يحيى بركات - غانية… الفيلم لم ينتهِ عند الخيمة قراءة في مقال د. غانية ملحيس «من يملك الصورة بعد أن تصل؟»

العزيزة د. غانية،
قرأت مقالك أكثر من مرة، وفي كل مرة عدت إلى السؤال نفسه: لماذا شعرت أن غانية التي أعرف قراءتها، والتي اعتدت أن تدخل إلى النص فتفتح فيه أبوابًا ربما لم ينتبه إليها صاحبه، توقفت هذه المرة مبكرًا؟
ثم فهمت.
لقد بقيتِ في مقدمة الفيلم.
الخيمة التي تخيلتها قاعة سينما، والسجادة الحمراء فوق تراب غزة، والعربة التي يجرها حمار وقد تحولت، لليلة واحدة، إلى ليموزين، والرجال بملابسهم الأنيقة، والنساء كأنهن ذاهبات إلى عرس، والزنّانة فوق الرؤوس تراقب المشهد ولا تعرف تمامًا ما الذي يحدث تحتها...
كانت هذه افتتاحية المقال.
لم تكن المقال.
ومصطفى النبيه كان من الطبيعي أن يتوقف عندها أكثر مني. فأنا دخلت إلى عالمه حين ذكرت فيلمه «حمار 7 أكتوبر»، وهو يعيش داخل المكان الذي كنت أتخيله من بعيد. لذلك أخذ الصورة من يدي وقال لي، بمعنى ما: ما تخيلته حدث فعلًا، لكن الواقع كان أكبر من خيالك.
كشف العربة الأخرى.
كشف الجوع والموت اللذين كانا يمران قرب السجادة.
وأعاد إلى الصورة وجوهًا وأسماء يعرفها لأنه يعيش بينها.
وإذا كان مصطفى قد شعر أنني نسيت أسماء مخرجين في غزة، فهو محق من موقعه. وقد نسيت فعلًا أسماء مهمة.
لكن مقالي لم يكن جردة للسينما الفلسطينية في زمن الحرب، ولا تحية جماعية لصنّاع السينما في غزة، ولا بيانًا يقول: هؤلاء هم المخرجون وهذه أفلامهم.
ولو كان كذلك، لكان نسيان اسم مخرج كبير نقصًا جوهريًا فيه.
كنت أصنع شيئًا آخر.
كنت أسأل:
لماذا يبحث إنسان عن صورة، بينما يبحث في الوقت نفسه عن الماء والخبز؟
ومن هذه الفتحة الصغيرة دخلت إلى معنى أكبر: الفلسطيني تحت الحرب لا يريد فقط أن يبقى حيًا؛ يريد أن يبقى صاحب صورته.
لهذا جاءت أسماء المخرجين وأفلامهم.
لا كقائمة شرف.
بل كأجساد للفكرة.
لم أحب الرقم «22»، لأن الرقم يخفي الوجوه. أردت أسماء. أردت أن يصبح لكل فيلم عنوان، ولكل عنوان صاحبه، لأن المحو يبدأ أحيانًا عندما يتحول البشر إلى أرقام.
لكن الفيلم لم يتوقف هنا يا غانية.
هنا بدأ.
خرجت الصورة من الخيمة.
وكان أول ما أردت أن أراه: إلى أين تستطيع أن تذهب؟
هنا يأتي «13 من غزة».
ليس لأن حسام أبو دان اسم آخر يجب أن نضيفه إلى كشف المخرجين، ولا لأن الفيلم فاز بجائزة فنحتاج إلى تسجيلها في دفتر الإنجازات.
بل لأن شيئًا بالغ الدلالة حدث:
الفيلم استطاع أن يغادر غزة، بينما بقي مخرجه فيها.
وصل «13 من غزة» إلى تورنتو، وقف أمام جمهور بعيد، وفاز، بينما حسام لم يعبر معه.
الصورة عبرت الحدود التي لم يستطع صاحبها عبورها.
وهذه عندي لم تكن حكاية مهرجان.
كانت حكاية الصورة نفسها.
ثم يأتي أحمد حسونة.
«المواطن أسامة» يخرج من غزة، يصل إلى فينيسيا، ثم يُختار ليمثل فلسطين في مسار الأوسكار، بينما مخرجه بقي في غزة يتابع رحلة فيلمه من شاشة صغيرة.
مرة أخرى:
الفيلم يسافر، وصاحبه يبقى.
ألم يكن هذا يستحق منك وقفة يا غانية؟
ليس للاحتفاء بأن فيلمًا فلسطينيًا وصل إلى هنا أو هناك، بل لأن السؤال بدأ يتغير أمامنا.
لم يعد فقط:
من يصنع الصورة؟
صار:
ماذا يحدث للصورة بعدما تغادر يد صاحبها؟
ثم غادرتُ غزة نفسها.
وهذه محطة أخرى لم أجدها في قراءتك.
ذهبت إلى ليلى عباس.
إلى امرأتين تتشاجران على الميراث.
وذهبت إلى عرب وطرزان ناصر، حيث يمكن للفلسطيني أن يدخل الجريمة والسخرية والفلافل.
وإلى كمال الجعفري، حيث يمكن لشريط قديم أن يستعيد زمنًا كاملًا.
وإلى آن ماري جاسر والتاريخ.
وإلى شيرين دعيبس والعائلة والأجيال.
وإلى مهدي فليفل والمنفى.
وإلى تجارب فلسطينية أخرى لا تشبه بعضها.
لماذا؟
لأنني لم أكن أبحث عن «سينما فلسطينية» بصيغة المفرد.
كنت أرى سينمات فلسطينية.
وهنا كان سؤال آخر في المقال أظن أنك مررتِ بجانبه:
هل يجب أن يبقى الفلسطيني، كي يستحق شاشة العالم، شهيدًا أو جريحًا أو نازحًا أو رمزًا للصمود؟
أردته إنسانًا كاملًا.
يرث.
ويختلف على الميراث.
ويحب.
ويسخر.
ويأكل الفلافل.
ويغضب.
ويهاجر.
ويبحث عن صديق.
ويخطئ أيضًا.
أردت أن أحرره حتى من البطولة التي نحب أن نضعه داخلها.
لأن تحويل الفلسطيني دائمًا إلى «بطل صمود» قد يصبح، من حيث لا نشعر، قفصًا آخر للصورة.
ثم تحرك الفيلم مرة أخرى.
خرج من يد المخرج وبدأ يسير في ممر طويل.
منتج.
تمويل.
إنتاج مشترك.
وكيل مبيعات.
موزع.
لجنة اختيار.
مهرجان.
صحافة.
شبكة علاقات.
ثم قاعة مظلمة في مدينة بعيدة.
وهنا تركت سؤالًا عند الباب:
كم فيلمًا بقي خلفه؟
وهذه ليست مسألة أرشيف.
إنها مسألة قوة.
من يملك الطريق بين الصورة والشاشة؟
من يستطيع أن يصنع فيلمًا، شيء.
ومن يستطيع أن يجعل العالم يراه، شيء آخر.
ومن هنا أفهم أيضًا لماذا توقفت عند ما كتبه الصديق رشيد مشهراوي:
«لن نسمح لإسرائيل باحتلال السينما وسنفضح روايتها الدموية».
لم أقرأ «احتلال السينما» باعتباره منع الفلسطيني من حمل الكاميرا.
فالفلسطيني يحملها.
ويصور.
ويكتب.
ويخرج.
ويصل.
إذن ما الذي يمكن أن يُحتل؟
المساحة؟
الطريق إلى الشاشة؟
المصداقية؟
حق تفسير الصورة؟
المكان الذي تقف فيه الصورة داخل وعي المتفرج؟
هنا يا غانية كان المقال يدخل إلى طبقته الأصعب.
وهنا تحديدًا انتظرتُ عدستك أن تتسع.
لأنني بعد كل هذه الرحلة وصلت إلى سينما الآخر.
ومن هنا دخل «نازا».
لم أدخل إليه لأنني أريد للإسرائيلي أن يصمت.
على العكس.
أريد شهادة من عرف ما جرى داخل آلة الحرب.
أريد أن أعرف كيف تفكر الآلة، وكيف تتحول حياة إلى هدف، وبيت إلى إحداثية، وعائلة إلى احتمال، ومدنيون إلى أرقام وحسابات.
لكن أمام «نازا» ظهر سؤال لم يكن موجودًا عند الخيمة:
إذا كان الفلسطيني قد صوّر منذ البداية، وحمل هاتفه من تحت الركام، وسمّى أبناءه، وحفظ وجوههم، وصنع أفلامه، وإذا كانت أفلام فلسطينية قد وصلت بالفعل إلى تورنتو وكان وفينيسيا ولوكارنو والأوسكار...
فلماذا تصبح الحقيقة أحيانًا أثقل في ميزان العالم عندما يأتي الإسرائيلي ليشهد عليها؟
هنا انتقل المقال من ملكية الصورة إلى سوق المصداقية.
وهذه محطة أساسية لم أجدها في قراءتك.
ثم ذهبت أبعد.
لم أعد أخشى فقط على الطريق إلى الصورة.
بدأت أخشى على مركز الصورة نفسها.
لأن الشاهد القادم من جهة الجاني يستطيع أن يدخل الفيلم بوجهه وصوته وخوفه وذاكرته وندمه.
يقول:
فعلت.
ثم فهمت.
ثم ندمت.
ثم اعترفت.
وربما تمردت.
وفجأة يصبح أمام السينما ما تحبه كثيرًا:
شخصية تتحول.
لها ماضٍ.
ولها صراع.
ولها ضمير يستيقظ.
ولها فصل ثانٍ.
أما الطفل الذي مات كي تبدأ هذه الرحلة الأخلاقية كلها...
فليس له فصل ثانٍ.
وهنا كان السؤال الذي أخذني إلى نهاية المقال:
ماذا لو انتقلت عين المتفرج، من دون أن تشعر، من الضحية إلى ضمير الجاني؟
ماذا لو أصبحت دمعة من شارك في الجريمة أكثر حضورًا من دم من وقع عليه الفعل؟
ماذا لو دفعت الضحية ثمن التحول...
وحصل الجاني على قصة التحول؟
لهذا يا غانية لم يكن المقعد الفارغ في النهاية زينة أدبية.
كان خاتمة الفيلم.
كنت أرى القاعة بعد انتهاء العرض.
تعود الأضواء.
يقف الجمهور.
يعلو التصفيق.
يصعد المخرجون.
تقال كلمات عن الشجاعة والاعتراف والضمير.
ثم يبقى مقعد واحد فارغًا.
صاحبه لا يستطيع أن يصعد إلى المنصة ليحكي نسخته.
وحين قرأت عنوان مقالك:
«من يملك الصورة بعد أن تصل؟»
قلت لنفسي:
ها هي غانية وصلت إلى المكان نفسه.
لكنني وجدتك تعودين إلى الخيمة.
إلى حفظ الصورة.
إلى الأرشيف.
إلى المدرسة.
إلى الجيل القادم.
إلى ضرورة ألا يأتي أحد بعدنا فيروي حكايتنا بدلًا منا.
وكل هذه أسئلة حقيقية.
وأعرف وجعها شخصيًا، فقد عشت شيئًا من مأساة ضياع الأرشيف الفلسطيني، وأعرف ماذا يعني أن يضيع جزء من ذاكرة شعب لأن الصورة لم تجد من يحميها.
لكن «بعد أن تصل» التي كنت أبحث عنها كانت في مكان آخر أيضًا.
بعد أن تصل إلى فينيسيا...
من يمنحها المصداقية؟
بعد أن تصل إلى كان...
من يضعها في مركز الاهتمام؟
بعد أن تصل إلى المتفرج...
من يصبح بطلها؟
وبعد أن ينتهي التصفيق...
لمن تصبح الحكاية؟
لهذا فاجأتني قراءتك هذه المرة.
لا لأنها أخذت المقال إلى مكان لا أحبه.
ولا لأنها طرحت أسئلة لا أراها مهمة.
بل لأنني أعرف غانية التي تقرأ النص فتذهب عادة إلى أبعد نقطة فيه، وأحيانًا إلى نقطة لم يصل إليها صاحبه نفسه.
هذه المرة شعرت أنك شاهدتِ المقدمة...
ثم بقيتِ فيها.
مصطفى كان طبيعيًا أن يعيدك إليها. هو يعيش داخلها، وأضاف إليها ما لم أره، حتى صار الواقع أكبر من خيالي.
لكن الفيلم كان قد غادر الخيمة يا غانية.
خرج منها.
مشى بين مخرجي غزة.
ركب مع «13 من غزة» طريق تورنتو.
وسافر مع «المواطن أسامة» إلى فينيسيا وفي طريق الأوسكار.
ثم خرج إلى سينمات فلسطينية متعددة.
ودخل ممرات التمويل والتوزيع والمهرجانات.
وتوقف عند عبارة رشيد عن «احتلال السينما».
ثم واجه «نازا».
وسأل لماذا يحتاج صوت فلسطيني أحيانًا إلى شاهد إسرائيلي كي يزداد وزنه في سوق المصداقية العالمي.
ثم رأى الجاني يقترب من مركز الصورة.
وفي النهاية...
جلس أمام المقعد الفارغ.
لهذا لا أريد أن أعيدك إلى مقالي كي نحصي معًا من ذكرت ومن نسيت.
ولا أريد أن أدافع عن فيلم أو مخرج.
أريد فقط أن أقول لك:
يا غانية، بقيتِ في المقدمة.
بينما كان الفيلم قد بدأ.
وأنتِ فتحتِ من تلك المقدمة سؤالًا مهمًا:
ماذا سنفعل بصورنا كي تبقى بعدنا؟
وأنا أعيد إليك من نهاية الفيلم سؤالًا آخر:
ماذا سيفعل الآخرون بصورنا عندما تصل إليهم؟
فالخطر ليس فقط أن تضيع الصورة.
ولا فقط أن يأتي آخر ليصورنا.
الخطر أن تبقى الصورة.
أن تُحفظ.
أن تعبر البحر.
أن تصل إلى أكبر شاشة.
أن يقف لها العالم مصفقًا.
ثم، حين تضاء القاعة،
نكتشف أن الصورة ما زالت صورتنا...
لكن مركزها لم يعد لنا.
وهنا يا غانية، لا أظن أننا وصلنا إلى نهاية الحوار.
أظن أننا وصلنا إلى المشهد الذي ينبغي أن نبدأ منه.

يحيى بركات
24/9/2026



FB_IMG_1790198242853.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى