في «إيزيس» لا يستخدم الكاتب الروائي المصري الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، مصر القديمة خلفيةً زخرفية لحكاية عاطفية، بل يجعلها مادةً روائية حية، تتحرك فيها الشخصيات داخل مجتمع تحكمه السلطة والمعبد والأسرة والمكانة الاجتماعية، بينما تصطدم هذه البنية برغبات بشرية لا تعرف زمنًا: الحب، الحرية، الشك، الجسد، الخوف من الفقد، والرغبة في امتلاك المصير. صدرت الرواية عن مركز إنسان للنشر والتوزيع في القاهرة، وتكشف منذ صفحاتها الأولى عن مشروع يتجاوز استعادة الماضي إلى مساءلة الإنسان الذي عاش فيه.
هذه نقطة البداية الحقيقية للرواية: كيف يمكن إعادة الإنسان القديم من وراء الحجر؟
المصري القديم الذي نعرفه من المقابر والمعابد والتماثيل يبدو غالبًا مكتمل الصورة، ساكنًا، مهيبًا، يعرف موقعه في العالم. أما حسين عبد البصير فينزعه من هذه الصورة الرسمية ويضعه في منطقة أكثر اضطرابًا: إنسان يريد شيئًا، يخفي شيئًا، يحب امرأة، يشك في إله، يخاف من السلطة، ويبحث عن منفذ إلى حياة لم يخترها الآخرون له.
إيزيس هي مركز هذا الصراع.
تعيش في القصر الكبير إلى جوار أخيها سخم إيب، العسكري القوي صاحب السلطة، لكن المكان الذي يفترض أن يمثل الأمان يتحول في وعيها إلى «السجن الكبير». العبارة ليست وصفًا لمكان بقدر ما هي تعريف لحالة. فالسجن الحقيقي في الرواية ليس الجدران، وإنما الحياة التي يقرر الآخرون شكلها مسبقًا.
ولهذا لا تتمرد إيزيس بطريقة خطابية. لا تدخل في مواجهة مباشرة مع السلطة، بل تنتزع حريتها بذكاء امرأة تعرف أن العين التي تراقبها أقوى من قدرتها على المواجهة. تتنكر في زي الرجال، وتستعين بحنو، الحارس القريب منها، وتخرج في قارب صغير. في هذه الرحلات السرية تتغير دلالة المكان: القصر المغلق في مقابل الماء المفتوح، الحارس في مقابل المجرى، الهوية المفروضة في مقابل التنكر الذي يمنحها فرصة مؤقتة لأن تكون شخصًا آخر.
واللافت أن تنكرها في زي الرجال لا يؤدي وظيفة المغامرة وحدها؛ إنه يضع الرواية أمام سؤال اجتماعي أعمق: ما الذي يستطيع الإنسان فعله حين يتخلص، ولو مؤقتًا، من الهوية التي فرضها عليه المجتمع؟ بالنسبة إلى إيزيس، الملابس ليست مجرد مظهر، وإنما باب إلى مساحة من الحركة لا يمنحها لها موقعها كامرأة في القصر.
هنا يصبح النهر أهم من مجرد فضاء جغرافي.
إنه المجال الوحيد الذي لا تملك السلطة إيقاعه بالكامل. الماء يتحرك، وهي تتحرك معه. والقارب الصغير، على تواضعه، يمنحها اتساعًا لا تجده في القصر الكبير. لذلك يمكن قراءة النهر بوصفه المعادل الروائي للحرية: ليس لأنه يخلو من المخاطر، وإنما لأن الحركة فيه ممكنة.
لكن الرواية لا تقع في فخ جعل الحرية خلاصًا سهلًا. فإيزيس تعود إلى القصر، وتدخل من المجرى المائي إلى حديقة أخيها متخفية كما خرجت. إنها تعود إلى المكان نفسه، لكن التجربة التي عاشتها خارجه جعلتها ترى القصر بعين مختلفة. هذه العودة المتكررة تمنح الرواية إيقاعها الداخلي: خروج، اكتشاف، عودة، ثم رغبة جديدة في الخروج.
في مقابل إيزيس يظهر عنخ، وهو الشخصية الأكثر صخبًا ومرحًا والتباسًا في الرواية. كاتب ونحات ورسام في القصر الملكي، عاشق للنساء، مولع بالمتعة، شديد الحضور، لكنه يحمل في داخله شكًا عميقًا في الآلهة. إنه لا يريد أن يعيش وفق القواعد التي تحيط به، ولذلك يحاول أن يصنع لنفسه فلسفة خاصة: المتعة بدل الحرمان، التجربة بدل الطاعة، والشك بدل التسليم.
غير أن عنخ ليس شخصية تحررية بالمعنى البسيط. فهو يرفض القيود، لكنه قد يتحول هو نفسه إلى مصدر قيد للآخر. يعرف كيف يقرأ نقاط ضعف المرأة التي يريدها، ويستخدم معرفته بجمال إيزيس ومكانتها واضطرابها الداخلي للوصول إليها. ولذلك فإن العلاقة بينهما لا تقوم منذ البداية على التكافؤ العاطفي.
إيزيس تبحث عن نافذة في جدار حياتها.
وعنخ يرى في البداية نافذة أخرى للرغبة.
وهنا تتجنب الرواية واحدة من أكثر كليشيهات الرواية التاريخية شيوعًا: قصة الفتاة الثرية والرجل محدود الإمكانيات الذي يقف المجتمع في طريق حبهما. الصراع هنا أكثر تعقيدًا؛ إنه صراع بين تصورين للحب، وبين شخصين يريد كل منهما من العلاقة شيئًا مختلفًا.
عنخ يريد إيزيس، بينما إيزيس تريد أن تُرى.
والفرق بين الاثنين هو المسافة التي تتحرك فيها الرواية.
تأتي نفتيس لتكشف طبقة أخرى من شخصية عنخ. الرجل الذي لا يحتمل الاستقرار في علاقة واحدة، والذي يؤمن بالتجديد الدائم في الحب، يترك لنفتيس مكانًا استثنائيًا في قلبه. وهنا يظهر التناقض بين فلسفته المعلنة وتجربته الفعلية. يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه قواعد في الحب، ثم تأتي امرأة واحدة لتثبت أن القلب لا يقرأ القواعد التي يكتبها العقل.
أما حور، الكاتب الآخر، فيمثل النقيض الهادئ لعنخ. يحب إيزيس في صمت، ولا يحاول أن يحول الحب إلى امتلاك. حضوره أقل صخبًا، لكنه يؤدي وظيفة أساسية في البنية الأخلاقية والنفسية للرواية. فوجوده يجعل القارئ يقارن بين الرغبة والحب، بين الاقتراب من الآخر لكي نمتلكه، والاقتراب منه لكي نفهمه.
ولهذا لا يمكن اختزال حور في دور «العاشق المنافس». إنه يمثل احتمالًا آخر للحب، أقل استعراضًا وأكثر تأملًا. وبين عنخ وحور تضع الرواية سؤالًا لا تجيب عنه مباشرة: هل قيمة الحب في قوته، أم في قدرته على احترام حرية من نحب؟
أما سؤال الدين، فهو من أكثر مستويات الرواية جرأة. عنخ يشك في الآلهة، لكنه لا يعلن شكه على الملأ. إنه يعرف أن الإيمان ليس شأنًا فرديًا خالصًا في المجتمع الذي يعيش فيه؛ إنه جزء من النظام الاجتماعي والثقافي، والمعبد ليس مكانًا للعبادة فحسب، وإنما أحد مراكز إنتاج المعنى.
لذلك تأتي أفكاره عن الآلهة بوصفها تمرينًا على العصيان الفكري. يسأل: إذا كانت الآلهة موجودة، فلماذا لا تتدخل في الفوضى التي يعيشها الناس؟ ولماذا يقبل البشر تفسيرًا غيبيًا لكل ما يعجزون عن تغييره؟
لكن قوة هذه الشخصية أن الرواية لا تمنحها موقع المنتصر في هذه الأسئلة. عنخ نفسه يعيش داخل العالم الذي يشكك فيه. إنه يحتاج إلى المجتمع الذي يرفض أفكاره، ويعرف أن خروجه الكامل منه مستحيل. وبذلك يتحول الشك من شعار إلى مأزق وجودي.
إنه لا يملك يقينًا بديلًا؛ يملك فقط رفض اليقين السائد.
وهذه منطقة أكثر خصوبة أدبيًا من تحويل الرواية إلى مناظرة بين الإيمان والإلحاد.
المعبد في «إيزيس» ليس حجرًا مقدسًا فحسب، بل مؤسسة تنتج اللغة والطقس والذاكرة الجماعية. وأناشيده وتراتيله تشكل صورة الإله في وعي العابد، ولذلك تصبح علاقة الشخصيات بالمعبد جزءًا من علاقتها بالمجتمع نفسه. حين يشك عنخ في الآلهة، فهو لا يختلف مع عقيدة مجردة، بل يصطدم بعالم كامل.
ومن هنا تتصل الأسئلة الدينية بالأسئلة السياسية والاجتماعية في الرواية من غير أن تتحول إلى خطاب مباشر. السلطة في القصر، والسلطة الرمزية في المعبد، والسلطة الاجتماعية للأسرة، كلها تتقاطع فوق الفرد. وفي قلب هذا المثلث تحاول إيزيس أن تجد هامشًا لحريتها، بينما يحاول عنخ أن يصنع حريته الخاصة، ويحمل حور في صمته نموذجًا مختلفًا لعلاقته بالآخر.
حتى اسم البطلة يحمل حمولة رمزية لا يمكن تجاهلها.
إيزيس في الذاكرة المصرية القديمة مرتبطة بالبحث والوفاء واستعادة ما فُقد. لكن الرواية لا تستعيد الأسطورة كما هي؛ إنها تعيد توجيهها إلى الداخل. ما تبحث عنه إيزيس الروائية ليس شخصًا مفقودًا، وإنما ذاتها. وما تحاول جمعه ليس أجزاء جسد، وإنما أجزاء شخصية تفرقت بين توقعات الأسرة، وقيود القصر، وصورة المرأة، والرغبة في الحب.
وهنا يصبح الاسم القديم أداة لكتابة حكاية إنسانية جديدة.
أما عنخ، فإن نهايته تعيد قراءة الشخصية كلها. انتحاره ليس مجرد مفاجأة درامية، وإنما مفارقة تصيب فلسفته في الصميم. الرجل الذي جعل من المتعة موقفًا من الحياة، والذي تعامل مع اللذة كأنها البرهان على وجود الحياة، يصل في النهاية إلى اللحظة التي يعجز فيها عن الاستمرار.
موت عنخ يجعلنا نعيد النظر في كل ما سبق.
هل كان يعيش أم يهرب؟
هل كان يحتفل بالحياة أم يحاول إسكات سؤال داخلي لم يستطع مواجهته؟
لا تقدم الرواية إجابة نهائية، وربما تكمن قيمتها في أنها لا تفعل.
عنخ يموت، لكن أسئلته تبقى.
وهنا تتقدم إيزيس إلى المساحة التي تركها موته. لا بوصفها «المرأة التي انتصرت في قصة حب»، وإنما باعتبارها الشخصية التي تواصل البحث بعد انهيار أحد الاحتمالات.
إن النهاية السعيدة، بهذا المعنى، ليست مكافأة رومانسية تقليدية، وإنما تأكيد أن الحياة تستمر رغم الخسارة. الإنسان لا يملك دائمًا أن يختار ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يقرر ماذا يفعل بعده.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم خصوصية حسين عبد البصير الروائية. فالمعرفة الأثرية لا تظهر في الرواية بوصفها استعراضًا للمعلومات، بل بوصفها قدرة على تخيل الحياة خلف المادة. عالم الآثار يرى بقايا عالم غاب؛ والروائي يحاول أن يسأل كيف كان هذا العالم عندما كان حيًا، عندما كان له صوت ورائحة وخوف ورغبة.
الأثر يمنحنا المكان.
الرواية تمنحه الزمن.
والخيال يمنح سكانه حياة ثانية.
لهذا تبدو «إيزيس» أقرب إلى محاولة لتحرير مصر القديمة من صورتها الجامدة. إنها لا تريد مصر الفرعونية التي نعرفها من الصور السياحية وحدها، وإنما مصر التي يعيش فيها بشر يمكن أن يكونوا ضعفاء ومتناقضين ومحبين ومتمردين وشكاكين.
وفي هذا المعنى تحديدًا، لا تكون الرواية عن الماضي وحده.
القصر القديم يمكن أن يكون أي مكان تغلق أبوابه في وجه الإنسان. والمعبد يمكن أن يصبح رمزًا لكل منظومة تمنح الفرد معنى جاهزًا وتطالبه بتقبله. والنهر يظل صورة للحركة الممكنة، وعنخ يظل سؤال المتعة حين تنفصل عن المعنى، وحور صورة للحب حين يختار الصمت، بينما تظل إيزيس هي السؤال الأكثر بساطة والأكثر صعوبة: كيف يصبح الإنسان صاحب حياته؟
هذه هي المسافة التي تقطعها الرواية من مصر القديمة إلى الحاضر.
فما يهم في النهاية ليس أن نعرف كيف عاش المصري القديم فقط، وإنما أن نكتشف كم يشبهنا حين يحب، ويشك، ويخاف، ويحلم بالخروج من الأبواب المغلقة.
ولعل أجمل ما تقوله «إيزيس» أن الحرية لا تبدأ حين نصل إلى مكان جديد، وإنما حين نكتشف أن لنا الحق في أن نختار الطريق.
وقد يكون ذلك الطريق قاربًا صغيرًا في ليل النيل.
وقد يكون رواية.
هذه نقطة البداية الحقيقية للرواية: كيف يمكن إعادة الإنسان القديم من وراء الحجر؟
المصري القديم الذي نعرفه من المقابر والمعابد والتماثيل يبدو غالبًا مكتمل الصورة، ساكنًا، مهيبًا، يعرف موقعه في العالم. أما حسين عبد البصير فينزعه من هذه الصورة الرسمية ويضعه في منطقة أكثر اضطرابًا: إنسان يريد شيئًا، يخفي شيئًا، يحب امرأة، يشك في إله، يخاف من السلطة، ويبحث عن منفذ إلى حياة لم يخترها الآخرون له.
إيزيس هي مركز هذا الصراع.
تعيش في القصر الكبير إلى جوار أخيها سخم إيب، العسكري القوي صاحب السلطة، لكن المكان الذي يفترض أن يمثل الأمان يتحول في وعيها إلى «السجن الكبير». العبارة ليست وصفًا لمكان بقدر ما هي تعريف لحالة. فالسجن الحقيقي في الرواية ليس الجدران، وإنما الحياة التي يقرر الآخرون شكلها مسبقًا.
ولهذا لا تتمرد إيزيس بطريقة خطابية. لا تدخل في مواجهة مباشرة مع السلطة، بل تنتزع حريتها بذكاء امرأة تعرف أن العين التي تراقبها أقوى من قدرتها على المواجهة. تتنكر في زي الرجال، وتستعين بحنو، الحارس القريب منها، وتخرج في قارب صغير. في هذه الرحلات السرية تتغير دلالة المكان: القصر المغلق في مقابل الماء المفتوح، الحارس في مقابل المجرى، الهوية المفروضة في مقابل التنكر الذي يمنحها فرصة مؤقتة لأن تكون شخصًا آخر.
واللافت أن تنكرها في زي الرجال لا يؤدي وظيفة المغامرة وحدها؛ إنه يضع الرواية أمام سؤال اجتماعي أعمق: ما الذي يستطيع الإنسان فعله حين يتخلص، ولو مؤقتًا، من الهوية التي فرضها عليه المجتمع؟ بالنسبة إلى إيزيس، الملابس ليست مجرد مظهر، وإنما باب إلى مساحة من الحركة لا يمنحها لها موقعها كامرأة في القصر.
هنا يصبح النهر أهم من مجرد فضاء جغرافي.
إنه المجال الوحيد الذي لا تملك السلطة إيقاعه بالكامل. الماء يتحرك، وهي تتحرك معه. والقارب الصغير، على تواضعه، يمنحها اتساعًا لا تجده في القصر الكبير. لذلك يمكن قراءة النهر بوصفه المعادل الروائي للحرية: ليس لأنه يخلو من المخاطر، وإنما لأن الحركة فيه ممكنة.
لكن الرواية لا تقع في فخ جعل الحرية خلاصًا سهلًا. فإيزيس تعود إلى القصر، وتدخل من المجرى المائي إلى حديقة أخيها متخفية كما خرجت. إنها تعود إلى المكان نفسه، لكن التجربة التي عاشتها خارجه جعلتها ترى القصر بعين مختلفة. هذه العودة المتكررة تمنح الرواية إيقاعها الداخلي: خروج، اكتشاف، عودة، ثم رغبة جديدة في الخروج.
في مقابل إيزيس يظهر عنخ، وهو الشخصية الأكثر صخبًا ومرحًا والتباسًا في الرواية. كاتب ونحات ورسام في القصر الملكي، عاشق للنساء، مولع بالمتعة، شديد الحضور، لكنه يحمل في داخله شكًا عميقًا في الآلهة. إنه لا يريد أن يعيش وفق القواعد التي تحيط به، ولذلك يحاول أن يصنع لنفسه فلسفة خاصة: المتعة بدل الحرمان، التجربة بدل الطاعة، والشك بدل التسليم.
غير أن عنخ ليس شخصية تحررية بالمعنى البسيط. فهو يرفض القيود، لكنه قد يتحول هو نفسه إلى مصدر قيد للآخر. يعرف كيف يقرأ نقاط ضعف المرأة التي يريدها، ويستخدم معرفته بجمال إيزيس ومكانتها واضطرابها الداخلي للوصول إليها. ولذلك فإن العلاقة بينهما لا تقوم منذ البداية على التكافؤ العاطفي.
إيزيس تبحث عن نافذة في جدار حياتها.
وعنخ يرى في البداية نافذة أخرى للرغبة.
وهنا تتجنب الرواية واحدة من أكثر كليشيهات الرواية التاريخية شيوعًا: قصة الفتاة الثرية والرجل محدود الإمكانيات الذي يقف المجتمع في طريق حبهما. الصراع هنا أكثر تعقيدًا؛ إنه صراع بين تصورين للحب، وبين شخصين يريد كل منهما من العلاقة شيئًا مختلفًا.
عنخ يريد إيزيس، بينما إيزيس تريد أن تُرى.
والفرق بين الاثنين هو المسافة التي تتحرك فيها الرواية.
تأتي نفتيس لتكشف طبقة أخرى من شخصية عنخ. الرجل الذي لا يحتمل الاستقرار في علاقة واحدة، والذي يؤمن بالتجديد الدائم في الحب، يترك لنفتيس مكانًا استثنائيًا في قلبه. وهنا يظهر التناقض بين فلسفته المعلنة وتجربته الفعلية. يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه قواعد في الحب، ثم تأتي امرأة واحدة لتثبت أن القلب لا يقرأ القواعد التي يكتبها العقل.
أما حور، الكاتب الآخر، فيمثل النقيض الهادئ لعنخ. يحب إيزيس في صمت، ولا يحاول أن يحول الحب إلى امتلاك. حضوره أقل صخبًا، لكنه يؤدي وظيفة أساسية في البنية الأخلاقية والنفسية للرواية. فوجوده يجعل القارئ يقارن بين الرغبة والحب، بين الاقتراب من الآخر لكي نمتلكه، والاقتراب منه لكي نفهمه.
ولهذا لا يمكن اختزال حور في دور «العاشق المنافس». إنه يمثل احتمالًا آخر للحب، أقل استعراضًا وأكثر تأملًا. وبين عنخ وحور تضع الرواية سؤالًا لا تجيب عنه مباشرة: هل قيمة الحب في قوته، أم في قدرته على احترام حرية من نحب؟
أما سؤال الدين، فهو من أكثر مستويات الرواية جرأة. عنخ يشك في الآلهة، لكنه لا يعلن شكه على الملأ. إنه يعرف أن الإيمان ليس شأنًا فرديًا خالصًا في المجتمع الذي يعيش فيه؛ إنه جزء من النظام الاجتماعي والثقافي، والمعبد ليس مكانًا للعبادة فحسب، وإنما أحد مراكز إنتاج المعنى.
لذلك تأتي أفكاره عن الآلهة بوصفها تمرينًا على العصيان الفكري. يسأل: إذا كانت الآلهة موجودة، فلماذا لا تتدخل في الفوضى التي يعيشها الناس؟ ولماذا يقبل البشر تفسيرًا غيبيًا لكل ما يعجزون عن تغييره؟
لكن قوة هذه الشخصية أن الرواية لا تمنحها موقع المنتصر في هذه الأسئلة. عنخ نفسه يعيش داخل العالم الذي يشكك فيه. إنه يحتاج إلى المجتمع الذي يرفض أفكاره، ويعرف أن خروجه الكامل منه مستحيل. وبذلك يتحول الشك من شعار إلى مأزق وجودي.
إنه لا يملك يقينًا بديلًا؛ يملك فقط رفض اليقين السائد.
وهذه منطقة أكثر خصوبة أدبيًا من تحويل الرواية إلى مناظرة بين الإيمان والإلحاد.
المعبد في «إيزيس» ليس حجرًا مقدسًا فحسب، بل مؤسسة تنتج اللغة والطقس والذاكرة الجماعية. وأناشيده وتراتيله تشكل صورة الإله في وعي العابد، ولذلك تصبح علاقة الشخصيات بالمعبد جزءًا من علاقتها بالمجتمع نفسه. حين يشك عنخ في الآلهة، فهو لا يختلف مع عقيدة مجردة، بل يصطدم بعالم كامل.
ومن هنا تتصل الأسئلة الدينية بالأسئلة السياسية والاجتماعية في الرواية من غير أن تتحول إلى خطاب مباشر. السلطة في القصر، والسلطة الرمزية في المعبد، والسلطة الاجتماعية للأسرة، كلها تتقاطع فوق الفرد. وفي قلب هذا المثلث تحاول إيزيس أن تجد هامشًا لحريتها، بينما يحاول عنخ أن يصنع حريته الخاصة، ويحمل حور في صمته نموذجًا مختلفًا لعلاقته بالآخر.
حتى اسم البطلة يحمل حمولة رمزية لا يمكن تجاهلها.
إيزيس في الذاكرة المصرية القديمة مرتبطة بالبحث والوفاء واستعادة ما فُقد. لكن الرواية لا تستعيد الأسطورة كما هي؛ إنها تعيد توجيهها إلى الداخل. ما تبحث عنه إيزيس الروائية ليس شخصًا مفقودًا، وإنما ذاتها. وما تحاول جمعه ليس أجزاء جسد، وإنما أجزاء شخصية تفرقت بين توقعات الأسرة، وقيود القصر، وصورة المرأة، والرغبة في الحب.
وهنا يصبح الاسم القديم أداة لكتابة حكاية إنسانية جديدة.
أما عنخ، فإن نهايته تعيد قراءة الشخصية كلها. انتحاره ليس مجرد مفاجأة درامية، وإنما مفارقة تصيب فلسفته في الصميم. الرجل الذي جعل من المتعة موقفًا من الحياة، والذي تعامل مع اللذة كأنها البرهان على وجود الحياة، يصل في النهاية إلى اللحظة التي يعجز فيها عن الاستمرار.
موت عنخ يجعلنا نعيد النظر في كل ما سبق.
هل كان يعيش أم يهرب؟
هل كان يحتفل بالحياة أم يحاول إسكات سؤال داخلي لم يستطع مواجهته؟
لا تقدم الرواية إجابة نهائية، وربما تكمن قيمتها في أنها لا تفعل.
عنخ يموت، لكن أسئلته تبقى.
وهنا تتقدم إيزيس إلى المساحة التي تركها موته. لا بوصفها «المرأة التي انتصرت في قصة حب»، وإنما باعتبارها الشخصية التي تواصل البحث بعد انهيار أحد الاحتمالات.
إن النهاية السعيدة، بهذا المعنى، ليست مكافأة رومانسية تقليدية، وإنما تأكيد أن الحياة تستمر رغم الخسارة. الإنسان لا يملك دائمًا أن يختار ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يقرر ماذا يفعل بعده.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم خصوصية حسين عبد البصير الروائية. فالمعرفة الأثرية لا تظهر في الرواية بوصفها استعراضًا للمعلومات، بل بوصفها قدرة على تخيل الحياة خلف المادة. عالم الآثار يرى بقايا عالم غاب؛ والروائي يحاول أن يسأل كيف كان هذا العالم عندما كان حيًا، عندما كان له صوت ورائحة وخوف ورغبة.
الأثر يمنحنا المكان.
الرواية تمنحه الزمن.
والخيال يمنح سكانه حياة ثانية.
لهذا تبدو «إيزيس» أقرب إلى محاولة لتحرير مصر القديمة من صورتها الجامدة. إنها لا تريد مصر الفرعونية التي نعرفها من الصور السياحية وحدها، وإنما مصر التي يعيش فيها بشر يمكن أن يكونوا ضعفاء ومتناقضين ومحبين ومتمردين وشكاكين.
وفي هذا المعنى تحديدًا، لا تكون الرواية عن الماضي وحده.
القصر القديم يمكن أن يكون أي مكان تغلق أبوابه في وجه الإنسان. والمعبد يمكن أن يصبح رمزًا لكل منظومة تمنح الفرد معنى جاهزًا وتطالبه بتقبله. والنهر يظل صورة للحركة الممكنة، وعنخ يظل سؤال المتعة حين تنفصل عن المعنى، وحور صورة للحب حين يختار الصمت، بينما تظل إيزيس هي السؤال الأكثر بساطة والأكثر صعوبة: كيف يصبح الإنسان صاحب حياته؟
هذه هي المسافة التي تقطعها الرواية من مصر القديمة إلى الحاضر.
فما يهم في النهاية ليس أن نعرف كيف عاش المصري القديم فقط، وإنما أن نكتشف كم يشبهنا حين يحب، ويشك، ويخاف، ويحلم بالخروج من الأبواب المغلقة.
ولعل أجمل ما تقوله «إيزيس» أن الحرية لا تبدأ حين نصل إلى مكان جديد، وإنما حين نكتشف أن لنا الحق في أن نختار الطريق.
وقد يكون ذلك الطريق قاربًا صغيرًا في ليل النيل.
وقد يكون رواية.