مصطفى عبدالملك الصميدي - إيران: ماض عريق وحاضر موسوم بالمروءة

إيران التي تراها العين من أول وهلة ليست تلك التي يليق بالقلب أن يراها. فثمة وراء الجبال ما شُيدت من صخورها أسوارٌ تصون آثار الغابرين، وما تعالت في ذراها مناراتُ تراقب تعاقب الأجيال، وثمة وراء الهضاب التي خبأت الريح في تجاويفها من أخبار أُمتها ما لو أفصحت عنه حجارتها لضاقت به صحائف الأسفار. فكلما توهم الواهمون أنها أسلمت مجدها إلى مقبرة العصور، تراءى لهم اسم مهيب لا يسبقه إلا تاريخها العريق، وتكشفت لهم حضارة ضاربة جذورها في قلب قارة بأكملها، إذ لا يحيط بها حاضرها حتى تتدافع خلفه آلاف السنين، كما لو أن الزمان نفسه حين مرّ بأرضها خلَّف على ترابها ظلاله التي لا يغيب. إيران أمة ذات ماضٍ عتيق ومعدن أصيل، وحاضر متمسك بهوية الدين والإيمان والوطن، موسوم بما ترى فيه من المروءة والشجاعة والإصرار على الاستقلال.

قديمةً كانت، ولكن قِدَمها ما كان أفولاً؛ كان جذوة كلما توغل الدهر في رمادها ازداد توهجاً. هناك، في حضارات فارس الأولى، ارتفعت المدن كأن الحجارة نفسها تعلّمت كيف تبني مجداً وسؤدداً، وشُقت طرق عبر الصحارى والجبال، ونمت علومٌ وفنون وآداب وإدارات جعلت من تلك البلاد إحدى الصفحات الكبرى في كتاب الحضارات. وما بقي من آثارها إنما بقايا صوت عظيم ما زال يحمل ثِقلاً مهيباً يجمع بين الماضي والحاضر؛ ثقلاً لولاه لطمس العالم الحديث وجوهاً كثيرة من الحضارات التي تقف في وجه محاولات فرض هوية واحدة على الشرق. ولأن الحضارة التي تعرف قيمة العقل لا تموت بموت ملوكها، ظلت إيران تحمل في طبقاتها المتراكمة ميراثاً ثرياً بالعلم والعلماء، ميراثاً تتوارثه الأجيال كما تتوارث الأرض سر خصوبتها. وعلى أرض كهذه، تعلّم الإنسان أن الصلابة ليست أن يكون المرء كائناً قُدّ من صخر أصمّ، وإنما أن تكون له جذور أعمق من أن تقتلعها العواصف، ولذلك كلما هبَّتْ عليها ريح عاتية، بقيت الجبال في مكانها، وبقيت الذاكرة أشد رسوخاً من أقدام الغزاة.

ثم جاء الإسلام، فكان لإيران مع الحضارة الإسلامية عبور آخر إلى مجد جديد؛ إذ دخلت في نسيج العالم الإسلامي كما تدخل الشمس إلى أول السماء عند مطلع كل صباح، ثم أضافت إلى ذلك النسيج ألواناً من الفكر والعلوم والآداب والفلسفة والفنون بما أسهم في بناء حضارة واسعة الأثر، حتى غدت مدنها شاهدة على قرون من الفيض والعطاء. وفي وجدانها الإسلامي، تبلورت روحٌ وثيقة الصلة بقضايا المسلمين، فلم تكن القدس في خطابها حجراً بعيداً، ولا فلسطين خبراً عابراً؛ ولكن جعلت إيران من نصرة فلسطين قضية أولى ومن مواجهة المحتل ركناً ثابتاً في مرتكزات سياستها ومواقفها الإسلامية والإنسانية، وقدمت في سبيل خياراتها أثماناً باهظة، وتحملت ضغوطاً وصراعات متواصلة. وفي تاريخها الحديث، خاضت حروباً ومواجهات قاسية، وقدمت تضحيات كبيرة، وبنت حول ذاكرتها القتالية صورة أمةٍ ترى في المروءة والشجاعة صفةً من صفات البقاء، وفي الصمود لغة لا حدود لأبجدياتها. إيران أمة لا تستعير شجاعتها من قوة أخرى، ولا ترى كرامتها شيئاً يُساوَم عليه، وتؤمن أن القوة حين تُقرن بالدين الصحيح والإيمان الراسخ، تصبح سياجاً يحمي القرار ومستقبلاً يحضن الأجيال وسيفاً يُشهر في وجه من سولت له نفسه النيل منها.

وهكذا، من فارس القديمة إلى إيران الإسلامية، لم تكن الحكاية انتقالاً من زمن إلى زمن بقدر ما كانت روحاً تعبر من طور إلى طور؛ روحاً تُقاس عظمتها بما ملكت من قوة وبما أبقت عليه من معنى. وفي أمة كهذه، تتبدل الرايات ولا تتبدل الذاكرة، وتسقط الإمبراطوريات ولا يسقط الاعتزاز بالهوية؛ فإذا كان للتاريخ أن يطوي صفحاته، فثمة أمم لا تُطوى، لأنها كلما أُغلقت في وجهها صفحة فتحت في وجه الزمن صفحة أخرى. وتلك إيران؛ قد تُحاصر وقد تتعب وقد تدفع أثماناً باهظة، لكنها لا ترضى أن تكون صدى لغيرها؛ تريد أن يكون لها في مسيرة الأمم صوت مسموع ومقام محفوظ. فإذا مشت الأمم في دروب الزمان مشت إيران وفي خطوها تاريخ طويل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى