لماذا نكتب؟
منذ بدأت الكتابة، وأنا أشعر أنني لا أذهب إليها لأقول شيئًا أعرفه، بل لأقترب من شيء لم أستطع فهمه بعد. كل نص كان يفتح أمامي بابًا آخر، وكل إجابة تترك وراءها سؤالًا أكثر هدوءًا، لكنه أكثر التصاقًا بي.
ربما لهذا ظل الإنسان موضوعي الأول، لا الإنسان كما يبدو في حياته اليومية، وإنما ذلك الكائن الذي يخفي أكثر مما يقول، ويبحث عن معنى لحياته وهو يعرف أنها تمضي. حين أكتب عن الخوف أو الحب أو الموت أو الوحدة، لا أشعر أنني أكتب عني وحدي، فالتجربة التي تبدأ في مكان صغير داخلنا قد تفتح فجأة على شيء أوسع، شيء يشبهنا جميعًا.
الكتابة تجعلني أنظر إلى الإنسان من جديد، إلى ما يخفيه في صمته، وإلى الأشياء الصغيرة التي قد تغيّر حياته من دون أن ينتبه. ولهذا لا يبدو الإنسان في الأدب شخصية مكتملة، بل كائنًا يتشكل باستمرار، بما يعيشه، وبمن يحبهم، وبمن يفقدهم، وبالأسئلة التي لا يجد لها جوابًا.
وذلك الإنسان لا يعيش منفصلًا عن العالم. خلف النافذة سماء لا تتوقف عن الاتساع، ونجوم بعيدة، وليل يجيء كل يوم كأنه يذكّرنا بأن وجودنا ليس إلا لحظة صغيرة في هذا الامتداد. وربما لهذا يدخل الكون إلى الكتابة من دون أن نستدعيه، لا بوصفه موضوعًا علميًا، بل بوصفه سؤالًا قديمًا: أين يقف الإنسان في كل هذا الاتساع؟
حتى الطبيعة التي نظن أننا نراها كل يوم تتغير حين تدخل النص. شجرة وحيدة قد تصبح ذاكرة، نهر قد يحمل فكرة عن الزمن، ومطر عابر قد يوقظ فينا شيئًا لم نعرف أنه ما زال حيًا. عندها لا تعود الطبيعة خلفية لحكاية الإنسان، بل تصبح جزءًا منها، وربما شاهدًا صامتًا على ما نفعله بهذا العالم الذي نعيش فيه.
وكذلك المجتمع، فخلف كل حكاية فردية عالم كامل من العلاقات والخوف والفقر والحرب والاغتراب والرغبة في الحرية والبحث عن العدالة. لكن الكتابة، في رأيي، لا تكون مهمة حين تكرر ما نعرفه، بل حين تجعلنا نرى ما اعتدنا عليه بطريقة لم ننتبه إليها من قبل، أن تجعل المألوف غريبًا قليلًا، كي نعيد النظر فيه.
لهذا لا أعتقد أن الكاتب يكتب لأنه يمتلك إجابات كثيرة، ربما يكتب لأنه لا يستطيع أن يتخلص من الأسئلة. يكتب كي يقترب من نفسه، ثم يكتشف أنه اقترب من الآخرين، ويكتب عن الآخرين، فيجد نفسه بينهم. ينظر إلى الطبيعة، فيرى فيها شيئًا منه، وينظر إلى العالم، فيكتشف أنه لم يكن خارجه يومًا.
الكتابة، في النهاية، ليست محاولة لشرح الحياة، وربما لا تستطيع أن تفعل ذلك. إنها محاولة للإصغاء إليها.
نكتب لأن في داخلنا شيئًا لا يعرف كيف يصل إلى العالم إلا بالكلمات، ولأن بعض الأسئلة لا تريد جوابًا بقدر ما تريد أن تبقى حيّة.
وربما لهذا، كلما انتهيت من نص، لا أشعر أنني وصلت إلى النهاية، بل أشعر أنني عدت إلى المكان نفسه الذي بدأت منه، لكنني أراه الآن من جهة أخرى.
منذ بدأت الكتابة، وأنا أشعر أنني لا أذهب إليها لأقول شيئًا أعرفه، بل لأقترب من شيء لم أستطع فهمه بعد. كل نص كان يفتح أمامي بابًا آخر، وكل إجابة تترك وراءها سؤالًا أكثر هدوءًا، لكنه أكثر التصاقًا بي.
ربما لهذا ظل الإنسان موضوعي الأول، لا الإنسان كما يبدو في حياته اليومية، وإنما ذلك الكائن الذي يخفي أكثر مما يقول، ويبحث عن معنى لحياته وهو يعرف أنها تمضي. حين أكتب عن الخوف أو الحب أو الموت أو الوحدة، لا أشعر أنني أكتب عني وحدي، فالتجربة التي تبدأ في مكان صغير داخلنا قد تفتح فجأة على شيء أوسع، شيء يشبهنا جميعًا.
الكتابة تجعلني أنظر إلى الإنسان من جديد، إلى ما يخفيه في صمته، وإلى الأشياء الصغيرة التي قد تغيّر حياته من دون أن ينتبه. ولهذا لا يبدو الإنسان في الأدب شخصية مكتملة، بل كائنًا يتشكل باستمرار، بما يعيشه، وبمن يحبهم، وبمن يفقدهم، وبالأسئلة التي لا يجد لها جوابًا.
وذلك الإنسان لا يعيش منفصلًا عن العالم. خلف النافذة سماء لا تتوقف عن الاتساع، ونجوم بعيدة، وليل يجيء كل يوم كأنه يذكّرنا بأن وجودنا ليس إلا لحظة صغيرة في هذا الامتداد. وربما لهذا يدخل الكون إلى الكتابة من دون أن نستدعيه، لا بوصفه موضوعًا علميًا، بل بوصفه سؤالًا قديمًا: أين يقف الإنسان في كل هذا الاتساع؟
حتى الطبيعة التي نظن أننا نراها كل يوم تتغير حين تدخل النص. شجرة وحيدة قد تصبح ذاكرة، نهر قد يحمل فكرة عن الزمن، ومطر عابر قد يوقظ فينا شيئًا لم نعرف أنه ما زال حيًا. عندها لا تعود الطبيعة خلفية لحكاية الإنسان، بل تصبح جزءًا منها، وربما شاهدًا صامتًا على ما نفعله بهذا العالم الذي نعيش فيه.
وكذلك المجتمع، فخلف كل حكاية فردية عالم كامل من العلاقات والخوف والفقر والحرب والاغتراب والرغبة في الحرية والبحث عن العدالة. لكن الكتابة، في رأيي، لا تكون مهمة حين تكرر ما نعرفه، بل حين تجعلنا نرى ما اعتدنا عليه بطريقة لم ننتبه إليها من قبل، أن تجعل المألوف غريبًا قليلًا، كي نعيد النظر فيه.
لهذا لا أعتقد أن الكاتب يكتب لأنه يمتلك إجابات كثيرة، ربما يكتب لأنه لا يستطيع أن يتخلص من الأسئلة. يكتب كي يقترب من نفسه، ثم يكتشف أنه اقترب من الآخرين، ويكتب عن الآخرين، فيجد نفسه بينهم. ينظر إلى الطبيعة، فيرى فيها شيئًا منه، وينظر إلى العالم، فيكتشف أنه لم يكن خارجه يومًا.
الكتابة، في النهاية، ليست محاولة لشرح الحياة، وربما لا تستطيع أن تفعل ذلك. إنها محاولة للإصغاء إليها.
نكتب لأن في داخلنا شيئًا لا يعرف كيف يصل إلى العالم إلا بالكلمات، ولأن بعض الأسئلة لا تريد جوابًا بقدر ما تريد أن تبقى حيّة.
وربما لهذا، كلما انتهيت من نص، لا أشعر أنني وصلت إلى النهاية، بل أشعر أنني عدت إلى المكان نفسه الذي بدأت منه، لكنني أراه الآن من جهة أخرى.