د. زياد العوف - من تراثنا الثقافيّ العريق.. "كتاب الأغاني" لأبي الفرج الأصفهانيّ

يُعَدُّ أبو الفرج عليّ بن الحسين المروانيّ أحد أعلام الثقافة والأدب العربيّ على مرّ العصور، وإذا كانت شهرته الأدبية مدينةً أساساً لكتابه الموسوعيّ الضخم ( كتاب الأغاني) فإنّ للمؤلّف خمسة وعشرين كتاباً آخر معروفاً ناهيك عن عدد من الكتب الأخرى التي لم تصل إلى سمع ومعرفة مؤرّخي مصنّفات الحضارة العربية الإسلامية.
يقول مؤرّخو الأدب إنّ أبا الفرج قد عكف على تأليف سِفْرِهِ الضخم هذا على مدى خمسة عقود تخلّلها تأليفُه لعدد من كتبه الأخرى.
ولِد المؤلّف في أصفهان ( أصبهان) عام (٢٨٤) هجريّة.. بيد أنّه نشأ وعاش وانكبّ على التحصيل العلميّ والدّرس والبحث والتأليف في بغداد- حاضرة الخلافة العبّاسية- وبها توفّي عام (٣٥٦) للهجرة.
كانت الركيزة التي بنى عليها أبو الفرج كتابه هذا هي الأصوات- الألحان- المئة التي اختارها أرباب الفن والغناء للخليفة (هارون الرشيد) ؛ إذ اتّخذها المؤلّف منطلقاً لتفصيل القول فيها مستطرداً بعد ذلك إلى النصوص الشعرية الملحَّنة وكل ما يتعلّق بها وبأصحابها وشعرهم وثقافتهم وعصرهم وبيئتهم على تنوّع كلّ ذلك وتفصيلاته فغدا الكتاب بذلك معرِضاً للفنّ والشعر والأدب والثقافة في عصره.
يقول الأديب (أحمد حسن الزيّات) في فضل كتاب الأغاني:
"أجمع المؤرّخون على أنّه لم يصنَّف في بابه مثلُه، وأنّ كلّ كتاب في الأدب كَلٌّ* عليه، ولولاه لضاع كثير من أخبار الجاهلية وصدر الإسلام وأيام بني أميّة." **
ويقول الأستاذ الدكتور (مصطفى الشكعة) في إحدى محاضراته في فضل الكتاب:
"ولعلّ أكثر الأدباء تحمّساً للأغاني هو (الصاحب بن عبّاد) حين أكثر القول في استغنائه به عن كتبه مقيماً ومرتحلاً واصفاً الكتاب بأنّه: مشحون بالمحاسن المنتخَبة والفِقَر الغريبة، فهو للزاهد فكاهة وللعالم مادّة وزيادة، وللكاتب والمتأدّب بضاعة وتجارة، وللبطل رجولة وشجاعة...وللملك طيبة ولذاذة."
فما بال بعض المتنطّعين اليوم من "محنّطي الفقه" و"محدودي العلم" و"مجافي الطبيعة البشرية" يُشهرون سيوف الفتنة والنفاق في وجه حفل فنّي وطنيّ محترم وبهيج يؤلِّف بين قلوب السوريين ويوحِّد صفوفهم ويدخل السرور عليهم دون إسفاف أو ابتذال أو تفريط بعد سنوات من الخوف والقتل والتدمير؟؟!!
وذلك.. بعد قرون طوال من تأليف "الأغاني" وبيئته وعصره فيدعون -عن غير علم- إلى استعادة مهزلة " داحس والغبراء" الدامية ومقارعة "طواحين الهواء" العبثيّة؟؟
السوريّون اليوم بحاجة ماسّة إلى تجاوز مثل هذا الفاصل الهزليّ من الثرثرة واللغو والهراء السخيف وحشد الطاقات والجهود لإعادة الإعمار والبناء والتنمية والنهوض بمجتمعنا السوريّ المنكوب في جميع المجالات.

*- كَلٌّ عليه: أي عالةٌ عليه.
**- أحمد حسن الزيات، تاريخ الأدب العربيّ، دار الثقافة، بيروت، ط٢٨، ١٩٧٨م، ص.٤١٤ .

#دكتور_زياد_العوف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى