الديك ونادر قاسم في سيارة طالبة الدكتوراه الفلسطينية هديل وزميلها ، وسيارتها ذات رقم أصفر ، فهديل وزميلها من فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ ويدرسان الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية . والكل يعرف أن للسيارات هناك أرقاما ألوانها تختلف عن ألوان سيارات الضفة الغربية .
من المؤكد أن بعض الجيران الذين رأوني أهبط من السيارة تساءلوا عن الأمر ، وربما ارتابوا في .
مرات قليلة هي التي أركب فيها سيارات نمرتها صفراء .
في تسعينيات القرن العشرين زار الكاتب سلمان ناطور ، مع شابتين يهوديتين ، نابلس وطلب مني أن نزور عائلة " أبو زعرور " لإنتاج فيلم عن ابنتها الشهيدة إلهام الطالبة في جامعة النجاح التي استشهدت في العام ١٩٨٣ . كان سلمان قدم بسيارته ذات النمرة الصفراء ، ولا أعرف ماذا قال عني من رآني يومها من سكان المدينة في السيارة وإلى أين ذهبت به المخيلة .
في السنة الأخيرة ركبت غير مرة سيارة ذات نمرة صفراء ؛ سيارة أختي القادمة من القدس لزيارتنا وسيارة زوجها وسيارة المحامي فؤاد نقارة وسيارة المحامي حسن عبادي .
ماذا أفعل لكي يتأكد أهل المدينة ممن يروني بأن صاحب السيارة عربي ، فلا يظنوا بي السوء ؟
في الانتفاضتين ، حين كان أهالينا المقيمون في القدس أو في فلسطين المحتلة في ١٩٤٨ يزورون مدننا ، أخذوا يضعون الكوفية الفلسطينية في سياراتهم ، لكي يقولوا لضاربي الحجارة من المنتفضين إنهم فلسطينيون وليسوا يهودا أو مستوطنين يهودا .
عندما عرف المستوطنون اليهود سبب وضع الكوفية في السيارة أخذ قسم منهم ، لكي ينجو من رشق الحجارة ، يضعها في سيارته ، وصار المستعربون اليهود ، إذا ما أرادوا دخول مدينة فلسطينية ، يرتدون الكوفية أيضا ، فاختلط الحابل بالنابل .
مثل وضع اليهود الكوفية لتمشية أمورهم ارتدى بعض الاستشهاديين الفلسطينيين في أوقات الانتفاضة ملابس اليهود المتدينين ليصلوا إلى الأماكن المنشودة ، ولكي لا يعترض سبيلهم الجنود على الحواجز .
حالتنا في فلسطين حالة مربكة ومعقدة ، والمثل يقول " طاسة وضايعة " .
نعم حالتنا طاسة وضايعة !!
١٥ أيلول ٢٠٢١ .

١٢
بحر لأيلول الجديد :

لا جديد في أخبار الصباح سوى تغير أسماء الشهداء . كل يوم شهداء جدد وكل يوم حصار وهدم بيوت بأثر رجعي . ثمة غلاء معيشة وثمة من يطلب منه هدم بيته بنفسه .
غدا ذكرى صبرا وشاتيلا وفكرت أن أكتب عن المناسبة في الرواية العربية فوجدتني كتبت عن أكثر الروايات ووجدتني أكتب عن " صباحات حيفا : شارع أبو نواس " .
" ما مر عام والعراق ليس فيه جوع " كتب بدر شاكر السياب في " أنشودة المطر " وأما محمود درويش فكتب :
" كل يوم لنا جثة وكل يوم لهم أوسمة " ، وشهيد اليوم في الخامسة عشرة من كفر دان وقد يكون هناك شهيد ثان . أمس كان هناك شهيدان .
١٥ أيلول ٢٠٢٢ .

١٣
عكا تجيء مع الموج ... عكا تروح مع الموج :

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

أن تزور عكا وحيفا ويافا وأنت تقيم في الضفة الغربية وقطاع غزة فمعنى ذلك أن تثير حولك جدلا واسعا ، وليس هذا بأمر جديد . إنه يعود إلى العام ١٩٦٧ بالضبط ، وهو ما قيده - والكتابة قيد - غسان كنفاني في " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ ) .
تطور الأمر من الحديث عن الزيارة ، والكتابة عنها ، إلى الحديث عن العمل والكتابة عنه ، وهو ما ظهر في رواية سحر خليفة " الصبار " ( ١٩٧٦) وفي قصة غريب عسقلاني " الجوع " ( ١٩٧٧ ) .
كانت عبارة غسان كنفاني على لسان شخصية سعيد . س يخاطب زوجته صفية :
" - إنك لا ترينها . إنها يرونها لك " .
كانت عبارة دالة ، وأظن أنها ما زالت تتردد على ألسنة قسم منا ، وما زال يتردد على ألسنة قسم منا وجهة نظر صفية التي عبرت فيها عن دهشتها مما رأت وإعجابها بصورة حيفا بعد ١٩٤٨ .
كأننا منذ ١٩٦٧ ، حتى الآن ، ما زلنا نراوح في الدائرة نفسها ولم نبرحها ، وهذا هو جزء من الحرب ، كما قال سعيد . س ومن ورائه غسان كنفاني نفسه .
وليس غريبا أن لا تقفل إسرائيل الأبواب في وجوه أهل الضفة الغربية لزيارة فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨ أو العمل في مصانعها نهائيا . لا بد من معابر وفتحات في الجدار وتصاريح عمل حتى لا يولد الضغط الانفجار ( مرة قال لي المرحوم بسام الشكعة إن سياسة إسرائيل في المناطق المحتلة مبنية على عدم الإغلاق الكلي ، وهذا ليس جديدا ، ففي عام النكبة حين كانت العصابات الصهيونية تحاصر مدينة أو قرية فلسطينيتين كانت تترك جهة معينة ليهرب منها المواطنون ) .
وكلما زرنا حيفا وعكا ويافا عبرنا عن وجهات نظرنا ، وهي وجهات نظر مختلفة كما في رواية كنفاني .
منا من يشعر بالصغار وعدم احترام الذات ويبدي إعجابه بالآخر وما فعله ، ومنا من يرد ويبدي وجهة نظر مختلفة ويكرر مقولة غسان كنفاني على لسان شخصيته :
"- كان بإمكاننا أن نجعلها أفضل بكثير " .
ما بين ١٩٨٧ و ٢٠٢٣ صارت الزيارة تمزج ما بين الإذلال والإعجاب . تبدأ بالأول وتنتهي بالثاني ممزوجا بالحسرة تارة وبالرغبة في تكرار الزيارة ، فما شاهدناه يستحق أن نذل ثانية من أجل إعادة مشاهدته .
يبدأ الإذلال باستصدار بطاقة إسرائيلية ممغنطة تتطلب دفع مبلغ من المال ضريبة للدولة الإسرائيلية ، وتبذير الوقت لهذا ، وقد يتطلب يوما كاملا ، وبعبور المعابر عبر المعاطات ، وقد يستغرق ذلك ساعة أو أكثر .
ما إن تجتاز الخط الفاصل بين فلسطين ١٩٦٧ وفلسطين ١٩٤٨ حتى تبدأ المقارنات ، وإن كنت من قراء إميل حبيبي كما كنت من قراء كنفاني ، فإنك بالتأكيد ستتذكر رسالة من رسائل روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل "( ١٩٧٤ ) وهي التي عنوانها :
" حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة " ، وإن كانت الرواية في مكتبتك ، فمن المؤكد أنك ستعود إليها لتقرأ فيها الجدل الذي دار بين سعيد المتشائل ورجل الأمن الذي قاده إلى السجن :
" وكان يقول ، وأنا أمشئل ، : الخضرة ، الخضرة على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان . أحيينا الموات وأمتنا الحيات ( وكان يعني الأفاعي ) . ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم " الخط الأخضر " . فما بعدها جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدنية " .
كأن " المتشائل " تتوسع في " عائد إلى حيفا " وكأن إميل يواصل ما بدأه غسان .
رحلة النهار التي تبدأ في الساعة السابعة صباحا وتنتهي في العاشرة ليلا - أي ١٥ ساعة - ينفق منها ما لا يقل عن ست ساعات في الطرق والمعبر ، وغالبا ما يعوزها الدليل السياحي الضروري وجوده للتعرف إلى الأماكن في المدن تحديدا . هكذا تنفق ساعة في حيفا أو ساعة ونصف ومثلها في الناقورة ليكون نصيب الأسد لعكا ينفق نصفها في مطعم يقدم وجبات السمك .
من أعلى الحديقة البهائية في حيفا ترى قبتها والبحر الأبيض المتوسط ، ولا يختلف الأمر في رأس الناقورة إلا إذا أردت الهبوط إلى منطقة في البحر برسم مقداره ٥٣ شيكلا .
- هنا كان قطار يصل الشمال الفلسطيني ببيروت . يقول لك مسافر في الباص ولا ترى آثار سكة الحديد .
في الناقورة كما في حيفا يسحرك منظر البحر الأبيض المتوسط وتتساءل :
- ما حاجتي لزيارة إيطاليا واليونان ؟
وتضيف :
- ربما تبدو زيارتهما ضرورية لبعض اللاجئين الفلسطينيين في المنافي التي لا بحار في أرضها .
عندما اقتربت من البوابة المغلقة في وجه الزوار تذكرت المرحوم إدوارد سعيد . ذهب إلى الجنوب اللبناني واقترب من الحدود والبوابة ؛ بوابة فاطمة ، وحمل حجرا ليرمي به الجنود الإسرائيليين ، تعبيرا عن رفضه الاحتلال الإسرائيلي . كان إدوارد في الطرف الآخر وكان متأكدا من أن الجنود الإسرائيليين لن يطلقوا النار عليه فلن يؤذيهم حجر لن يصل إليهم .
وأنا أقترب من البوابة نظرت من شق بين قسميها فأبصرت جنودا إسرائيليين ويبدو أن بوابة فاطمة وراء معسكرهم خلف البوابة التي وقفت بمحاذاتها . لو قلدت إدوارد وقذفت البوابة بحجر لصرت مع الملائكة آكل رزا بلبن وأختار من الحوريات ٧٢ حورية ، ولكني لم أفعل فنصيبي من حوريات الآخرة مثل نصيبي من حوريات الدنيا . ومع أنني لم أقذف الجنود بحجر إلا أنني وأنا أنظر من فتحة قصيرة في البوابة انتبهت إلى عبارة نطق بها جندي في العشرينات من عمره تبدو أقرب إلى الشتيمة . كأن نظرتي لم ترق له .
وأنا أقف في رأس الناقورة سمعت قرب استراحة المكان رجلا عربيا ستينيا يخاطب خمسة جنود إسرائيليين ، كانوا باتجاه باص سيقلهم إلى بيوت أمهاتهم ، يبدو أنهم أنهوا ورديتهم :
- حاج سموح !! عيد سمح مبارك .
أهي صداقة تجمع بينه وبين الجنود أم أنه الشعور بالدونية ؛ دونية المهزوم أمام المنتصر ؟
انضم العربي إلى شابين من يركا يتحدثان مع فلسطينية متحجبة ، وكانوا يخوضون في حياة الفلسطينيين في دولة إسرائيل . الزواج والطلاق وعلاقة الرجل بالمرأة .
قال الرجل الستيني جادا ، وربما هازلا ، إنه يرضخ لزوجته ، لأنه إن تطاول عليها ولم يطعها فإنها تتصل باخوتها الذين سرعان ما يأتون ليضربوه .
أحد الشابين كان يضع على عنقه سلسلة ذهبية ويبدو أربعينيا تقريبا وممتليء الجسد وطويلا . الشاب حدثنا عن زواجه لمدة ثلاث سنوات وطلاقه ، فزوجته حين ضربها اتصلت بالشرطة فعاقبته وسجنته أربعة أشهر قرر إثرها الطلاق ودفع مبلغ ٥٠ الف شيكل لطليقته . إنه القانون الإسرائيلي الذي يقف إلى جانب المرأة ، وهو الآن أعزب ولن يكرر التجربة .
لا أحد مرتاح . هذه هي خلاصة ما قاله الرجل الذي يعمل " جنائنيا " براتب مقداره ٢٠ الف شيكل شهريا ، والدولة الإسرائيلية خربت العائلة العربية .
على شاطيء عكا المخصص للسباحة البعيد عن البلدة القديمة مسافة مشي ربع ساعة على الأقدام تجلس على طاولة تعود إلى كشك يبيع البوظة والمشروبات الغازية .
حين تمعن النظر في البائع الذي يقترب من الخمسينات عمرا تلحظ سلسلة ذهبية في وسطها نجمة سداسية ، ولأن شكل البائع يبدو شبيها بأشكالنا نحن الفلسطينيين تخمن أنه قد يكون فلسطينيا لبس السلسلة تشبها أو دفعا لأذى . لا تسرف في التفكير في هويته وتتناول البوظة على مهل ، وإن هي إلا لحظات حتى جاء وجلس غير بعيد منك .
هل أبادر بالحديث معه أم أتركه يبدأ السؤال ؟
كان الرجل لا يعرف العربية وأنا لا أتقن العبرية . هل سنكون مثل حامد والجندي الإسرائيلي في رواية كنفاني " ما تبقى لكم " وهما في صحراء النقب ، فلا نتحاور .
في ٦٠ القرن ٢٠ كان الحوار الفلسطيني - الإسرائيلي غير وارد . العداء هو ما كان يسود ، ونحن الآن في العام ٢٠٢٣ . التقى حامد بالجندي في زمن ساده العداء وطغى عليه ، وأنا أزور عكا بإذن من السلطات الإسرائيلية في زمن عقد فيه الطرفان المتحاربان معاهدة صلح - وينسقان فيه أيضا أمنيا - ثم إنني في السبعين من العمر قد تهوي بي عاصفة هوائية قوية نوعا ما .
قال الرجل بالعبرية وهو يخاطبني :
- دولة إسرائيل دولة تمام . ( إسرائيل يوفي ) .
سألت الرجل إن كان يتكلم العربية فرد بأنه يتكلم العبرية وبعض الإنجليزية .
عندما سألته بالإنجليزية أين يقيم أجابني بأنه يقطن في حيفا ، وأنه من مواليدها .
سألته :
- هل أنت عربي يهودي ؟ إنك تبدو عربيا ؟
فأجابني بأن أباه مغربي وأمه تونسية وأنهما يتكلمان اللغة العربية وأن والده يسافر إلى المغرب بين فترة وفترة .
الرجل متزوج وله أبناء أحدهم متزوج وله طفلان .
سيكرر الرجل رأيه :
- دولة إسرائيل دولة تمام . ( همديناه إسرائيل يوفي ) .
وأنا أجيب :
- آمل أن تكون كذلك .
لم نتكلم كثيرا ، فاللغة لا تسعفنا وعدا ذلك فما جدوى الحوار بيننا . هو يقيم في حيفا وأنا أقيم في نابلس لاجئا من يافا وفي الضفة وغزة ملايين اللاجئين وفي المنفى سبعة ملايين لاجيء .
لم يمض على ما يشبه الحوار بلغة لا تسعف سوى عشر دقائق ، فقد قدم مواطن عكاوي قال لي عنه صاحب الكشك إنه صديقه ، وأخذ القادم يلعن المسلمين ويشتمهم ولا أعرف السبب لهجومه عليهم وعلى الحركات الإسلامية .
في حوار عابر مع الرجل العكاوي قال لي إنه زوج ابنته لفلسطيني يقيم في مخيم بلاطة .
عندما سالته عن عائلة زوج ابنته أخذ يتذكر دون جدوى . وعندما سألته إن كانت ابنته ما تزال تقيم في مخيم بلاطة أجابني بأنها الآن في عكا .
دخل الرجل إلى الكشك وأنا واصلت النظر إلى البحر الذي بدا لونه أقل زرقة مما رأيته عليه في حيفا والناقورة ، ووجدتني أسير باتجاه عكا القديمة .
في الحافلة والركاب يوازنون بين شوارع دولة إسرائيل المعبدة وشوارع مدينة نابلس المليئة بالحفر والمطبات ، وبين الحدائق التي يشاهدون ومتنزهاتنا وملاعب كرة القدم خاصة الإسرائيليين وخاصتنا ، تذكرت قصيدة محمود درويش " طللية البروة " وما ورد فيها من
حوار مع صحفي عندما ذهبا إلى قرية البروة المدمرة ؛ البروة التي أقيم على أطلالها كيبوتس يتسعور .
" ويقاطع الصحفي أغنيتي الخفية : هل
ترى خلف الصنوبرة القوية مصنع
الألبان ذاك ؟ أقول : كلا . لا
أرى إلا الغزالة في الشباك .
يقول : والطرق الحديثة هل تراها فوق
أنقاض البيوت ؟ أقول : كلا . لا
أراها ، لا أرى إلا الحديقة تحتها ،
وأرى خيوط العنكبوت . يقول : جفف
دمعتيك بحفنة العشب الطري . أقول :
هذا آخري يبكي على الماضي " .
وللأسطر دلالة كتبت عنها . خذوا كل مصانعكم وشوارعكم ونريد وطنا بلا حواجز وجنود . لا نريد جبنتكم الصفراء ولا مشروباتكم الغازية . لا نريد بضاعتكم الأجود . نريد راحة البال التي افتقدناها منذ جئتم . كأن هذا هو لسان القصيدة والشاعر .
" عكا أجمل المدن القديمة " ، ومع أنني كتبت من قبل أجادل سطر محمود درويش هذا الذي ورد في مطولته " جدارية " ، إلا أنني وأنا أدخل عكا القديمة وجدتني أردده مسترجعا إياه .
أن تزور عكا القديمة يعني أن تمر بمطعم أبو كريستو الذي تذكره محمود درويش وهو يرثي صديقه الشاعر راشد حسين في قصيدته الشهيرة " كان ما سوف يكون " :
" منذ عشرين سنة
وأنا أعرفه في الأربعين
وطويلا كنشيد ساحلي ، وحزين
كان يأتينا كسيف من نبيذ ، كان يمضي كنهايات
صلاة
كان يرمي شعره في مطعم " خريستو "
وعكا كلها تصحو من النوم
وتمشي في المياه
كان اسبوعا من الأرض ، ويوما للغزاة
ولأمي أن تقول الآن : اه ! "
لأول مرة اكل في مطعم " أبو كريستو " فأتصور جلسة كتاب عكا وحيفا في الستينيات يجلسون هنا .
المطعم قديم افتتح في العام ١٩٤٨ . هكذا قرأت . ولست متأكدا من أن الطاولات هي الطاولات نفسها ، ولست متأكدا إن كان رمم خلال الخمسة والسبعين عاما الماضية ، ولكن البوابة توحي بالقدم وعدم الترميم ومثلها بلاط المدخل ، لكن المطعم بطلته على البحر يبدو أخاذا ساحرا يروق الجلوس فيه . أما صالته الداخلية فتبدو مجددة . نظافة وإشراق والحمامات فيها من النظافة والجدة ما يدفع المرء إلى الإشادة بالمطعم . أن تتناول وجبة في عكا يعني أن تأكل السمك ، وهو ما فعله من معي ولكني فضلت السلطة ، ففي السفر أفضل تناول الفواكه والسلطة ، خوفا من مغص مفاجيء يسببه الطعام وخوفا من ارتفاع نسبة السكر في الدم .
كنا في مطعم أبو كريستو الوحيدين ، فهل قتل مطعم ديانا الجديد المطعم القديم ؟
كلما زرت عكا ذهبت أتمشى على سورها ودخلت إلى جامع الجزار .
وأنت على السور في عكا القديمة تتأمل فعل الزمن والمياه في السور الصامد في وجه الغزاة صموده في أمام الزمن والمياه . وأنت على السور تشاهد فتيان عكا النحيلين سمر البشرة يقفزون في المياه من ارتفاع شاهق ، يتبارون فيما بينهم ، وأنت في أزقة المدينة تتحدث مع كبار السن الصامدين في بيوتهم حفاظا على عروبة عكا ، وتشاهد قسما منهم ينظفون مساء شوارعها ويرشونها بالمياه . من البحر تأتي وإلى البحر تعود فتكرر للمرة الألف قول سعدي يوسف الشاعر العراقي :
" للبحر أنت تعود مرتبكا
والعمر تنشره وتطويه
لو كنت تعرف كل ما فيه
لمشيت فوق مياهه ملكا " .
وتمشي محاذاة السور وفي شوارع المدينة التي سبحت في بحرها قبل ثلاثة وخمسين عاما وظللت تتردد عليها كأنك لم تشبع من التطواف فيها .
تزور جامع الجزار . الجامع يحتاج إلى ترميم بعض مرافقه المتداعية . ثمة صندوق أمام مايكروفون يكرر عبارة تدعو إلى المساهمة في الترميم ، ولا شك بأن القائمين على المشروع يأملون من الزوار خيرا . هل تقتصر أهمية الجامع على أنه مكان لتأدية الصلاة أم أنه تراث فلسطيني يجب المحافظة عليه ؟
زوار المسجد في ساعات المغرب قليلون ، وحتى وقت أذان المغرب للصلاة لا يتضاعف عددهم ، فأهل عكا يجلسون أمام بيوتهم وعلى شاطيء البحر في ظل جو مشبع بالرطوبة . عندما سألني زائر مغربي متزوج من فلسطينية من صرة تذكرت ما قرأته في روايات فلسطينية عن أحمد باشا الجزار وعن نابليون وغزو عكا وانهزامه أمام أسوارها ، وتذكرت أيضا ما قرأته عن جامع حسن بك في يافا . غالبا ما يخلد الحكام أسماءهم ببناء مسجد أو مدرسة ، فلعل الله يغفر لهم ما ارتكبوه من مجازر وخطايا . هل تغفر خطايا الجزار بطولته في صد نابليون وبناء المسجد ؟

تغادر عكا لتعود إليها كأنها تأتيك في النوم وتغادرك في النوم ، وتكرر سطر محمود درويش في قصيدة " الأرض " :
" عكا تجيء مع الموج .. عكا تروح مع الموج "
وتجادل سطره :
" عكا أجمل المدن القديمة " .
في الثامنة ليلا تغادر المدينة على أمل أن يمتد بك العمر لزيارتها ثانية ولتحاضر عن غسان كنفاني فيها من جديد .



الجمعة ١٥ / ٩ / ٢٠٢٣
( زيارة حيفا ورأس الناقورة وعكا في ١٤ / ٩ / ٢٠٢٣ ) .
( نشرت الكتابة في جريدة الأيام الفلسطينية في يوم الجمعة ٢٢ / ٩ / ٢٠٢٣ )

١٤
يوميات غزة ( ٣٤٥ ) :
إن كان لك حاجة عند الكلب

أربعة أشرطة فيديو تلفت النظر ، فعدا مناظر المدن المهدمة والقرى المقتحمة والحقول المندلعة فيها النار ؛ المدن في غزة والقرى في الضفة الغربية ، يبقى للجانب الإنساني الحضور اللافت الذي يفتت الكبد .
طفلان فقدا أمهما فقام الأكبر يطبطب على كتف الأصغر الذي يبكي بحرقة :
"- بدي أمي " .
ولطالما كان للأخ الأكبر في حياة الفلسطينيين دور شبيه بدور الأب وهذا ما كتب عنه مريد البرغوثي في كتابه " رأيت رام الله " وهو ما لفت انتباهي فكتبت في الموضوع .
مراهقون وأطفال في قطاع غزة يرقصون وسط شارع مدمرة مباني طرفيه ممتليء بالركام ، يرتدون الحطة الفلسطينية ويغنون على أنغام أغنية : " وين الملايين " والذي أدرج الشريط كتب :
- سلطان من يملك الأرض
سلطان صاحب الأرض .
وماذا عن الشريط الثالث ؟
فلسطيني غزاوي بترت قدمه اليسرى فوق الركبة يقف فوق صاروخ إسرائيلي لم ينفجر . يدوس عليه ويرفع شارة النصر V ويبتسم .
في الشريط الرابع يقول الأب الذي تقف ابنتاه خلفه :
- إن كان لك حاجة عند الكلب ..
فتكمل ابنته ، لا بقية المثل المعروفة ( بوس الكلب من فمه ) ، وإنما :
- قل له يا كلب .
ويبدو أن الكتابة عن الجانب الإنساني في الحرب في انتظار مبدعي غزة الباقين الصامدين القابضين على الجمر ؛ ذكورا وإناثا .
كم مرة كتبت مقتبسا من قصة غسان كنفاني " الصغير يذهب إلى المخيم / زمن الاشتباك " أن الحرب قد تشهد هدنة يلتقط المحارب فيها أنفاسه ، أما زمن الاشتباك فمتواصل :
- ستون دقيقة في الساعة .
- أربع وعشرون ساعة في النهار .
- سبعة أيام في الأسبوع .
- ثلاثون يوما في الشهر ؛ تزيد يوما أو تنقص
- اثنا عشر شهرا في العام .
- أربعون خمسون ستون سبعون عاما قادمة وقد تمتد إلى ثمانين عاما .
١٥ / ٩ / ٢٠٢٤

١٥
في حرب أكتوبر ١٩٧٣ رحل عميد الأدب العربي طه حسين ، فلم يلتفت إلى خبر موته لانشغال الناس بالحرب ومتابعتهم لها ، وفي حرب أكتوبر ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ يرحل علم كبير مهم من أعلام الرواية العربية نصير الحق الفلسطيني الروائي إلياس خوري .
هنا أعيد إدراج ما كتبته مقدمة لسلسلة كتابات عن روايته " رجل يشبهني " .
إلياس خوري وداعا
١٥ / ٩ / ٢٠٢٤

١٦
غزة 710 :
نكبة النكبات

عندما تحدث أمس محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal لإذاعته " أجيال " حكى عما يتفوه به الناس واصفين ما يجري :
- هذه نكبة النكبات .
ونكبات الفلسطينيين افتتحت بنكبة العام ١٩٤٨ ؛ النكبة الأم .
إلياس خوري الذي تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيله رأى فيما يعيشه الفلسطينيون استمرارا لنكبة ١٩٤٨ ، وكان عنون آخر كتبه بعبارة يرددها هي " النكبة المستمرة " .
وأنا أشاهد أمس أشرطة فيديو تري نزوح أهل مدينة غزة منها إلى الجنوب تذكرت ما قرأته في رواية الكاتبة الايرلاندية ( ايثيل مانين ) " الطريق إلى بئر سبع " ( ١٩٦٣ / ١٩٧٨ ) التي وصفت فيها خروج أهل مدينة اللد منها في تموز ١٩٤٨ ؛ الوصف الذي قال عنه المرحوم جورج حبش عندما قرأه ، وكان أحد الخارجين :
- كأن ايثيل مانين كانت تعيش الحدث .
وكنت كتبت عن تأثر إلياس خوري في روايته " أولاد الغيتو : إسمي آدم " (٢٠١٦ ) برواية مانين المذكورة ، فقد كانت إحدى المراجع التي اعتمد عليها . ( عادل الأسطة ، أسئلة الرواية العربية ٢٠١٨ ) .
هل عشت شخصيا نزوحا مثل هذا ؟
لا أستطيع إجراء مقارنة ولا أزعم ، ولكني أتذكر أنني شاهدت النازحين من مدينة قلقيلية في حرب ١٩٦٧ في مدينة نابلس ، وفي تلك الحرب عدت وأمي وإخوتي من نابلس إلى مخيم عسكر القديم مشيا على الأقدام نجر أنفسنا جرا ونشاهد قوات الاحتلال الإسرائيلي في شوارع المدينة ، وهو ما كتبته في بعض قصصي وفي " حزيران الذي لا ينتهي " .
النكبة مستمرة وحزيران لا ينتهي و ... وغزة تهاجر ثانية إلى الجنوب كما هاجرت بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ . واقرأوا ما كتبه أمس د . سعيد محمد الكحلوت حيث ينقل فقرات مما كتبه له بعض أهل مدينة غزة عن نزوحهم .
ذكرى شاتيلا وصبرا على الأبواب. .
١٥ / ٩ / ٢٠٢٥

١٧
نجيب محفوظ ل إبراهيم عبد المجيد في أحد أعداد مجلة " فصول " :
" مكنتش اعرف ان النقد بقى صعب كده " .
تذكرت هذه المقولة وأنا أقرأ مقالات ملف إلياس خوري في " القدس العربي " اليوم .
١٥ / ٩ / ٢٠٢٥ .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى