شهادات خاصة عبدالمنعم الهراق - شخصيات استوقفتني... عندما تصبح العادة ذاكرة..

هناك أعلام لا تنتهي علاقتنا بهم بانتهاء اللقاء، بل يتركون في الذاكرة شيئا منهم، يظل حيا مهما ابتعدت السنوات.
الدكتور عباس الجراري، رحمه الله، واحد من هؤلاء.
في سنوات التسعينيات، كان يوم السبت يحمل لي موعدا خاصا ، كنت أنتظره؛ يأتي إلى المكتبة بانتظام لا يخذله، وكأن للسبت موعدا لا يجوز أن يتخلف عنه.
كنت أجمع له جديد العناوين: في الفكر الإسلامي، والثقافة الشعبية، والرواية والقصة والنقد والتاريخ والسياسة ، وما كان ينتقي منهم كتابا أو اثنين؛ كان يصاحب هذه الكتب كلها معه، كان يريد أن يظل على صلة بكل ما يتحرك في المشهد الثقافي.
ثم تأتي تلك الحركة التي لا تزال عالقة في ذاكرتي بتفاصيلها الصغيرة: يمد يده إلى جيبه، ويخرج ورقة نقدية من فئة خمسين درهما، جديدة ناصعة، كأنها خرجت لتوها من المطبعة.
لم تكن قيمة الورقة هي ما بقي في الذاكرة، وإنما انتظام المشهد؛ السبت، والكتب، والورقة الجديدة، والرجل الذي كان يتعامل مع الكتاب كأنه جزء من يومه لا غنى له عنه.
وكان شديد الحرص على أن تظل مؤلفاته المتعددة والمتنوعة ، حاضرة على رفوف المكتبة.
يسأل عنها من حين إلى آخر، ويتابع مخزونها، فإذا نفدت طلب تجديدها.
اليوم، حين أتذكر تلك السنوات، لا أستعيد الدكتور عباس الجراري بوصفه أستاذا وباحثا وأحد أعلام الثقافة المغربية فحسب، وإنما أستعيده من خلال تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تسجلها الكتب ولا تحفظها التراجم.
فبعض الشخصيات الكبيرة لا تبقى في الذاكرة بما كتبت فقط، وإنما بما تركته من عادات جميلة في حياة من عرفهم.
رحم الله الدكتور عباس الجراري، وجعل ما تركه من علم وأثر في ميزان حسناته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى