يحيى بركات - حين كانت الثقافة تصنع فلسطين… من يضع سقفها اليوم؟

لفتني الإعلان عن حوار بعنوان «التمويل المشروط وأثره على المشهد الثقافي الفلسطيني»، ضمن سلسلة تحمل عنوانًا جميلًا ودالًا: «الثقافة: جسر الصمود والمعنى».

العنوان وحده يفتح بابًا أكبر بكثير من قضية التمويل.

يطرح الحوار، كما قُدّم للجمهور، الحاجة إلى إعادة النظر في النماذج والسياسات والبرامج التي تقوم عليها المؤسسات الثقافية، وإلى البحث عن بدائل في ظل التراجع السريع في الموارد، وما يفرضه ذلك من أسئلة حول الحوكمة وآليات اتخاذ القرار وتركيبة المؤسسات الثقافية، وصولًا إلى سؤال كيفية تحرير الموارد الموجودة وتحريكها وإعادة تنظيمها، مع الإشارة إلى خصوصية الثقافة باعتبارها إحدى أدوات «القوة الناعمة»، وما يجعلها موضع اهتمام متزايد من الجهات المانحة.

أسئلة مهمة.

لكنني وجدت نفسي، وأنا أقرأها، أقف قبلها بخطوة.

ماذا نريد أن نحرر: الموارد فقط، أم الثقافة نفسها؟

فالمال في الثقافة ليس رقمًا يدخل حساب مؤسسة ثم يخرج منه لتمويل فيلم أو مسرحية أو معرض أو كتاب. المال يستطيع أن يحدد ما الذي يمكن للفنان أن يفعله، لكنه يستطيع، وهذا أخطر، أن يتسلل خطوة إلى الوراء ليؤثر في ما يفكر الفنان أو المؤسسة أصلًا في فعله.

وحين نتحدث عن «التمويل المشروط»، فإن الشرط ليس بالضرورة جملة مكتوبة في عقد.

هناك شروط لا تحتاج إلى أن تُكتب.

بعد سنوات من العلاقة بين الممول والمؤسسة، تصبح المؤسسة عارفة بالسقف. تعرف قاموس المانح، وأولوياته، وحساسياته، وما يفتح الأبواب وما يغلقها. يعرف العاملون فيها أي المفردات أكثر أمانًا، وأي الموضوعات أكثر قابلية للتمويل، وأي الأسئلة قد تضع المؤسسة أمام مشكلة في الدورة القادمة.

وعند نقطة ما، لا يعود الممول مضطرًا إلى أن يقول «لا».

نتعلم نحن أن نقولها لأنفسنا.

وهنا، بالنسبة إليّ، يبدأ السؤال الحقيقي عن التمويل المشروط.

ليس: ماذا اشترط الممول؟

بل: ماذا لم نعد نقوله حتى قبل أن يشترط؟

ولكي نفهم حجم التحول الذي جرى، ربما نحتاج إلى أن نستدير قليلًا إلى الوراء.

ليس حنينًا إلى الماضي، ولا محاولة لإقامة تمثال لمرحلة كانت لها أخطاؤها وتناقضاتها وصراعاتها، وإنما لأن لدينا تجربة فلسطينية تاريخية يمكن أن نضعها أمام حاضرنا ونسأل.

قبل السلطة، وقبل أن تصبح المنظمات غير الحكومية جزءًا واسعًا من البنية الفلسطينية، لم تكن الثقافة هامشًا على جسد الحركة الوطنية.

كانت في قلبها.

كانت الفصائل الفلسطينية، على اختلافها، تولي السينما والمسرح والفنون التشكيلية والأدب والشعر والموسيقى والفرق الشعبية والنشر والبحث مساحة واسعة من اهتمامها وعملها ومواردها. وكانت لمنظمة التحرير مؤسساتها الثقافية والإعلامية والبحثية، وكانت للفصائل مؤسساتها وأقسامها السينمائية والمسرحية والفنية ومجلاتها ومنابرها.

لم تكن تلك المؤسسات غنية.

لكنها كانت تعرف لماذا توجد.

ولعل السينما، التي عشت جزءًا من تجربتها، تقدم نموذجًا واضحًا.

في مؤسسة السينما الفلسطينية، وفي أقسام السينما والثقافة لدى الفصائل، عمل فلسطينيون إلى جانب سينمائيين ومونتيرين وكتاب ونقاد من الأردن ولبنان والعراق ودول أخرى. وكانت الحال نفسها، بدرجات مختلفة، في الشعر والأدب والفن التشكيلي والمسرح والموسيقى والبحث والنشر.

كانت فلسطين، وهي بلا دولة، وبلا سيادة، وموزعة بين المنافي والمخيمات والحروب، قادرة على أن تكون حاضنة ثقافية تتجاوز حدودها.

وهذه ليست جملة رومانسية.

يكفي أن نعود إلى تلك المرحلة لنجد أسماء فلسطينية وعربية ودولية كبيرة اجتمعت حول فلسطين، لا باعتبارها قضية تحتاج إلى التضامن فقط، وإنما باعتبارها مساحة لإنتاج الثقافة والفكر والفن.

كان هناك شيء يجذب المثقف العربي إلى فلسطين.

وكان هناك شيء يجعل السينمائي أو الفنان أو الكاتب غير الفلسطيني يجد مكانه داخل مؤسساتها الثقافية.

كانت فلسطين تأخذ من الثقافة العربية والعالمية، لكنها كانت تعطيها أيضًا.

لم تكن على هامش الحركة الثقافية التحررية في العالم، بل كانت واحدة من نقاط التقاء تلك الحركة.

ولم يكن ذلك لأن الفلسطينيين كانوا يملكون مالًا أكثر.

كانوا يملكون أقل بكثير.

لكن الثقافة كانت جزءًا من تعريف المشروع الوطني لنفسه.

كان الفيلم امتدادًا للرواية الفلسطينية.

وكان الملصق جزءًا من حضور فلسطين في العالم.

وكانت القصيدة تتجاوز الحدود قبل أن يمتلك الفلسطيني جواز سفر يعبر به تلك الحدود.

وكان المسرح والأغنية والفرقة الشعبية والكتاب والمجلة واللوحة جزءًا من الفضاء الذي كانت فلسطين تقدم نفسها من خلاله إلى ذاتها وإلى الآخرين.

كان المال موجودًا بالتأكيد.

لكن العلاقة بين الفكرة والمال كانت مختلفة.

كانت الفكرة موجودة أولًا، ثم يأتي المال لخدمتها.

لم يكن الفيلم يبدأ من استمارة تمويل.

ولم تكن القصيدة تنتظر بندًا في مشروع.

ولم يكن الفنان يسأل، قبل أن يرسم، تحت أي عنوان يمكن تمرير لوحته.

هذا لا يعني أن المثقف كان حرًا من كل سلطة.

كانت هناك سلطة الفصيل، وسلطة السياسي، والخلافات التنظيمية، وربما التدخل والرقابة وضيق المساحة أحيانًا. وليس من الإنصاف أن نمحو ذلك كي نجعل الماضي أكثر جمالًا مما كان.

لكن هناك فرقًا جوهريًا:

الثقافة يومها كانت جزءًا من مشروع التحرر، وليست قطاعًا ملحقًا به.

ثم جاءت السلطة.

وجاءت الوزارة.

وجاءت معها شبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات والمشاريع والبرامج والتمويل الدولي.

وهنا حدث تحول لا أعتقد أننا درسناه ثقافيًا بما يكفي.

فقد انتقل جزء مهم من الفعل الثقافي الفلسطيني من فضاء الحركة الوطنية إلى فضاء المؤسسة.

ومن التمويل الذي يأتي من داخل المشروع السياسي، مهما كانت مشكلاته، إلى التمويل القادم من خارجه.

ومن المثقف الذي يرى نفسه جزءًا من حركة تحرر، إلى محترف يعمل، في حالات كثيرة، ضمن مشروع له موازنة وزمن بداية وزمن نهاية ومخرجات وتقرير ختامي.

ولا أقول هذا ازدراءً للمؤسسات.

لقد بنت هذه المرحلة مؤسسات مهمة، وأتاحت فرصًا، وأنتجت أفلامًا وكتبًا ومهرجانات ومعارض ومسرحيات وبرامج ثقافية، وفتحت أبوابًا أمام أجيال جديدة. وما زالت هناك حالات فردية فلسطينية لافتة حققت حضورًا فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا حقيقيًا.

لكن وجود هذه الحالات لا يلغي السؤال عن المشهد كله.

لدينا اليوم وزارة ثقافة.

لدينا مؤسسات ثقافية.

لدينا مهرجانات.

لدينا صناديق ومنح وبرامج ومشاريع وشراكات.

لدينا تفرعات الثقافة كلها تقريبًا.

لكن السؤال الذي يؤرقني:

هل بقي للثقافة المكان الذي كانت تحتله في المشروع الوطني؟

بل أذهب أبعد:

هل الثقافة الفلسطينية اليوم حاضنة للثقافة العربية كما كانت في مراحل سابقة؟

هل ما زال الفنان والكاتب والمسرحي والسينمائي العربي يجد في فلسطين مركزًا ثقافيًا يريد أن يكون جزءًا منه؟

وهل تستطيع الثقافة الفلسطينية اليوم أن تكون مكانًا يأتي إليه المثقف العالمي لا باعتباره متضامنًا مع ضحايا، بل لأن هنا حركة فكر وفن وأسئلة يريد أن ينتمي إليها؟

أم حدث العكس؟

هل أصبح الفنان الفلسطيني هو الذي يبحث عن المركز في الخارج؟

هذا السؤال ليس حكمًا على الفنان الفلسطيني.

ربما يكون حكمًا على البيئة التي تركناه يعمل داخلها.

فحين تعتمد مؤسسة ثقافية في استمرارها ورواتب موظفيها وبرامجها على آلاف أو عشرات آلاف أو مئات آلاف الدولارات الآتية من الخارج، لا يعود سؤال الاستقلال مجرد سؤال أخلاقي عن نزاهة القائمين عليها.

يمكن للمؤسسة أن تكون نزيهة تمامًا.

يمكن أن تكون شفافة.

يمكن أن تكون حساباتها مدققة، ومجلس إدارتها محترمًا، وبرامجها ناجحة.

ويبقى السؤال قائمًا:

من يضع السقف؟

وهنا تصبح «الحوكمة» وحدها غير كافية.

لأن المؤسسة قد تكون ممتازة الحوكمة، لكنها تعمل بكفاءة عالية تحت سقف لم تضعه هي.

وقد تنجح في تحرير مواردها إداريًا من دون أن تحرر مخيلتها.

وقد تحصل على تمويل أكبر بينما تصبح قدرتها على تجاوز شروط البيئة التي تمولها أصغر.

لهذا فإن قضية التمويل المشروط، بالنسبة إليّ، ليست قضية مالية.

إنها قضية ثقافية.

وهي، في العمق، قضية سياسية.

لأن التحول الذي أصاب الثقافة الفلسطينية لم يحدث منفصلًا عن التحول الذي أصاب الحركة الوطنية نفسها.

حين انتقلت الحركة الوطنية من حركة تحرر إلى سلطة تحت الاحتلال، لم تتغير السياسة وحدها.

تغير الاقتصاد.

وتغيرت بنية المجتمع.

وتغيرت علاقة المؤسسة بالناس.

وتغيرت اللغة.

وتغير معنى «المشروع».

وتغيرت، بالتدريج، الثقافة التي كانت واحدة من أدوات إنتاج الوعي الوطني.

ولهذا فإن السؤال عن البدائل لا يستطيع أن يبدأ من المال وحده.

علينا أن نسأل أولًا:

أي ثقافة نريد أن نمول؟

ثقافة تستطيع أن تختلف؟

أن تصرخ؟

أن تكسر السقف؟

أن تنتقد السلطة والفصيل والمانح والمجتمع وحتى المسلمات التي تربّت عليها؟

أم ثقافة تتقن البقاء داخل الحدود المسموح بها، ثم تقدم في نهاية العام تقريرًا ممتازًا عما أنجزته؟

ربما كان علينا، قبل البحث عن بدائل للتمويل، أن نبحث عن استعادة معنى الثقافة نفسها.

وأن نستعيد المجتمع بوصفه صاحب هذه الثقافة، لا جمهورًا لمشاريعها.

وأن نستعيد الحركة الوطنية بوصفها بحاجة إلى الشاعر والسينمائي والكاتب والمسرحي والفنان والباحث، لا لتزيين خطابها، وإنما لأن هؤلاء يشاركون في إنتاج معنى فلسطين نفسها.

وهنا أعود إلى المفارقة التي لا تفارقني:

كانت فلسطين أقل مالًا، وأقل مؤسسات، وأقل استقرارًا، وأكثر منفى وحربًا ومخيمات.

ومع ذلك أنتجت حضورًا ثقافيًا تجاوز حدودها.

واليوم لدينا وزارة، ومؤسسات، وبرامج، ومهرجانات، وشبكات دولية، وموازنات ومنح.

فماذا حدث بين الصورتين؟

كيف انتقلنا من ثقافة كانت تجذب الآخرين إلى فلسطين، إلى ثقافة تبحث عن الجهات التي تمول استمرارها؟

متى خرج المثقف من قلب المشروع الوطني ودخل، في بعض نماذج العمل، في خانة «المستفيد»؟

متى أصبح السؤال: من سيمول الفيلم؟ يسبق أحيانًا السؤال: لماذا يجب أن نصنعه؟

ومتى أصبح علينا أن نشرح فلسطين بلغة يستطيع الممول أن يفهمها، بدل أن نجعل العالم يتعلم لغتنا نحن لكي يفهم فلسطين؟

ثم يأتي السؤال الأكثر إزعاجًا:

إذا كان التمويل المشروط يضع سقفًا للثقافة، فمن يضع سقفًا للمانح؟

ومن يقرر أين تنتهي الشراكة وتبدأ الوصاية؟

ومن يستطيع أن يقول: نريد المال، نعم، لكننا لا نريد أن تدفع ثقافتنا ثمنه؟

هذه ليست دعوة إلى العودة إلى الماضي.

فالتاريخ لا يعود.

وليست دعوة إلى إغلاق المؤسسات أو رفض العالم أو الاستغناء عن كل تمويل خارجي.

إنها دعوة إلى شيء أصعب بكثير:

أن ننظر في المرآة.

أن نسأل لماذا استطاعت حركة وطنية مطاردة ومشتتة وفقيرة أن تجعل الثقافة واحدة من لغاتها الكبرى، بينما أصبحنا اليوم نبحث عن طريقة لإنقاذ الثقافة من أزمة موارد.

وربما، عندما نصل إلى هناك، نكتشف أن السؤال لم يكن يومًا:

من سيمول ثقافتنا؟

بل:

من يملك حق تحديد ما تقوله ثقافتنا؟

ومن يحدد أولوياتها؟

ومن يضع سقفها؟

ومن يملك شجاعة كسره؟

وعندها يصبح السؤال الأخير أكبر من الندوة، وأكبر من المؤسسات، وأكبر حتى من الثقافة نفسها:

هل أزمة الثقافة الفلسطينية هي أزمة تمويل… أم أنها واحدة من مرايا أزمة المشروع الوطني الفلسطيني نفسه؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26 أيلول 2026




FB_IMG_1790453332967.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى