يحيى بركات – «ثلاثة عشر في غزة» يصل إلى تورونتو…

غدًا، في تورونتو، ستنطفئ أنوار القاعة.
سيجلس الجمهور في مقاعده، تهدأ الأصوات، وتضيء الشاشة.
وسيصل حسام أبو دان إلى كندا.
ليس بجواز سفره.
بفيلمه.

سبع وسبعون دقيقة استطاعت أن تفعل ما لم يستطع مخرجها أن يفعله: خرجت من غزة، عبرت الحدود والمطارات والبحار، ووصلت إلى مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، حيث يُعرض «ثلاثة عشر في غزة» للمرة الأولى عالميًا ضمن برنامج Centrepiece.

أما حسام أبو دان، فبحسب آخر ما هو منشور عنه، ما زال في غزة.

دعونا نترك القاعة للحظة.
ونذهب إليه.
هناك، على بعد آلاف الكيلومترات من المقاعد المريحة والشاشة الكبيرة، لا تزال غزة تعيش زمنًا غريبًا. زمنًا يحمل على الورق اسم «وقف إطلاق النار»، بينما يستمر الناس في دفن موتاهم.

كانت هناك خطة تحمل اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب. دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025. رحبت به القيادة الفلسطينية. اجتمع القادة في شرم الشيخ. ثم جاء قرار مجلس الأمن 2803 مؤيدًا للخطة وداعيًا إلى تنفيذها والمحافظة على وقف إطلاق النار.
كل شيء يبدو مرتبًا على الورق.
واشنطن.
شرم الشيخ.
مجلس الأمن.
وقف إطلاق النار.

ثم تقترب الصورة من الأرض.
حتى السادس من أيلول كان 1,344 فلسطينيًا قد قُتلوا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وأصيب 4,481 آخرون، واستمر الموت بعد ذلك.
أكثر من ألف وثلاثمائة قتيل بعد أن قيل إن إطلاق النار توقف.
نقترب أكثر.
طفل.
خيمة.
امرأة حامل في شهرها الثامن.
رصاصة في الرأس.
تموت المرأة، ويموت جنينها معها.
لا يعرف الجنين شيئًا عن خطة ترامب، ولا عن شرم الشيخ، ولا عن قرار مجلس الأمن.
كان يريد فقط أن يولد.

نبتعد قليلًا عن الخيمة.
يظهر «الخط الأصفر».
كان يفترض أن يكون خطًا يحدد انتشار قوات الاحتلال، لكنه بدأ يتحرك غربًا، إلى داخل غزة. السيطرة العسكرية الإسرائيلية باتت تمتد إلى نحو 58 في المئة من مساحة القطاع، وأكثر من مليوني إنسان يُدفعون إلى ما تبقى من أرض مدمرة ومكتظة.
لم يُفتح السجن.
فقط تحرك جداره إلى الداخل.

ندخل المساحة الباقية.
هنا يعيش الناس.
ليسوا أرقامًا في تقرير.
امرأة تبحث عن دواء.
رجل ينتظر الماء.
طفل لا يعرف إن كانت الوجبة التالية ستأتي.
قد تقول التقارير إن الوضع الغذائي تحسن مقارنة بذروة المجاعة، وهذا صحيح. لكن الإنسان لا يأكل كلمة «تحسن». ودخول شاحنة إلى غزة لا يعني أن الطعام وصل إلى آخر خيمة فيها.

نمشي أكثر.
الماء ملوث. الصرف الصحي منهار. محطات معالجة الصرف الست خارج الخدمة، وأكثر من 150 ألف متر مكعب من المياه العادمة غير المعالجة تُدفع إلى البيئة كل يوم. أجهزة مختبر ومواد طبية تنتظر الموافقات الإسرائيلية، وهناك نقص في الأنسولين ومستلزمات الفحص وعلاجات الأورام والكلى.
ندخل مستشفى.
على الباب كلمة «مستشفى».
لكن الاسم وحده لا يصنع مستشفى.
كما أن دخول بعض الدواء لا يعني أن الدواء موجود.

نخرج إلى المخيم.
كلاب ضالة بين الركام. جرذان قرب القمامة ومياه الصرف. خوف من الأمراض، وحكايات يتناقلها الناس عن الحيوانات التي تظهر بينهم. وبعض الغزيين يعتقدون أن الاحتلال يتعمد إطلاق بعضها في مناطقهم. لا أقدم ذلك كحقيقة مثبتة؛ أسمعه كما يرويه الناس هناك.
في الحرب، حتى الخوف يصنع رواياته.

والآن، وسط كل هذا، ابحثوا عن حسام أبو دان.
ستجدونه يحمل كاميرا.
هو ليس رجلًا اكتشف السينما مع الحرب. مخرج ومونتير ومصور وكاتب ومنتج من غزة، يعمل في السينما منذ سنوات، أسس شركة New Scene، وسبق أن قدم «Gaza Sound Man»، فيلمًا جعل من أصوات غزة طريقًا إلى حكايتها.
هذه المرة أراد أن يصنع فيلمًا روائيًا طويلًا.
لكن من يضع أمام الكاميرا؟
قائدًا؟
مقاتلًا؟
سياسيًا؟
لا.
طفلة.
اسمها رغد.
عمرها ثلاثة عشر عامًا.
تهدم بيتها، وفقدت معظم أفراد عائلتها، وانتقلت مع أبيها إلى مخيم للنازحين.
نقترب منها.
إنها في العمر الذي تبدأ فيه طفلة باكتشاف جسدها والعالم. لكن العالم الذي كان يفترض أن تكتشفه اختفى.
لا غرفة.
لا باب.
لا خصوصية.
لا أمان.
وحتى الماء والطعام أصبحا جزءًا من الأحلام الصغيرة.
هنا لا يحتاج حسام أبو دان إلى أن يرينا طائرة كي يرينا الحرب.
تكفي طفلة في الثالثة عشرة تبحث عن باب تستطيع أن تغلقه خلفها.
الأب إلى جانبها.
يحاول أن يبقى أبًا في مكان أصبحت فيه الأبوة نفسها مهمة شبه مستحيلة. يريد أن يحمي ابنته، وأن يأتي بالطعام، وأن يدبر الحياة. ثم تقوده الحاجة إلى خليل، تاجر يستفيد من اقتصاد الحرب.
وهنا تدخل الحرب مكانًا آخر.
ليس البيت.
الإنسان.
ماذا يحدث للأخلاق عندما يصبح البقاء شرطًا لكل شيء؟
إلى أي مسافة يستطيع الإنسان أن يساوم قبل أن يشعر أنه بدأ يخسر نفسه؟
هذه الأسئلة تجعلني أنتظر الفيلم كفيلم، لا كوثيقة فقط.
لم أشاهده بعد، ولذلك لن أصفه بالعظيم لأنه صُوّر في غزة. البطولة في صنع الفيلم شيء، والسينما شيء آخر.

أريد أن أرى ماذا فعل أبو دان بالصورة والصوت والشخصيات والزمن.
فالخبر يرينا البيت وهو يسقط.
أما السينما، إذا نجحت، فتدخل بعد سقوطه لتبحث عما سقط داخل الإنسان.
نترك رغد للحظة.
ونذهب خلف الكاميرا.
هناك غزة أخرى.
كتب خليل المزين السيناريو بمساهمات حسين الدش وحسام أبو دان. حمل يوسف مشهراوي مسؤولية التصوير والإضاءة. ووقف أمام الكاميرا ماري زيارة وفراس المصري وغسان سالم وعبير أحمد ونواف أبو عمرة.
لم تكن غزة موضوع الفيلم فقط.
كانت أمام الكاميرا وخلفها.
وكان الطاقم صغيرًا. كل شخص يقوم بأكثر من مهمة. المواقع متقاربة لأن الانتقال نفسه مخاطرة. الكهرباء مشكلة. الاتصال مشكلة. المعدات مشكلة.
ثم يأتي اليوم الرابع.
قصف.
يصاب خالد أبو حنان، أحد أفراد الفريق، إصابة خطيرة.
يمكن أن ينتهي الفيلم هنا.
لكن التصوير يستمر.
ممثل أمام الكاميرا.
يوسف مشهراوي خلفها.
وحسام أبو دان يراقب الكادر.
ينتظر اللحظة.
ثم يقول:
أكشن.
وفي السماء آلة أخرى لا تنتظر منه أن يقول «كات».
هؤلاء لم يذهبوا إلى الحرب ليصنعوا فيلمًا عنها.
الحرب كانت في موقع التصوير.
ومع ذلك خرج الفيلم.
حملته مؤسسة الدوحة للأفلام خطوة، وحمله الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» خطوة أخرى، وكان حنا عطا الله منتجه المنفذ، ثم حملته MAD World إلى سوق العالم.
حتى وصل إلى تورونتو.

نعود الآن إلى القاعة التي تركناها في البداية.
الفيلم هناك.
لكن قبل أن تنطفئ الأنوار غدًا، دعونا ننظر مرة واحدة إلى العالم خارجها.
العالم يتحدث عن غزة أيضًا.
لكن بكلمات أخرى.
«اليوم التالي».
إعادة إعمار.
إدارة.
مجالس.
استثمارات.
خرائط.
ووصل الخيال يومًا إلى أن يقدم ترامب غزة بوصفها «ريفييرا الشرق الأوسط».
ينظرون إليها من أعلى.
قطعة أرض.
شاطئ.
مشروع.
مستقبل.
وفي الجهة الأخرى يضع حسام أبو دان كاميرته على مستوى عين طفلة عمرها ثلاثة عشر عامًا.
وهنا الفرق كله.
الخريطة ترى الأرض.
الجيش يرى الهدف.
السياسي يرى الصفقة.
المستثمر يرى المشروع.
أما الكاميرا، عندما تكون في يد صاحب الحكاية، فترى الإنسان الذي أخرجته كل هذه الخرائط من الكادر.
غدًا ستنطفئ الأنوار في تورونتو.
ستظهر رغد.
سيظهر أبوها.
ستظهر غزة.
سبع وسبعون دقيقة يصبح فيها المكان الذي لا يستطيع كثير من أهله الخروج منه قادرًا على الدخول إلى واحدة من أهم قاعات السينما في العالم.
ثم ينتهي الفيلم.
تعود الأنوار.
ينهض الجمهور من مقاعده.
ربما يصفق.
ربما يبكي بعضهم.
ربما يختلف النقاد حول الفيلم.
ثم تُفتح أبواب القاعة.
ويخرج الناس إلى تورونتو.
أما حسام أبو دان، فقد يكون في اللحظة نفسها في غزة، يبحث عن كهرباء أو إشارة إنترنت ليعرف ماذا حدث لفيلمه في القاعة التي وصل إليها قبله.

وهنا فقط أفهم الصورة كاملة.
ليس بين تورونتو وغزة آلاف الكيلومترات فقط.
هناك مسافة أخرى لا تقاس بالكيلومترات.
المسافة بين من يشاهد الحرب ومن يعيشها.
بين من يستطيع بعد سبع وسبعين دقيقة أن ينهض من مقعده، وبين من لا يستطيع منذ سنوات أن يخرج من المشهد.

وبين عالم استطاع أن يحمل فيلمًا من غزة عبر الحدود والمطارات والبحار، لكنه لم يستطع أن يحمل إلى غزة وقف إطلاق النار الذي كتبه على الورق.
ربما لهذا كانت السينما ضرورية.
ليس لأنها تستطيع تغيير العالم وحدها.
ولا لأن الفيلم يستطيع إعادة البيت إلى رغد، أو إعادة الموتى، أو فتح المعبر، أو إيقاف الرصاصة.
لا يستطيع.
لكن الكاميرا تستطيع شيئًا آخر.
تستطيع أن تمنع العالم، ولو لسبع وسبعين دقيقة، من أن يقول إنه لم يرَ.
وغدًا سيرى.
ثم ستعود الأنوار.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يستطيع حسام أبو دان أن يجيب عنه بفيلمه، لأنه لم يعد سؤال السينما وحدها:
ماذا يفعل الإنسان بالحقيقة بعدما يراها؟
فالظلام في قاعة السينما ليس أكثر ما يخيفني.
في الظلام نجلس جميعًا أمام الصورة نفسها.
ما يخيفني هو الضوء الذي يأتي بعدها.
حين تُفتح الأبواب، ويعود كل واحد إلى حياته، بينما يبقى آخرون في المكان الذي شاهدناه قبل لحظات على الشاشة.
عندها فقط نعرف إن كانت الصورة قد وصلت فعلًا إلى العالم...
أم أن الذي وصل إلى تورونتو كان الفيلم وحده، وبقيت غزة مرة أخرى خلف الحدود.

يحيى بركات
14/9/2026






FB_IMG_1789421468810.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى