أتخيل سجادة حمراء تمتد فوق تراب غزة.
ليست أمام قصر للمهرجانات، ولا عند مدخل فندق فاخر تتوقف أمامه سيارات الليموزين السوداء، بل بين خيام النازحين.
وأتخيل أن أهل غزة قرروا، لليلة واحدة، أن يأخذوا لعبة المهرجانات حتى نهايتها.
لا توجد سيارات ليموزين؟
لا بأس.
هناك عربات تجرها الحمير.
تتوقف العربة الأولى عند طرف السجادة. ينزل منها مخرج ببدلته الرسمية، يصلح «البابيون» حول عنقه، وينفض قليلًا من غبار الطريق عن كتفه. ومن عربة أخرى تنزل امرأة بفستان اختارته لهذه الليلة بعناية، تساعدها صديقتها كي لا يعلق طرفه بالأرض. يأتي الفنانون والمخرجات والمخرجون والضيوف كما لو أنهم ذاهبون إلى عرس.
وعلى جانبي السجادة يقف الجمهور.
تصفيق.
ضحك.
هواتف ترتفع.
طفل يتسلل بين الكبار كي يرى.
شاب يمد يده إلى صديقه ويعدل له البابيون قبل أن يمشي.
والعربات التي حملت بالأمس الماء والطحين والفرش وما تبقى من البيوت، تصبح لهذه الليلة «ليموزينات» مهرجان سينمائي.
لكن فوق الرؤوس يبقى صوت آخر.
صوت يعرفه أهل غزة أكثر مما يعرفون موسيقى المهرجانات.
زززززززز...
الزنّانة.
تدور في الأعلى.
عين تراقب من السماء. ترى تجمعًا، وخيامًا، وعربات، وبشرًا يتحركون، لكنها لا تعرف ماذا يجري في الأسفل.
يرفع شاب رأسه نحوها، ثم يلتفت إلى أصحابه ضاحكًا:
«خليها تزن... مش راح يعرفوا شو بصير إلا لما يقرؤوا الخبر بكرة.»
ويستمر التصفيق.
أتخيل هذا المشهد، لكن ما سيحدث في غزة لا يحتاج أصلًا إلى كثير من الخيال.
ففي السادس والعشرين من أكتوبر المقبل تنطلق الدورة الثانية من مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، تحت عنوان يكاد يلخص وحده ما أحاول كتابته هنا:
«نساء يصنعن الحياة من الموت».
المهرجان سيقام في وسط قطاع غزة، وإدارته أعلنت منذ بدء التحضير أن هذه الدورة تأتي من قلب الظروف التي تعيشها النساء والمجتمع هناك.
ثلاثة وسبعون فيلمًا من أربع وعشرين دولة، بينها ثمانية وعشرون فيلمًا فلسطينيًا في المسابقة الوطنية القصيرة.
لكن الرقم ليس ما أوقفني.
أوقفني المكان.
من بين خيام النازحين.
الخيمة التي أقيمت لأن بيتًا لم يعد موجودًا، أو لم يعد ممكنًا الوصول إليه، ستصبح قاعة سينما.
الخيمة التي ينام فيها الناس ويطبخون ويغسلون ثيابهم وينتظرون الماء ويخفون خوف أطفالهم، ستصبح مكانًا تجلس فيه امرأة لمشاهدة فيلم.
كم تحتاج السينما عادة كي تصنع قاعة؟
مقاعد.
إضاءة.
صوت.
شاشة.
ستائر.
مدخل.
مخرج طوارئ.
أما هنا، فيكفي أن يبقى هناك إنسان يريد أن يرى.
أتوقف أمام بعض أسماء الأفلام المشاركة في المسابقة الفلسطينية:
«نوتة الخيمة».
«كيس طحين».
«بعد أبي».
«غرفة الأخبار».
«بقايا نور».
«خارج الصمت».
«النافذة».
كأن الحياة اليومية نفسها بدأت تكتب عناوين الأفلام.
الخيمة أصبحت عنوانًا.
الطحين أصبح عنوانًا.
الأب الغائب أصبح عنوانًا.
والنافذة أصبحت عنوانًا.
وأجد نفسي، كمخرج أمضى حياته مع السينما، أمام سؤال لم أكن أتصور أنني سأطرحه يومًا بهذه البساطة:
ما الذي يدفع إنسانًا يبحث عن الماء والخبز إلى أن يبحث أيضًا عن صورة؟
ربما أجد بعض الجواب عند مصطفى النبيه.
ليس في قاعة مهرجان.
بل إلى جانب حمار.
في «حمار 7 أكتوبر» يرى مصطفى كائنًا لم يعرف شيئًا عن السياسة، ولم يختر حربًا، لكنه وجد نفسه فجأة جزءًا منها.
حين تعطلت وسائل النقل، أصبحت عربات الحمير تحمل الماء والحطب والمتاع والناس، وتسير مع العائلات في طرق النزوح. ومن هذه العلاقة خرج الفيلم.
الحمار يجوع أيضًا.
يتعب.
يمشي.
يحمل ما لم تعد الأجساد قادرة على حمله.
ولا يعرف لماذا تغير العالم حوله.
وأنا أعود للحظة إلى سجادتنا الحمراء المتخيلة، فأراه يصل هذه المرة وهو يجر «ليموزين» الفنانين.
ما أجمل أن تسترد الحياة الأشياء من وظائف الموت.
العربة التي حملت النازح تحمل فنانًا.
الخيمة التي آوت عائلة تصبح قاعة سينما.
والحمار الذي حمل الماء يصبح بطل فيلم.
هذه ليست بطولة بالمعنى الذي نستهلكه في خطاباتنا.
إنها الحياة وهي تبحث عن وظيفة جديدة لكل شيء كي تستمر.
لكن مصطفى ليس وحده.
تتسع الصورة قليلًا، فأرى خلفه اثنين وعشرين مخرجًا ومخرجة.
«من المسافة صفر».
اثنان وعشرون فيلمًا قصيرًا صُنعت في غزة، بين الوثائقي والروائي والتحريك والتجريب، في مشروع أطلقه رشيد مشهراوي كي يستطيع سينمائيو غزة أن يرووا حكاياتهم بأنفسهم. والمشروع، كما شرح مشهراوي لاحقًا، بدأ بفكرة عشرين فيلمًا وانتهى باثنين وعشرين، وكان يمكن أن يصبح ثلاثين لولا ضرورات الإنتاج وما بعد الإنتاج.
لا أحب الرقم.
اثنان وعشرون.
الرقم يفعل بالبشر أحيانًا ما تفعله نشرات الأخبار.
يخفي الوجوه.
لذلك أحاول أن أراهم.
ريما محمود، التي صنعت «سيلفي».
محمد الشريف، الذي صنع «لا إشارة».
أحمد حسونة، الذي صنع «آسف سينما».
إسلام الزريعي، الذي صنع «فلاش باك».
مصطفى كلاب.
نضال دامو، الذي صنع «كل شيء على ما يرام».
خميس مشهراوي، الذي صنع «جلد ناعم».
تامر نجم.
اعتماد وشاح، التي صنعت «تاكسي ونيسة».
مصطفى النبيه، الذي صنع «قرابين» قبل «حمار 7 أكتوبر».
نداء أبو حسنة، التي صنعت «خارج الكادر».
مهدي كريره، الذي صنع «صحوة».
وكريم سطوم، الذي صنع «جنة الجحيم».
وغيرهم حتى تكتمل الدائرة.
كل واحد منهم كان يستطيع أن يسأل سؤالًا واحدًا:
كيف أنجو؟
لكن سؤالًا آخر ظل حيًا:
كيف أحكي؟
وهنا تبدأ بالنسبة إليّ السينما.
ليس عندما تشتغل الكاميرا.
بل عندما يقرر الإنسان، وهو نفسه داخل الحكاية، أنه لن يتركها تمر من دون أن يحفظ منها شيئًا.
وأتوقف عند عنوان أحمد حسونة كثيرًا:
«آسف سينما».
كأن مخرجًا يعتذر من الفن لأنه لم يعد يستطيع أن يمنحه الظروف التي تعلّم أنها ضرورية لصنعه.
لا إضاءة كما يريد.
لا معدات كما يريد.
لا مواقع يختارها بحرية.
لا يوم تصوير يستطيع أن يضمن نهايته كما بدأ.
ومع ذلك يصنع الفيلم.
وفي «جنة الجحيم» لكريم سطوم يستيقظ رجل داخل كيس مخصص للموتى، يفتحه ويخرج، ثم يمشي بين خيام النازحين محاولًا أن يتذكر كيف انتهى هناك.
أي خيال كان يستطيع قبل هذه الحرب أن يكتب هذه المفارقة ولا نتهمه بالمبالغة؟
رجل يخرج من كيس الموتى ويمشي.
ربما تكون هذه صورة المرحلة كلها.
ومن هذه المسافة خرج أحمد حسونة أيضًا.
ثم جاء «المواطن أسامة».
هذه المرة لا نرى الصحفي فقط وهو يحمل الدرع ويذهب لتوثيق الحرب.
نراه يعود إلى البيت.
أسامة العشي ينتظر مولودًا.
ثم يصبح أبًا.
هناك ماء يجب أن يجده.
غذاء.
حليب لطفل.
زوجة.
أم تخاف عليه.
ودرع صحفي ينتظره في الصباح.
يتابع أحمد حسونة سنة من حياة هذا الرجل، من ولادة الطفل حتى عيد ميلاده الأول، فيجعل الحرب تمر من داخل بيت وأسرة وأبوة، لا من خلال صورة الدمار وحدها. وهذا بالضبط ما قاله حسونة عن اختياره لأسامة: أراد الإنسان الموجود خلف الصحفي الذي يوثق المأساة فيما يعيشها هو نفسه.
ثم يخرج الفيلم من غزة.
يصل إلى فينيسيا.
الجمهور يشاهد.
يتأثر.
يصفق.
لكن أحمد حسونة ليس هناك.
إنه داخل خيمته في غزة، ينظر إلى هاتفه، يشاهد مقاطع من القاعة التي تعرض فيلمه في فينيسيا.
توقفت طويلًا أمام هذه الصورة.
مخرج في خيمة يشاهد جمهوره في فينيسيا.
الفيلم استطاع أن يعبر الحدود.
أما صاحبه فلم يستطع.
وفي نهاية أغسطس اختارت وزارة الثقافة «المواطن أسامة» رسميًا لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار الـ99 لعام 2027، ثم واصل الفيلم رحلته إلى مهرجان شيكاغو الدولي.
وفجأة تصبح المسافة بين الخيمة والأوسكار أقصر مما تبدو على الخريطة.
ليس لأن الحصار اختفى.
بل لأن الصورة عبرته.
وفي تورنتو كان فيلم فلسطيني آخر يعبر.
حسام أبو دان.
«13 من غزة».
لن أعيد هنا ما كتبته سابقًا عن الفيلم. أخذ حقه مني، وأخذ مني قرائي رغد وحكايتها وتفاصيل حياتها.
لكن الفيلم الآن عاد إلينا بشيء جديد.
لقد وصل إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، وعُرض هناك، ثم فاز بجائزة NETPAC في الدورة الحادية والخمسين. لجنة الجائزة أشادت بقدرته على تقديم الحياة في تعقيدها بدل تحويل المعاناة إلى استعراض أو اختزال الفلسطيني في صورة الضحية.
وهنا تبدأ حياة أخرى لأي فيلم.
الجائزة ليست هي التي تصنع قيمته.
قيمته كانت موجودة قبلها.
لكن الجائزة تفعل شيئًا مهمًا في صناعة السينما:
تخلق انتظارًا.
إنسان لم يسمع بالفيلم يسمع به.
ومن سمع باسمه يريد أن يراه.
ومن يعرف حكايته يريد أن يعرف لماذا اختارته لجنة في مهرجان دولي.
لذلك أرى أن «13 من غزة» يستحق أن يُكرّم في غزة.
ليس لأن الخارج منحه قيمته.
بل لأن فيلمًا خرج من هذه الأرض، وعبر، وشوهد، وأثّر، وحصل على اعتراف دولي، يعود الآن إلى الناس الذين خرجت حكايته من بينهم.
كم أحب هذه الدائرة:
فيلم يخرج من غزة.
يذهب إلى تورنتو.
يحصل على جائزة.
ثم يعود إلى خيمة في غزة، ينتظره جمهور يعرف الحياة التي خرج منها الفيلم أكثر مما يعرفها أي جمهور آخر.
الفيلم خرج من بينهم، ثم عاد وقد سبقه اسمه.
وأتخيل حسام في مهرجان الخيمة.
اسمه يُنادى.
الجمهور يصفق.
والزنّانة ما زالت في الأعلى.
وربما الشاب نفسه يرفع رأسه ويقول لها:
خليها تزن.
هذه المرة هناك شيء آخر لن تفهمه العين من السماء.
أن الصورة التي خرجت من تحتها عادت تحمل جائزة.
ثم تبتعد العين قليلًا عن غزة.
تصل إلى رام الله.
هناك امرأتان فلسطينيتان لديهما مشكلة مختلفة تمامًا.
مات الأب.
وترك مالًا في البنك.
هناك ميراث.
أخ.
قانون.
وأختان تريدان أن تعرفا كيف ستتصرفان.
هذه ليلى عباس في «Thank You for Banking with Us!».
فجأة لا يوجد قصف في مركز الحكاية.
ولا خيمة.
ولا صحفي يحمل درعًا.
هناك مال وعائلة وحيلة وسخرية وامرأتان فلسطينيتان تتشاجران على ميراث.
وأحب الفيلم لهذا السبب تحديدًا.
لأن هناك طريقة أخرى لمحو الفلسطيني غير قتله:
أن نسمح له بالظهور فقط عندما يكون ضحية.
ليلى تستعيد للفلسطيني حقًا شديد البساطة:
أن تكون لديه مشكلات عادية.
أن تحب المرأة المال أو ترفضه.
أن تغضب من أختها.
أن تتحايل.
أن تخطئ.
أن تضحك.
أن تكون امرأة، لا استعارة سياسية تمشي على قدمين.
والفيلم نفسه حصد سلسلة من الجوائز، بينها جائزة الجمهور في مهرجان هيوستن للفيلم الفلسطيني، وأفضل فيلم روائي في مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة، وأفضل سيناريو في مالمو، بينما فاز الفيلم وليلى عباس بجائزتي أفضل فيلم وأفضل مخرج في جوائز النقاد للأفلام العربية لعام 2025.
هذه أيضًا فلسطين.
ثم ثلاثة أشرطة MiniDV قديمة.
نفتحها.
غزة.
كمال الجعفري كان يبحث عن رجل عرفه في السجن سنة 1989، ورافقه حسن في رحلة من شمال غزة إلى جنوبها.
بقيت الأشرطة.
مرت السنوات.
ثم عاد إليها كمال.
ومنها وُلد «مع حسن في غزة».
أناس يمشون.
أسواق.
شوارع.
بحر.
أطفال.
وجوه لم تكن تعرف أنها ستصبح بعد ربع قرن جزءًا من ذاكرة مكان تغير على نحو هائل.
الفيلم دخل المسابقة الدولية في لوكارنو 2025، ثم انتقل إلى تورنتو ونيويورك ولندن وفانكوفر وغيرها.
لكنني لا أفكر في لوكارنو وأنا أشاهد تلك الصور.
أنظر إلى طفل مر صدفة أمام الكاميرا سنة 2001 وأسأل:
أين هو الآن؟
وإلى البيت:
هل بقي؟
وإلى المحل:
هل بقي؟
وإلى الرجل الذي عبر الكادر لثانيتين ولم يعرف أنه دخل فيلمًا:
هل بقي؟
وإلى حسن نفسه، الذي يقول الجعفري إن مصيره غير معروف.
هنا تفعل السينما شيئًا لم يكن المخرج يعرف يوم التصوير أنها ستفعله.
تحفظ عالمًا قبل أن يعرف العالم أنه يحتاج إلى من يحفظه.
ومن غزة القديمة نذهب إلى غزة 2007.
مطعم فلافل.
شاب.
صديق.
مخدرات.
شرطي فاسد.
جريمة.
وسخرية سوداء.
عرب وطرزان ناصر في «كان يا ما كان في غزة».
فلسطينيون يتصرفون كبشر، لا كشخصيات كُتبت لإثبات قضية.
يأكلون.
يخطئون.
يتورطون.
يسخرون.
ويعيشون.
ثم يصل الفيلم إلى كان 2025، ويفوز عرب وطرزان بجائزة أفضل إخراج في قسم «نظرة ما».
وأفكر:
كم هو مهم أن تحتفظ غزة بحقها في السخرية.
فالإنسان الذي يستطيع أن يسخر من واقعه لم يتحول بعد إلى الصورة التي يريد الآخر اختزاله فيها.
وتتسع الشاشة أكثر.
آن ماري جاسر تعود في «فلسطين 36» إلى الثورة الفلسطينية الكبرى، فتضع الحاضر أمام جذوره، وتصل الحكاية الفلسطينية إلى تورنتو من بوابة تاريخها.
شيرين دعيبس تحمل في «كل ما تبقى منك» عائلة فلسطينية عبر أجيال، فتسأل ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد المكان.
مهدي فليفل يلاحق في «إلى أرض مجهولة» الفلسطيني في المنفى، في منازل مؤقتة ومدن لا تكتمل فيها الحياة أبدًا.
عريب زعيتر تبحث في «السماء الثامنة» في الجسد والحركة والذاكرة، فتفتح بابًا آخر للصورة الفلسطينية لا يمر بالضرورة عبر الحرب.
ولا تعود أمامنا «سينما فلسطينية» واحدة.
بل سينمات.
غزة لها عين.
القدس لها عين.
الداخل له عين.
الشتات له عين.
المرأة لها عين.
اللاجئ له عين.
ومن يفتح ثلاثة أشرطة قديمة يرى فلسطين مختلفة عن فلسطين التي يراها شاب يصور اليوم بهاتفه من خيمة.
لكن الصور، حين تجتمع، تصنع شيئًا أكبر.
شعبًا يستعيد حقه في أن يرى نفسه بنفسه.
ومن هنا تصبح الرحلة واضحة أمامي.
بدأنا من خيمة.
ثم حملتنا الصورة إلى تورنتو.
ولوكارنو.
وكان.
وفينيسيا.
ثم وقفت فلسطين على عتبة الأوسكار مع «المواطن أسامة». وترشيحه الرسمي هو المشاركة الفلسطينية التاسعة عشرة في هذه الفئة منذ 2003.
إذن، عندما أسمع من يسأل:
أين السينما الفلسطينية؟
أشعر أن السؤال نفسه يحتاج إلى تصحيح.
السينما الفلسطينية هنا.
تصنع.
وتصل.
وتُعرض.
وتُناقش.
وتحصل على الجوائز.
المشكلة ليست أن الفلسطيني لا يملك فيلمًا.
السؤال الأصعب:
من يملك الطريق إلى الشاشة؟
فالفيلم لا يصل إلى كان أو فينيسيا أو تورنتو بجماله وحده.
هناك تمويل.
إنتاج مشترك.
وكلاء مبيعات.
موزعون.
مهرجانات.
لجان اختيار.
شبكات علاقات.
صحافة.
ومؤسسات.
والشاشة التي يراها الجمهور هي آخر باب في ممر طويل من الأبواب.
ولهذا، لا أريد فقط أن أعد الأفلام الفلسطينية التي وصلت.
أريد أن أعرف أيضًا:
كم فيلمًا بقي خلف الباب؟
وقبل أيام كتب الصديق رشيد مشهراوي على صفحته عبارة توقفت عندها:
«لن نسمح لإسرائيل باحتلال السينما وسنفضح روايتها الدموية».
قرأتها وأنا أتابع هذه الأفلام كلها.
أفلام خرجت من غزة.
بعض أصحابها لم يستطيعوا الخروج معها.
أفلام حملت خيامهم وأطفالهم وحيواناتهم وذاكرتهم وسخريتهم وحبهم وحياتهم إلى العالم.
ولذلك لم أقرأ عبارة رشيد كشعار.
قرأتها كسؤال.
إذا كانت الأرض تُحتل، فهل يمكن للصورة أيضًا أن تُحتل؟
ومن يملك المساحة التي تُعرض عليها الحكاية الفلسطينية؟
ومن يملك حق تفسيرها للعالم؟
ومن هذا السؤال أصل إلى فينيسيا مرة أخرى.
لكن هذه المرة إلى «نازا».
أربعة وعشرون إسرائيليًا من أجهزة عسكرية واستخبارية وجنود يتحدثون في الفيلم عن منظومة الحرب في غزة من داخلها. وجوههم وأصواتهم أُخفيت لحماية هوياتهم، والفيلم نفسه يقول إنه يريد كشف الأنظمة التي تقف خلف قتل المدنيين الفلسطينيين. وقد حصل في فينيسيا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، بعد استقبال طويل من الجمهور.
أريد أن أسمع هذه الشهادات.
أريدها.
أريد أن أعرف ماذا حدث داخل الآلة.
كيف كان يُختار الهدف؟
كيف تُحسب الخسائر المدنية؟
كيف تتحول حياة إنسان بعيد على شاشة إلى رقم واحتمال وقرار؟
بل إن مخرجي «نازا» نفسيهما قالا إنهما لم يلجآ إلى هؤلاء الجنود لأن الفلسطينيين لم يكونوا قد قالوا الحقيقة؛ فقد رأى العالم الدمار وسمع سكان غزة قبل ذلك بسنوات.
وهنا يبدأ سؤالي، لا ينتهي.
إذا كان الفلسطيني قد صوّر.
وحكى.
ومات وهو يصور أحيانًا.
وصنع أفلامه.
ووصل بها إلى كان وفينيسيا وتورنتو ولوكارنو...
فلماذا تصبح الحقيقة أحيانًا أثقل في ميزان العالم عندما يأتي الإسرائيلي ليشهد عليها؟
لا أريد أن أمنع أحدًا من الاعتراف.
ولا أريد أن أمنع أحدًا من الندم.
ليندم.
فالندم شأن ضميره.
وليعترف.
وليتكلم.
وليقف أمام المرآة ما شاء.
لكنني أرفض شيئًا آخر.
أن يصبح الندم ممحاة.
أن تتحول دموع من شارك في آلة القتل إلى ماء يغسل الدم الموجود خارج الكادر.
وأن تصبح المأساة الفلسطينية نفسها جسرًا يعبر فوقه «الإسرائيلي النادم» عائدًا إلى الحاضنة الثقافية الدولية.
أرفض أن يصبح دم الفلسطيني السجادة الحمراء التي تعود فوقها سينما المؤسسة التي أنتجت الحرب إلى المهرجانات وكأن الاعتراف بالجريمة قد أغلق حسابها.
فالضحية لم تصنع نفسها ضحية.
الطفل لم يقرر أن يموت.
والأم لم تختر أن تفقد أبناءها.
والإنسان الذي كان في بيته لم يكتب لنفسه الدور الذي انتهى إليه.
أما من ارتكب فعلًا أو شارك فيه، إذا ثبت ذلك عليه، فمسؤوليته لا تنتهي لأنه أصبح قادرًا بعد ذلك على رواية ما فعل.
وهنا تكمن واحدة من أخطر قدرات السينما.
السينما تحب التحول.
تحب الإنسان الذي يكتشف الشر داخله.
الجندي الذي يتمرد.
القاتل الذي يندم.
الضمير الذي يستيقظ.
لأن لهذا الإنسان فصلًا ثانيًا.
فعل.
ثم فهم.
ثم ندم.
ثم اعترف.
ثم ربما أصبح بطل حكاية أخرى عن صحوة الضمير.
أما الضحية؟
لا فصل ثانيًا لها.
لا تقف بعد العرض لتخبر الجمهور ماذا تعلمت من موتها.
لا تسافر إلى المهرجان.
لا تنحني أمام التصفيق.
لا تملك فرصة إعادة كتابة شخصيتها.
ولهذا يلاحقني السؤال نفسه:
هل يمكن أن تدفع الضحية ثمن التحول، ثم يحصل الجاني على قصة التحول؟
---
أعود إلى غزة.
إلى حيث بدأنا.
انتهى العرض.
الجمهور يغادر.
طفل نام على كتف أمه.
امرأة تجمع طرف فستانها كي لا يعلق بالتراب.
مخرج يحمل فيلمه.
شاب يفك البابيون عن عنقه.
والحمار الذي كان في خيالنا «ليموزين» المهرجان يعود إلى حياته.
ربما سيحمل الماء غدًا.
السجادة الحمراء ما زالت فوق الأرض.
والخيمة ما زالت هناك.
والزنّانة ربما ما زالت تزن في الأعلى.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
لم تعد الخيمة في عيني خيمة فقط.
لقد أصبحت قاعة سينما.
ولم يعد الحمار حيوانًا يحمل الأثقال فقط.
أصبح بطل فيلم.
ولم يعد الهاتف هاتفًا.
أصبح شاشة تصل من خلالها صورة مخرج في خيمته إلى فينيسيا.
ولم يعد الإنسان الذي يبحث عن الماء مجرد ناجٍ.
قد يكون مخرجًا يبحث أيضًا عن بطارية كي يحفظ ما صوره.
هذه هي السينما الفلسطينية التي أريد أن تبقى.
لا شعبًا من التماثيل.
ولا شعبًا خُلق كي يكون ضحية.
بل بشرًا كاملين.
يحبون.
يجوعون.
يخافون.
يخطئون.
يسخرون.
يتشاجرون على الميراث.
يصنعون الفلافل.
يحملون أطفالهم.
يدفنون أحباءهم.
ويعودون أحيانًا لإكمال الفيلم.
وحين لا تبقى قاعة، يصنعون قاعة من خيمة.
وحين لا توجد ليموزين، يستطيع الخيال أن يجعل من عربة يجرها حمار ليموزين ليلة واحدة.
وحين تراقبهم عين من السماء، يستطيع شاب أن يرفع رأسه ويضحك:
«خليها تزن... مش راح يعرفوا شو بصير إلا لما يقرؤوا الخبر بكرة.»
هنا، بالنسبة إليّ، تبدأ فلسفة السينما وتنتهي.
للجاني أن يندم.
لكن ليس لندمه أن يمحو دم ضحيته.
وله أن يستعيد ضميره.
لكن ليس على حساب ذاكرة من فقد حياته.
وله أن يحكي قصة عودته من الشر.
لكن ليس له أن يطلب من الضحية أن تغادر الشاشة كي يصبح هو بطلها الجديد.
فالضحية لم تصنع نفسها ضحية.
أما القاتل، فقد صنع فعل القتل أولًا، ثم جاء الندم بعد ذلك.
ولذلك، قبل أن نصفق طويلًا لصحوة الضمير، علينا أن نعيد الفيلم إلى اللقطة الأولى.
قبل الندم كان هناك فعل.
وقبل الاعتراف كانت هناك جريمة.
وقبل دمعة الجاني...
كان هناك إنسان.
إنسان كان يمكن أن يكبر.
أن يحب.
أن يصنع فيلمًا.
أن يلبس بدلته والبابيون.
أن يمشي على سجادة حمراء.
أن يضحك من زنّانة تحوم فوق رأسه.
وأن يعود في المساء إلى خيمته.
لكنه لم يعد.
لهذا لن أمنع القاتل من النظر إلى المرآة.
لكنني لن أسمح للمرآة أن تصبح أكبر من الضحية التي تقف خلفه.
فالقاتل قد يبقى حيًا ليحكي للعالم كيف تغيّر.
أما الضحية...
فليس لها فصل ثانٍ.
وحين تنتهي الأفلام، وتضاء القاعات في غزة وكان وفينيسيا وتورنتو، ويقف الجمهور للتصفيق، سأظل أنظر إلى المقعد الذي تركته الضحية فارغًا وأسأل:
ليس هل استعاد الجاني ضميره؟
بل:
هل استعاد العالم ضميره أيضًا؟
يحيى بركات
23/9/2026
ليست أمام قصر للمهرجانات، ولا عند مدخل فندق فاخر تتوقف أمامه سيارات الليموزين السوداء، بل بين خيام النازحين.
وأتخيل أن أهل غزة قرروا، لليلة واحدة، أن يأخذوا لعبة المهرجانات حتى نهايتها.
لا توجد سيارات ليموزين؟
لا بأس.
هناك عربات تجرها الحمير.
تتوقف العربة الأولى عند طرف السجادة. ينزل منها مخرج ببدلته الرسمية، يصلح «البابيون» حول عنقه، وينفض قليلًا من غبار الطريق عن كتفه. ومن عربة أخرى تنزل امرأة بفستان اختارته لهذه الليلة بعناية، تساعدها صديقتها كي لا يعلق طرفه بالأرض. يأتي الفنانون والمخرجات والمخرجون والضيوف كما لو أنهم ذاهبون إلى عرس.
وعلى جانبي السجادة يقف الجمهور.
تصفيق.
ضحك.
هواتف ترتفع.
طفل يتسلل بين الكبار كي يرى.
شاب يمد يده إلى صديقه ويعدل له البابيون قبل أن يمشي.
والعربات التي حملت بالأمس الماء والطحين والفرش وما تبقى من البيوت، تصبح لهذه الليلة «ليموزينات» مهرجان سينمائي.
لكن فوق الرؤوس يبقى صوت آخر.
صوت يعرفه أهل غزة أكثر مما يعرفون موسيقى المهرجانات.
زززززززز...
الزنّانة.
تدور في الأعلى.
عين تراقب من السماء. ترى تجمعًا، وخيامًا، وعربات، وبشرًا يتحركون، لكنها لا تعرف ماذا يجري في الأسفل.
يرفع شاب رأسه نحوها، ثم يلتفت إلى أصحابه ضاحكًا:
«خليها تزن... مش راح يعرفوا شو بصير إلا لما يقرؤوا الخبر بكرة.»
ويستمر التصفيق.
أتخيل هذا المشهد، لكن ما سيحدث في غزة لا يحتاج أصلًا إلى كثير من الخيال.
ففي السادس والعشرين من أكتوبر المقبل تنطلق الدورة الثانية من مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، تحت عنوان يكاد يلخص وحده ما أحاول كتابته هنا:
«نساء يصنعن الحياة من الموت».
المهرجان سيقام في وسط قطاع غزة، وإدارته أعلنت منذ بدء التحضير أن هذه الدورة تأتي من قلب الظروف التي تعيشها النساء والمجتمع هناك.
ثلاثة وسبعون فيلمًا من أربع وعشرين دولة، بينها ثمانية وعشرون فيلمًا فلسطينيًا في المسابقة الوطنية القصيرة.
لكن الرقم ليس ما أوقفني.
أوقفني المكان.
من بين خيام النازحين.
الخيمة التي أقيمت لأن بيتًا لم يعد موجودًا، أو لم يعد ممكنًا الوصول إليه، ستصبح قاعة سينما.
الخيمة التي ينام فيها الناس ويطبخون ويغسلون ثيابهم وينتظرون الماء ويخفون خوف أطفالهم، ستصبح مكانًا تجلس فيه امرأة لمشاهدة فيلم.
كم تحتاج السينما عادة كي تصنع قاعة؟
مقاعد.
إضاءة.
صوت.
شاشة.
ستائر.
مدخل.
مخرج طوارئ.
أما هنا، فيكفي أن يبقى هناك إنسان يريد أن يرى.
أتوقف أمام بعض أسماء الأفلام المشاركة في المسابقة الفلسطينية:
«نوتة الخيمة».
«كيس طحين».
«بعد أبي».
«غرفة الأخبار».
«بقايا نور».
«خارج الصمت».
«النافذة».
كأن الحياة اليومية نفسها بدأت تكتب عناوين الأفلام.
الخيمة أصبحت عنوانًا.
الطحين أصبح عنوانًا.
الأب الغائب أصبح عنوانًا.
والنافذة أصبحت عنوانًا.
وأجد نفسي، كمخرج أمضى حياته مع السينما، أمام سؤال لم أكن أتصور أنني سأطرحه يومًا بهذه البساطة:
ما الذي يدفع إنسانًا يبحث عن الماء والخبز إلى أن يبحث أيضًا عن صورة؟
ربما أجد بعض الجواب عند مصطفى النبيه.
ليس في قاعة مهرجان.
بل إلى جانب حمار.
في «حمار 7 أكتوبر» يرى مصطفى كائنًا لم يعرف شيئًا عن السياسة، ولم يختر حربًا، لكنه وجد نفسه فجأة جزءًا منها.
حين تعطلت وسائل النقل، أصبحت عربات الحمير تحمل الماء والحطب والمتاع والناس، وتسير مع العائلات في طرق النزوح. ومن هذه العلاقة خرج الفيلم.
الحمار يجوع أيضًا.
يتعب.
يمشي.
يحمل ما لم تعد الأجساد قادرة على حمله.
ولا يعرف لماذا تغير العالم حوله.
وأنا أعود للحظة إلى سجادتنا الحمراء المتخيلة، فأراه يصل هذه المرة وهو يجر «ليموزين» الفنانين.
ما أجمل أن تسترد الحياة الأشياء من وظائف الموت.
العربة التي حملت النازح تحمل فنانًا.
الخيمة التي آوت عائلة تصبح قاعة سينما.
والحمار الذي حمل الماء يصبح بطل فيلم.
هذه ليست بطولة بالمعنى الذي نستهلكه في خطاباتنا.
إنها الحياة وهي تبحث عن وظيفة جديدة لكل شيء كي تستمر.
لكن مصطفى ليس وحده.
تتسع الصورة قليلًا، فأرى خلفه اثنين وعشرين مخرجًا ومخرجة.
«من المسافة صفر».
اثنان وعشرون فيلمًا قصيرًا صُنعت في غزة، بين الوثائقي والروائي والتحريك والتجريب، في مشروع أطلقه رشيد مشهراوي كي يستطيع سينمائيو غزة أن يرووا حكاياتهم بأنفسهم. والمشروع، كما شرح مشهراوي لاحقًا، بدأ بفكرة عشرين فيلمًا وانتهى باثنين وعشرين، وكان يمكن أن يصبح ثلاثين لولا ضرورات الإنتاج وما بعد الإنتاج.
لا أحب الرقم.
اثنان وعشرون.
الرقم يفعل بالبشر أحيانًا ما تفعله نشرات الأخبار.
يخفي الوجوه.
لذلك أحاول أن أراهم.
ريما محمود، التي صنعت «سيلفي».
محمد الشريف، الذي صنع «لا إشارة».
أحمد حسونة، الذي صنع «آسف سينما».
إسلام الزريعي، الذي صنع «فلاش باك».
مصطفى كلاب.
نضال دامو، الذي صنع «كل شيء على ما يرام».
خميس مشهراوي، الذي صنع «جلد ناعم».
تامر نجم.
اعتماد وشاح، التي صنعت «تاكسي ونيسة».
مصطفى النبيه، الذي صنع «قرابين» قبل «حمار 7 أكتوبر».
نداء أبو حسنة، التي صنعت «خارج الكادر».
مهدي كريره، الذي صنع «صحوة».
وكريم سطوم، الذي صنع «جنة الجحيم».
وغيرهم حتى تكتمل الدائرة.
كل واحد منهم كان يستطيع أن يسأل سؤالًا واحدًا:
كيف أنجو؟
لكن سؤالًا آخر ظل حيًا:
كيف أحكي؟
وهنا تبدأ بالنسبة إليّ السينما.
ليس عندما تشتغل الكاميرا.
بل عندما يقرر الإنسان، وهو نفسه داخل الحكاية، أنه لن يتركها تمر من دون أن يحفظ منها شيئًا.
وأتوقف عند عنوان أحمد حسونة كثيرًا:
«آسف سينما».
كأن مخرجًا يعتذر من الفن لأنه لم يعد يستطيع أن يمنحه الظروف التي تعلّم أنها ضرورية لصنعه.
لا إضاءة كما يريد.
لا معدات كما يريد.
لا مواقع يختارها بحرية.
لا يوم تصوير يستطيع أن يضمن نهايته كما بدأ.
ومع ذلك يصنع الفيلم.
وفي «جنة الجحيم» لكريم سطوم يستيقظ رجل داخل كيس مخصص للموتى، يفتحه ويخرج، ثم يمشي بين خيام النازحين محاولًا أن يتذكر كيف انتهى هناك.
أي خيال كان يستطيع قبل هذه الحرب أن يكتب هذه المفارقة ولا نتهمه بالمبالغة؟
رجل يخرج من كيس الموتى ويمشي.
ربما تكون هذه صورة المرحلة كلها.
ومن هذه المسافة خرج أحمد حسونة أيضًا.
ثم جاء «المواطن أسامة».
هذه المرة لا نرى الصحفي فقط وهو يحمل الدرع ويذهب لتوثيق الحرب.
نراه يعود إلى البيت.
أسامة العشي ينتظر مولودًا.
ثم يصبح أبًا.
هناك ماء يجب أن يجده.
غذاء.
حليب لطفل.
زوجة.
أم تخاف عليه.
ودرع صحفي ينتظره في الصباح.
يتابع أحمد حسونة سنة من حياة هذا الرجل، من ولادة الطفل حتى عيد ميلاده الأول، فيجعل الحرب تمر من داخل بيت وأسرة وأبوة، لا من خلال صورة الدمار وحدها. وهذا بالضبط ما قاله حسونة عن اختياره لأسامة: أراد الإنسان الموجود خلف الصحفي الذي يوثق المأساة فيما يعيشها هو نفسه.
ثم يخرج الفيلم من غزة.
يصل إلى فينيسيا.
الجمهور يشاهد.
يتأثر.
يصفق.
لكن أحمد حسونة ليس هناك.
إنه داخل خيمته في غزة، ينظر إلى هاتفه، يشاهد مقاطع من القاعة التي تعرض فيلمه في فينيسيا.
توقفت طويلًا أمام هذه الصورة.
مخرج في خيمة يشاهد جمهوره في فينيسيا.
الفيلم استطاع أن يعبر الحدود.
أما صاحبه فلم يستطع.
وفي نهاية أغسطس اختارت وزارة الثقافة «المواطن أسامة» رسميًا لتمثيل فلسطين في سباق الأوسكار الـ99 لعام 2027، ثم واصل الفيلم رحلته إلى مهرجان شيكاغو الدولي.
وفجأة تصبح المسافة بين الخيمة والأوسكار أقصر مما تبدو على الخريطة.
ليس لأن الحصار اختفى.
بل لأن الصورة عبرته.
وفي تورنتو كان فيلم فلسطيني آخر يعبر.
حسام أبو دان.
«13 من غزة».
لن أعيد هنا ما كتبته سابقًا عن الفيلم. أخذ حقه مني، وأخذ مني قرائي رغد وحكايتها وتفاصيل حياتها.
لكن الفيلم الآن عاد إلينا بشيء جديد.
لقد وصل إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، وعُرض هناك، ثم فاز بجائزة NETPAC في الدورة الحادية والخمسين. لجنة الجائزة أشادت بقدرته على تقديم الحياة في تعقيدها بدل تحويل المعاناة إلى استعراض أو اختزال الفلسطيني في صورة الضحية.
وهنا تبدأ حياة أخرى لأي فيلم.
الجائزة ليست هي التي تصنع قيمته.
قيمته كانت موجودة قبلها.
لكن الجائزة تفعل شيئًا مهمًا في صناعة السينما:
تخلق انتظارًا.
إنسان لم يسمع بالفيلم يسمع به.
ومن سمع باسمه يريد أن يراه.
ومن يعرف حكايته يريد أن يعرف لماذا اختارته لجنة في مهرجان دولي.
لذلك أرى أن «13 من غزة» يستحق أن يُكرّم في غزة.
ليس لأن الخارج منحه قيمته.
بل لأن فيلمًا خرج من هذه الأرض، وعبر، وشوهد، وأثّر، وحصل على اعتراف دولي، يعود الآن إلى الناس الذين خرجت حكايته من بينهم.
كم أحب هذه الدائرة:
فيلم يخرج من غزة.
يذهب إلى تورنتو.
يحصل على جائزة.
ثم يعود إلى خيمة في غزة، ينتظره جمهور يعرف الحياة التي خرج منها الفيلم أكثر مما يعرفها أي جمهور آخر.
الفيلم خرج من بينهم، ثم عاد وقد سبقه اسمه.
وأتخيل حسام في مهرجان الخيمة.
اسمه يُنادى.
الجمهور يصفق.
والزنّانة ما زالت في الأعلى.
وربما الشاب نفسه يرفع رأسه ويقول لها:
خليها تزن.
هذه المرة هناك شيء آخر لن تفهمه العين من السماء.
أن الصورة التي خرجت من تحتها عادت تحمل جائزة.
ثم تبتعد العين قليلًا عن غزة.
تصل إلى رام الله.
هناك امرأتان فلسطينيتان لديهما مشكلة مختلفة تمامًا.
مات الأب.
وترك مالًا في البنك.
هناك ميراث.
أخ.
قانون.
وأختان تريدان أن تعرفا كيف ستتصرفان.
هذه ليلى عباس في «Thank You for Banking with Us!».
فجأة لا يوجد قصف في مركز الحكاية.
ولا خيمة.
ولا صحفي يحمل درعًا.
هناك مال وعائلة وحيلة وسخرية وامرأتان فلسطينيتان تتشاجران على ميراث.
وأحب الفيلم لهذا السبب تحديدًا.
لأن هناك طريقة أخرى لمحو الفلسطيني غير قتله:
أن نسمح له بالظهور فقط عندما يكون ضحية.
ليلى تستعيد للفلسطيني حقًا شديد البساطة:
أن تكون لديه مشكلات عادية.
أن تحب المرأة المال أو ترفضه.
أن تغضب من أختها.
أن تتحايل.
أن تخطئ.
أن تضحك.
أن تكون امرأة، لا استعارة سياسية تمشي على قدمين.
والفيلم نفسه حصد سلسلة من الجوائز، بينها جائزة الجمهور في مهرجان هيوستن للفيلم الفلسطيني، وأفضل فيلم روائي في مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة، وأفضل سيناريو في مالمو، بينما فاز الفيلم وليلى عباس بجائزتي أفضل فيلم وأفضل مخرج في جوائز النقاد للأفلام العربية لعام 2025.
هذه أيضًا فلسطين.
ثم ثلاثة أشرطة MiniDV قديمة.
نفتحها.
غزة.
كمال الجعفري كان يبحث عن رجل عرفه في السجن سنة 1989، ورافقه حسن في رحلة من شمال غزة إلى جنوبها.
بقيت الأشرطة.
مرت السنوات.
ثم عاد إليها كمال.
ومنها وُلد «مع حسن في غزة».
أناس يمشون.
أسواق.
شوارع.
بحر.
أطفال.
وجوه لم تكن تعرف أنها ستصبح بعد ربع قرن جزءًا من ذاكرة مكان تغير على نحو هائل.
الفيلم دخل المسابقة الدولية في لوكارنو 2025، ثم انتقل إلى تورنتو ونيويورك ولندن وفانكوفر وغيرها.
لكنني لا أفكر في لوكارنو وأنا أشاهد تلك الصور.
أنظر إلى طفل مر صدفة أمام الكاميرا سنة 2001 وأسأل:
أين هو الآن؟
وإلى البيت:
هل بقي؟
وإلى المحل:
هل بقي؟
وإلى الرجل الذي عبر الكادر لثانيتين ولم يعرف أنه دخل فيلمًا:
هل بقي؟
وإلى حسن نفسه، الذي يقول الجعفري إن مصيره غير معروف.
هنا تفعل السينما شيئًا لم يكن المخرج يعرف يوم التصوير أنها ستفعله.
تحفظ عالمًا قبل أن يعرف العالم أنه يحتاج إلى من يحفظه.
ومن غزة القديمة نذهب إلى غزة 2007.
مطعم فلافل.
شاب.
صديق.
مخدرات.
شرطي فاسد.
جريمة.
وسخرية سوداء.
عرب وطرزان ناصر في «كان يا ما كان في غزة».
فلسطينيون يتصرفون كبشر، لا كشخصيات كُتبت لإثبات قضية.
يأكلون.
يخطئون.
يتورطون.
يسخرون.
ويعيشون.
ثم يصل الفيلم إلى كان 2025، ويفوز عرب وطرزان بجائزة أفضل إخراج في قسم «نظرة ما».
وأفكر:
كم هو مهم أن تحتفظ غزة بحقها في السخرية.
فالإنسان الذي يستطيع أن يسخر من واقعه لم يتحول بعد إلى الصورة التي يريد الآخر اختزاله فيها.
وتتسع الشاشة أكثر.
آن ماري جاسر تعود في «فلسطين 36» إلى الثورة الفلسطينية الكبرى، فتضع الحاضر أمام جذوره، وتصل الحكاية الفلسطينية إلى تورنتو من بوابة تاريخها.
شيرين دعيبس تحمل في «كل ما تبقى منك» عائلة فلسطينية عبر أجيال، فتسأل ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد المكان.
مهدي فليفل يلاحق في «إلى أرض مجهولة» الفلسطيني في المنفى، في منازل مؤقتة ومدن لا تكتمل فيها الحياة أبدًا.
عريب زعيتر تبحث في «السماء الثامنة» في الجسد والحركة والذاكرة، فتفتح بابًا آخر للصورة الفلسطينية لا يمر بالضرورة عبر الحرب.
ولا تعود أمامنا «سينما فلسطينية» واحدة.
بل سينمات.
غزة لها عين.
القدس لها عين.
الداخل له عين.
الشتات له عين.
المرأة لها عين.
اللاجئ له عين.
ومن يفتح ثلاثة أشرطة قديمة يرى فلسطين مختلفة عن فلسطين التي يراها شاب يصور اليوم بهاتفه من خيمة.
لكن الصور، حين تجتمع، تصنع شيئًا أكبر.
شعبًا يستعيد حقه في أن يرى نفسه بنفسه.
ومن هنا تصبح الرحلة واضحة أمامي.
بدأنا من خيمة.
ثم حملتنا الصورة إلى تورنتو.
ولوكارنو.
وكان.
وفينيسيا.
ثم وقفت فلسطين على عتبة الأوسكار مع «المواطن أسامة». وترشيحه الرسمي هو المشاركة الفلسطينية التاسعة عشرة في هذه الفئة منذ 2003.
إذن، عندما أسمع من يسأل:
أين السينما الفلسطينية؟
أشعر أن السؤال نفسه يحتاج إلى تصحيح.
السينما الفلسطينية هنا.
تصنع.
وتصل.
وتُعرض.
وتُناقش.
وتحصل على الجوائز.
المشكلة ليست أن الفلسطيني لا يملك فيلمًا.
السؤال الأصعب:
من يملك الطريق إلى الشاشة؟
فالفيلم لا يصل إلى كان أو فينيسيا أو تورنتو بجماله وحده.
هناك تمويل.
إنتاج مشترك.
وكلاء مبيعات.
موزعون.
مهرجانات.
لجان اختيار.
شبكات علاقات.
صحافة.
ومؤسسات.
والشاشة التي يراها الجمهور هي آخر باب في ممر طويل من الأبواب.
ولهذا، لا أريد فقط أن أعد الأفلام الفلسطينية التي وصلت.
أريد أن أعرف أيضًا:
كم فيلمًا بقي خلف الباب؟
وقبل أيام كتب الصديق رشيد مشهراوي على صفحته عبارة توقفت عندها:
«لن نسمح لإسرائيل باحتلال السينما وسنفضح روايتها الدموية».
قرأتها وأنا أتابع هذه الأفلام كلها.
أفلام خرجت من غزة.
بعض أصحابها لم يستطيعوا الخروج معها.
أفلام حملت خيامهم وأطفالهم وحيواناتهم وذاكرتهم وسخريتهم وحبهم وحياتهم إلى العالم.
ولذلك لم أقرأ عبارة رشيد كشعار.
قرأتها كسؤال.
إذا كانت الأرض تُحتل، فهل يمكن للصورة أيضًا أن تُحتل؟
ومن يملك المساحة التي تُعرض عليها الحكاية الفلسطينية؟
ومن يملك حق تفسيرها للعالم؟
ومن هذا السؤال أصل إلى فينيسيا مرة أخرى.
لكن هذه المرة إلى «نازا».
أربعة وعشرون إسرائيليًا من أجهزة عسكرية واستخبارية وجنود يتحدثون في الفيلم عن منظومة الحرب في غزة من داخلها. وجوههم وأصواتهم أُخفيت لحماية هوياتهم، والفيلم نفسه يقول إنه يريد كشف الأنظمة التي تقف خلف قتل المدنيين الفلسطينيين. وقد حصل في فينيسيا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، بعد استقبال طويل من الجمهور.
أريد أن أسمع هذه الشهادات.
أريدها.
أريد أن أعرف ماذا حدث داخل الآلة.
كيف كان يُختار الهدف؟
كيف تُحسب الخسائر المدنية؟
كيف تتحول حياة إنسان بعيد على شاشة إلى رقم واحتمال وقرار؟
بل إن مخرجي «نازا» نفسيهما قالا إنهما لم يلجآ إلى هؤلاء الجنود لأن الفلسطينيين لم يكونوا قد قالوا الحقيقة؛ فقد رأى العالم الدمار وسمع سكان غزة قبل ذلك بسنوات.
وهنا يبدأ سؤالي، لا ينتهي.
إذا كان الفلسطيني قد صوّر.
وحكى.
ومات وهو يصور أحيانًا.
وصنع أفلامه.
ووصل بها إلى كان وفينيسيا وتورنتو ولوكارنو...
فلماذا تصبح الحقيقة أحيانًا أثقل في ميزان العالم عندما يأتي الإسرائيلي ليشهد عليها؟
لا أريد أن أمنع أحدًا من الاعتراف.
ولا أريد أن أمنع أحدًا من الندم.
ليندم.
فالندم شأن ضميره.
وليعترف.
وليتكلم.
وليقف أمام المرآة ما شاء.
لكنني أرفض شيئًا آخر.
أن يصبح الندم ممحاة.
أن تتحول دموع من شارك في آلة القتل إلى ماء يغسل الدم الموجود خارج الكادر.
وأن تصبح المأساة الفلسطينية نفسها جسرًا يعبر فوقه «الإسرائيلي النادم» عائدًا إلى الحاضنة الثقافية الدولية.
أرفض أن يصبح دم الفلسطيني السجادة الحمراء التي تعود فوقها سينما المؤسسة التي أنتجت الحرب إلى المهرجانات وكأن الاعتراف بالجريمة قد أغلق حسابها.
فالضحية لم تصنع نفسها ضحية.
الطفل لم يقرر أن يموت.
والأم لم تختر أن تفقد أبناءها.
والإنسان الذي كان في بيته لم يكتب لنفسه الدور الذي انتهى إليه.
أما من ارتكب فعلًا أو شارك فيه، إذا ثبت ذلك عليه، فمسؤوليته لا تنتهي لأنه أصبح قادرًا بعد ذلك على رواية ما فعل.
وهنا تكمن واحدة من أخطر قدرات السينما.
السينما تحب التحول.
تحب الإنسان الذي يكتشف الشر داخله.
الجندي الذي يتمرد.
القاتل الذي يندم.
الضمير الذي يستيقظ.
لأن لهذا الإنسان فصلًا ثانيًا.
فعل.
ثم فهم.
ثم ندم.
ثم اعترف.
ثم ربما أصبح بطل حكاية أخرى عن صحوة الضمير.
أما الضحية؟
لا فصل ثانيًا لها.
لا تقف بعد العرض لتخبر الجمهور ماذا تعلمت من موتها.
لا تسافر إلى المهرجان.
لا تنحني أمام التصفيق.
لا تملك فرصة إعادة كتابة شخصيتها.
ولهذا يلاحقني السؤال نفسه:
هل يمكن أن تدفع الضحية ثمن التحول، ثم يحصل الجاني على قصة التحول؟
---
أعود إلى غزة.
إلى حيث بدأنا.
انتهى العرض.
الجمهور يغادر.
طفل نام على كتف أمه.
امرأة تجمع طرف فستانها كي لا يعلق بالتراب.
مخرج يحمل فيلمه.
شاب يفك البابيون عن عنقه.
والحمار الذي كان في خيالنا «ليموزين» المهرجان يعود إلى حياته.
ربما سيحمل الماء غدًا.
السجادة الحمراء ما زالت فوق الأرض.
والخيمة ما زالت هناك.
والزنّانة ربما ما زالت تزن في الأعلى.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
لم تعد الخيمة في عيني خيمة فقط.
لقد أصبحت قاعة سينما.
ولم يعد الحمار حيوانًا يحمل الأثقال فقط.
أصبح بطل فيلم.
ولم يعد الهاتف هاتفًا.
أصبح شاشة تصل من خلالها صورة مخرج في خيمته إلى فينيسيا.
ولم يعد الإنسان الذي يبحث عن الماء مجرد ناجٍ.
قد يكون مخرجًا يبحث أيضًا عن بطارية كي يحفظ ما صوره.
هذه هي السينما الفلسطينية التي أريد أن تبقى.
لا شعبًا من التماثيل.
ولا شعبًا خُلق كي يكون ضحية.
بل بشرًا كاملين.
يحبون.
يجوعون.
يخافون.
يخطئون.
يسخرون.
يتشاجرون على الميراث.
يصنعون الفلافل.
يحملون أطفالهم.
يدفنون أحباءهم.
ويعودون أحيانًا لإكمال الفيلم.
وحين لا تبقى قاعة، يصنعون قاعة من خيمة.
وحين لا توجد ليموزين، يستطيع الخيال أن يجعل من عربة يجرها حمار ليموزين ليلة واحدة.
وحين تراقبهم عين من السماء، يستطيع شاب أن يرفع رأسه ويضحك:
«خليها تزن... مش راح يعرفوا شو بصير إلا لما يقرؤوا الخبر بكرة.»
هنا، بالنسبة إليّ، تبدأ فلسفة السينما وتنتهي.
للجاني أن يندم.
لكن ليس لندمه أن يمحو دم ضحيته.
وله أن يستعيد ضميره.
لكن ليس على حساب ذاكرة من فقد حياته.
وله أن يحكي قصة عودته من الشر.
لكن ليس له أن يطلب من الضحية أن تغادر الشاشة كي يصبح هو بطلها الجديد.
فالضحية لم تصنع نفسها ضحية.
أما القاتل، فقد صنع فعل القتل أولًا، ثم جاء الندم بعد ذلك.
ولذلك، قبل أن نصفق طويلًا لصحوة الضمير، علينا أن نعيد الفيلم إلى اللقطة الأولى.
قبل الندم كان هناك فعل.
وقبل الاعتراف كانت هناك جريمة.
وقبل دمعة الجاني...
كان هناك إنسان.
إنسان كان يمكن أن يكبر.
أن يحب.
أن يصنع فيلمًا.
أن يلبس بدلته والبابيون.
أن يمشي على سجادة حمراء.
أن يضحك من زنّانة تحوم فوق رأسه.
وأن يعود في المساء إلى خيمته.
لكنه لم يعد.
لهذا لن أمنع القاتل من النظر إلى المرآة.
لكنني لن أسمح للمرآة أن تصبح أكبر من الضحية التي تقف خلفه.
فالقاتل قد يبقى حيًا ليحكي للعالم كيف تغيّر.
أما الضحية...
فليس لها فصل ثانٍ.
وحين تنتهي الأفلام، وتضاء القاعات في غزة وكان وفينيسيا وتورنتو، ويقف الجمهور للتصفيق، سأظل أنظر إلى المقعد الذي تركته الضحية فارغًا وأسأل:
ليس هل استعاد الجاني ضميره؟
بل:
هل استعاد العالم ضميره أيضًا؟
يحيى بركات
23/9/2026