علجية عيش.. مع المفكِّر حسن حنفي وعلم الإستغراب

صراع المصالح نوع جديد من الحرب الباردة بين الغرب و الشرق

نحن شعوبٌ تراثية تهوى الحضارة وتعشق التاريخ وتعيش في الدين، فمن يلمس ثقافتها يحركها ويثيرها، هذا ما قاله المفكر المصري حسن حنفي الذي عُرفَ بمشروعه “التراث والتجديد”، اهتم حسن حنفي بالفلسفة، وأراد عن طريقها أن يسهم في نهضة الإسلام والمسلمين من خلال تقديم صياغة جديدة للإسلام، ما جعل كتاباته تتعرَّض للتَّحليل والنقد، يقول حسن حنفي في كتابه "التراث و التجديد" صدر عام 1980 : إن العصر الحالي هو عصر إصلاح و نهضة و جيلنا الحالي جيل تغيير و ثورة، نحن اليوم أمام وضع أمّة بعد ظهور مصطلحات كالديمقراطية و الحرية، فجاء اليسار الإسلامي الذي يرفض كل ماهو تقليدي و كل ما لم يعد يتماشى مع الزمن الحاضر، أصبح فيه الخطر على الأرض لا على التوحيد ( قضية فلسطين)، إذ يقارن حسن حنفي بين العقيدة كإيمان روحي و بين الثورة كمطلب عصر، خاض حسن حنفي حربا فكرية كلامية في العديد من القضايا الحساسة جدا لاسيما التي تتعلق بالقداسة
%D8%AD%D8%B3%D9%86_%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A_%D9%85%D8%AA%D8%B9%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D9%8B.jpg

يعدُّ المفكر المصري حسن حنفي، أحد أبرز المفكرين العرب المعاصرين وأهم منظري تيار اليسار الإسلامي ومؤسس "علم الاستغراب"، درس بكلية الآداب بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة عام 1956، قبل أن ينتقل إلى فرنسا، حيث تحصل على درجة دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة السربون عام 1966 ، عمل أستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، ومستشارا علميا لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو، ونائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، له عدة إصدارات في مجال الفكر الإسلامي، خاصة بعد انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين قبل انتقاله إلى فرنسا ، ذلك بالنظر إلى قراءته لأفكار سيد قطب و تأثره بكتاباته حول العدالة الإجتماعية و قضايا السّلام و التحرر الفكري ، كما تعرّف حسن حنفي على علي شريعتي و حسن الترابي و شخصيات أخرى، و هو من مؤسسي تيار اليسار الإسلامي في مصر و مؤسس مجلة اليسار الإسلامي، من أجل بناء الوحدة الوطنية ، في ظل الصراع الذي كان قائما بين السلفية و العلمانية ، في حياته العلمية و الفكرية التي قاربت خمسين سنة في العمل الفكري ،عمل حسن حنفي على مشروع رباعي خاص بعلوم التصوّف .

الأول بعنوان : "من العقيدة إلى الثورة" استغرق فيه عشر سنوات دافع عن ما نُسِبَ إلى الإسلام بأنه سبب تخلف المسلمين، و أنه غير قادر إيديولوجيا على الدخول في عصر الحداثة وهو عصر العقلانية و العلم و حقوق الإنسان، و أحدث كتابه هذا جدلا في الساحة الفكرية و الإعلامية، حيث أغضب السلفيين، لدرجة أنهم اتهموه بالإلحاد و الزندقة.

أما كتابه الثاني ، جاء بعنوان: "مقدمة في علم الإستغراب" ، الغريب أن هذا الكتاب لقي حفاوة عند السلفيين ، فمشروع حسن حنفي بدأ حيث كان الصراع على أشدّه بين الإخوان المسلمين و الضباط الأحرار، جمع فيه كل المتناقضات بين هؤلاء و هؤلاء، بحثا عن طريق تنطلق من الإسلام كقيمة روحية تدعو إلى الحرية في التفكير و في قراءة النصوص، لا كشعيرة أو منظومة عقدية جوهرة ثنائية ( الإيمان و الكفر)، فالحضارة كما يراها هو ليست لحظة تاريخية واحدة و هي اللحظة اليونانية الرومانية غربًا، و الفارسية و الهندية شرقًا، بل هي لحظات متجددة و التاريخ لا يتوقف و الزمان مستمر و اللحظة الحالية هي أمريكا و أوروبا غربا و الصين و اليابان شرقا.

أما العالم الإسلامي في نظر حسن حنفي لم يشغل نفسه كما هو في الوطن العربي بحوار الحضارات لا في ماليزيا ولا في إندونيسيا، لأن طموحهما الحضاري في التفوق الصناعي في إطار مشروع “النمور الأسيوية” ( فعلٌ أكثر كلامٌ أقلّ، وإبداع أكثر ونقل أقل)، فإيران مثلا قابلت حوار الحضارات بصدام الحضارات كرد فعل وليس كفعل، حيث استطاعت أن تتفوق في السلاح النووي ، ومن يملك السلاح اليوم يملك القوة، حتى في الهند والصين لا يوجد حوار حضارات أو صراعها ولا حول العولمة ولا حول نهاية التاريخ، لأنهما مشغولتان بالتفوق الصناعي والسبق العلمي، والاكتفاء الذاتي وتصدير فائضا في الإنتاج، و لذا يدعو حسن حنفي إلى تأسيس ما يُسَمَّى بـ: "علم الإستغراب" من أجل ممارسة النقد الحضاري و نقد الواقع، أي الإحتلال و التبعية و التغريب و اللامبالاة، و علم الاستغراب يقابله علم الإستشراق، وهو مجال يهدف إلى دراسة كل ما يتعلق بالغرب دراسة علمية، موضوعية، نقدية من جميع النواحي التاريخية، والفكرية، والسياسية، والثقافية، والدينية، و يقصد هنا أوروبا و أمريكا، يريد حسن حنفي أن يجمع عملية النقد للقديم و الجديد و الواقع في وقت واحد.

و علم الإستغراب عنده يهدف إلى فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر ( العرب و الغرب) والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، أي القضاء على الإحساس بالنقص أمام الغرب، لغة وثقافة وعلما ومذاهب ونظريات وآراء مما يخلق فيهم إحساساً بالدونية، يكون ذلك باتباع منهج خاص يعتمد على تحليل الخبرات الحيّة الفردية والجماعية، الذاتية والمشتركة، من أجل وصف ماهية الحوار بين الحضارات واسترجاع التجارب القديمة عن طريق الذاكرة التاريخية و وصف التجارب المعاصرة، وهو ما يسمي بـ: "المذهب الظاهرياتي" في الغرب المعاصر، وهو مذهب يهتم بفهم كيفية إدراكنا للعالم من خلال خبراتنا الشخصية والذاتية، بدلا من البحث عن حقائق موضوعية مجردة، ويُعتبر إدموند هوسرل المؤسس الرئيسي لهذا المذهب، كما تعتبر تجارب حوار الحضارات ردود أفعال بالرفض والمعارضة والاستهجان الديني والأخلاقي والسياسي والتاريخي

استطاع هانتنجتون في مقال له بعنوان: “صدام الحضارات” أن يؤثر في الشعوب وهذا يعني إخفاء صراع المصالح وهي نوع جديد من الحرب الباردة بين الغرب والشرق، من أجل حصار الشرق، أو بين الشمال والجنوب من أجل نهب ثروات الجنوب ( النفط)، كانت كلمة السرّ كما يقول حسن حنفي لقيام الحرب العالمية الثالثة، التي بدأت بشائرها في العدوان على أفغانستان ثم العراق وإيران، ثم سوريا و لبنان، ثم اليمن والسودان لتأتي السعودية ومصر في محاولة إجهاض احتمال ولادة قطب ثاني ضد القطب الواحد، ليبقي هذا القطب كنظام عالمي لا أحد ينافسه و ينازعه و يحاصره وتكون له القوة والعزيمة والهيمنة يمارس نفوذه الثقافي والاقتصادي والعسكري والسياسي وعلى مستوى العالم كله.

هي رسالة وجهها حسن حنفي للباحثين الذين يعتمدون على أسلوب العنعنة وهو بذلك يسأله متى تكتب متنك؟ ومتى تؤلف نصّك؟ متى تبدع دون أن تكون ناقلا ومهمشا لإبداع الغير؟ نعم متى تأتي المبادرة التاريخية من العرب لا من الغرب؟ ومتى يقضي العرب علي إحساسهم بالنقص أمام الأخر ( الغرب) فيكون هو صاحب العمل او المشروع وليس الغرب؟ ، يكتبون عن تاريخهم و عن حضارتهم و لا ينتظرون المستشرقين ليكتبون عنهم ، ونحن بدورنا نتساءل:ماهي مشكلة العالم العربي والإسلامي؟ ولماذا نحن متأخرين؟ نقول: إن الصين مثلا :

- تشجع المبادرات وتدفع بمواطنيها إلى الإبداع وخوض التجربة

- تعلم الطفل كيف يبدع ويصنع منذ الصغر حتى لو فشل المرة الأولى والثانية

- تعلمه كيف يصعد سُلَّمَ النجاح درجة درجة بثقة وأمل وعزيمة، ولا تشلُّ إرادته وعزيمته

- توفر له إمكانيات التعلم والتمدرس، ولا تتركه يجوع أو يعرى ، و قد تمكنت من تحقيق التفوق الصناعي وحافظت علي هويتها وثقافتها وتراثها الديني

أما العربي فقد هدمه الإستعمار، فمن جهة جعل منه "ماسح أحذية " و قاده إلى الإجرام فحوّله إلى مجرمِ أو إرهابي، و نسي أنه (أي الإستعمار) هو من صنع الإرهاب، لكمن و من جانب آخر نقول: إن المشكل ليس في الغربي و إنما في الذين لهم قابلية للإستعمار، فهناك من العرب من يمارس العنصرية، ينجح أطفاله بالوساطة ويوظفونهم بالوساطة والرشوة و في إنجاز مشروع من مال الدولة، يعملون بمبدأ الاحتكار، فعلى العرب إذن أن يعترفوا بهزيمتهم وإفلاسهم الفكري والحضاري، لأنهم لم يبنوا أوطانهم، لا يمكن للعالم العربي والإسلامي أن ينهض ويعيد حضارته المفقودة وهو منقسمٌ بين سُنِّي وشيعي، وبين تيارات إسلامية متفرقة ، متناحرة ومتصارعة إلى يومنا هذا.
علجية عيش (للمقال مراجع)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى