مصطفى عبدالملك الصميدي - للحق طريق لا تحده الحدود

ليست كل القضايا محكومة بحدود الجغرافيا؛ هناك قضايا يرى أصحابها أنها تتصل بمبدأ أوسع: الحق في مواجهة الظلم، والوقوف إلى جانب المظلوم، ورفض أن تتحول القوة إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع على الشعوب. ومن هذا المنطلق، يقدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله رؤيته للصراع في اليمن وفلسطين باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من قضية واحدة عنوانها مواجهة الهيمنة والظلم والعدوان، ونصرة المستضعفين. فالقضية ليست يمنية خالصة؛ لأن الحق لا يتجزأ، ونصرة المظلوم لا تتوقف عند حدود جغرافية.

حين ينظر الإنسان إلى قضية المُعتدى عليه والمظلوم باعتبارها قضية دينية وإنسانية ومبدئية، فإن السؤال لا يعود: أين يقع المظلوم؟ وإنما يصبح: هل هناك ظلم يستحق أن يُواجه؟ من هنا، لا يمكن الفصل بين الدفاع عن اليمن والدفاع عن فلسطين، لأن كليهما ــ وفقاً لرؤية السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ــ يدخلان في مواجهة منظومة واحدة من الهيمنة والعدوان. فحضور فلسطين في خطابات السيد القائد دائما ما تتجاوز التضامن التقليدي، كونها تحمل في دلالاتها التزاماً بقضية ترى أنها تمس بجوهر العدالة والكرامة الإنسانية على عكس أولئك المنددون على الورق والذين يعتبرون القضية الفلسطينية شأنا داخلياً لا تعنيهم البتة. وهذا هو الفارق بين أن تنظر إلى فلسطين باعتبارها قضية خارجية، وأن تنظر إليها باعتبارها قضية حق.

اليمن وفلسطين جغرافيا مختلفة وقضية واحدة. قد تختلف الظروف السياسية والعسكرية بين اليمن وفلسطين، وقد تختلف طبيعة الصراع في كل منهما، لكن الرؤية التي يتبناها السيد القائد تنطلق من وجود قاسم مشترك: شعب يجد نفسه في مواجهة كيانات محتلة مدعومة بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية، ويبحث عن وسائل للدفاع عن حقوقه بأبسط الوسائل. فاليمن الذي عانى سنوات الحرب والحصار والدمار، يعرف معنى أن يعيش شعب تحت الضغط وأن يصبح القرار الوطني موضع صراع وتدخل خارجي. ولذلك فإن تجربة اليمنيين تمنحهم مسؤولية أخلاقية تجاه شعوب أخرى تعاني من الظلم، ويرون أن مساندة فلسطين يمثل إمتداداً للقضية اليمنية.

هذه الرؤية ليست سياسية فقط، وإنما لها أساس ديني واضح في خطابات السيد القائد؛ من الإيمان بالله والتوكل عليه إلى الموقف الصارم الذي لا رجعة فيه. فالمفاهيم القرآنية المتعلقة بمواجهة الظلم ونصرة المستضعفين وعدم الوقوف موقف المتفرج أمام أشكال العدوان المختلفة تشكل جزءاً أساسياً من هذه الرؤية الحكيمة للسيد القائد. بطريقة أخرى، أي أن النصر يجب أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالإيمان قبل أن يكون مرتبطاً بحسابات القوة المادية. فالله ــ وفق هذا الفهم ــ يهيئ أسباب النصر لمن ينصر الحق، ويمنح الصابرين القدرة على الثبات عندما تبدو موازين القوة في البداية مختلة. ولهذا لا ينظر السيد القائد إلى ما تحقق من تقدم عسكري باعتباره نتيجة للإعداد والتنظيم وحدهما، وإنما نتيجة مثمرة للصبر والثبات والإيمان بأن طريق الحق، مهما طال، يمكن أن يحقق نتائج تتجاوز الحسابات التقليدية.

إن القضية الفلسطينية في الوعي اليمني قضية مركزية تبدأ بالدم وتنتهي بالروح، وليست ثانوية تبدأ بالصمت وتنتهي مع نقطة السطر الأخير للغة التنديدات الخشبية. إذاً، الفكرة هي أن مبدأ مقاومة الغطرسة والهيمنة والاحتلال لا تخضع للجغرافيا؛ بمعنى ذلك، إذا كان الظلم مرفوضاً في اليمن، فهو مرفوض في فلسطين، وإذا كان الاعتداء على اليمنيين يستحق الرفض والمقاومة والجهاد، فإن الاعتداء على الفلسطينيين يستحق الموقف نفسه. وبهذه الطريقة يتحول التضامن من موقف عاطفي إلى التزام ديني وسياسي وفكري وأخلاقي. إنها رؤية تلخص إن الإنسان لا يستطيع أن يطالب بحقه في العدالة لنفسه، ثم يتجاهل الظلم الواقع على غيره. فالغاية النهائية هي أن يمتلك اليمن قراره وأن يحافظ على كرامته وأن يكون قادراً على الوقوف إلى جانب القضايا التي يؤمن بها، وفي مقدمتها فلسطين.

قد تكون المسافة بين صنعاء وغزة آلاف الكيلومترات، وقد تختلف طبيعة الصراع في المكانين، لكن المسافة الجغرافية لا تلغي وحدة المبدأ لدى من يرى أن الظلم واحد، وأن نصرة الحق لا تحتاج إلى جواز سفر. وهذه هي الفكرة التي يريد السيد القائد ترسيخها؛ فكرة أن الحق لا تتغير قيمته بتغير الجغرافيا، والمظلوم لا يفقد حقه في النصرة لأنه يعيش خلف حدود وطن آخر. فكما يريد اليمني أن يعيش حراً كريماً، يريد الفلسطيني أن يعيش حراً كريماً، وكما يرفض اليمني أن يُفرض عليه القرار من الخارج، يرفض الفلسطيني أن يُفرض عليه مستقبل أرضه وحياته بقوة السلاح. وهذه هي الرؤية الحكيمة التي تقوم على وحدة الكرامة الإنسانية.

لذلك، نصرة الحق لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الوطن. فاليمن ليس جزيرة معزولة عن قضايا المنطقة، وفلسطين ليست قضية بعيدة لا تعني اليمنيين، ومساندة المظلوم ليست ترفاً سياسياً، ولا مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي، وإنما موقف يرى أصحابه أنه امتداد للإيمان والكرامة والمسؤولية. فالحدود ترسمها الخرائط أما الحق فلا تعترف به تلك الحدود، وإذا كان الظلم قادراً على عبور الحدود، فإن نصرة المظلوم ــ في المقابل ــ لا ينبغي أن تتوقف عندها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى