النقد فعالية وليس نظرية والحوار ممارسة وليس مقولة

مقدمة

واجه الممارسة الفكرية المعاصرة مفارقة لافتة: فكلما ازداد الحديث عن النقد والحوار بوصفهما قيمتين مركزيتين في بناء المعرفة والمجتمع، ازدادت معها مظاهر اختزالهما إلى صيغ نظرية جاهزة أو مقولات خطابية مجردة. يُقدَّم النقد في كثير من السياقات بوصفه منظومة مفاهيمية أو مدرسة فكرية مكتملة، ويُقدَّم الحوار بوصفه مبدأً أخلاقياً أو إجراءً شكلياً يمكن استدعاؤه عند الحاجة. غير أن هذه الصيغ، على أهميتها الظاهرية، تطرح إشكالية عميقة تتعلق بطبيعة كل منهما وحدود فعاليتهما. فالمقاربة الاستشكالية التي نسعى إليها هنا تنطلق من فرضية مزدوجة: أن النقد في جوهره فعالية حية لا تستقر في النظرية، وأن الحوار في جوهره ممارسة متجسدة لا تختزل في المقولة. هاتان الفرضيتان لا تدعيان إلغاء النظرية أو المقولة، بل تسعيان إلى زحزحة مركز الثقل من التجريد إلى التحقق، ومن الاكتمال إلى الاستمرار، ومن القول إلى الفعل.

مفهوم النقد

يبدأ الاستشكال من مفهوم النقد ذاته. لطالما ارتبط النقد في التقليد الفكري ببناء الأنساق النظرية: نقد العقل، نقد الأيديولوجيا، نقد السلطة، نقد الحداثة. غير أن تحويل النقد إلى نظرية مكتفية بذاتها ينطوي على خطر مزدوج. فمن جهة، يتحول النقد إلى موضوع للدراسة بدل أن يظل أداة للتفكيك، فيفقد قدرته على الاشتباك المباشر مع الواقع المتغير. ومن جهة أخرى، يكتسب النقد طابعاً معيارياً مغلقاً، فيصبح مقياساً يُحاكَم به الآخرون أكثر مما يصبح ممارسة يحاسب بها الناقد ذاته. الفعالية النقدية، في المقابل، تعني الاستمرارية والتجدد والانفتاح على المجهول. هي ليست موقفاً يُتبنَّى مرة واحدة، بل حركة دائمة من التعليق والشك والمساءلة وإعادة البناء. الناقد الحقيقي لا يملك نظرية جاهزة يطبقها على كل حالة، بل يدخل في علاقة حية مع موضوعه، تسمح له بأن يتغير هو نفسه أثناء عملية النقد. هنا يظهر التوتر الأساسي: كيف يمكن للنقد أن يكون فعالاً دون أن يستند إلى أدوات مفاهيمية؟ وهل يمكن للفعالية أن تستمر دون أن تتصلب في نظرية جديدة؟

الاستشكال يكمن في أن النظرية ضرورية كشرط أولي، لكنها تصبح عائقاً حين تتحول إلى غاية نهائية أو إلى هوية فكرية مغلقة. يتصل بهذا التوتر إشكال السلطة داخل الممارسة النقدية. فالنقد حين يستقر في نظرية يميل إلى إنتاج مواقع سلطة جديدة: سلطة الخبير، سلطة المنهج، سلطة النص المؤسس. أما حين يُفهم بوصفه فعالية، فإنه يظل مهدداً دائماً بفقدان الشرعية أو بالانزلاق إلى النسبية المطلقة. الفعالية النقدية الحقيقية تتطلب إذن نوعاً من التوازن الهش: الاعتماد على أدوات نظرية دون التأسر لها، والاحتفاظ بالقدرة على نقد الأدوات ذاتها. هذا التوازن ليس حالة مستقرة يمكن الوصول إليها، بل توتر دائم يجب احتماله. ومن هنا فإن السؤال الاستشكالي لا يتعلق بكيفية بناء نظرية نقدية أفضل، بل بكيفية الحفاظ على النقد بوصفه حركة لا تسمح لنفسها بالاستقرار النهائي.

فعالية الحوار

ينتقل الاستشكال إلى الطرف الثاني من الثنائية: الحوار. يُختزل الحوار في الخطاب المعاصر إلى مقولة أخلاقية أو سياسية: ضرورة الحوار، ثقافة الحوار، آداب الحوار. تتحول هذه المقولة إلى شعار يُرفع في المناسبات، أو إلى إجراء شكلي يُمارس في الندوات والمؤتمرات دون أن يمس البنى العميقة للسلطة أو الهوية أو المصلحة. غير أن الحوار، إذا أُخذ بجدية، ليس مقولة تُقال بل ممارسة تُعاش. هو فعل ينطوي على مخاطرة حقيقية: مخاطرة تغيير الرأي، ومخاطرة الاعتراف بحدود الذات، ومخاطرة الدخول في علاقة غير متكافئة سلفاً مع الآخر. الممارسة الحوارية تفترض أن الأطراف لا تدخل وهي مكتملة، بل تتشكل أثناء الحوار نفسه. وهي تفترض أيضاً أن الصمت والاستماع والارتباك جزء أصيل من العملية، لا عيوب يجب تجاوزها بسرعة للوصول إلى توافق.

هنا يظهر توتر آخر لا يقل عمقاً. فالممارسة الحوارية، كي تكون حقيقية، تحتاج إلى شروط مادية ورمزية غالباً ما تكون غائبة: تكافؤ نسبي في القوة، استعداد للتنازل، قدرة على احتمال الاختلاف الجذري دون اللجوء إلى الإقصاء. وحين تغيب هذه الشروط، يتحول الحوار إلى تمثيل مسرحي أو إلى أداة لإدارة الصراع دون حله. السؤال الاستشكالي يصبح: هل يمكن الحديث عن حوار في سياقات تسيطر فيها علاقات هيمنة صارخة؟ وهل تظل الممارسة الحوارية ممكنة حين يكون أحد الأطراف غير معترف به أصلاً كمحاور شرعي؟ الإصرار على الحوار كمقولة أخلاقية عامة قد يخفي هذه الإشكاليات، بينما النظر إليه كممارسة يضطرنا إلى مواجهة شروط إمكانه واستحالته في آن معاً.

تتكشف العلاقة بين الطرفين حين نلاحظ أن النقد بوصفه فعالية والحوار بوصفه ممارسة ليسا مجالين منفصلين، بل وجهين لعملية واحدة. فالنقد الحقيقي لا يكتمل في عزلة الفكر، بل يحتاج إلى اختباره في مواجهة آراء أخرى وخبرات مختلفة. والحوار الحقيقي لا يستقيم دون بعد نقدي يسمح بتفكيك البديهيات المشتركة والمصالح المستترة. غير أن هذا الترابط نفسه يولد مفارقات جديدة. فالنقد الجذري قد يدمر إمكانية الحوار إذا وصل إلى حد نفي شرعية الآخر. والحوار المفتوح قد يميّع النقد إذا تحول إلى مساومة دائمة أو إلى نسبية تمنع اتخاذ موقف. الاستشكال هنا يكمن في البحث عن صيغة للعلاقة بينهما لا تجعل أحدهما تابعاً للآخر، ولا تفصلهما إلى مجالين مستقلين.

تتعمق الإشكالية حين ننقل النظر من المستوى الفردي أو الفكري الضيق إلى المستوى الجماعي والحضاري. في السياقات التي تعاني من انسدادات تاريخية أو تمزقات هوياتية، يميل الخطاب السائد إلى استدعاء النقد والحوار بوصفهما حلولين سحريين. يُطالب المثقف بالنقد الجذري، وتُطالب النخب بالحوار الوطني أو الحضاري. غير أن هذا الاستدعاء يظل في الغالب على مستوى المقولة والنظرية، بينما تظل الفعالية والممارسة غائبتين أو مشروطتين بحدود لا يُراد تجاوزها. النقد المسموح به هو النقد الذي لا يمس الثوابت المعلنة، والحوار المقبول هو الحوار الذي لا يهدد موازين القوى القائمة. النتيجة هي إنتاج خطاب نقدي وحواري شكلي يعيد إنتاج الجمود تحت غطاء التجديد.

المقاربة الاستشكالية تكشف أن تحويل النقد إلى فعالية والحوار إلى ممارسة يتطلب أكثر من مجرد تصحيح مفاهيمي. إنه يتطلب إعادة نظر في شروط إنتاج الخطاب ذاته: في علاقة المثقف بالمؤسسة، وفي علاقة الفكر بالسلطة، وفي قدرة الجماعة على احتمال الأسئلة المقلقة دون اللجوء إلى الإجابات المطمئنة. كما يتطلب الاعتراف بأن الفعالية النقدية والممارسة الحوارية ليستا حالتين يمكن الوصول إليهما بشكل نهائي، بل أفقين يظلان دائماً جزئيين ومهددين بالانغلاق من جديد.

خاتمة

يظل السؤال المركزي معلقاً: كيف يمكن الحفاظ على النقد بوصفه حركة مستمرة دون أن يتحول إلى مذهب جديد؟ وكيف يمكن تحويل الحوار إلى ممارسة يومية دون أن يفقد قدرته على كشف التناقضات العميقة؟ هذه الأسئلة لا تقبل إجابات جاهزة، لأنها تمس طبيعة الفكر نفسه بوصفه نشاطاً بشرياً محدوداً ومتورطاً في العالم الذي يسعى إلى فهمه. الاستشكال الحقيقي يبدأ حين نكف عن التعامل مع النقد والحوار بوصفهما أدوات جاهزة للاستخدام، ونبدأ في معاملتهما بوصفهما اختبارين دائمين لقدرتنا على أن نظل منفتحين على ما لم نفكر فيه بعد، وعلى من لم نعترف به بعد كشريك في صناعة المعنى. في هذا الأفق، لا يعود المطلوب بناء نظرية جديدة للنقد أو صياغة مقولة أرقى للحوار، بل تنمية قدرة جماعية على ممارسة النقد والحوار في آن معاً، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من التباس ومخاطرة وعدم اكتمال.

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى