مقدمة
تظل الممارسة المعرفية، بما هي فعل إنتاج للمعرفة وتسويغها وتصحيحها، محكومة بتوتر بنيوي أصلي لا ينفك عنها. هذا التوتر يتجلى في صورتين متقابلتين: نزعة اتصالية دغمائية تسعى إلى ربط كل معرفة بأساس ثابت أو سلسلة متصلة من المبررات التي لا تقبل الانقطاع، ونزعة ريبية انكسارية تدفع بالشك إلى حد تهديم إمكانية المعرفة ذاتها. بينهما يبرز التمشي النقدي بوصفه مساراً إبستيمولوجياً يرفض الانغلاق الدغمائي والانحلال الريبي معاً، ويحاول أن يبني معرفة حية قابلة للمراجعة دون أن تفقد قدرتها على التوجه والفعل. هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذا التمشي استكشافاً مفصلاً، بوصفه موقفاً إبستيمولوجياً أصيلاً لا يكتفي بالوساطة السطحية، بل يعيد صياغة شروط إمكانية المعرفة ذاتها.
فهل يمكن للممارسة المعرفية أن تتحرك أصلاً دون أن تسقط في أحد حدّين متطرفين يبدو كلاهما مهدداً لإمكانها ذاتها؟ من جهة، نزعة اتصالية دغمائية تصرّ على ربط كل معرفة بسلسلة متصلة من المبررات تنتهي إلى أساس لا يقبل المساءلة، فتغلق بذلك أفق المراجعة الجذرية. ومن جهة أخرى، نزعة ريبية انكسارية تحول ملاحظة نقص التبرير إلى مبدأ هدام يقوّض القدرة على البناء المعرفي من أساسه. بين هذين الحدّين يظهر ما يمكن تسميته «التمشي النقدي» بوصفه محاولة للإفلات من الإغلاق ومن الانهيار معاً. غير أن هذا التمشي نفسه يثير جملة من الإشكالات العميقة: هل هو موقف ممكن فعلاً أم مجرد تسمية وسيطة تخفي تناقضاتها الداخلية؟ وكيف يمكن للنقد أن يكون بنّاءً دون أن يستعيد، بشكل خفي، شيئاً من الدغمائية التي يرفضها؟ وهل يستطيع أن يواجه قوة الريبة الانكسارية دون أن ينحلّ هو ذاته في شكل من أشكال الشك المعطّل؟ هذه الأسئلة ليست تمهيدية بل هي النواة التي يدور حولها البحث كله.
البنية التوترية للممارسة المعرفية
الممارسة المعرفية ليست مجرد تراكم لمعلومات أو تطبيق لقواعد منطقية مجردة. إنها نشاط تاريخي واجتماعي وذاتي في آن واحد، يتحرك داخل أفق من الافتراضات المسبقة والقيم الإبستيمولوجية التي غالباً ما تظل مضمرة. داخل هذا النشاط يظهر ميلان متضادان: من جهة، الميل الاتصالي الدغمائي الذي يرى المعرفة سلسلة مترابطة يجب أن تستند في نهايتها إلى نقطة ارتكاز مطلقة: سواء كانت حدساً عقلياً بديهياً، أو حساً مباشراً معصوماً، أو بنية لغوية كلية، أو مبدأ أنطولوجياً ثابتاً. هذا الميل يخشى الفراغ واللايقين، فيسعى إلى ملء كل ثغرة بمبرر إضافي، حتى يصل إلى أساس لا يحتاج هو ذاته إلى تبرير. النتيجة المنطقية لهذا السعي هي الانغلاق: كل معرفة جديدة تُقاس بمدى انسجامها مع السلسلة القائمة، وكل نقد يُعامل بوصفه تهديداً للاتصال نفسه. ومن جهة أخرى، الميل الريبي الانكساري الذي يبدأ من ملاحظة أن كل تبرير يستدعي تبريراً آخر، فينتهي إلى سلسلة لا نهائية أو إلى دائرة أو إلى توقف اعتباطي. بدلاً من البحث عن حل لهذه المعضلة، يحوّل الريبي الانكساري هذه الملاحظة إلى مبدأ هدام: إذا لم يكن هناك أساس مطلق، فلا معرفة حقيقية ممكنة. هذا الموقف لا يكتفي بالتشكيك المنهجي، بل يسعى إلى تفكيك كل ادعاء معرفي، حتى يصل إلى حالة من العجز المعرفي أو اللامبالاة الإبستيمولوجية. الانكسار هنا ليس مجرد شك مؤقت، بل انهيار القدرة على البناء المعرفي ذاته.التمشي النقدي ينشأ بالضبط من رفض هذين الحدين المتطرفين. إنه لا يقبل الاتصال الدغمائي لأنه يدرك أن كل أساس مطلق هو في الحقيقة موقف تاريخي قابل للمساءلة، ولا يقبل الانكسار الريبي لأنه يرى أن المعرفة، رغم نسبيتها ونقصها، تظل ممكنة وضرورية للوجود الإنساني. النقد هنا ليس مجرد أداة سلبية، بل هو حركة إيجابية لإعادة بناء شروط التبرير والمراجعة والتقدم المعرفي.
إشكالية الاتصال الدغمائي وحدود طلب الأساس
تبدأ المشكلة من حاجة الممارسة المعرفية إلى شيء يشبه الاتصال. فالمعرفة لا تقوم في فراغ مطلق؛ كل حكم يستند إلى أحكام سابقة، وكل استدلال يفترض قواعد أو مبادئ، وكل تجربة تُفسَّر داخل أفق من التوقعات. يبدو إذن أن الاتصال ضرورة بنيوية. غير أن هذه الضرورة سرعان ما تنقلب إلى دغمائية حين يُطلب لها أساس نهائي مطلق: حدس عقلي لا يُسأل، أو معطى حسي معصوم، أو بنية لغوية كلية، أو اتفاق تواصلي محصّن. هنا يتحول الاتصال من شرط عملي إلى قيمة مطلقة، ويصبح أي انقطاع أو ثغرة أمراً يجب ردمه بأي ثمن.
الإشكال الجوهري هنا مزدوج. أولاً، كيف يمكن لهذا الأساس المزعوم أن يبرر نفسه دون أن يدخل في سلسلة جديدة من التبريرات؟ إن ادعاء الإطلاق يضع الأساس خارج دائرة النقد، وبذلك يقطع الاتصال الذي يدّعي حمايته. فالاتصال الحقيقي يقتضي قابلية الاستمرار والمساءلة، بينما الأساس الدغمائي يوقف السلسلة بطريقة اعتباطية متخفية. ثانياً، يؤدي هذا الإيقاف إلى إضعاف القدرة على استيعاب التغيرات الجذرية في المعرفة. فكل ثورة معرفية حقيقية تنطوي على إعادة ترتيب لشروط التبرير نفسها، وهو ما يبدو للدغمائي تهديداً للاتصال برمته. هكذا ينقلب طلب اليقين المطلق إلى مصدر للهشاشة: النظام المغلق عاجز عن تصحيح نفسه من الداخل عندما تتراكم الشذوذات.
لكن رفض الدغمائية لا يحل المشكلة تلقائياً. فإذا كان الاتصال المطلق مستحيلاً، فهل يعني ذلك أن كل اتصال معرفي وهمي؟ وهل يمكن للممارسة أن تستمر في غياب أي شكل من أشكال الاستقرار النسبي؟ هذه الأسئلة تدفع إلى الطرف الآخر من التوتر. كما تتميز النزعة الاتصالية الدغمائية بعدة سمات بنيوية. أولاً، الإيمان بوجود أساس نهائي أو سلسلة مكتملة من المبررات. هذا الأساس قد يتخذ أشكالاً متعددة: عقلياً صرفاً كما في بعض التصورات العقلانية الكلاسيكية، أو حسياً كما في بعض صيغ التجريبية المتشددة، أو لغوياً أو اجتماعياً كما في بعض الاتجاهات المعاصرة التي تحول الاتفاق التواصلي إلى معيار نهائي. في كل الحالات، يُعامل الأساس بوصفه خارج دائرة النقد الجذري. ثانياً، تحويل الاتصال إلى قيمة إبستيمولوجية عليا. أي انقطاع أو ثغرة في السلسلة يُنظر إليه بوصفه فشلاً معرفياً. لذلك يميل أصحاب هذه النزعة إلى بناء أنظمة مغلقة أو شبه مغلقة، حيث تُستبعد الأسئلة التي تهدد تماسك النظام بوصفها أسئلة زائفة أو غير مشروعة. هذا الإغلاق ليس دائماً واعياً؛ غالباً ما يظهر في صورة مقاومة للمراجعة الجذرية، أو في تحويل المبادئ الأساسية إلى عقائد محصنة. ثالثاً، العلاقة المتوترة مع التاريخ والتغير. لأن الاتصال الدغمائي يسعى إلى الثبات، فإنه يميل إلى النظر إلى التغيرات المعرفية الكبرى بوصفها انحرافات أو أزمات يجب تجاوزها بالعودة إلى الأساس. النتيجة هي ضعف القدرة على استيعاب الثورات المعرفية الحقيقية، التي غالباً ما تنطوي على إعادة صياغة جذرية لشروط التبرير ذاتها.
رغم هذه المحدوديات، لا يمكن إنكار أن النزعة الاتصالية تلبي حاجة إنسانية عميقة إلى اليقين والتوجيه. بدون حد أدنى من الاتصال والاستقرار، تصبح الممارسة المعرفية عاجزة عن إنتاج معرفة قابلة للاستخدام العملي أو عن بناء تقاليد علمية وثقافية مستمرة. المشكلة لا تكمن في السعي إلى الاتصال، بل في تحويله إلى مطلق دغمائي يرفض أن يكون هو ذاته موضوعاً للنقد.
إشكالية الريبة الانكسارية وحدود التفكيك
على الطرف المقابل، تنطلق النزعة الريبية الانكسارية من ملاحظة صحيحة جزئياً: أن سلسلة التبريرات لا يمكن أن تكون مكتملة بالمعنى المطلق. كل مبرر يحتاج إلى مبرر آخر، وكل معيار يحتاج إلى تسويغ، وكل أساس يدعي الإطلاق يمكن مساءلته. من هنا ينتقل الريبي الانكساري إلى استنتاج جذري: بما أنه لا أساس مطلق، فلا معرفة ممكنة، أو على الأقل لا معرفة تتجاوز الرأي والاعتقاد الذاتي.هذا الموقف يتميز بعدة خصائص. أولاً، تحويل الشك من أداة منهجية إلى غاية نهائية. الشك المنهجي يهدف إلى تنقية المعرفة وتقويتها، أما الشك الانكساري فيهدف إلى إظهار استحالة المعرفة. ثانياً، الميل إلى التعميم المفرط: من ملاحظة أن بعض الادعاءات المعرفية ضعيفة أو مدحوضة، ينتقل إلى الحكم بأن كل ادعاء معرفي يحمل في طياته بذور انهياره. ثالثاً، الضعف العملي: الريبي الانكساري يجد صعوبة في تبرير أفعاله اليومية أو اختياراته العلمية، لأنه إذا كانت المعرفة مستحيلة، فكيف يبرر تفضيل فرضية على أخرى أو قراراً على آخر؟الريبة الانكسارية تكشف عن حدود كل دغمائية، وهذا فضلها الإبستيمولوجي. لكنها تدفع بهذا الكشف إلى حد يفقد فيه القدرة على التمييز بين درجات اليقين، وبين المعرفة الأفضل والمعرفة الأسوأ، وبين التقدم والتراجع. النتيجة هي نوع من الشلل المعرفي أو النسبية المطلقة التي لا تترك مجالاً للممارسة النقدية الحقيقية.
تنطلق الريبة الانكسارية من ملاحظة دقيقة: سلسلة التبريرات إما أن تكون لا نهائية، أو دائرية، أو متوقفة عند نقطة لا تبرر نفسها. في الحالات الثلاث يبدو أن اليقين المطلق مفقود. من هنا يقفز الريبي إلى استنتاج انكساري: بما أنه لا أساس، فلا معرفة بالمعنى القوي للكلمة. كل ادعاء معرفي يحمل في داخله بذور انهياره، وكل معيار يمكن تعليقه، وكل تقدم ظاهري ليس سوى إعادة ترتيب لأوهام مؤقتة.قوة هذا الموقف تكمن في كشفه المستمر لأوهام الإطلاق. غير أن قوته هذه تنقلب إلى ضعف حين تتحول إلى مبدأ كلي. فالإشكال هنا يتمثل في أن الريبة الانكسارية نفسها تحتاج إلى حد أدنى من المعرفة حتى تمارس تفكيكها: معرفة باللغة التي تستخدمها، وبمنطق الحجج التي تنقضها، وبالمعايير التي تُظهر بها ضعف الادعاءات الأخرى. كيف يمكن لخطاب يدّعي استحالة المعرفة أن يبرر قدرته على إظهار هذه الاستحالة؟ إن الانكسار التام يهدم شروط إمكان الريبة ذاتها.
علاوة على ذلك، تواجه الريبة الانكسارية صعوبة عملية حادة. فالممارسة اليومية والعلمية والأخلاقية تتطلب تمييزاً بين الفرضيات الأفضل والأسوأ، بين الأدلة الأقوى والأضعف، بين التفسيرات الأكثر خصوبة والأقل. فإذا سُوّي كل شيء في مستوى واحد من اللايقين، انعدمت القدرة على التوجيه والاختيار المسؤول. هكذا يتحول الشك من أداة تحريرية إلى مصدر للشلل. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الاحتفاظ بقوة التفكيك الريبي دون السقوط في العجز المعرفي؟
التمشي النقدي بوصفه محاولة للخروج من الثنائية وحدوده الداخلية
التمشي النقدي لا يسعى إلى التوفيق السطحي بين الطرفين، بل يعيد صياغة السؤال الإبستيمولوجي نفسه. بدلاً من السؤال: "ما هو الأساس المطلق الذي يمنح المعرفة يقينها؟" أو "كيف نثبت استحالة المعرفة؟"، يطرح السؤال: "كيف نمارس المعرفة بطريقة تسمح بالمراجعة المستمرة دون أن تنهار القدرة على البناء والتوجيه؟"
هذا التمشي يقوم على عدة مبادئ مترابطة:
أولاً، الاعتراف بالتاريخية والشرطية لكل معرفة. لا توجد معرفة خارج أفق تاريخي واجتماعي ولغوي معين. هذا الاعتراف لا يؤدي إلى النسبية المطلقة، بل إلى فهم أن كل معرفة تحمل في داخلها إمكانيات تجاوزها. النقدية هنا تعني القدرة على الكشف عن الشروط التي تجعل معرفة ما ممكنة، وفي الوقت نفسه الكشف عن حدود هذه الشروط.
ثانياً، التمييز بين الشك المنهجي والشك الانكساري. الشك المنهجي جزء أصيل من التمشي النقدي؛ إنه الأداة التي تسمح باختبار الادعاءات وكشف الثغرات. لكنه يظل موجهاً نحو تحسين المعرفة لا نحو هدمها. النقد لا يتوقف عند التفكيك، بل ينتقل إلى اقتراح بدائل أو تعديلات أو أطر جديدة.
ثالثاً، قبول النقص البنيوي للتبرير دون الاستسلام له. سلسلة التبريرات قد تكون مفتوحة أو دائرية أو متوقفة عند نقاط مؤقتة، وهذا ليس عيباً قاتلاً. المعرفة العملية والعلمية تبنى على مستويات من التسويغ كافية للغرض المقصود، قابلة للمراجعة عندما تظهر أدلة أو حجج جديدة. اليقين هنا ليست مطلقة، بل درجوية وسياقية.
رابعاً، ربط المعرفة بالفعل والمسؤولية. التمشي النقدي لا يفصل الإبستيمولوجيا عن الإيتيقا والبراكسيس. المعرفة ليست مجرد تمثيل للواقع، بل هي مشاركة في تشكيل العالم. لذلك فإن النقد المعرفي يحمل في طياته بعداً تحويلياً: كشف الأوهام الدغمائية وتحرير إمكانيات جديدة للفهم والعمل.
خامساً، بناء معايير داخلية للمراجعة. بدلاً من اللجوء إلى أساس خارجي مطلق، يطور التمشي النقدي معايير تنبع من داخل الممارسة المعرفية نفسها: الاتساق الداخلي، القدرة التفسيرية، الخصوبة في توليد أسئلة جديدة، الملاءمة مع التجربة، والانفتاح على النقد الخارجي. هذه المعايير ليست نهائية، بل هي ذاتها قابلة للنقد والتطوير.
يظهر التمشي النقدي في هذا السياق بوصفه محاولة للتفكير في إمكانية ثالثة: معرفة تعترف بنقصها البنيوي وتظل مع ذلك قادرة على البناء والمراجعة والتقدم. إنه يرفض أن يكون الاتصال مطلقاً، ويرفض أن يكون النقص مبرراً للانهيار. لكنه بذلك يضع نفسه أمام جملة من الإشكالات الخاصة به.
الإشكال الأول يتعلق بمكانة الشك داخل هذا التمشي. النقد يحتاج إلى الشك المنهجي حتى يكشف الافتراضات المضمرة والثغرات والحجب. غير أن الحدود بين الشك المنهجي والشك الانكساري ليست واضحة دائماً. متى يتوقف الشك عن كونه أداة بناء ليصبح مبدأ هدماً؟ وكيف يمكن ضمان أن النقد لا ينزلق تدريجياً نحو شكل مموّه من الريبة المطلقة؟ إن التمشي النقدي يدّعي السيطرة على الشك وتوجيهه، لكن هذه السيطرة نفسها تحتاج إلى معايير، والمعايير قابلة بدورها للمساءلة، فيبدو أننا نعود إلى دائرة التبرير من نافذة أخرى. الإشكال الثاني يمس فكرة البناء بعد التفكيك. يدّعي التمشي النقدي أنه لا يكتفي بالهدم بل يقترح بدائل أو تعديلات. لكن من أين يستمد مشروعية هذه البدائل؟ إذا كانت كل الأسس التاريخية مشروطة وقابلة للنقد، فبأي حق يفضل إطاراً تفسيرياً على آخر؟ هل يلجأ هنا، بشكل خفي، إلى معايير براغماتية أو اتساقية أو خصوبية تُعامل عملياً كما لو كانت نهائية؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يستعيد شيئاً من الدغمائية التي خرج منها؟ يبدو أن النقدية مجبرة على العمل داخل أفق من الافتراضات المؤقتة التي لا تستطيع تبريرها تبريراً مطلقاً، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الاستغناء عنها.
الإشكال الثالث يتعلق بالتاريخية. يعترف التمشي النقدي بأن كل معرفة مشروطة تاريخياً واجتماعياً ولغوياً. هذا الاعتراف يحرر من أوهام الإطلاق، لكنه يثير سؤالاً حاداً: كيف يمكن لنقد مشروط تاريخياً أن يدّعي القدرة على كشف شروط غيره من المعارف؟ ألا يقع في نوع من النسبية التي تضعف قوة النقد ذاته؟ وإذا كانت كل معايير المراجعة هي ذاتها تاريخية، فما الذي يمنع من النظر إلى التمشي النقدي نفسه بوصفه مجرد تعبير عن لحظة ثقافية معينة قابلة للتجاوز أو للتفكيك؟
أبعاد التمشي النقدي في الممارسة المعرفية المعاصرة
يمتد التمشي النقدي عبر عدة مستويات. على المستوى الفردي، يظهر في قدرة الباحث أو المفكر على تعليق أحكامه المؤقتة، وفحص افتراضاته المسبقة، ومواجهة الأدلة المضادة دون دفاع دغمائي أو استسلام ريبي. على المستوى الجماعي، يظهر في المؤسسات العلمية والثقافية التي تبني آليات للمراجعة والنقاش الحر دون أن تتحول إلى حراسة للعقائد أو إلى ساحات للتفكيك اللامتناهي.
في العلوم الطبيعية، يتجلى التمشي النقدي في قدرة النظريات على الصمود أمام الاختبار مع الاستعداد للتعديل أو الاستبدال. في العلوم الإنسانية والاجتماعية، يظهر في الوعي بأن المفاهيم والأطر التحليلية محملة بتاريخ ومصالح، وفي السعي إلى كشف هذه الأحمال دون الوقوع في العدمية التفسيرية. في الفلسفة ذاتها، يتمثل في رفض بناء أنظمة مغلقة وفي الإصرار على طرح الأسئلة الجذرية مع الحفاظ على إمكانية الإجابة الجزئية والمؤقتة. يواجه التمشي النقدي تحديات مستمرة. من جهة الدغمائية، هناك دائماً إغراء العودة إلى اليقين المريحة. من جهة الريبة، هناك إغراء الاستمتاع بالتفكيك دون الالتزام بالبناء. التمشي النقدي يتطلب جهداً مزدوجاً: مقاومة الإغلاق ومقاومة الانحلال في الوقت نفسه. إنه موقف يتطلب شجاعة معرفية: شجاعة الاعتراف بالنقص، وشجاعة الاستمرار في البناء رغم النقص.
توترات الممارسة النقدية في مستوياتها المختلفة
تتفاقم هذه الإشكالات عندما ننتقل من المستوى النظري إلى مستوى الممارسة الفعلية. على المستوى الفردي، يواجه الباحث ضرورة الجمع بين الانفتاح النقدي والالتزام بفرضية عمل. كيف يعلق الحكم بما يكفي لفحص الافتراضات دون أن يفقد القدرة على الحسم المؤقت الضروري لأي بحث؟ التمشي النقدي يطلب نوعاً من التوازن الدقيق الذي قد ينهار في أي لحظة نحو دغمائية دفاع عن النتائج أو نحو ريبية تمنع الوصول إلى أي نتيجة. على المستوى الجماعي والمؤسسي، تبدو الصعوبة أكبر. فالمؤسسات المعرفية تحتاج إلى قدر من الاستقرار والاتفاق حتى تستمر، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى آليات نقد جذرية حتى لا تتجمد. كيف يمكن تنظيم هذا التوتر دون أن يتحول النقد إلى طقس شكلي يحمي النظام القائم، أو إلى قوة تفكيكية تهدد استمرارية التقليد المعرفي نفسه؟ يبدو أن كل حل مؤسسي يحمل في داخله بذور انحرافه نحو أحد الطرفين. أما على مستوى التقدم المعرفي، فإن التمشي النقدي يواجه سؤالاً أعمق: ما معنى التقدم إذا لم يكن هناك اقتراب من حقيقة مطلقة ولا تراكم خطي مضمون؟ هل يكفي الحديث عن توسيع القدرات التفسيرية أو زيادة الخصوبة أو تحسين القدرة على التنبؤ والتدخل؟ هذه الصيغ تبدو معقولة، لكنها تظل هي ذاتها عرضة للنقد: فمن يقرر ما هو أكثر خصوبة أو أفضل تفسيراً؟ وهل يمكن تجنب نوع من الدائرة حين نستخدم معايير التقدم لنبرر التقدم نفسه؟
إمكانات التمشي النقدي وحدود الادعاء الإبستيمولوجي
رغم هذه التوترات كلها، لا يبدو أن التخلي عن التمشي النقدي حلّاً. فالعودة إلى الاتصال الدغمائي تعني التضحية بإمكانية المراجعة الجذرية، والاندفاع في الريبة الانكسارية يعني التضحية بإمكانية المعرفة الموجهة. التمشي النقدي يظل، رغم تناقضاته الداخلية، الاستجابة الأكثر وعياً بتعقيد الوضع الإبستيمولوجي الإنساني. غير أن هذا لا يعني أنه موقف مريح أو مكتمل. إنه بالأحرى ممارسة مستمرة للتوتر لا حلاً له. يعترف بأن سلسلة التبريرات مفتوحة أو ناقصة، ويصر مع ذلك على التمييز بين درجات اليقين والسياقية. يقبل بأن معاييره ذاتها قابلة للنقد، ويستمر في استخدامها بشكل مؤقت ومسؤول. يرى في النقص البنيوي ليس مبرراً للعجز بل شرطاً للحركة والتجدد. لكنه يظل مهدداً دائماً بالانزلاق: إما نحو إعادة تأسيس خفية لبعض الأسس، أو نحو تفكيك يفقد القدرة على البناء.
الإشكال الأخير والأعمق ربما يكون هذا: هل يستطيع التمشي النقدي أن ينقد نفسه جذرياً دون أن يدمر شروط إمكانه؟ إن القدرة على النقد الذاتي هي من أبرز ادعاءاته، لكنها تطرح سؤالاً دائرياً. فإذا كان النقد يشمل الأسس التي يقوم عليها التمشي نفسه، فما الذي يبقى بعد هذا النقد؟ وإذا رفض أن يصل بالنقد الذاتي إلى نهايته، أفلا يحتفظ بمنطقة محصنة تشبه الدغمائية؟ يبدو أن التمشي النقدي محكوم بالعيش داخل هذه الدائرة لا بالخروج منها نهائياً.
خاتمة
هكذا يتبين أن التمشي النقدي ليس موقفاً وسيطاً هادئاً بين طرفين متطرفين، بل هو حقل من التوترات المستمرة التي لا تقبل الحسم النهائي. إنه يرفض الإغلاق الدغمائي لأنه يدرك أن كل أساس مطلق هو في الحقيقة موقف تاريخي متنكر، ويرفض الانكسار الريبي لأنه يدرك أن المعرفة، رغم نقصها، تظل الشرط الضروري للوجود الإنساني الفاعل. لكنه في رفضه المزدوج هذا يحمل تناقضاته الخاصة، ويظل مطالباً بإعادة صياغة شروطه باستمرار. فالمعرفة النقدية لا تنتهي إلى جواب نهائي، بل إلى تعميق مستمر للأسئلة التي تجعل المعرفة ممكنة ومهددة في آن واحد. بين الاتصال الذي يطلب الإطلاق والانكسار الذي يطلب الاستحالة، يبقى التمشي النقدي ممارسة محفوفة بالمخاطر، لكنها ربما تكون الممارسة الوحيدة التي تليق بتعقيد الوضع الإنساني المعرفي. من هذا المنطلق يفتح التمشي النقدي أفقاً لإبستيمولوجيا حية وغير مكتملة. معرفة من هذا النوع لا تدعي الإحاطة النهائية، لكنها قادرة على التقدم، وعلى تصحيح أخطائها، وعلى توليد إمكانيات جديدة للفهم. إنها معرفة تدرك أنها دائماً في طريق، وأن الطريق نفسه جزء من حقيقتها. هذا الأفق يسمح بتصور التقدم المعرفي لا بوصفه اقتراباً من حقيقة مطلقة ثابتة، ولا بوصفه وهماً دائرياً، بل بوصفه توسيعاً مستمراً لقدراتنا على التفسير والتوقع والتدخل المسؤول. التقدم هنا يحمل بعداً كيفياً: ليس فقط معرفة أكثر، بل معرفة أعمق وعياً بشروطها وحدودها. في النهاية، التمشي النقدي ليس مجرد خيار إبستيمولوجي بين خيارات أخرى. إنه الاستجابة الأكثر أصالة لتعقيد الممارسة المعرفية الإنسانية. الإنسان يعرف وهو يشك، ويبني وهو ينقد، ويتوجه وهو يراجع. بين الاتصال الدغمائي الذي يخشى الفراغ والانكسار الريبي الذي يستسلم له، يظل التمشي النقدي هو الطريق الذي يحافظ على إمكان المعرفة دون أن يتحول إلى وثن لها. إنه الممارسة التي تجعل من النقص نفسه مصدراً للحركة والتجدد، ومن الشك نفسه أداة للوضوح لا للظلام. هل يمكن لهذا التمشي أن يستمر دون أن يتحول إلى صيغة جديدة من الدغمائية أو إلى شكل مخفف من الريبة؟ هل تستطيع الممارسة المعرفية أن تحيا طويلاً داخل التوتر دون أن تميل إلى أحد الحدّين طلباً للراحة؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، ولعل انفتاحها نفسه هو ما يميز المقاربة النقدية الحقيقية.
كاتب فلسفي
تظل الممارسة المعرفية، بما هي فعل إنتاج للمعرفة وتسويغها وتصحيحها، محكومة بتوتر بنيوي أصلي لا ينفك عنها. هذا التوتر يتجلى في صورتين متقابلتين: نزعة اتصالية دغمائية تسعى إلى ربط كل معرفة بأساس ثابت أو سلسلة متصلة من المبررات التي لا تقبل الانقطاع، ونزعة ريبية انكسارية تدفع بالشك إلى حد تهديم إمكانية المعرفة ذاتها. بينهما يبرز التمشي النقدي بوصفه مساراً إبستيمولوجياً يرفض الانغلاق الدغمائي والانحلال الريبي معاً، ويحاول أن يبني معرفة حية قابلة للمراجعة دون أن تفقد قدرتها على التوجه والفعل. هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذا التمشي استكشافاً مفصلاً، بوصفه موقفاً إبستيمولوجياً أصيلاً لا يكتفي بالوساطة السطحية، بل يعيد صياغة شروط إمكانية المعرفة ذاتها.
فهل يمكن للممارسة المعرفية أن تتحرك أصلاً دون أن تسقط في أحد حدّين متطرفين يبدو كلاهما مهدداً لإمكانها ذاتها؟ من جهة، نزعة اتصالية دغمائية تصرّ على ربط كل معرفة بسلسلة متصلة من المبررات تنتهي إلى أساس لا يقبل المساءلة، فتغلق بذلك أفق المراجعة الجذرية. ومن جهة أخرى، نزعة ريبية انكسارية تحول ملاحظة نقص التبرير إلى مبدأ هدام يقوّض القدرة على البناء المعرفي من أساسه. بين هذين الحدّين يظهر ما يمكن تسميته «التمشي النقدي» بوصفه محاولة للإفلات من الإغلاق ومن الانهيار معاً. غير أن هذا التمشي نفسه يثير جملة من الإشكالات العميقة: هل هو موقف ممكن فعلاً أم مجرد تسمية وسيطة تخفي تناقضاتها الداخلية؟ وكيف يمكن للنقد أن يكون بنّاءً دون أن يستعيد، بشكل خفي، شيئاً من الدغمائية التي يرفضها؟ وهل يستطيع أن يواجه قوة الريبة الانكسارية دون أن ينحلّ هو ذاته في شكل من أشكال الشك المعطّل؟ هذه الأسئلة ليست تمهيدية بل هي النواة التي يدور حولها البحث كله.
البنية التوترية للممارسة المعرفية
الممارسة المعرفية ليست مجرد تراكم لمعلومات أو تطبيق لقواعد منطقية مجردة. إنها نشاط تاريخي واجتماعي وذاتي في آن واحد، يتحرك داخل أفق من الافتراضات المسبقة والقيم الإبستيمولوجية التي غالباً ما تظل مضمرة. داخل هذا النشاط يظهر ميلان متضادان: من جهة، الميل الاتصالي الدغمائي الذي يرى المعرفة سلسلة مترابطة يجب أن تستند في نهايتها إلى نقطة ارتكاز مطلقة: سواء كانت حدساً عقلياً بديهياً، أو حساً مباشراً معصوماً، أو بنية لغوية كلية، أو مبدأ أنطولوجياً ثابتاً. هذا الميل يخشى الفراغ واللايقين، فيسعى إلى ملء كل ثغرة بمبرر إضافي، حتى يصل إلى أساس لا يحتاج هو ذاته إلى تبرير. النتيجة المنطقية لهذا السعي هي الانغلاق: كل معرفة جديدة تُقاس بمدى انسجامها مع السلسلة القائمة، وكل نقد يُعامل بوصفه تهديداً للاتصال نفسه. ومن جهة أخرى، الميل الريبي الانكساري الذي يبدأ من ملاحظة أن كل تبرير يستدعي تبريراً آخر، فينتهي إلى سلسلة لا نهائية أو إلى دائرة أو إلى توقف اعتباطي. بدلاً من البحث عن حل لهذه المعضلة، يحوّل الريبي الانكساري هذه الملاحظة إلى مبدأ هدام: إذا لم يكن هناك أساس مطلق، فلا معرفة حقيقية ممكنة. هذا الموقف لا يكتفي بالتشكيك المنهجي، بل يسعى إلى تفكيك كل ادعاء معرفي، حتى يصل إلى حالة من العجز المعرفي أو اللامبالاة الإبستيمولوجية. الانكسار هنا ليس مجرد شك مؤقت، بل انهيار القدرة على البناء المعرفي ذاته.التمشي النقدي ينشأ بالضبط من رفض هذين الحدين المتطرفين. إنه لا يقبل الاتصال الدغمائي لأنه يدرك أن كل أساس مطلق هو في الحقيقة موقف تاريخي قابل للمساءلة، ولا يقبل الانكسار الريبي لأنه يرى أن المعرفة، رغم نسبيتها ونقصها، تظل ممكنة وضرورية للوجود الإنساني. النقد هنا ليس مجرد أداة سلبية، بل هو حركة إيجابية لإعادة بناء شروط التبرير والمراجعة والتقدم المعرفي.
إشكالية الاتصال الدغمائي وحدود طلب الأساس
تبدأ المشكلة من حاجة الممارسة المعرفية إلى شيء يشبه الاتصال. فالمعرفة لا تقوم في فراغ مطلق؛ كل حكم يستند إلى أحكام سابقة، وكل استدلال يفترض قواعد أو مبادئ، وكل تجربة تُفسَّر داخل أفق من التوقعات. يبدو إذن أن الاتصال ضرورة بنيوية. غير أن هذه الضرورة سرعان ما تنقلب إلى دغمائية حين يُطلب لها أساس نهائي مطلق: حدس عقلي لا يُسأل، أو معطى حسي معصوم، أو بنية لغوية كلية، أو اتفاق تواصلي محصّن. هنا يتحول الاتصال من شرط عملي إلى قيمة مطلقة، ويصبح أي انقطاع أو ثغرة أمراً يجب ردمه بأي ثمن.
الإشكال الجوهري هنا مزدوج. أولاً، كيف يمكن لهذا الأساس المزعوم أن يبرر نفسه دون أن يدخل في سلسلة جديدة من التبريرات؟ إن ادعاء الإطلاق يضع الأساس خارج دائرة النقد، وبذلك يقطع الاتصال الذي يدّعي حمايته. فالاتصال الحقيقي يقتضي قابلية الاستمرار والمساءلة، بينما الأساس الدغمائي يوقف السلسلة بطريقة اعتباطية متخفية. ثانياً، يؤدي هذا الإيقاف إلى إضعاف القدرة على استيعاب التغيرات الجذرية في المعرفة. فكل ثورة معرفية حقيقية تنطوي على إعادة ترتيب لشروط التبرير نفسها، وهو ما يبدو للدغمائي تهديداً للاتصال برمته. هكذا ينقلب طلب اليقين المطلق إلى مصدر للهشاشة: النظام المغلق عاجز عن تصحيح نفسه من الداخل عندما تتراكم الشذوذات.
لكن رفض الدغمائية لا يحل المشكلة تلقائياً. فإذا كان الاتصال المطلق مستحيلاً، فهل يعني ذلك أن كل اتصال معرفي وهمي؟ وهل يمكن للممارسة أن تستمر في غياب أي شكل من أشكال الاستقرار النسبي؟ هذه الأسئلة تدفع إلى الطرف الآخر من التوتر. كما تتميز النزعة الاتصالية الدغمائية بعدة سمات بنيوية. أولاً، الإيمان بوجود أساس نهائي أو سلسلة مكتملة من المبررات. هذا الأساس قد يتخذ أشكالاً متعددة: عقلياً صرفاً كما في بعض التصورات العقلانية الكلاسيكية، أو حسياً كما في بعض صيغ التجريبية المتشددة، أو لغوياً أو اجتماعياً كما في بعض الاتجاهات المعاصرة التي تحول الاتفاق التواصلي إلى معيار نهائي. في كل الحالات، يُعامل الأساس بوصفه خارج دائرة النقد الجذري. ثانياً، تحويل الاتصال إلى قيمة إبستيمولوجية عليا. أي انقطاع أو ثغرة في السلسلة يُنظر إليه بوصفه فشلاً معرفياً. لذلك يميل أصحاب هذه النزعة إلى بناء أنظمة مغلقة أو شبه مغلقة، حيث تُستبعد الأسئلة التي تهدد تماسك النظام بوصفها أسئلة زائفة أو غير مشروعة. هذا الإغلاق ليس دائماً واعياً؛ غالباً ما يظهر في صورة مقاومة للمراجعة الجذرية، أو في تحويل المبادئ الأساسية إلى عقائد محصنة. ثالثاً، العلاقة المتوترة مع التاريخ والتغير. لأن الاتصال الدغمائي يسعى إلى الثبات، فإنه يميل إلى النظر إلى التغيرات المعرفية الكبرى بوصفها انحرافات أو أزمات يجب تجاوزها بالعودة إلى الأساس. النتيجة هي ضعف القدرة على استيعاب الثورات المعرفية الحقيقية، التي غالباً ما تنطوي على إعادة صياغة جذرية لشروط التبرير ذاتها.
رغم هذه المحدوديات، لا يمكن إنكار أن النزعة الاتصالية تلبي حاجة إنسانية عميقة إلى اليقين والتوجيه. بدون حد أدنى من الاتصال والاستقرار، تصبح الممارسة المعرفية عاجزة عن إنتاج معرفة قابلة للاستخدام العملي أو عن بناء تقاليد علمية وثقافية مستمرة. المشكلة لا تكمن في السعي إلى الاتصال، بل في تحويله إلى مطلق دغمائي يرفض أن يكون هو ذاته موضوعاً للنقد.
إشكالية الريبة الانكسارية وحدود التفكيك
على الطرف المقابل، تنطلق النزعة الريبية الانكسارية من ملاحظة صحيحة جزئياً: أن سلسلة التبريرات لا يمكن أن تكون مكتملة بالمعنى المطلق. كل مبرر يحتاج إلى مبرر آخر، وكل معيار يحتاج إلى تسويغ، وكل أساس يدعي الإطلاق يمكن مساءلته. من هنا ينتقل الريبي الانكساري إلى استنتاج جذري: بما أنه لا أساس مطلق، فلا معرفة ممكنة، أو على الأقل لا معرفة تتجاوز الرأي والاعتقاد الذاتي.هذا الموقف يتميز بعدة خصائص. أولاً، تحويل الشك من أداة منهجية إلى غاية نهائية. الشك المنهجي يهدف إلى تنقية المعرفة وتقويتها، أما الشك الانكساري فيهدف إلى إظهار استحالة المعرفة. ثانياً، الميل إلى التعميم المفرط: من ملاحظة أن بعض الادعاءات المعرفية ضعيفة أو مدحوضة، ينتقل إلى الحكم بأن كل ادعاء معرفي يحمل في طياته بذور انهياره. ثالثاً، الضعف العملي: الريبي الانكساري يجد صعوبة في تبرير أفعاله اليومية أو اختياراته العلمية، لأنه إذا كانت المعرفة مستحيلة، فكيف يبرر تفضيل فرضية على أخرى أو قراراً على آخر؟الريبة الانكسارية تكشف عن حدود كل دغمائية، وهذا فضلها الإبستيمولوجي. لكنها تدفع بهذا الكشف إلى حد يفقد فيه القدرة على التمييز بين درجات اليقين، وبين المعرفة الأفضل والمعرفة الأسوأ، وبين التقدم والتراجع. النتيجة هي نوع من الشلل المعرفي أو النسبية المطلقة التي لا تترك مجالاً للممارسة النقدية الحقيقية.
تنطلق الريبة الانكسارية من ملاحظة دقيقة: سلسلة التبريرات إما أن تكون لا نهائية، أو دائرية، أو متوقفة عند نقطة لا تبرر نفسها. في الحالات الثلاث يبدو أن اليقين المطلق مفقود. من هنا يقفز الريبي إلى استنتاج انكساري: بما أنه لا أساس، فلا معرفة بالمعنى القوي للكلمة. كل ادعاء معرفي يحمل في داخله بذور انهياره، وكل معيار يمكن تعليقه، وكل تقدم ظاهري ليس سوى إعادة ترتيب لأوهام مؤقتة.قوة هذا الموقف تكمن في كشفه المستمر لأوهام الإطلاق. غير أن قوته هذه تنقلب إلى ضعف حين تتحول إلى مبدأ كلي. فالإشكال هنا يتمثل في أن الريبة الانكسارية نفسها تحتاج إلى حد أدنى من المعرفة حتى تمارس تفكيكها: معرفة باللغة التي تستخدمها، وبمنطق الحجج التي تنقضها، وبالمعايير التي تُظهر بها ضعف الادعاءات الأخرى. كيف يمكن لخطاب يدّعي استحالة المعرفة أن يبرر قدرته على إظهار هذه الاستحالة؟ إن الانكسار التام يهدم شروط إمكان الريبة ذاتها.
علاوة على ذلك، تواجه الريبة الانكسارية صعوبة عملية حادة. فالممارسة اليومية والعلمية والأخلاقية تتطلب تمييزاً بين الفرضيات الأفضل والأسوأ، بين الأدلة الأقوى والأضعف، بين التفسيرات الأكثر خصوبة والأقل. فإذا سُوّي كل شيء في مستوى واحد من اللايقين، انعدمت القدرة على التوجيه والاختيار المسؤول. هكذا يتحول الشك من أداة تحريرية إلى مصدر للشلل. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن الاحتفاظ بقوة التفكيك الريبي دون السقوط في العجز المعرفي؟
التمشي النقدي بوصفه محاولة للخروج من الثنائية وحدوده الداخلية
التمشي النقدي لا يسعى إلى التوفيق السطحي بين الطرفين، بل يعيد صياغة السؤال الإبستيمولوجي نفسه. بدلاً من السؤال: "ما هو الأساس المطلق الذي يمنح المعرفة يقينها؟" أو "كيف نثبت استحالة المعرفة؟"، يطرح السؤال: "كيف نمارس المعرفة بطريقة تسمح بالمراجعة المستمرة دون أن تنهار القدرة على البناء والتوجيه؟"
هذا التمشي يقوم على عدة مبادئ مترابطة:
أولاً، الاعتراف بالتاريخية والشرطية لكل معرفة. لا توجد معرفة خارج أفق تاريخي واجتماعي ولغوي معين. هذا الاعتراف لا يؤدي إلى النسبية المطلقة، بل إلى فهم أن كل معرفة تحمل في داخلها إمكانيات تجاوزها. النقدية هنا تعني القدرة على الكشف عن الشروط التي تجعل معرفة ما ممكنة، وفي الوقت نفسه الكشف عن حدود هذه الشروط.
ثانياً، التمييز بين الشك المنهجي والشك الانكساري. الشك المنهجي جزء أصيل من التمشي النقدي؛ إنه الأداة التي تسمح باختبار الادعاءات وكشف الثغرات. لكنه يظل موجهاً نحو تحسين المعرفة لا نحو هدمها. النقد لا يتوقف عند التفكيك، بل ينتقل إلى اقتراح بدائل أو تعديلات أو أطر جديدة.
ثالثاً، قبول النقص البنيوي للتبرير دون الاستسلام له. سلسلة التبريرات قد تكون مفتوحة أو دائرية أو متوقفة عند نقاط مؤقتة، وهذا ليس عيباً قاتلاً. المعرفة العملية والعلمية تبنى على مستويات من التسويغ كافية للغرض المقصود، قابلة للمراجعة عندما تظهر أدلة أو حجج جديدة. اليقين هنا ليست مطلقة، بل درجوية وسياقية.
رابعاً، ربط المعرفة بالفعل والمسؤولية. التمشي النقدي لا يفصل الإبستيمولوجيا عن الإيتيقا والبراكسيس. المعرفة ليست مجرد تمثيل للواقع، بل هي مشاركة في تشكيل العالم. لذلك فإن النقد المعرفي يحمل في طياته بعداً تحويلياً: كشف الأوهام الدغمائية وتحرير إمكانيات جديدة للفهم والعمل.
خامساً، بناء معايير داخلية للمراجعة. بدلاً من اللجوء إلى أساس خارجي مطلق، يطور التمشي النقدي معايير تنبع من داخل الممارسة المعرفية نفسها: الاتساق الداخلي، القدرة التفسيرية، الخصوبة في توليد أسئلة جديدة، الملاءمة مع التجربة، والانفتاح على النقد الخارجي. هذه المعايير ليست نهائية، بل هي ذاتها قابلة للنقد والتطوير.
يظهر التمشي النقدي في هذا السياق بوصفه محاولة للتفكير في إمكانية ثالثة: معرفة تعترف بنقصها البنيوي وتظل مع ذلك قادرة على البناء والمراجعة والتقدم. إنه يرفض أن يكون الاتصال مطلقاً، ويرفض أن يكون النقص مبرراً للانهيار. لكنه بذلك يضع نفسه أمام جملة من الإشكالات الخاصة به.
الإشكال الأول يتعلق بمكانة الشك داخل هذا التمشي. النقد يحتاج إلى الشك المنهجي حتى يكشف الافتراضات المضمرة والثغرات والحجب. غير أن الحدود بين الشك المنهجي والشك الانكساري ليست واضحة دائماً. متى يتوقف الشك عن كونه أداة بناء ليصبح مبدأ هدماً؟ وكيف يمكن ضمان أن النقد لا ينزلق تدريجياً نحو شكل مموّه من الريبة المطلقة؟ إن التمشي النقدي يدّعي السيطرة على الشك وتوجيهه، لكن هذه السيطرة نفسها تحتاج إلى معايير، والمعايير قابلة بدورها للمساءلة، فيبدو أننا نعود إلى دائرة التبرير من نافذة أخرى. الإشكال الثاني يمس فكرة البناء بعد التفكيك. يدّعي التمشي النقدي أنه لا يكتفي بالهدم بل يقترح بدائل أو تعديلات. لكن من أين يستمد مشروعية هذه البدائل؟ إذا كانت كل الأسس التاريخية مشروطة وقابلة للنقد، فبأي حق يفضل إطاراً تفسيرياً على آخر؟ هل يلجأ هنا، بشكل خفي، إلى معايير براغماتية أو اتساقية أو خصوبية تُعامل عملياً كما لو كانت نهائية؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يستعيد شيئاً من الدغمائية التي خرج منها؟ يبدو أن النقدية مجبرة على العمل داخل أفق من الافتراضات المؤقتة التي لا تستطيع تبريرها تبريراً مطلقاً، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الاستغناء عنها.
الإشكال الثالث يتعلق بالتاريخية. يعترف التمشي النقدي بأن كل معرفة مشروطة تاريخياً واجتماعياً ولغوياً. هذا الاعتراف يحرر من أوهام الإطلاق، لكنه يثير سؤالاً حاداً: كيف يمكن لنقد مشروط تاريخياً أن يدّعي القدرة على كشف شروط غيره من المعارف؟ ألا يقع في نوع من النسبية التي تضعف قوة النقد ذاته؟ وإذا كانت كل معايير المراجعة هي ذاتها تاريخية، فما الذي يمنع من النظر إلى التمشي النقدي نفسه بوصفه مجرد تعبير عن لحظة ثقافية معينة قابلة للتجاوز أو للتفكيك؟
أبعاد التمشي النقدي في الممارسة المعرفية المعاصرة
يمتد التمشي النقدي عبر عدة مستويات. على المستوى الفردي، يظهر في قدرة الباحث أو المفكر على تعليق أحكامه المؤقتة، وفحص افتراضاته المسبقة، ومواجهة الأدلة المضادة دون دفاع دغمائي أو استسلام ريبي. على المستوى الجماعي، يظهر في المؤسسات العلمية والثقافية التي تبني آليات للمراجعة والنقاش الحر دون أن تتحول إلى حراسة للعقائد أو إلى ساحات للتفكيك اللامتناهي.
في العلوم الطبيعية، يتجلى التمشي النقدي في قدرة النظريات على الصمود أمام الاختبار مع الاستعداد للتعديل أو الاستبدال. في العلوم الإنسانية والاجتماعية، يظهر في الوعي بأن المفاهيم والأطر التحليلية محملة بتاريخ ومصالح، وفي السعي إلى كشف هذه الأحمال دون الوقوع في العدمية التفسيرية. في الفلسفة ذاتها، يتمثل في رفض بناء أنظمة مغلقة وفي الإصرار على طرح الأسئلة الجذرية مع الحفاظ على إمكانية الإجابة الجزئية والمؤقتة. يواجه التمشي النقدي تحديات مستمرة. من جهة الدغمائية، هناك دائماً إغراء العودة إلى اليقين المريحة. من جهة الريبة، هناك إغراء الاستمتاع بالتفكيك دون الالتزام بالبناء. التمشي النقدي يتطلب جهداً مزدوجاً: مقاومة الإغلاق ومقاومة الانحلال في الوقت نفسه. إنه موقف يتطلب شجاعة معرفية: شجاعة الاعتراف بالنقص، وشجاعة الاستمرار في البناء رغم النقص.
توترات الممارسة النقدية في مستوياتها المختلفة
تتفاقم هذه الإشكالات عندما ننتقل من المستوى النظري إلى مستوى الممارسة الفعلية. على المستوى الفردي، يواجه الباحث ضرورة الجمع بين الانفتاح النقدي والالتزام بفرضية عمل. كيف يعلق الحكم بما يكفي لفحص الافتراضات دون أن يفقد القدرة على الحسم المؤقت الضروري لأي بحث؟ التمشي النقدي يطلب نوعاً من التوازن الدقيق الذي قد ينهار في أي لحظة نحو دغمائية دفاع عن النتائج أو نحو ريبية تمنع الوصول إلى أي نتيجة. على المستوى الجماعي والمؤسسي، تبدو الصعوبة أكبر. فالمؤسسات المعرفية تحتاج إلى قدر من الاستقرار والاتفاق حتى تستمر، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى آليات نقد جذرية حتى لا تتجمد. كيف يمكن تنظيم هذا التوتر دون أن يتحول النقد إلى طقس شكلي يحمي النظام القائم، أو إلى قوة تفكيكية تهدد استمرارية التقليد المعرفي نفسه؟ يبدو أن كل حل مؤسسي يحمل في داخله بذور انحرافه نحو أحد الطرفين. أما على مستوى التقدم المعرفي، فإن التمشي النقدي يواجه سؤالاً أعمق: ما معنى التقدم إذا لم يكن هناك اقتراب من حقيقة مطلقة ولا تراكم خطي مضمون؟ هل يكفي الحديث عن توسيع القدرات التفسيرية أو زيادة الخصوبة أو تحسين القدرة على التنبؤ والتدخل؟ هذه الصيغ تبدو معقولة، لكنها تظل هي ذاتها عرضة للنقد: فمن يقرر ما هو أكثر خصوبة أو أفضل تفسيراً؟ وهل يمكن تجنب نوع من الدائرة حين نستخدم معايير التقدم لنبرر التقدم نفسه؟
إمكانات التمشي النقدي وحدود الادعاء الإبستيمولوجي
رغم هذه التوترات كلها، لا يبدو أن التخلي عن التمشي النقدي حلّاً. فالعودة إلى الاتصال الدغمائي تعني التضحية بإمكانية المراجعة الجذرية، والاندفاع في الريبة الانكسارية يعني التضحية بإمكانية المعرفة الموجهة. التمشي النقدي يظل، رغم تناقضاته الداخلية، الاستجابة الأكثر وعياً بتعقيد الوضع الإبستيمولوجي الإنساني. غير أن هذا لا يعني أنه موقف مريح أو مكتمل. إنه بالأحرى ممارسة مستمرة للتوتر لا حلاً له. يعترف بأن سلسلة التبريرات مفتوحة أو ناقصة، ويصر مع ذلك على التمييز بين درجات اليقين والسياقية. يقبل بأن معاييره ذاتها قابلة للنقد، ويستمر في استخدامها بشكل مؤقت ومسؤول. يرى في النقص البنيوي ليس مبرراً للعجز بل شرطاً للحركة والتجدد. لكنه يظل مهدداً دائماً بالانزلاق: إما نحو إعادة تأسيس خفية لبعض الأسس، أو نحو تفكيك يفقد القدرة على البناء.
الإشكال الأخير والأعمق ربما يكون هذا: هل يستطيع التمشي النقدي أن ينقد نفسه جذرياً دون أن يدمر شروط إمكانه؟ إن القدرة على النقد الذاتي هي من أبرز ادعاءاته، لكنها تطرح سؤالاً دائرياً. فإذا كان النقد يشمل الأسس التي يقوم عليها التمشي نفسه، فما الذي يبقى بعد هذا النقد؟ وإذا رفض أن يصل بالنقد الذاتي إلى نهايته، أفلا يحتفظ بمنطقة محصنة تشبه الدغمائية؟ يبدو أن التمشي النقدي محكوم بالعيش داخل هذه الدائرة لا بالخروج منها نهائياً.
خاتمة
هكذا يتبين أن التمشي النقدي ليس موقفاً وسيطاً هادئاً بين طرفين متطرفين، بل هو حقل من التوترات المستمرة التي لا تقبل الحسم النهائي. إنه يرفض الإغلاق الدغمائي لأنه يدرك أن كل أساس مطلق هو في الحقيقة موقف تاريخي متنكر، ويرفض الانكسار الريبي لأنه يدرك أن المعرفة، رغم نقصها، تظل الشرط الضروري للوجود الإنساني الفاعل. لكنه في رفضه المزدوج هذا يحمل تناقضاته الخاصة، ويظل مطالباً بإعادة صياغة شروطه باستمرار. فالمعرفة النقدية لا تنتهي إلى جواب نهائي، بل إلى تعميق مستمر للأسئلة التي تجعل المعرفة ممكنة ومهددة في آن واحد. بين الاتصال الذي يطلب الإطلاق والانكسار الذي يطلب الاستحالة، يبقى التمشي النقدي ممارسة محفوفة بالمخاطر، لكنها ربما تكون الممارسة الوحيدة التي تليق بتعقيد الوضع الإنساني المعرفي. من هذا المنطلق يفتح التمشي النقدي أفقاً لإبستيمولوجيا حية وغير مكتملة. معرفة من هذا النوع لا تدعي الإحاطة النهائية، لكنها قادرة على التقدم، وعلى تصحيح أخطائها، وعلى توليد إمكانيات جديدة للفهم. إنها معرفة تدرك أنها دائماً في طريق، وأن الطريق نفسه جزء من حقيقتها. هذا الأفق يسمح بتصور التقدم المعرفي لا بوصفه اقتراباً من حقيقة مطلقة ثابتة، ولا بوصفه وهماً دائرياً، بل بوصفه توسيعاً مستمراً لقدراتنا على التفسير والتوقع والتدخل المسؤول. التقدم هنا يحمل بعداً كيفياً: ليس فقط معرفة أكثر، بل معرفة أعمق وعياً بشروطها وحدودها. في النهاية، التمشي النقدي ليس مجرد خيار إبستيمولوجي بين خيارات أخرى. إنه الاستجابة الأكثر أصالة لتعقيد الممارسة المعرفية الإنسانية. الإنسان يعرف وهو يشك، ويبني وهو ينقد، ويتوجه وهو يراجع. بين الاتصال الدغمائي الذي يخشى الفراغ والانكسار الريبي الذي يستسلم له، يظل التمشي النقدي هو الطريق الذي يحافظ على إمكان المعرفة دون أن يتحول إلى وثن لها. إنه الممارسة التي تجعل من النقص نفسه مصدراً للحركة والتجدد، ومن الشك نفسه أداة للوضوح لا للظلام. هل يمكن لهذا التمشي أن يستمر دون أن يتحول إلى صيغة جديدة من الدغمائية أو إلى شكل مخفف من الريبة؟ هل تستطيع الممارسة المعرفية أن تحيا طويلاً داخل التوتر دون أن تميل إلى أحد الحدّين طلباً للراحة؟ هذه الأسئلة تظل مفتوحة، ولعل انفتاحها نفسه هو ما يميز المقاربة النقدية الحقيقية.
كاتب فلسفي