لا أعجب إلا لعشوائية المنايا وخبطها، ترفع من تشاء، فيغدو بعد عدم أشهر من نار على علم، وتمضي بمن تشاء في خبر عابر، ألم ترَ أيها المحدق في الهاوية المؤجلة، كيف لم ينتبه أحد، لموت الكاتب العالمي خورخي لويس بورخيس، وهو مَنْ هو في علو كعب القلم، وما ذلك إلا لتزامن وفاته مع فوز الأرجنتين بكأس العالم عام 1986، وكأن مارادونا انتقم من مواطنه بورخيس، لا لشيء إلا لأنه يبغض كرة القدم، لنقل إن الشاعر، كائن منفرد ولا يهمه أن يتبعه الحشد، سواء في الممات أو الحياة، بل إن الشاعر وهو يكتب في عزلته القصوى، قد روضته الأيام على مقارعة الفراغ، مقتلعاً أكثر من ضرس، ألم يقل موريس بلانشو: "إنني حين أتكلم.. يتكلم الموت بداخلي"، وذلك لعمري أبلغ درس!
لا أحد يختار التوقيت المناسب كي يولد أو يموت، وشاعرنا الكبير محمد السرغيني رحمه الله، لبى نداء ربه وأطلق العنان لروحه الطاهرة في 14 غشت 2026، وهو نفس الشهر الذي ينعتق فيه الناس هرباً من ربقة المكاتب، للالتحاق بأسراب الطيور المهاجرة، فيا لفداحة الغياب حين يتضاعف بالإهمال، غير أن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الأفراد، إنما تتحملها وزارة الثقافة باعتبار أن المرحوم، إرث أدبي قيمته لا تقاس إلا بقامة الدولة، متى نلتحق بالحضارة، ونضاهي اليونان مثلا، انظر كيف نكست الأعلام حين رحيل الشاعر البريطاني بايرون، بل أعلنت حدادا وطنيا ترجه من الأعماق، طلقات مدفعية تخبر الجميع أن الميت شاعر !
لكَم تطير الأيام بدون أجنحة، سواء كان الإنسان فوق أو تحت الثرى، مع فرق أن زمن الميت ينحصر كما هو مُقيّدٌ على الشاهدة، بين الوفاة الولادة، أما ما تبقى فهو رهين بالأبد، لذلك ربما صاح الشاعر محمد السرغيني رحمه الله: من فعل هذا بجماجمكم؟، بل إنه اتخذ من هذه الصيحة القيامية، عنوانا لواحد من أجمل دواوينه، ولو كان هذا العنوان لا يفضي إلا للعدم، ربما يقصد الشاعر الذي اختبر بحسه الاستشرافي المنجم، أن كل هذه الجماجم التي لا فائدة ترجى من تفكيرها، لن تعدم قيمة حين تغدو فوسفاطا ذات يوم !
يفرد اليوم ملحق "العلم الثقافي"، كل صفحاته لملف تكريمي وتوثيقي للشاعر محمد السرغيني رحمه الله، وقد ساهم فيه ثلة من ألمع الشعراء والأدباء والباحثين المغاربة، سواء بالدراسة أو الشهادة، وقد بادر إلى تجميع مواده أولا الكاتب عبد الله المتقي، وانضم إليه تطوعا الباحث محمد حماني، وإذ نجزي لهما مع الشكر أجمل الشعر، نشكر أيضا كل المساهمين في هذا العمل الأدبي الذي كسر بالشهادة منطق الشاهدة، ولا يفوتني أخيرا أن أتساءل حائرا: ما جدوى أن نحصي الأيام، هذه أربعينيةٌ وذاك يوبيل مئوي، والمعني بهذه الأيام كان إلى أمس، ماثلا بيننا، ينثر هنا وهناك أكثر من حياة، بينما بعض المعنيين بفلذات أشعاره وأفكاره، كانوا همُ الأموات !
................................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 24 شتنبر 2026
لا أحد يختار التوقيت المناسب كي يولد أو يموت، وشاعرنا الكبير محمد السرغيني رحمه الله، لبى نداء ربه وأطلق العنان لروحه الطاهرة في 14 غشت 2026، وهو نفس الشهر الذي ينعتق فيه الناس هرباً من ربقة المكاتب، للالتحاق بأسراب الطيور المهاجرة، فيا لفداحة الغياب حين يتضاعف بالإهمال، غير أن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الأفراد، إنما تتحملها وزارة الثقافة باعتبار أن المرحوم، إرث أدبي قيمته لا تقاس إلا بقامة الدولة، متى نلتحق بالحضارة، ونضاهي اليونان مثلا، انظر كيف نكست الأعلام حين رحيل الشاعر البريطاني بايرون، بل أعلنت حدادا وطنيا ترجه من الأعماق، طلقات مدفعية تخبر الجميع أن الميت شاعر !
لكَم تطير الأيام بدون أجنحة، سواء كان الإنسان فوق أو تحت الثرى، مع فرق أن زمن الميت ينحصر كما هو مُقيّدٌ على الشاهدة، بين الوفاة الولادة، أما ما تبقى فهو رهين بالأبد، لذلك ربما صاح الشاعر محمد السرغيني رحمه الله: من فعل هذا بجماجمكم؟، بل إنه اتخذ من هذه الصيحة القيامية، عنوانا لواحد من أجمل دواوينه، ولو كان هذا العنوان لا يفضي إلا للعدم، ربما يقصد الشاعر الذي اختبر بحسه الاستشرافي المنجم، أن كل هذه الجماجم التي لا فائدة ترجى من تفكيرها، لن تعدم قيمة حين تغدو فوسفاطا ذات يوم !
يفرد اليوم ملحق "العلم الثقافي"، كل صفحاته لملف تكريمي وتوثيقي للشاعر محمد السرغيني رحمه الله، وقد ساهم فيه ثلة من ألمع الشعراء والأدباء والباحثين المغاربة، سواء بالدراسة أو الشهادة، وقد بادر إلى تجميع مواده أولا الكاتب عبد الله المتقي، وانضم إليه تطوعا الباحث محمد حماني، وإذ نجزي لهما مع الشكر أجمل الشعر، نشكر أيضا كل المساهمين في هذا العمل الأدبي الذي كسر بالشهادة منطق الشاهدة، ولا يفوتني أخيرا أن أتساءل حائرا: ما جدوى أن نحصي الأيام، هذه أربعينيةٌ وذاك يوبيل مئوي، والمعني بهذه الأيام كان إلى أمس، ماثلا بيننا، ينثر هنا وهناك أكثر من حياة، بينما بعض المعنيين بفلذات أشعاره وأفكاره، كانوا همُ الأموات !
................................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 24 شتنبر 2026