الدكتور حسين عبدالبصير - في حضرة عم نجيب محفوظ: حكايات الجمعة التي لم تُكتب

هناك أشياء لا يعرف الإنسان قيمتها لحظة حدوثها. تمر عليه ببساطة شديدة، كأنها جزء عادي من أيامه، ثم تمضي السنوات ويكتشف أنه كان يعيش، من دون أن يدري، داخل صفحة من صفحات التاريخ الثقافي.

كنت أجلس مع عم نجيب محفوظ.

أقولها الآن وأنا أعرف تمامًا ثقل هذه الجملة. لم أكن وقتها أتعامل مع الرجل باعتباره «نجيب محفوظ» الذي يعرفه العالم، صاحب نوبل والروائي الذي أعاد تشكيل صورة القاهرة في الأدب العربي. كنت أراه قبل كل شيء عم نجيب. رجلًا كبيرًا أحببناه واقتربنا منه، وكانت له هيبة خاصة لا تحتاج إلى استعراض.

كانت جلسة كازينو قصر النيل يوم الجمعة واحدة من تلك الطقوس الثقافية التي يصعب أن تتكرر.

كان عم نجيب يحضر، وحوله مجموعة من المثقفين والكتاب والأصدقاء. كان يأتي فرج فودة، وعلي سالم، ومصطفى أبو النصر، وفتحي هاشم، ونعيم صبري، وأحمد سعيد، وريموند ستوك، إلى جانب ضيوف القاهرة من العرب والأجانب الذين كانوا يجدون في مجلس نجيب محفوظ مكانًا طبيعيًا للحديث والاستماع والتعرف إلى مصر من الداخل.

لم تكن الجلسة مؤتمرًا ثقافيًا.

ولم تكن ندوة بالمعنى التقليدي.

كانت شيئًا أكثر إنسانية.

مجلسًا مفتوحًا للحكايات والأفكار والضحك والاختلاف والذكريات. وكانت القاهرة نفسها حاضرة معنا، لا بوصفها مدينة فقط، وإنما باعتبارها شخصية من شخصيات المجلس.

كنت أراقب أكثر مما أتكلم.

وهذه ربما كانت أهم مدرسة حصلت عليها في تلك السنوات.

أن تجلس إلى جانب كبار الكتاب والمفكرين، وأن تسمعهم وهم يتحدثون بلا منصة ولا أوراق ولا جمهور رسمي، يجعلك ترى الإنسان خلف الاسم، والمثقف خلف الصورة العامة.

كان نجيب محفوظ يمتلك تلك القدرة النادرة على أن يجعل من يجلس أمامه يشعر بأن الحديث ممكن، وأن الاختلاف لا يفسد المودة، وأن الثقافة ليست مجموعة من الإجابات النهائية وإنما طريقة في النظر إلى الحياة.

في تلك الجلسات تعلمت أن المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى رفع صوته كي يكون حاضرًا.

وتعلمت أيضًا أن القاهرة الثقافية لم تكن في الكتب وحدها. كانت في المقاهي والكازينوهات والبيوت والصالونات والموائد الصغيرة التي تجمع أشخاصًا مختلفين في الرأي والتجربة والخلفية.

وكانت جلسة عم نجيب واحدة من هذه الأماكن النادرة.

كان من اللافت أن يأتي ضيوف عرب وأجانب إلى القاهرة فيجدون طريقهم إلى مجلس نجيب محفوظ. كان اسمه جسرًا بين مصر والعالم. ومن خلال هؤلاء الضيوف كانت القاهرة تدخل المجلس بوجوه متعددة، وكانت مصر تُرى من زوايا مختلفة.

أما أنا فكنت أتعلم القاهرة من هؤلاء جميعًا.

كنت أتعلم كيف يفكر الكاتب، وكيف يجادل السياسي، وكيف يرى المثقف مجتمعه، وكيف ينظر الأجنبي إلى مصر، وكيف يمكن لجملة عابرة في جلسة غير رسمية أن تفتح سؤالًا كاملًا عن الإنسان والتاريخ والسلطة والمجتمع.

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

تعرض عم نجيب للطعن.

كانت لحظة قاسية، ليس فقط لأنها استهدفت رجلًا تجاوز عمره الأدبي والإنساني حدود الأجيال، وإنما لأنها كشفت لنا الوجه الأكثر ظلمة للتطرف حين يتحول الاختلاف الفكري إلى عنف.

نجا عم نجيب.

وكانت نجاته بالنسبة لنا أكثر من خبر سعيد. كانت عودة لصوت اعتدنا وجوده في حياتنا.

لكن الأشياء بعد الخطر لا تعود كما كانت تمامًا.

تغير المكان.

وانتقل اللقاء بعد تعافي عم نجيب إلى فندق شبرد يوم الأحد.

تغير اليوم والمكان، لكن بقي شيء أساسي: المجلس.

وبقي عم نجيب.

وبقيت القاهرة التي كانت تأتي إلينا في صورة كتاب وشاعر ومفكر وصديق وضيف عربي أو أجنبي.

كانت جلسات فندق شبرد امتدادًا لتلك الروح القديمة. لم يعد المكان مجرد مكان. صار شاهدًا على أن الثقافة تستطيع أن تستعيد حياتها بعد الخوف، وأن الإنسان يستطيع أن يعود إلى طاولته، وأن يستأنف الحوار بعد أن حاول العنف أن يقطع الحوار إلى الأبد.

حين أتذكر هذه الأيام الآن، لا أتذكر نجيب محفوظ باعتباره اسمًا محفوظًا في الكتب فقط.

أتذكر الرجل.

أتذكر الجلسة.

أتذكر الوجوه.

أتذكر الأحاديث.

أتذكر القاهرة.

وأتذكر أنني كنت هناك، أجلس وأستمع وأتعلم.

ربما لا يدرك الشاب قيمة أن يجلس إلى جوار شخصية كبيرة وهو في بداية الطريق. يكون مشغولًا بما يقوله الآخرون، ولا ينتبه إلى أن وجوده بينهم نفسه يتحول بعد سنوات إلى ذاكرة لا تُقدّر بثمن.

لقد كانت تلك الجلسات بالنسبة إليّ جامعة أخرى.

لم تكن فيها قاعات محاضرات ولا امتحانات ولا شهادات.

كان الأستاذ هو الحياة.

وكانت الكتب جالسة إلى جوار أصحابها.

وكان الاختلاف مادة للتعلم.

وكانت القاهرة هي الكتاب الأكبر.

ومن عم نجيب تعلمت شيئًا ظل معي: أن الأدب في جوهره ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أعمق لرؤيته.

وحين أعود اليوم إلى أعمال نجيب محفوظ، أقرأها بعين مختلفة.

أرى الأزقة التي عرفتها.

وأرى الوجوه التي تشبه وجوه القاهرة.

وأسمع في بعض الحوارات صدى مجالس قديمة.

وأفهم أكثر لماذا استطاع نجيب محفوظ أن يجعل من القاهرة عالمًا، ومن الحارة كونًا، ومن الإنسان المصري شخصية تستطيع أن تتحدث إلى البشر في كل مكان.

لم تكن علاقتي بعم نجيب محفوظ مجرد لقاءات مع كاتب كبير.

كانت علاقة بجيل كامل.

جيل كان يؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون وطنًا، وأن الحوار يمكن أن يكون مقاومة، وأن الثقافة ليست ترفًا في حياة الأمم.

واليوم، بعد مرور السنوات، أفكر أحيانًا في تلك الجلسات وأشعر أننا كنا نعيش شيئًا لن يتكرر بسهولة.

كانت أسماء كبيرة تجلس إلى مائدة واحدة.

كان هناك اختلاف.

وكان هناك اتفاق.

وكان هناك جدل.

وكان هناك ضحك.

وكانت هناك مصر.

وفي وسط كل ذلك كان يجلس عم نجيب محفوظ، بهدوئه الذي يشبه حكمة القاهرة القديمة.

ولذلك حين أقول «كنت أجلس مع عم نجيب محفوظ»، فأنا لا أحكي فقط عن رجل عرفته.

أنا أحكي عن زمن عرفته.

عن القاهرة حين كانت الثقافة فيها لقاءً حيًا بين البشر.

عن أصدقاء صار بعضهم جزءًا من تاريخ مصر الثقافي والسياسي.

وعن أيام تعلمت فيها، من دون درس مباشر، أن المعرفة ليست فقط ما تقرؤه في الكتب، وإنما أيضًا ما تراه في عيون الناس، وما تسمعه في المجالس، وما يبقى في الذاكرة بعد أن ينصرف الجميع.

ربما لهذا السبب ظلت تلك الجمعة حاضرة في داخلي.

لأنها لم تكن جمعة عادية.

كانت موعدًا مع القاهرة.

وموعدًا مع الثقافة.

وموعدًا مع عم نجيب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى