عالم يبحث عن الثقة وسط أزمات متشابكة
تأتي الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة دولية شديدة التعقيد، لا تشبه كثيرًا اللحظات التي سبقتها. فالعالم الذي يجتمع في نيويورك لا يحمل إلى قاعة الأمم المتحدة ملفات دبلوماسية فحسب، بل يحمل معه حروبًا وأزمات إنسانية، وتوترات جيوسياسية متصاعدة، وتحديات اقتصادية ومناخية، وأسئلة جديدة فرضتها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي
وقد اختارت الدورة الحالية عنوانًا بالغ الدلالة:استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع في إشارة واضحة إلى أزمة الثقة التي تواجه النظام متعدد الأطراف، وإلى الحاجة لتحويل المبادئ والقرارات الدولية إلى نتائج ملموسة في حياة الشعوب
وتنعقد المناقشة العامة للدورة الـ81 في الفترة من22 إلى 26 سبتمبر ثم في 28 سبتمبر 2026 ضمن أسبوع رفيع المستوى تشارك فيه قرابة 130 دولة على مستوى رؤساء الدول والحكومات
منبر العالم ولكن هل ما زال العالم يصغي؟
منذ تأسيس الأمم المتحدة، ظلت الجمعية العامة واحدة من أهم المنابر التي تتيح للدول التعبير عن رؤاها ومواقفها تجاه القضايا الدولية. وتتميز الجمعية بوجود 193 دولة عضو، لكل منها صوت واحد، وهو مبدأ يعكس المساواة السيادية للدول داخل هذا الإطار المؤسسي
لكن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتعلق بعدد الخطب التي ستلقى من على المنصة الدولية، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من الكلمات إلى الأفعال
فالعالم لا يعاني نقصًا في البيانات والقرارات والمبادرات، بقدر ما يعاني اتساع الفجوة بين ما يُعلن في القاعات الدولية وما يحدث على الأرض
وهنا تكمن إحدى أهم معضلات الدورة الحالية: كيف يمكن استعادة ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية، بينما تستمر أزمات طويلة الأمد دون حلول سياسية مستدامة، وتبقى قدرة النظام الدولي على تنفيذ مبادئه موضع اختبار مستمر؟
الحروب تختبر معنى القانون الدولي
يأتي السلام والأمن الدوليان في مقدمة أولويات الدورة الـ81 ويضع رئيس الجمعية العامة ضمن أولوياته الدفع نحو الحلول السياسية والوقاية من النزاعات وحماية المدنيين وتعزيز بناء السلام.
وهذا الطرح يكتسب أهمية مضاعفة في ظل استمرار أزمات مسلحة متعددة، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا والسودان وغيرها
فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش؛ آثارها تمتد إلى الاقتصاد والغذاء والطاقة والهجرة والتعليم والصحة والأمن الإقليمي. وكلما طال أمد الصراع، أصبحت كلفة التسوية السياسية أكثر تعقيدًا، بينما تتسع دائرة المتضررين الذين لا يمتلكون قرار الحرب ولا أدوات إنهائها
وفي هذا السياق، تبدو حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني قضية تتجاوز الحسابات السياسية للدول، لأنها تمس جوهر الوظيفة التي أنشئت من أجلها المؤسسات الدولية
وقد شدد رئيس الجمعية العامة في برنامجه للدورة على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك في غزة ومناطق الأزمات الأخرى، وفق القانون الدولي الإنساني.
الشرق الأوسط القضية التي لا تغيب
من الصعب قراءة المشهد الدولي الراهن بعيدًا عن الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحرب والأمن والطاقة والممرات البحرية والقضية الفلسطينية والتنافس الإقليمي والدولي
وقد انعكست هذه الملفات على أعمال الجمعية العامة وخطابات قادة الدول في الأيام الأولى من المناقشة العامة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الصراعات وتأثيراتها الإقليمية والدولية
وتظل القضية الفلسطينية إحدى أكثر القضايا حضورًا في الوعي السياسي الدولي، ليس فقط باعتبارها نزاعًا سياسيًا ممتدًا، وإنما بسبب تداعياته الإنسانية والقانونية والأمنية
وفي هذا السياق، يبرز التحدي أمام الأمم المتحدة في قدرتها على تحويل المواقف الدولية المعلنة بشأن حماية المدنيين والمساعدات الإنسانية والتسوية السياسية إلى مسارات عملية قابلة للتنفيذ
السودان وأوكرانيا وغيرهما أزمات خارج دائرة الضوء
لا تختزل أزمات العالم في ملف واحد.
فالسودان، على سبيل المثال يواجه أزمة إنسانية عميقة بعد سنوات من الحرب، وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أثر الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة في إطالة أمد الصراع، داعيًا إلى محاسبة الجهات التي تسهم في استمرار الحرب
أما الحرب في أوكرانيا، فلا تزال حاضرة في أجندة الدبلوماسية الدولية، بما تحمله من تداعيات على الأمن الأوروبي والأسواق والطاقة والغذاء والعلاقات بين القوى الكبرى
وهنا تتضح مشكلة أخرى في النظام الدولي: ليس كل صراع يحظى بالاهتمام السياسي والإعلامي نفسه رغم أن معاناة المدنيين واحدة في جوهرها
ومن ثم، فإن استعادة الثقة بالنظام الدولي تتطلب، قبل كل شيء، ترسيخ معيار إنساني وقانوني أكثر اتساقًا في التعامل مع الأزمات.
الذكاء الاصطناعي الحرب القادمة على معنى السيطرة؟
الجديد في هذه الدورة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تقنيًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل الأمن والاقتصاد والسيادة والمعلومات
وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته، إلى تعزيز الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي ووضع إطار لإدارة مخاطره مع وجود رقابة مستقلة
المسألة هنا ليست الخوف من التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما السؤال الأعمق: من يضع قواعد التكنولوجيا؟ ومن يملك القدرة على استخدامها؟ ومن يتحمل نتائج أخطائها؟
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرفع الإنتاجية ويوسع المعرفة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يسرّع التضليل، ويعيد تشكيل سوق العمل، ويغير طبيعة الصراع والمعلومات ويمنح الدول والشركات قدرات غير مسبوقة
ولهذا فإن الحوكمة الرقمية أصبحت جزءًا من الأمن الدولي، وليست مجرد قضية تقنية.
المناخ والتنمية الوجه الآخر للأمن العالمي
إلى جانب الحروب، تواجه الدورة الـ81 تحديات المناخ والتنمية المستدامة
وقد حددت رئاسة الجمعية العامة ستة محاور مترابطة، تشمل السلام والأمن، والتنمية المستدامة، والمناخ، وحقوق الإنسان والعمل الإنساني، والحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إصلاح منظومة الأمم المتحدة
ويشير برنامج الدورة إلى أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يزال متأخرًا عن المسار المطلوب، فيما تتزايد الحاجة إلى تمويل التنمية ومعالجة أزمات الديون وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ
وهذا يعني أن الأمن العالمي لم يعد مفهومًا عسكريًا فقط.
فالفقروالجوع، والبطالة والديون، والكوارث المناخية، والنزوح، وضعف الخدمات الأساسية، كلها عوامل يمكن أن تتحول إلى مصادر لعدم الاستقرار.
إصلاح الأمم المتحدةسؤال مؤجل منذ عقود
تنعقد الدورة الجديدة أيضًا وسط نقاش متجدد حول مستقبل النظام متعدد الأطراف وفعالية المؤسسات الدولية
وقد دعا عدد من القادة، خلال اجتماعات الجمعية العامة، إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، فيما تتزايد التساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الحالية على الاستجابة لعالم تغيرت فيه موازين القوى الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية
ولا يبدو أن المشكلة تكمن في وجود الأمم المتحدة بقدر ما تكمن في مدى قدرتها على مواكبة التحولات الدولية
فالعالم الذي تأسست فيه المنظمة عام 1945 ليس هو عالم اليوم. ظهرت قوى اقتصادية وسياسية جديدة وتغيرت طبيعة النزاعات وأصبحت الشركات التكنولوجية والمنصات الرقمية فاعلًا مؤثرًا، بينما باتت الأزمات العابرة للحدود أكثر تعقيدًا من أن تعالجها دولة منفردة
ومن هنا، فإن إصلاح الأمم المتحدة لا ينبغي أن يكون مجرد تعديل في الهياكل، بل مراجعة شاملة لآليات صنع القرار والتنفيذ والمساءلة، بما يعكس التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية
اليمن في المشهد الدولي
ومن منظور عربي، لا يمكن تجاهل اليمن في قراءة الملفات التي تتقاطع داخل هذا المشهد الدولي
فاليمن يقع في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية والتجارة الدولية، بينما لا تزال الأزمة اليمنية بحاجة إلى مسار سياسي يضع السلام والاستقرار واحتياجات المجتمع اليمني في المقدمة
إن حضور اليمن في النقاش الدولي ينبغي ألا يختزل في الجغرافيا الأمنية أو الممرات البحرية، فالبلد قبل أن يكون موقعًا استراتيجيًا هو مجتمع له احتياجاته الإنسانية والتنموية، وشعب دفع كلفة كبيرة من سنوات الصراع
ومن ثم فإن أي مقاربة دولية لليمن تحتاج إلى الجمع بين السلام السياسي والاستقرار الاقتصادي وتحسين الوضع الإنساني، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية مستقبل الأجيال الجديدة
ما الذي يبقى بعد انطفاء أضواء القاعة؟
قد تنتهي خطابات القادة خلال أيام، وقد تغادر الوفود نيويورك، وتعود الطائرات إلى عواصمها، لكن الأسئلة التي طرحتها الدورة الـ81 لن تغادر العالم بهذه السرعة.
هل تستطيع الأمم المتحدة استعادة الثقة التي يتحدث عنها عنوان الدورة؟
هل يمكن تقليص المسافة بين القانون الدولي وتطبيقه؟
هل يصبح الحوار السياسي بديلًا حقيقيًا عن منطق القوة؟
وهل تستطيع الدول الكبرى الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة الذكاء الاصطناعي والمناخ والاقتصاد والأمن الدولي؟
هذه الأسئلة لا تملك الجمعية العامة وحدها إجاباتها؛ لأن مستقبل النظام الدولي يتوقف في نهاية المطاف على إرادة الدول الأعضاء وقدرتها على تحويل الالتزامات إلى سياسات وإجراءات.
إن القيمة الحقيقية للدورة الـ81 لن تقاس بعدد الكلمات التي ستلقى من فوق المنصة، وإنما بما يمكن أن تنتجه تلك الكلمات من سلام، وحماية للمدنيين، وتنمية، وعدالة، وتعاون دولي قابل للحياة
فالأمم المتحدة ليست مجرد مبنى في نيويورك، ولا منصة للخطب الدبلوماسية؛ إنها اختبار مستمر لفكرة أن البشرية، رغم اختلاف مصالح دولها، تستطيع أن تجلس إلى طاولة واحدة عندما يصبح الخلاف أخطر من أن تدفع الشعوب ثمنه
وفي عالم يزداد انقسامًا، ربما تكون المهمة الأكثر إلحاحًا ليست الاتفاق على كل شيء، وإنما الحفاظ على القدرة على الحوار قبل أن يصبح الصمت نفسه جزءًا من الأزمة
فاستعادة الثقة لا تبدأ من البيانات الختامية، بل من شعور الإنسان العادي بأن القانون الدولي ليس شعارًا بعيدًا وأن السلام ليس امتيازًا للقوي، وأن المؤسسات الدولية وجدت في النهاية لحماية الإنسان قبل حماية النفوذ!!
تأتي الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة دولية شديدة التعقيد، لا تشبه كثيرًا اللحظات التي سبقتها. فالعالم الذي يجتمع في نيويورك لا يحمل إلى قاعة الأمم المتحدة ملفات دبلوماسية فحسب، بل يحمل معه حروبًا وأزمات إنسانية، وتوترات جيوسياسية متصاعدة، وتحديات اقتصادية ومناخية، وأسئلة جديدة فرضتها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي
وقد اختارت الدورة الحالية عنوانًا بالغ الدلالة:استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع في إشارة واضحة إلى أزمة الثقة التي تواجه النظام متعدد الأطراف، وإلى الحاجة لتحويل المبادئ والقرارات الدولية إلى نتائج ملموسة في حياة الشعوب
وتنعقد المناقشة العامة للدورة الـ81 في الفترة من22 إلى 26 سبتمبر ثم في 28 سبتمبر 2026 ضمن أسبوع رفيع المستوى تشارك فيه قرابة 130 دولة على مستوى رؤساء الدول والحكومات
منبر العالم ولكن هل ما زال العالم يصغي؟
منذ تأسيس الأمم المتحدة، ظلت الجمعية العامة واحدة من أهم المنابر التي تتيح للدول التعبير عن رؤاها ومواقفها تجاه القضايا الدولية. وتتميز الجمعية بوجود 193 دولة عضو، لكل منها صوت واحد، وهو مبدأ يعكس المساواة السيادية للدول داخل هذا الإطار المؤسسي
لكن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتعلق بعدد الخطب التي ستلقى من على المنصة الدولية، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من الكلمات إلى الأفعال
فالعالم لا يعاني نقصًا في البيانات والقرارات والمبادرات، بقدر ما يعاني اتساع الفجوة بين ما يُعلن في القاعات الدولية وما يحدث على الأرض
وهنا تكمن إحدى أهم معضلات الدورة الحالية: كيف يمكن استعادة ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية، بينما تستمر أزمات طويلة الأمد دون حلول سياسية مستدامة، وتبقى قدرة النظام الدولي على تنفيذ مبادئه موضع اختبار مستمر؟
الحروب تختبر معنى القانون الدولي
يأتي السلام والأمن الدوليان في مقدمة أولويات الدورة الـ81 ويضع رئيس الجمعية العامة ضمن أولوياته الدفع نحو الحلول السياسية والوقاية من النزاعات وحماية المدنيين وتعزيز بناء السلام.
وهذا الطرح يكتسب أهمية مضاعفة في ظل استمرار أزمات مسلحة متعددة، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا والسودان وغيرها
فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش؛ آثارها تمتد إلى الاقتصاد والغذاء والطاقة والهجرة والتعليم والصحة والأمن الإقليمي. وكلما طال أمد الصراع، أصبحت كلفة التسوية السياسية أكثر تعقيدًا، بينما تتسع دائرة المتضررين الذين لا يمتلكون قرار الحرب ولا أدوات إنهائها
وفي هذا السياق، تبدو حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني قضية تتجاوز الحسابات السياسية للدول، لأنها تمس جوهر الوظيفة التي أنشئت من أجلها المؤسسات الدولية
وقد شدد رئيس الجمعية العامة في برنامجه للدورة على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك في غزة ومناطق الأزمات الأخرى، وفق القانون الدولي الإنساني.
الشرق الأوسط القضية التي لا تغيب
من الصعب قراءة المشهد الدولي الراهن بعيدًا عن الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الحرب والأمن والطاقة والممرات البحرية والقضية الفلسطينية والتنافس الإقليمي والدولي
وقد انعكست هذه الملفات على أعمال الجمعية العامة وخطابات قادة الدول في الأيام الأولى من المناقشة العامة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق الصراعات وتأثيراتها الإقليمية والدولية
وتظل القضية الفلسطينية إحدى أكثر القضايا حضورًا في الوعي السياسي الدولي، ليس فقط باعتبارها نزاعًا سياسيًا ممتدًا، وإنما بسبب تداعياته الإنسانية والقانونية والأمنية
وفي هذا السياق، يبرز التحدي أمام الأمم المتحدة في قدرتها على تحويل المواقف الدولية المعلنة بشأن حماية المدنيين والمساعدات الإنسانية والتسوية السياسية إلى مسارات عملية قابلة للتنفيذ
السودان وأوكرانيا وغيرهما أزمات خارج دائرة الضوء
لا تختزل أزمات العالم في ملف واحد.
فالسودان، على سبيل المثال يواجه أزمة إنسانية عميقة بعد سنوات من الحرب، وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أثر الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة في إطالة أمد الصراع، داعيًا إلى محاسبة الجهات التي تسهم في استمرار الحرب
أما الحرب في أوكرانيا، فلا تزال حاضرة في أجندة الدبلوماسية الدولية، بما تحمله من تداعيات على الأمن الأوروبي والأسواق والطاقة والغذاء والعلاقات بين القوى الكبرى
وهنا تتضح مشكلة أخرى في النظام الدولي: ليس كل صراع يحظى بالاهتمام السياسي والإعلامي نفسه رغم أن معاناة المدنيين واحدة في جوهرها
ومن ثم، فإن استعادة الثقة بالنظام الدولي تتطلب، قبل كل شيء، ترسيخ معيار إنساني وقانوني أكثر اتساقًا في التعامل مع الأزمات.
الذكاء الاصطناعي الحرب القادمة على معنى السيطرة؟
الجديد في هذه الدورة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفًا تقنيًا هامشيًا، بل أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل الأمن والاقتصاد والسيادة والمعلومات
وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته، إلى تعزيز الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي ووضع إطار لإدارة مخاطره مع وجود رقابة مستقلة
المسألة هنا ليست الخوف من التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما السؤال الأعمق: من يضع قواعد التكنولوجيا؟ ومن يملك القدرة على استخدامها؟ ومن يتحمل نتائج أخطائها؟
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرفع الإنتاجية ويوسع المعرفة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يسرّع التضليل، ويعيد تشكيل سوق العمل، ويغير طبيعة الصراع والمعلومات ويمنح الدول والشركات قدرات غير مسبوقة
ولهذا فإن الحوكمة الرقمية أصبحت جزءًا من الأمن الدولي، وليست مجرد قضية تقنية.
المناخ والتنمية الوجه الآخر للأمن العالمي
إلى جانب الحروب، تواجه الدورة الـ81 تحديات المناخ والتنمية المستدامة
وقد حددت رئاسة الجمعية العامة ستة محاور مترابطة، تشمل السلام والأمن، والتنمية المستدامة، والمناخ، وحقوق الإنسان والعمل الإنساني، والحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إصلاح منظومة الأمم المتحدة
ويشير برنامج الدورة إلى أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يزال متأخرًا عن المسار المطلوب، فيما تتزايد الحاجة إلى تمويل التنمية ومعالجة أزمات الديون وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ
وهذا يعني أن الأمن العالمي لم يعد مفهومًا عسكريًا فقط.
فالفقروالجوع، والبطالة والديون، والكوارث المناخية، والنزوح، وضعف الخدمات الأساسية، كلها عوامل يمكن أن تتحول إلى مصادر لعدم الاستقرار.
إصلاح الأمم المتحدةسؤال مؤجل منذ عقود
تنعقد الدورة الجديدة أيضًا وسط نقاش متجدد حول مستقبل النظام متعدد الأطراف وفعالية المؤسسات الدولية
وقد دعا عدد من القادة، خلال اجتماعات الجمعية العامة، إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، فيما تتزايد التساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الحالية على الاستجابة لعالم تغيرت فيه موازين القوى الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية
ولا يبدو أن المشكلة تكمن في وجود الأمم المتحدة بقدر ما تكمن في مدى قدرتها على مواكبة التحولات الدولية
فالعالم الذي تأسست فيه المنظمة عام 1945 ليس هو عالم اليوم. ظهرت قوى اقتصادية وسياسية جديدة وتغيرت طبيعة النزاعات وأصبحت الشركات التكنولوجية والمنصات الرقمية فاعلًا مؤثرًا، بينما باتت الأزمات العابرة للحدود أكثر تعقيدًا من أن تعالجها دولة منفردة
ومن هنا، فإن إصلاح الأمم المتحدة لا ينبغي أن يكون مجرد تعديل في الهياكل، بل مراجعة شاملة لآليات صنع القرار والتنفيذ والمساءلة، بما يعكس التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الماضية
اليمن في المشهد الدولي
ومن منظور عربي، لا يمكن تجاهل اليمن في قراءة الملفات التي تتقاطع داخل هذا المشهد الدولي
فاليمن يقع في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية والتجارة الدولية، بينما لا تزال الأزمة اليمنية بحاجة إلى مسار سياسي يضع السلام والاستقرار واحتياجات المجتمع اليمني في المقدمة
إن حضور اليمن في النقاش الدولي ينبغي ألا يختزل في الجغرافيا الأمنية أو الممرات البحرية، فالبلد قبل أن يكون موقعًا استراتيجيًا هو مجتمع له احتياجاته الإنسانية والتنموية، وشعب دفع كلفة كبيرة من سنوات الصراع
ومن ثم فإن أي مقاربة دولية لليمن تحتاج إلى الجمع بين السلام السياسي والاستقرار الاقتصادي وتحسين الوضع الإنساني، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية مستقبل الأجيال الجديدة
ما الذي يبقى بعد انطفاء أضواء القاعة؟
قد تنتهي خطابات القادة خلال أيام، وقد تغادر الوفود نيويورك، وتعود الطائرات إلى عواصمها، لكن الأسئلة التي طرحتها الدورة الـ81 لن تغادر العالم بهذه السرعة.
هل تستطيع الأمم المتحدة استعادة الثقة التي يتحدث عنها عنوان الدورة؟
هل يمكن تقليص المسافة بين القانون الدولي وتطبيقه؟
هل يصبح الحوار السياسي بديلًا حقيقيًا عن منطق القوة؟
وهل تستطيع الدول الكبرى الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة الذكاء الاصطناعي والمناخ والاقتصاد والأمن الدولي؟
هذه الأسئلة لا تملك الجمعية العامة وحدها إجاباتها؛ لأن مستقبل النظام الدولي يتوقف في نهاية المطاف على إرادة الدول الأعضاء وقدرتها على تحويل الالتزامات إلى سياسات وإجراءات.
إن القيمة الحقيقية للدورة الـ81 لن تقاس بعدد الكلمات التي ستلقى من فوق المنصة، وإنما بما يمكن أن تنتجه تلك الكلمات من سلام، وحماية للمدنيين، وتنمية، وعدالة، وتعاون دولي قابل للحياة
فالأمم المتحدة ليست مجرد مبنى في نيويورك، ولا منصة للخطب الدبلوماسية؛ إنها اختبار مستمر لفكرة أن البشرية، رغم اختلاف مصالح دولها، تستطيع أن تجلس إلى طاولة واحدة عندما يصبح الخلاف أخطر من أن تدفع الشعوب ثمنه
وفي عالم يزداد انقسامًا، ربما تكون المهمة الأكثر إلحاحًا ليست الاتفاق على كل شيء، وإنما الحفاظ على القدرة على الحوار قبل أن يصبح الصمت نفسه جزءًا من الأزمة
فاستعادة الثقة لا تبدأ من البيانات الختامية، بل من شعور الإنسان العادي بأن القانون الدولي ليس شعارًا بعيدًا وأن السلام ليس امتيازًا للقوي، وأن المؤسسات الدولية وجدت في النهاية لحماية الإنسان قبل حماية النفوذ!!