هل يمكن لأكثر من أديب أن يكتبوا قصة واحدة، من دون أن تفقد وحدتها أو تتبدد هويتها بين اختلاف الأصوات والأساليب؟ قد يبدو السؤال في البداية مجرد تجربة أدبية، لكنه في الحقيقة يلامس جوهر العملية الإبداعية: هل الكتابة فعل فردي بالضرورة، أم يمكن أن تتحول إلى مساحة للحوار والمشاركة وتبادل الرؤى؟
من هذا السؤال ولدت تجربة"القصة الضفيرة" داخل مجموعة "أقلام ذهبية،" وكانت البداية مع المهندس عمرو مرسي، المبتكر الأول للفكرة والمتبني لها، الذي طرح تصورها، ثم جرى تطويرها من خلال الحوار والتفاعل مع الروائي الكبير"نشأت المصري"، مؤسس ورئيس صالون"أقلام ذهبية"، والناقد والأديب "خالد جودة"، رئيس المجموعة ورئيس التحرير، والمهندس الأديب "هشام العطار" إلى جانب عدد من الكتاب الذين شاركوا في تحويل الفكرة إلى تجربة عملية.
تقوم الفكرة على أن يبدأ أحد الكتاب قصة، ثم ينتقل النص إلى كاتب آخر يضيف إليه، قبل أن ينتقل إلى ثالث ورابع، بحيث يتشكل العمل عبر سلسلة من الاستجابات الإبداعية. الكاتب الجديد لا يبدأ من فراغ، وإنما يرث شخصيات وأحداثًا ومسارات وضعها سابقه، ثم يقرر كيف يتعامل معها: يواصلها، أو يوسعها، أو يمنحها اتجاهًا لم يكن متوقعًا.
وهنا تكمن أهم عناصر التجربة. ففي الكتابة الفردية يمتلك الكاتب سلطة كاملة على عالمه؛ يعرف ماضي شخصياته ودوافعها ونهاياتها، بينما تفرض الكتابة الجماعية عليه قدرًا من التخلي عن هذه السيطرة. يصبح عليه أن يثق في القلم الذي سيأتي بعده، وأن يتقبل احتمال أن تتغير رؤيته الأولى للنص.
ومن هذه الزاوية تتحول الكتابة إلى حوار إبداعي. فالكاتب لا يكتب فقط، بل يقرأ ويستجيب ويعيد البناء، ويصبح النص مساحة مشتركة تتفاعل فيها أساليب وتجارب مختلفة. وهذه النقطة تمنح التجربة قيمتها الأساسية، لأنها تختبر قدرة الأدب على الجمع بين الفردية التي تميز الإبداع وبين روح المشاركة التي تقوم عليها التجربة.
لكن «القصة الضفيرة» لا تتوقف عند فكرة تعدد المؤلفين؛ فالاسم نفسه يمكن أن يشير إلى تقنية في بناء الحكاية، تقوم على تعدد المسارات السردية التي تبدو في البداية متباعدة، ثم تتكشف العلاقات بينها تدريجيًا. قد يتابع النص شخصيات وأحداثًا مختلفة، قبل أن تبدأ علامات مشتركة في الظهور: مكان يتكرر، أو اسم يعود، أو حادثة قديمة تُروى من أكثر من زاوية، حتى تتجمع الخيوط في بنية واحدة.
والميزة هنا أن القارئ لا يحصل على الصورة كاملة منذ البداية، وإنما يشارك في تركيبها. وعندما تأتي لحظة الكشف، لا تنتهي الحكاية فحسب، بل يعاد تفسير ما سبقها؛ فقد يكتشف القارئ أن تفصيلًا بدا عابرًا في بداية النص كان يحمل دلالة لم تظهر إلا في النهاية. وهكذا تصبح القراءة نفسها عملية اكتشاف وإعادة تأويل.
شارك في التجربة عدد من المبدعين، من بينهم م. هشام العطار، ود. عيد صالح، ود. منال رشاد، ود. أشرف نصحي، ود. جمال عبدالعظيم، والأديب كرم الصباغ، ونرمين دميس، وروشان صفا، ورضا يونس، وعمرو زين، إلى جانب أصحاب الفكرة والقائمين عليها.
والأهم أن التجربة لم تتعامل مع الجماعية باعتبارها مبررًا للتساهل الفني. فقد نتج عنها أكثر من أربعين قصة، ثم عُرضت على عدد من النقاد، ولم تجز سوى عشرين قصة. وهذه النتيجة تؤكد أن التجريب لا يعني إلغاء المعايير، وأن النص الجماعي، مثل النص الفردي، يظل مطالبًا بالتعبير المتماسك والبناء الدرامي والشخصيات المقنعة واللغة المناسبة.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تطوير التجربة نقديًا، ووضع مجموعة من القواعد التي تساعد على تحقيق التوازن بين حرية الكاتب ووحدة النص. فاختلاف الأساليب يمكن أن يكون مصدر ثراء، لكنه قد يتحول أيضًا إلى عنصر تفكك إذا لم تضبطه رؤية بنائية واضحة. كما أن انتقال القصة بين أكثر من قلم يحتاج إلى قدر من الوعي بالإيقاع والشخصيات وتسلسل الأحداث، حتى لا يتحول التعدد إلى مجرد تجاور لأجزاء منفصلة.
وتأتي أهمية"القصة الضفيرة"كذلك من كونها تحاول كسر شيء من العزلة التي تحيط بالمشهد الثقافي؛ عزلة الكاتب عن الكاتب، والمبدع عن الناقد، وأحيانًا الكاتب عن قارئه. إنها تجربة تضع المبدع أمام تجربة الآخر، وتدفعه إلى الإصغاء بقدر ما تدفعه إلى التعبير
ولعل ما يميز التجربة أيضًا أنها تطرح مفهومًا مختلفًا للإلهام؛ فالإلهام هنا لا يصدر من ذات مبدعة واحدة، وإنما يتولد من الاحتكاك بين الأقلام. فكرة يتركها كاتب قد تستفز خيال آخر، وتفصيل صغير يمر به الأول قد يصبح عند الثاني مفتاحًا لمسار جديد. وهكذا لا يعود النص مجرد حصيلة لما يعرفه كل كاتب منفردًا، بل يصبح نتيجة لما يمكن أن تنتجه المواجهة الخلاقة بين رؤى متعددة.
.
لذلك لا تكمن قيمة"القصة الضفيرة"في أنها أعلنت اكتشاف شكل نهائي جديد في السرد، وإنما في أنها طرحت احتمالًا يستحق الاختبار: أن تكون الكتابة فعلًا جماعيًا من دون أن تفقد الأدب جوهره، وأن يتحول اختلاف الأصوات إلى عنصر بناء بدلًا من أن يكون سببًا في انهيار النص.
وقد يكون السؤال الذي ستتركه هذه التجربة مفتوحًا هو الأجمل: ماذا يحدث للحكاية عندما يتخلى كاتب عن جزء من سلطته عليها، ويسلم خيطها إلى كاتب آخر؟
ربما لا تكون الإجابة في النظرية وحدها، وإنما في النصوص التي تنتجها التجربة، وفي قدرتها على تطوير أدواتها وتحويل الفكرة من مغامرة إبداعية إلى ممارسة سردية لها ملامحها وقواعدها الخاصة.
من هذا السؤال ولدت تجربة"القصة الضفيرة" داخل مجموعة "أقلام ذهبية،" وكانت البداية مع المهندس عمرو مرسي، المبتكر الأول للفكرة والمتبني لها، الذي طرح تصورها، ثم جرى تطويرها من خلال الحوار والتفاعل مع الروائي الكبير"نشأت المصري"، مؤسس ورئيس صالون"أقلام ذهبية"، والناقد والأديب "خالد جودة"، رئيس المجموعة ورئيس التحرير، والمهندس الأديب "هشام العطار" إلى جانب عدد من الكتاب الذين شاركوا في تحويل الفكرة إلى تجربة عملية.
تقوم الفكرة على أن يبدأ أحد الكتاب قصة، ثم ينتقل النص إلى كاتب آخر يضيف إليه، قبل أن ينتقل إلى ثالث ورابع، بحيث يتشكل العمل عبر سلسلة من الاستجابات الإبداعية. الكاتب الجديد لا يبدأ من فراغ، وإنما يرث شخصيات وأحداثًا ومسارات وضعها سابقه، ثم يقرر كيف يتعامل معها: يواصلها، أو يوسعها، أو يمنحها اتجاهًا لم يكن متوقعًا.
وهنا تكمن أهم عناصر التجربة. ففي الكتابة الفردية يمتلك الكاتب سلطة كاملة على عالمه؛ يعرف ماضي شخصياته ودوافعها ونهاياتها، بينما تفرض الكتابة الجماعية عليه قدرًا من التخلي عن هذه السيطرة. يصبح عليه أن يثق في القلم الذي سيأتي بعده، وأن يتقبل احتمال أن تتغير رؤيته الأولى للنص.
ومن هذه الزاوية تتحول الكتابة إلى حوار إبداعي. فالكاتب لا يكتب فقط، بل يقرأ ويستجيب ويعيد البناء، ويصبح النص مساحة مشتركة تتفاعل فيها أساليب وتجارب مختلفة. وهذه النقطة تمنح التجربة قيمتها الأساسية، لأنها تختبر قدرة الأدب على الجمع بين الفردية التي تميز الإبداع وبين روح المشاركة التي تقوم عليها التجربة.
لكن «القصة الضفيرة» لا تتوقف عند فكرة تعدد المؤلفين؛ فالاسم نفسه يمكن أن يشير إلى تقنية في بناء الحكاية، تقوم على تعدد المسارات السردية التي تبدو في البداية متباعدة، ثم تتكشف العلاقات بينها تدريجيًا. قد يتابع النص شخصيات وأحداثًا مختلفة، قبل أن تبدأ علامات مشتركة في الظهور: مكان يتكرر، أو اسم يعود، أو حادثة قديمة تُروى من أكثر من زاوية، حتى تتجمع الخيوط في بنية واحدة.
والميزة هنا أن القارئ لا يحصل على الصورة كاملة منذ البداية، وإنما يشارك في تركيبها. وعندما تأتي لحظة الكشف، لا تنتهي الحكاية فحسب، بل يعاد تفسير ما سبقها؛ فقد يكتشف القارئ أن تفصيلًا بدا عابرًا في بداية النص كان يحمل دلالة لم تظهر إلا في النهاية. وهكذا تصبح القراءة نفسها عملية اكتشاف وإعادة تأويل.
شارك في التجربة عدد من المبدعين، من بينهم م. هشام العطار، ود. عيد صالح، ود. منال رشاد، ود. أشرف نصحي، ود. جمال عبدالعظيم، والأديب كرم الصباغ، ونرمين دميس، وروشان صفا، ورضا يونس، وعمرو زين، إلى جانب أصحاب الفكرة والقائمين عليها.
والأهم أن التجربة لم تتعامل مع الجماعية باعتبارها مبررًا للتساهل الفني. فقد نتج عنها أكثر من أربعين قصة، ثم عُرضت على عدد من النقاد، ولم تجز سوى عشرين قصة. وهذه النتيجة تؤكد أن التجريب لا يعني إلغاء المعايير، وأن النص الجماعي، مثل النص الفردي، يظل مطالبًا بالتعبير المتماسك والبناء الدرامي والشخصيات المقنعة واللغة المناسبة.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تطوير التجربة نقديًا، ووضع مجموعة من القواعد التي تساعد على تحقيق التوازن بين حرية الكاتب ووحدة النص. فاختلاف الأساليب يمكن أن يكون مصدر ثراء، لكنه قد يتحول أيضًا إلى عنصر تفكك إذا لم تضبطه رؤية بنائية واضحة. كما أن انتقال القصة بين أكثر من قلم يحتاج إلى قدر من الوعي بالإيقاع والشخصيات وتسلسل الأحداث، حتى لا يتحول التعدد إلى مجرد تجاور لأجزاء منفصلة.
وتأتي أهمية"القصة الضفيرة"كذلك من كونها تحاول كسر شيء من العزلة التي تحيط بالمشهد الثقافي؛ عزلة الكاتب عن الكاتب، والمبدع عن الناقد، وأحيانًا الكاتب عن قارئه. إنها تجربة تضع المبدع أمام تجربة الآخر، وتدفعه إلى الإصغاء بقدر ما تدفعه إلى التعبير
ولعل ما يميز التجربة أيضًا أنها تطرح مفهومًا مختلفًا للإلهام؛ فالإلهام هنا لا يصدر من ذات مبدعة واحدة، وإنما يتولد من الاحتكاك بين الأقلام. فكرة يتركها كاتب قد تستفز خيال آخر، وتفصيل صغير يمر به الأول قد يصبح عند الثاني مفتاحًا لمسار جديد. وهكذا لا يعود النص مجرد حصيلة لما يعرفه كل كاتب منفردًا، بل يصبح نتيجة لما يمكن أن تنتجه المواجهة الخلاقة بين رؤى متعددة.
.
لذلك لا تكمن قيمة"القصة الضفيرة"في أنها أعلنت اكتشاف شكل نهائي جديد في السرد، وإنما في أنها طرحت احتمالًا يستحق الاختبار: أن تكون الكتابة فعلًا جماعيًا من دون أن تفقد الأدب جوهره، وأن يتحول اختلاف الأصوات إلى عنصر بناء بدلًا من أن يكون سببًا في انهيار النص.
وقد يكون السؤال الذي ستتركه هذه التجربة مفتوحًا هو الأجمل: ماذا يحدث للحكاية عندما يتخلى كاتب عن جزء من سلطته عليها، ويسلم خيطها إلى كاتب آخر؟
ربما لا تكون الإجابة في النظرية وحدها، وإنما في النصوص التي تنتجها التجربة، وفي قدرتها على تطوير أدواتها وتحويل الفكرة من مغامرة إبداعية إلى ممارسة سردية لها ملامحها وقواعدها الخاصة.