يحيى بركات - كلمة الرئيس أمام العالم… كلمة دبلوماسية أم كلمة فلسطين؟

بعد أيام ستصل كلمة رئيس فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة من خلف شاشة.

ليس لأن فلسطين اختارت أن تخاطب العالم عن بُعد، بل لأن رئيسها مُنع من الوصول إلى نيويورك، فاختارت أغلبية ساحقة من دول الجمعية العامة أن يصل صوت فلسطين إلى القاعة رغم المنع.

لكن السؤال الذي يشغلني ليس: ماذا سيقول الرئيس؟

السؤال:
ماذا نريد نحن، الفلسطينيين، أن يقول رئيسنا؟

ماذا يريد الفلسطيني في غزة أن يسمع؟

وماذا يريد الفلسطيني في الضفة الغربية؟

وفي القدس؟

وماذا يريد الأسير؟

واللاجئ في المخيم؟

والفلسطيني الذي حملته النكبة والهجرة إلى الأردن ولبنان وسوريا والعراق ومصر، وإلى أوروبا والدول الإسكندنافية وتركيا، وإلى الولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية وأستراليا وآسيا، وبقيت فلسطين تسكن اسمه وذاكرته؟

ماذا تريد أم فقدت أبناءها تحت الركام؟

وماذا يريد مزارع يقف أمام زيتونته المحروقة؟

وماذا يريد شاب وُلد بعد أوسلو، وكبر وهو يسمع عن دولة لم يرها؟

هذه محاولة لكتابة الكلمة التي أتمنى أن يحملها رئيس فلسطين إلى العالم.

لا أدّعي أنني أملك حق تسميتها «كلمة الشعب الفلسطيني».

لكنني أضعها أمام الشعب الفلسطيني وأسأله:

لو كان رئيس فلسطين يتحدث باسمك أمام العالم، ماذا تريد منه أن يقول؟

وهذه هي الكلمة كما اتصورها .

السيد رئيس الجمعية العامة،

السيد الأمين العام،

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

السيدات والسادة،

كنت أتمنى أن أقف أمامكم اليوم، في هذه القاعة، وأن أنظر إليكم وأنتم تستمعون إلى كلمة فلسطين.

لكنكم ترونني على هذه الشاشة لأن الدولة المضيفة منعت رئيس فلسطين من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة.

وقد قررت الغالبية الساحقة من دول هذه الجمعية أن يصل صوت فلسطين إلى هذه القاعة رغم ذلك.

ولهذه الدول أقول:

شكرًا.

فمنع إنسان من الوصول إلى المنبر لا ينبغي أن يعني منع شعب من الوصول إلى العالم.

ومنذ بدأت أعمال هذه الدورة، استمعت هذه القاعة إلى كلمات كثيرة عن فلسطين.

تحدث قادة دول وحكومات عن غزة.

عن الأطفال الذين قُتلوا.

عن الجوع والحصار والدمار.

عن الضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين.

عن القدس.

عن التهجير.

عن القانون الدولي.

وعن عجز النظام الدولي عن وقف ما يحدث.

وسيتحدث آخرون.

وسيقول بعضهم أشياء أخرى عن فلسطين.

قد يتفقون معنا.

وقد يختلفون معنا.

وقد يدافع بعضهم عما لا نستطيع نحن أن نقبله.

وهذا حقهم في هذه القاعة.

لكن هناك شيئًا واحدًا لم يعد يستطيع أحد أن يقوله:

إنه لا يعرف.

لن أقف أمامكم اليوم لأخبركم بما لا تعرفون.

أنتم تعرفون.

تعرف حكوماتكم.

وتعرف مؤسساتكم.

وتعرف هذه الجمعية.

ويعرف مجلس الأمن.

وتعرف محاكمكم الدولية.

وتعرف لجان التحقيق التي شكلتموها.

وتعرف وكالات الأمم المتحدة التي يعمل موظفوها بين شعبنا، وبعضهم دفع حياته ثمنًا لعمله.

تعرفون لأنكم رأيتم.

وتعرفون لأنكم حققتم.

وتعرفون لأنكم أحصيتم القتلى والجرحى والنازحين والجائعين.

وتعرفون لأنكم كتبتم التقارير.

وأصدرتم القرارات.

وطالبتم بوقف الانتهاكات.

لذلك لن أحدثكم اليوم عن الرواية الفلسطينية وحدها.

سأحدثكم عن وثائقكم أنتم.

وإذا وقف أمامكم من ينكر كل ذلك، أو يسخر من قراراتكم، أو يحاول أن يقنعكم بأن ما رأيتموه لم يحدث، فلا أطلب منكم أن تصدقوني أنا.

صدقوا ما كتبتموه أنتم.

فالسؤال الذي جئت أحمله إليكم باسم شعب فلسطين لم يعد:

ماذا تعرفون؟

بل:

ماذا فعلتم بما تعرفونه؟

وماذا ستفعلون الآن؟

لأن المعرفة التي لا تمنع الجريمة تصبح شهادة عليها.

والقرار الذي لا يُنفذ يصبح ورقة.

والقانون الذي لا يحمي الضعيف من القوي يفقد معناه.

ومن هنا أريد أن أبدأ.

غزة.

غزة ليست خبرًا عاجلًا.

وليست عددًا على شريط أسفل شاشة.

إنها مجتمع كامل عاش القتل والجوع والنزوح والحصار والركام.

عشرات الآلاف قُتلوا.

ومئات الآلاف جُرحوا.

ولا يزال آلاف البشر تحت الأنقاض تنتظر عائلاتهم الوصول إليهم.

لكل واحد منهم اسم.

بيت.

أم.

أب.

طفل كان له سرير.

طالب كان له مقعد في مدرسة.

امرأة كان لها نافذة ومطبخ وحياة عادية قبل أن تصبح رقمًا في تقرير.

مستشفيات دُمرت.

مدارس وجامعات أصابها الدمار.

أحياء تغيرت معالمها.

وعائلات اختفت.

وأطفال تعلموا أسماء الطائرات والقنابل قبل أن يتعلموا أسماء الألعاب.

ولا أقول لكم:

صدقوا فلسطين.

أقول:

افتحوا تقاريركم.

لقد وثقتم القتل والنزوح والجوع والدمار والقيود على المساعدات.

وشكلتم اللجان.

وأصدرتم القرارات.

ووصلت القضية إلى المحاكم الدولية.

ومع ذلك استمر الموت.

ثم جاءت خطة لوقف الحرب.

قدمها رئيس الولايات المتحدة.

واجتمع حولها قادة ووسطاء وضامنون.

ووصلت إلى مجلس الأمن.

وقبلنا بها رغم تحفظاتنا لأن وقف دم شعبنا كان بالنسبة إلينا أكبر من أي تحفظ.

فماذا حدث؟

استمر الفلسطينيون في الموت.

وظلت المعابر رهينة القرار الإسرائيلي.

وظلت المساعدات تدخل أو لا تدخل وفق ما تسمح به القوة القائمة بالاحتلال.

ولم يتحقق الانسحاب كما كان منتظرًا.

وظل الفلسطيني يسأل:

كيف يسمى هذا وقفًا لإطلاق النار إذا بقي الموت مستمرًا؟

فأسألكم:

أين اتفاقكم؟

أين قرار مجلس الأمن؟

أين الضامنون؟

وأين الولايات المتحدة من الخطة التي قدمتها للعالم؟

ما معنى الضامن إذا لم يضمن؟

وما معنى قرار مجلس الأمن إذا استطاع الطرف الأقوى أن ينفذ منه ما يريد ويترك ما لا يريد؟

شعبنا لا يستطيع أن يعيش بين قرار أممي لا يُنفذ وقنبلة تُنفذ.

لذلك:

لا تصدروا لنا قرارًا جديدًا.

نفذوا القرارات التي أصدرتموها.

---

وقد تعلمنا في هذه الحرب كلمة أخرى.

كلمة باردة جدًا:

«الضرر الجانبي».

طفل يصبح ضررًا جانبيًا.

وامرأة تصبح ضررًا جانبيًا.

وعائلة تصبح ضررًا جانبيًا.

وبيت بما فيه من بشر يدخل في حسابات الهدف قبل سقوط القنبلة.

وقد خرجت شهادات من داخل المنظومة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية نفسها تتحدث عن استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، وعن معرفة مسبقة في بعض الحالات بوجود المدنيين وبالخسائر المتوقعة.

لذلك أسأل:

كم طفلًا يجب أن يموت حتى يتوقف الطفل عن أن يكون «ضررًا جانبيًا»؟

كم امرأة؟

كم عائلة؟

كم بيتًا؟

مرة أخرى:

لا تصدقوني أنا.

استمعوا إلى الإسرائيليين الذين كانوا داخل المنظومة.

ثم افتحوا تقاريركم.

وقارنوا.

فالفلسطيني لم يصبح رقمًا بعد سقوط القنبلة فقط.

في بعض هذه العمليات كان رقمًا في الحساب قبل أن تسقط القنبلة.

---

ثم افتحوا ملفات الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

اقرأوا ما وثقته مؤسساتكم عن التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

وأسألكم:

إذا وثقتم، فمن سيحاسب؟

وإذا استطاعت الضحية الوصول إلى التقرير ولم تستطع الوصول إلى العدالة، فما قيمة التقرير؟

---

ثم انظروا إلى الضفة الغربية.

صمت العالم أمام ما جرى في غزة لم يبقَ في غزة.

عبر الحواجز ووصل إلى قرانا وبلداتنا.

هناك تُحرق أشجار الزيتون.

وتُحرق المحاصيل.

وتُهاجم البيوت.

وتُسرق الأرض.

وتتوسع المستوطنات.

ويخرج المستوطن المسلح إلى أرض الفلسطيني، وفي حالات كثيرة تحت حماية جيش الاحتلال، بينما يحتاج صاحب الأرض إلى الحماية لكي يصل إلى أرضه.

ولا تزال صورة الطفل علي دوابشة أمامنا.

كان عمره ثمانية عشر شهرًا عندما أُحرق بيت عائلته في دوما وهو نائم.

مات علي.

ثم مات أبوه سعد.

ثم ماتت أمه ريهام.

ونجا أخوه أحمد يحمل الحريق في جسده وذاكرته.

مرت سنوات.

لكن النار لم تنطفئ.

انتقلت من بيت إلى بيت.

ومن قرية إلى قرية.

ومن شجرة زيتون إلى حقل.

**لأن الإفلات من العقاب لا يحمي الجريمة فقط.

إنه يصنع الجريمة التالية.**

واليوم لا تُهدد قرية وحدها.

الأرض التي تقولون إنكم تريدون إقامة دولة فلسطينية عليها تُجزأ أمام أعينكم.

فكيف ستقيمون غدًا دولة على أرض تسمحون بتفكيكها اليوم؟

---

والقدس ليست تفصيلًا.

هي مدينة يعيش فيها شعب له بيوت وذاكرة ومقدسات وحقوق.

ولا يمكن أن تطلبوا من الفلسطيني أن يؤمن بحل الدولتين، ثم تسمحوا كل يوم بتغيير الأرض التي يفترض أن تقوم عليها دولته.

ولا يمكن أن تبقى مناطق يفترض، وفق الاتفاقات التي رعاها العالم، أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية مفتوحة للاقتحام متى شاء جيش الاحتلال.

ولا يجوز أن تبقى أموال شعبنا أداة عقاب تتحكم بها قوة الاحتلال.

هذه أموال الفلسطيني.

ليست هبة من إسرائيل.

---

وأريد أن أتوقف عند مؤسسة من مؤسساتكم أنتم.

الأونروا.

أنشأتموها أنتم.

ومنحتموها أنتم تفويضها.

وهي التي حملت طوال عقود جزءًا كبيرًا من مسؤولية التعليم والصحة والإغاثة لملايين اللاجئين الفلسطينيين.

واليوم تُغلق مدارس تابعة لها.

وتُقتحم منشآتها.

وتُعرقل أعمالها.

وتُوجَّه إليها الاتهامات.

وقد وثقت مؤسسات الأمم المتحدة نفسها اقتحام منشآت للأونروا وإغلاق مدارس لها في القدس الشرقية وعرقلة عملها.

وهنا أسألكم:

إذا استطاعت قوة الاحتلال أن تهاجم مؤسسة أنشأتموها أنتم، وتغلق مدارسها، وتقتحم منشآتها، وتحاصر قدرتها على تقديم المساعدة، فمن الذي سيدافع عن الأمم المتحدة؟

هل على اللاجئ الفلسطيني أن يدافع عن مؤسستكم أيضًا؟

وعندما تأتي الاتهامات من سلطة تواجه هي نفسها اتهامات وتحقيقات وإجراءات دولية مرتبطة بالحرب والانتهاكات، ألا يصبح واجبكم أن تحموا استقلال مؤسساتكم، وأن تجعلوا التحقيق والقانون، لا الاتهام السياسي، هو الحكم؟

الأونروا ليست ملكًا للفلسطينيين.

الأونروا مؤسستكم.

فاحموها.

---

أيها السيدات والسادة،

لقد آمنا بالسلام.

ولم يكن السلام بالنسبة إلينا كلمة نقولها أمامكم ثم ننساها عندما نغادر هذه القاعة.

لقد دفع شعبنا ثمن خيار السلام من حياته وأرضه ووقته.

وقبل أكثر من نصف قرن وقف ياسر عرفات أمام هذه الجمعية يحمل غصن الزيتون في يد وبندقية المقاتل من أجل الحرية في اليد الأخرى.

وقال لكم:

لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.

ثم ذهب الفلسطينيون أبعد.

دخلنا المفاوضات.

وقعنا الاتفاقات.

اعترفنا بإسرائيل.

وقبلنا بدولة فلسطينية على جزء من فلسطين التاريخية.

وأنشأنا سلطة وطنية.

وقلنا لشعبنا عامًا بعد عام:

المفاوضات والقانون الدولي هما الطريق إلى الحرية والدولة.

وانتظرنا.

وبينما كنا نفاوض كانت المستوطنات تكبر.

وكانت الأرض تصغر.

وكان الجدار يمتد.

وكانت القدس تتغير.

وكانت البيوت تُهدم.

والأشجار تُقتلع.

والحواجز تتكاثر.

ثم جاءت غزة.

وجاء القتل.

والدمار.

والجوع.

والنزوح.

والركام.

وظل العالم يطلب من الفلسطيني أن يتمسك بغصن الزيتون.

قبل أكثر من نصف قرن قال لكم عرفات:

لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.

وأقف أمامكم اليوم لأقول:

لقد أسقطتم غصن الزيتون.

لم يسقط لأن الفلسطيني لم يعد يريد السلام.

سقط لأن العالم الذي وعد بحماية طريق السلام ترك الاحتلال، عامًا بعد عام، يهدم الأرض التي كان يفترض أن يقوم عليها السلام.

سقط عندما أصبحت المفاوضات عملية بلا نهاية، والاستيطان عملية لا تتوقف.

سقط عندما بقيت قرارات الأمم المتحدة في الملفات بينما تغير الوقائع على الأرض كل صباح.

وسقط أكثر من أي وقت مضى عندما شاهد العالم ما جرى في غزة، ووثقت مؤسساته ما جرى، ثم استمر كل شيء.

والآن تقولون لنا:

عودوا إلى المفاوضات.

مع من؟

كيف تطلبون من شعبنا أن يجلس إلى طاولة السلام مع حكومة ما زالت الحرب في عهدها مستمرة، ورئيسها مطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف تتعلق باتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟

كيف يصبح من تطلب إحدى محاكمكم الدولية توقيفه، هو نفسه الشريك الذي تطلبون من الضحية أن تفاوضه على مستقبلها؟

لم يعد هناك شريك.

ليس لأن الفلسطيني أغلق باب السلام.

بل لأن السلام لا يمكن أن يقوم على مطالبة الضحية بأن تتعامل مع استمرار ما يجري بحقها وكأنه مجرد خلاف سياسي ينتظر جولة جديدة من المفاوضات.

لقد فاوضنا.

وانتظرنا.

وقدم العالم الوعود والضمانات.

وفي الوقت نفسه كانت الأرض تتغير تحت أقدامنا، والمستوطنات تتسع، حتى وصلنا إلى غزة وما جرى فيها.

لذلك فإن المسؤولية لم تعد تستطيع أن تُلقى مرة أخرى على الفلسطيني بعبارة:

اذهبوا وتفاوضوا.

أنتم تتحملون المسؤولية الآن.

أنتم الذين قلتم إن القانون الدولي هو المرجع.

وأنتم الذين أنشأتم المؤسسات والمحاكم.

وأنتم الذين أصدرتم القرارات.

وأنتم الذين وثقتم ما حدث.

فلا تطلبوا من الفلسطيني أن يتصرف وكأن شيئًا من ذلك لم يحدث.

ما بعد غزة لن يكون كما قبلها.

السلام الذي نريده لا يمكن أن يعود إلى القاموس القديم نفسه.

لا مفاوضات بلا نهاية.

لا مرحلة انتقالية تتحول إلى حياة كاملة تحت الاحتلال.

لا وعود بلا زمن.

السلام الذي نريده يجب أن تكون له أرض.

وحدود.

وسيادة.

وحرية.

وزمن معلوم لإنهاء الاحتلال.

وضمانات تحول دون أن تصبح السنوات القادمة نسخة أخرى من السنوات التي مضت.

وأنتم من يضع هذه الضمانات الآن.

لأنكم أنتم من يحمل المسؤولية.

لا الفلسطيني الذي انتظر.

ولا الشريك الذي لم يوجد.

أنتم.

---

وقلتم لنا:

إذا اخترتم السلام فعودوا إلى الأمم المتحدة.

عدنا.

احتكموا إلى القانون الدولي.

احتكمنا.

ذهبنا إلى الجمعية العامة.

ذهبنا إلى محكمة العدل الدولية.

وانضممنا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وقبلنا بقرارات الشرعية الدولية، حتى تلك التي لم تعط شعبنا كل ما يعتقد أنه حقه.

وقلنا لشعبنا:

لا تجعلوا القوة وحدها لغتكم.

هناك عالم.

هناك قانون.

هناك أمم متحدة.

هناك محاكم.

فماذا حدث؟

عوقبنا لأننا لجأنا إلى مؤسساتكم.

عوقبنا لأننا ذهبنا إلى محاكمكم.

وعوقبنا لأننا طالبنا العالم بالاعتراف بدولتنا.

ثم مُنع رئيس فلسطين من الوصول إلى هذه القاعة.

أي رسالة تريدون أن يسمعها طفل فلسطيني من ذلك؟

أن يؤمن بالقانون الدولي ثم يرى شعبه يعاقب عندما يلجأ إليه؟

أن يؤمن بالأمم المتحدة ثم يرى رئيسه ممنوعًا من الوصول إليها؟

أن يؤمن بالمحاكم الدولية ثم يرى أن الذهاب إليها أصبح سببًا لمعاقبة بلاده؟

ولا أطلب منكم هنا امتيازًا لفلسطين.

أطلب شيئًا يتعلق بكم أنتم:

احموا مؤسساتكم.

إذا أصبح اللجوء إلى محكمة العدل الدولية سببًا للعقاب، فلماذا أنشأتم محكمة العدل الدولية؟

وإذا أصبح اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية سببًا للعقاب السياسي، فما الرسالة التي ترسلونها إلى الشعوب التي تطلبون منها احترام القانون؟

طلبتم منا أن نختار القانون بدل القوة.

اخترنا القانون.

فلا تعاقبونا لأننا صدقناكم.

---

أيها السيدات والسادة،

إن حقنا في تقرير المصير ليس مطلبًا سياسيًا يمكن التنازل عنه في مفاوضات أو تأجيله إلى أجل غير مسمى.

إنه حق قانوني أصيل كفله العهدان الدوليان لحقوق الإنسان، وأكدته قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، وأعادت محكمة العدل الدولية تأكيده.

وحق تقرير المصير لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال.

والقانون الدولي نفسه، الذي طلبتم منا أن نؤمن به، يعترف بأن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي أو السيطرة الاستعمارية لها الحق في مقاومة هذا الاحتلال.

وقد أكدت قرارات الأمم المتحدة، ومنها القرار 3103 لعام 1973، أن نضال الشعوب من أجل تقرير مصيرها مشروع، وأن أي محاولة لقمع هذا النضال تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

كما أن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 اعتبر النزاعات التي تناضل فيها الشعوب ضد الاحتلال الأجنبي نزاعات مسلحة دولية، ووضع المقاتلين فيها تحت حماية القانون الدولي.

نحن لم نخترع هذه القواعد.

أنتم من كتبها.

أنتم من صادقتم عليها.

أنتم من أصدرتم القرارات التي تؤكدها.

ونحن نطالبكم بأن تطبقوها على فلسطين كما تطبقونها على غيرها.

نحن لا نطلب امتيازًا.

نطلب المساواة في تطبيق القانون.

والقانون الدولي الذي يكفل حق تقرير المصير هو نفسه القانون الذي يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة هذا الاحتلال بكل السبل المشروعة، بما في ذلك الكفاح المسلح، وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.

نحن لا نقول إن فلسطين المستقبل يجب أن تكون أرضًا لتعدد الجيوش والأسلحة.

في الدولة الفلسطينية يجب أن تكون هناك سلطة واحدة.

وقانون واحد.

وسلاح شرعي واحد.

لكن الطريق إلى ذلك لا يبدأ بنزع سلاح شعب تحت الاحتلال.

يبدأ بإنهاء الاحتلال.

وعندما ينتهي الاحتلال وتقوم دولة فلسطينية حقيقية ذات سيادة ويختار الشعب قيادته ومؤسساته، يبدأ زمن الدولة، ويكون السلاح بيد السلطة الشرعية التي اختارها الشعب وتحت حكم القانون.

السلام لا يبدأ باستسلام شعب.

السلام يبدأ بانتهاء الاحتلال.

وأقول للعالم:

لا تختزلوا فلسطين في غزة والضفة والقدس وحدها.

هناك شعب فلسطيني في الشتات.

في المخيمات.

وفي المدن التي وصل إليها بعد النكبة وما تلاها.

في الأردن ولبنان وسوريا والعراق ومصر.

وفي تركيا.

وفي أوروبا والدول الإسكندنافية.

وفي الولايات المتحدة وكندا.

وفي أميركا اللاتينية.

وفي أستراليا وآسيا.

وفي كل مكان حمل إليه الفلسطيني اسم فلسطين.

اللاجئ ليس ملف إغاثة.

وقضيته ليست كيس طحين.

إنه إنسان له تاريخ وحقوق ومستقبل.

ولا يمكن لأي حل أن يمحو اللاجئ من القضية لأنه يعيش بعيدًا عن الخريطة التي ترسمون عليها حدود الدولة.

لكنني، وأنا أطالب العالم بمسؤوليته، لن أهرب من مسؤوليتنا نحن.

لقد أخطأنا.

وانقسمنا.

وتعطلت مؤسساتنا.

وطال غياب صندوق الاقتراع.

وأصبح جيل كامل من الفلسطينيين بالغًا من دون أن تتاح له فرصة اختيار قيادته الوطنية في انتخابات عامة.

والدولة التي نطالب العالم باحترام قانونها يجب أن يبدأ احترام القانون فيها من داخلها.

لذلك أقول لشعبي:

الانتخابات ليست منحة من رئيس.

إنها حقكم.

لقد دعونا إلى انتخابات تشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

ودعونا شعبنا في الوطن والشتات إلى المشاركة في إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، المؤسسة التي يفترض أن تحمل تمثيل الفلسطيني أينما كان. والنظام الانتخابي المعلن للمجلس الوطني خصص 150 مقعدًا من أصل 350 للفلسطينيين في الخارج والشتات.

لكنني لا أريد انتخابات تضاف إلى رزنامة المواعيد.

أريد انتخابات تعيد الشرعية إلى مؤسساتنا.

وتعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون بيتًا وطنيًا يتسع للفلسطينيين وتياراتهم وقواهم ومجتمعاتهم في الوطن والشتات.

وأطلب من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يساعدا شعبنا على ممارسة هذا الحق.

نريد انتخابات حرة في القدس والضفة وغزة.

ونريد رقابة دولية.

ونريد ضمانات تحول دون أن يعتقل الاحتلال مرشحًا لأنه ترشح، أو يمنع قائمة لأنها لا تعجبه، أو يغلق مركز اقتراع، أو يمنع ناخبًا من الوصول إلى صندوقه.

ولا تكون القدس خارج الانتخابات.

ولا تكون غزة خارج الانتخابات.

فالناس في غزة ليسوا ضحايا يحتاجون الطعام والدواء فقط.

إنهم مواطنون لهم حق اختيار من يحكمهم.

وأطلب من الدول التي يعيش فيها أبناء شعبنا أن تتعاون، وفق قوانينها وسيادتها، لتيسير مشاركتهم في اختيار ممثليهم في المجلس الوطني الفلسطيني.

من الدول العربية إلى أوروبا.

ومن الأميركيتين إلى أستراليا وآسيا.

نريد أن يصل صوت الفلسطيني إلى مؤسساته الوطنية أينما كان.

لأن منظمة التحرير التي نطالب العالم بالاعتراف بها ممثلًا للشعب الفلسطيني يجب أن يجدد الشعب نفسه شرعية مؤسساتها.

وأقول لشعبي:

لن أطلب من العالم أن يختار لكم.

اختاروا أنتم من تريدون.

وحاسبوا من تريدون.

وغيروا من تريدون.

فالشرعية لا تأتي من الماضي وحده.

ولا من البندقية وحدها.

ولا من اعتراف الدول وحده.

الشرعية تبدأ من الشعب.

وأي نتيجة يختارها شعبنا في انتخابات حرة يجب أن تُحترم.

ليس عندما تأتي بمن يريده العالم فقط.

بل عندما تأتي بمن يختاره الفلسطيني.

الديمقراطية التي تقبل الصندوق عندما يأتي بمن تريد وترفضه عندما يأتي بمن لا تريد ليست ديمقراطية.

أيها السيدات والسادة،

تحدثت كثيرًا عن الموت.

لكن فلسطين ليست مشروع موت.

نحن نريد الحياة.

الفلسطيني في غزة يريد أن يخرج طفله صباحًا إلى مدرسة، لا إلى خيمة.

يريد مستشفى يعالج فيه أمه.

يريد ماء وكهرباء وبيتًا وبحرًا يستطيع الوصول إليه.

الفلسطيني في الضفة يريد أن ينتقل من مدينة إلى مدينة دون أن يقرر جندي متى يمر ومتى يعود.

المزارع يريد أن يصل إلى زيتونته.

الفلسطيني في القدس يريد أن يعيش في مدينته دون أن يخاف على بيته وهويته ومستقبله.

الأسير يريد الحرية.

واللاجئ يريد ألا يُطلب منه أن ينسى لماذا أصبح لاجئًا.

والشاب الفلسطيني يريد ألا يكون خياره الوحيد بين الهجرة والبطالة والسجن والموت.

هذه ليست مطالب شعب يريد امتيازات.

هذه هي الحياة العادية التي يعيشها معظم البشر الذين يمثلهم الجالسون في هذه القاعة.

نحن لا نريد من العالم أن يساعد الفلسطيني على البقاء حيًا تحت الاحتلال.

نريد أن يعيش حرًا بعد الاحتلال.

شعبنا صمد.

وسيظل صامدًا.

شعبنا يسعى إلى السلام.

لكنه لا يسعى إلى الاستسلام.

لن نهجر أرضنا.

ولن نقبل أن يتحول بقاؤنا عليها إلى منّة من أحد.

وسنواصل نضالنا من أجل حريتنا وحقوقنا بكل السبل التي يكفلها لنا القانون الدولي، بما في ذلك مقاومة الاحتلال، ملتزمين في الوقت نفسه بأحكام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.

لن يستكين شعب فلسطين حتى ينتهي الاحتلال، وينال حريته وحقه في تقرير مصيره، وتقوم دولته الفلسطينية الحرة المستقلة.

لا نطلب مكان أحد.

نطلب مكاننا.

ولا نطلب حرية على حساب شعب آخر.

نطلب الحرية لشعبنا.

لا تسألوني بعد اليوم أين الدليل.

الدليل في تقاريركم.

ولا تسألوني أين القانون.

القانون في مواثيقكم وقراراتكم ومحاكمكم.

ولا تسألوني ماذا يريد الفلسطيني.

يريد ما تريده شعوبكم لأنفسها:

أن يعيش حرًا على أرضه.

أن يختار من يحكمه.

أن يحاسب حكومته.

أن يذهب طفله إلى المدرسة.

أن يزرع أرضه.

أن يسافر.

أن يعود.

أن يحب.

أن يكبر.

أن يختلف.

أن ينتخب.

وأن يعيش دون أن يحتاج إلى إذن من جندي لكي يعيش.

لقد جاءكم ياسر عرفات قبل أكثر من نصف قرن يحمل غصن الزيتون وقال:

لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.

واليوم أقول لكم:

لقد أسقطتم الغصن مرات كثيرة.

لكن شجرة الزيتون لم تمت.

يقتلعونها فنزرعها.

يحرقونها فتعود من جذورها.

ونحن لم نفقد إيماننا بالسلام.

لكننا فقدنا القدرة على تصديق سلام لا يغير شيئًا في حياة شعبنا.

إذا أردتم من الفلسطيني أن يحمل غصن الزيتون مرة أخرى، فلا تطلبوا منه وحده أن يحميه.

هذه المرة احموه أنتم.

احموه بإنهاء الاحتلال.

احموه بوقف الاستيطان.

احموه بتنفيذ قراراتكم.

احموه بالقانون الذي طلبتم منا أن نؤمن به.

ولا أطلب من العالم أن يحمي رئيس فلسطين.

الرؤساء يأتون ويذهبون.

ولا أطلب منه أن يحمي حكومة أو حزبًا أو فصيلًا.

أطلب منه أن يحمي حق شعب فلسطين في أن يكون حرًا، وأن يختار رئيسه ومجلسه ومستقبله.

أنا رئيس فلسطين.

لكن فلسطين ليست رئيسها.

فلسطين شعبها.

والرئيس يذهب.

والحكومة تذهب.

والقيادات تتغير.

ويبقى الشعب.

صاحب الأرض.

وصاحب الحق.

وصاحب القرار.

وصاحب الشرعية.

فلا تسألوني بعد اليوم:

ماذا تريد فلسطين من العالم؟

اسألوا أنفسكم:

ماذا سيفعل العالم بما يعرفه عن فلسطين؟

وشكرًا لكم.

---

هذه هي الكلمة التي أتمنى أن أسمعها.

لكنها ليست نصًا مغلقًا.

إن كانت هذه كلمة فلسطين، ففلسطين أوسع من كاتب، وأكبر من رئيس، وأغنى من أن يحصرها صوت واحد.

لذلك أضعها أمام الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، وأمام الأسير واللاجئ، وأمام الفلسطيني في الشتات، وأمام كل من يرى نفسه جزءًا من هذا الشعب.

اقرأوها من أولها إلى آخرها.

ثم قولوا لي:

ماذا تضيفون إليها؟

ماذا تحذفون منها؟

وما الجملة التي تنتظرون أن يقولها رئيس فلسطين أمام العالم ولم تجدواها هنا؟

لأنني في النهاية لم أكن أحاول أن أكتب كلمة لرئيس.

كنت أحاول أن أسمع:

ماذا تريد فلسطين أن تقول؟


يحيى بركات
23/9/2026






FB_IMG_1790114233367.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى