مصطفى عبدالملك الصميدي - ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر المجيد

تمثل ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر المجيد في الوعي السياسي محطةً مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، ليس باعتبارها تحولاً في موازين القوى السياسية فحسب، وإنما باعتبارها مشروعاً لإعادة بناء الوعي اليمني على أساس الهوية الإيمانية، والاستقلال الوطني، ورفض الارتهان للخارج، واستعادة روح المقاومة في مواجهة مشاريع الهيمنة على اليمن والمنطقة.

جاءت ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر المجيد في مواجهة واقع رأت فيه تراجعاً للهوية الإيمانية وهيمنة متزايدة لمنطق القوة والمصالح الدولية، إذ كان أول أهدافها إحياء التمسك بهدى الله بدلاً من شريعة الغاب الصهيوأمريكية وبعث روح المقاومة والجهاد وترسيخ الثقة بأن الأمة لا ينبغي أن تنظر إلى القوى الكبرى باعتبارها قوى لا تُهزم، وأن الله وحده هو الأقوى والأعظم وما أمريكا وحلفائها إلا قشة ليس إلا. ومن أبرز الرسائل التي حملها خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم السلاح والاقتصاد والنفوذ وحدها، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها مهما امتلكوا من قدرات ليسوا قدراً محتوماً على الشعوب. فحين تمتلك الأمة وعيها وإرادتها وروح الجهاد في سبيل الحق تصبح بإمكانها رفض الإملاءات والهيمنة والدفاع عن قضاياها وحقوقها.

ومن أبرز أهداف ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر المجيد مواجهة الارتهان للخارج ومشاريع تفكيك اليمن. وهذا ما أكد عليه خطاب السيد القائد حول قضية السيادة الوطنية وما اعتبرته ارتهاناً للقرار اليمني للخارج، وحذر من أن يؤدي ضعف القرار الوطني إلى تحويل اليمن إلى ساحة نفوذ للقوى الإقليمية والدولية. إذاً يمكننا القول أن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر هي ثورة مضادة على من ارتهنوا للخارج الذي خطط لتقسيم اليمن إلى أقاليم متعددة السياسات بحيث يمكن لأمريكا التغلغل في جسد الحغرافيا اليمنية وبناء قواعدها العسكرية بالتدريج وتصدير ثقافتها إلى كل إقليم. ولو كان حدث هذا لكنا الآن نتناطح بينا البين على من يرحب بأمريكا أولاً، لأن ذلك في نظر البعض يمثل هيبة ووقار عندما تحل أمركيا بحجمها في أقليمك، تعلمك معنى التحضر والتنصل عن التقليد، وكيف تستمثر في أرضك، وتسرق ثروتك وتهدم أرضك وأنت تضحك فرحاً دون وعي ونور بصيرة بهذا الخطر الذي سيتحول تدريجياً من شراكة معلنة إلى حضور دائم في القرار والثروة والأمن والثقافة، حتى يصبح تدخلها أمراً طبيعيا في نظر المجتمع.

كما أن ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر المجيد جاءت لكسر الحلم الصهيوأمريكي في تغيير الشرق الأوسط ومصادرة أراضيه وتكميم أفواه أحراره الذين يرفضون الاحتلال بشتى أنواعه. ومن هذا المنطلق، ارتبط خطاب الثورة بالقضية الفلسطينية وقضايا الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الهيمنة، وبالتأكيد على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضها وقرارها. وتقوم الفكرة الأساسية هنا على أن السيطرة على المنطقة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يمكن أن تبدأ أيضاً بإعادة تشكيل الوعي والثقافة والاقتصاد والتحالفات السياسية، وصولاً إلى جعل التبعية أمراً مقبولاً وطبيعياً. لذلك أرادت الثورة أن تعيد الاعتبار لمفهوم المقاومة وأن تؤكد أن رفض الهيمنة الخارجية ليس انغلاقاً، وإنما موقفاً مرتبطاً بحق الشعوب في تقرير مصيرها والحفاظ على استقلالها.

ومن القضايا التي ترى الثورة أنها كشفتها هي حقيقة المواقف السياسية والحزبية. فالأحداث الكبرى تضع الشعارات أمام اختبار حقيقي، وتكشف ما إذا كانت المبادئ التي ترفعها القوى السياسية ثابتة أم مرتبطة بالمصلحة الشخصية والظرف. وفي هذا السياق، تبين لأنصار ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر أن القوى الحزبية الأخرى رفعت شعارات دينية ووطنية، لكنها لم تضع القضايا الكبرى للأمة في مقدمة أولوياتها، أو قدمت المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة الوطنية، أو حاولت الوقوف على مسافة من جميع الأطراف بما يضمن لها مكاسبها السياسية، وإنما كانت مرتهنة إلى الخارج دون وعي وحنكة سياسية.

بهذه الأبعاد، تحضر ثورة الواحد والعشرين من سبتمبر في وجدان الشعب اليمني باعتبارها مشروعاً يجمع بين الهوية الإيمانية، والسيادة الوطنية، وروح المقاومة، ورفض التبعية والهيمنة الخارجية. إنها ثورة تجمع بين تغيير موازين السلطة وتغيير المعادلة التي حكمت علاقة اليمن بالخارج، وإعادة بناء الثقة بقدرة الشعب اليمني على حماية قراره ومصالحه ورفض تحويل أرضه وثرواته وموقعه الاستراتيجي إلى أدوات في مشاريع الآخرين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى