المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟ رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل..
الحلقة العاشرة
عندما اجتمعت الشرعيات في رجل… ثم رحل
- يحيى بركات -
- مخرج وكاتب سينمائي -
في الحلقة السابقة توقفنا أمام صندوق الاقتراع عام 1996.
كان الفلسطيني، للمرة الأولى منذ قيام السلطة، يدخل إلى مكان صغير، يقف وحده خلف ستارة، ويضع علامة أمام اسم المرشح الذي يريد.
كان ياسر عرفات، الذي عرفه الفلسطينيون قائدًا للثورة، ورئيسًا لمنظمة التحرير، ورجلًا حمل البندقية وتنقل بين عمّان وبيروت وتونس، يقف هذه المرة أمامهم مرشحًا.
وكان في ذلك تحول أكبر من الانتخابات نفسها.
لأن الرجل الذي حمل شرعية الثورة، وشرعية فتح، وشرعية منظمة التحرير، وشرعية العودة إلى الوطن، أضاف إلى كل ذلك شرعية جديدة:
شرعية الصندوق.
لكن الصندوق لا ينهي سؤال الشرعية.
إنه يبدأ امتحانها.
فمنذ اللحظة التي ينتخب فيها المجتمع قائدًا، يصبح من حقه أن يسأله:
ماذا فعلت بالتفويض الذي أعطيناك إياه؟
وما أعطيناه لك بالصندوق...
هل نستطيع أن نسألك عنه بالصندوق؟
كان ذلك هو الامتحان الذي دخل إليه أبو عمار بعد انتخابات 1996.
لم تكن الأرض التي انتُخب رئيسًا عليها دولة.
ولم تكن حدودها بيده.
ولا سماؤها.
ولا معابرها.
ولا حركة الناس والبضائع فيها.
كان هناك رئيس.
وكان هناك مجلس تشريعي.
ووزراء ووزارات وأجهزة أمن وشرطة ومؤسسات وأعلام ومراسم.
وكانت هناك صورة دولة تتشكل أمام الناس.
لكن الدولة نفسها لم تكن قد وُلدت.
وكان الاحتلال حاضرًا في التفاصيل كلها تقريبًا.
وهنا بدأت المفارقة التي ستطارد التجربة الفلسطينية سنوات طويلة:
كيف تبني سلطة تشبه الدولة، وأنت لم تحصل بعد على الدولة؟
وكيف تحول حركة تحرر إلى مؤسسات حكم، بينما الاحتلال الذي قامت حركة التحرر لمقاومته ما زال قائمًا؟
كان اغتيال إسحق رابين في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1995 قد كشف مبكرًا أن أوسلو لم يكن اتفاقًا بين مجتمعين متفقين على الطريق.
خلف رابين شمعون بيريس، ثم فاز بنيامين نتنياهو في انتخابات أيار/مايو 1996، ودخل المسار مرحلة جديدة من الصدام والتعطيل والخلاف حول تنفيذ الالتزامات.
وبعد أشهر فقط، في أيلول/سبتمبر 1996، انفجرت المواجهات إثر فتح النفق قرب المسجد الأقصى.
امتدت المواجهات إلى أكثر من مكان.
وفي مدخل البيرة، في المنطقة التي كنا نسميها الخمّارة، رأيت السلطة التي لم يمض على قيامها سوى سنوات قليلة تدخل مواجهة مسلحة مع الجيش الإسرائيلي.
رجال أمن فلسطينيون يحملون السلاح.
جنود إسرائيليون يطلقون النار.
مروحيات في السماء.
وأذكر أن مركبة للتلفزيون الفلسطيني أصيبت خلال المواجهات.
كانت الصورة تقول شيئًا أكبر من الحدث نفسه:
الذين قيل لهم إنهم أصبحوا أجهزة أمن لسلطة ناشئة، وجدوا أنفسهم يطلقون النار على جيش الاحتلال.
لم تكن العلاقة قد استقرت بعد على تعريف واحد.
هل نحن أمام سلطة؟
أم أمام حركة تحرر دخلت مرحلة جديدة؟
أم أمام شيء بين الاثنين؟
أتذكر مرة أخرى صورة صغيرة تختصر هذا الالتباس كله.
كان أبو عمار في أريحا، وكان عليه أن ينتقل إلى رام الله بطائرته المروحية.
لكن حركته في السماء لم تكن قرارًا فلسطينيًا كاملًا.
كان عليه أن ينتظر ترتيبات مرتبطة بالجانب الإسرائيلي.
تأخر الأمر.
غضب.
وقال بما معناه:
أنا لست تحت أمرهم.
كان أمامنا رئيس يتصرف كرئيس دولة.
لكننا لم نكن نملك دولة يستطيع رئيسها أن يطير في سمائها متى شاء.
هذه الصورة وحدها كانت تكفي لفهم الكثير مما سيأتي.
كنت أرى أبو عمار في تلك السنوات وكأنه يمشي بيدين.
يد أمامه توقّع.
ويد بقيت خلف ظهره.
ولا أقصد بذلك أنه كان يوقّع الاتفاقات ويعمل في الوقت نفسه على إسقاطها.
لم أفهمه يومًا بهذه الطريقة.
كان قد وقّع.
وكان يريد أن يرى إن كان الطرف الآخر سينفذ ما وقّع عليه.
إذا التزم الاحتلال بما اتُّفق عليه، يمضي الطريق.
أما إذا ماطل، وتراجع، ولفّ ودار، فلا يكون الفلسطيني قد سلّم كل أوراقه وأغلق كل الأبواب خلفه.
كان يريد أن ينتقل من حركة التحرر إلى الدولة.
لكنه لم يكن مستعدًا، كما فهمت تجربتي معه، لأن يدفن حركة التحرر قبل أن تولد الدولة.
ولهذا لم يُلغِ منظمة التحرير عندما قامت السلطة.
ولم يحوّلها ببساطة إلى ذكرى.
بقيت مؤسسات المنظمة.
وبقيت دوائرها.
وبقيت مكاتبها في الخارج.
وبقي فاروق القدومي، أبو اللطف، مسؤولًا عن الدائرة السياسية، وبقيت شبكة من العلاقات والكوادر والمؤسسات التي صنعتها المنظمة خلال سنوات المنفى.
كان هناك الصندوق القومي الفلسطيني.
وكانت هناك دائرة شؤون اللاجئين.
والاتحادات والمنظمات الشعبية.
ودائرة الثقافة والإعلام.
ومكاتب المنظمة في الخارج.
كأن أبا عمار كان يقول بالفعل السياسي، لا بالكلمات:
السلطة ليست فلسطين كلها.
فالسلطة تعمل على جزء من الأرض ومع جزء من الشعب.
أما المنظمة فقد قامت أصلًا لتقول إنها تمثل الفلسطيني أينما كان.
وهذا الفرق لم يكن لغويًا.
كان سؤال شرعية.
في تلك الفترة ثار حديث في الصحافة الإسرائيلية عن أموال ومداخيل مرتبطة باستثمارات وتجارة ومحروقات وسجائر وغيرها، لا تدخل كلها بالطريقة المعتادة إلى خزينة السلطة.
كنا مجموعة من العاملين في الإعلام، وسألنا أبو عمار عن الأمر.
لم ينكر.
وكان جوهر إجابته بسيطًا:
من يدفع للكوادر في الخارج؟
من يساعد المخيمات؟
من يمول مؤسسات منظمة التحرير؟
وهل المطلوب أن أضع أسماء هؤلاء جميعًا في دفاتر مكشوفة؟
لم أفهم المسألة يومها باعتبارها مجرد سؤال حسابات.
كان خلفها سؤال أكبر.
هناك فرق بين أن تخضع أموال الشعب لرقابة فلسطينية، وهذا حق للمجتمع، وبين أن تصبح شبكات حركة تحرر تعمل تحت الاحتلال مكشوفة أمام الاحتلال نفسه.
فالسلطة لم تكن دولة ذات سيادة مالية مستقلة.
وكان النظام الاقتصادي الذي نشأ بعد أوسلو، وخصوصًا ترتيبات باريس الاقتصادية، يجعل جزءًا أساسيًا من حياة السلطة المالية مرتبطًا بإسرائيل.
وهنا ظهرت مفارقة أخرى:
منظمة التحرير في الخارج كانت تحتاج إلى العالم كي توسع مساحة فلسطين السياسية.
أما السلطة في الداخل، فبدأت تحتاج إلى الاحتلال نفسه في كثير من تفاصيل حياتها اليومية.
لكن الاحتلال لم يكن الطرف الوحيد الحاضر.
كان هناك المانحون أيضًا.
جاءت أموال كثيرة لبناء المؤسسات الفلسطينية.
وكان الفلسطيني يحتاجها.
بل كان من الصعب تصور بناء الوزارات والمرافق والبنية التحتية والمؤسسات الجديدة من دون دعم خارجي في اقتصاد يعيش تحت الاحتلال.
لكن المال لم يكن يأتي دائمًا وحده.
كان يأتي أحيانًا ومعه شروطه.
أتذكر مشروعًا للتلفزيون الفلسطيني ممولًا من فرنسا.
منحة تبدو كبيرة.
لكن عندما تدخل في التفاصيل تجد أن المعدات يجب أن تكون فرنسية.
وعربة النقل الخارجي فرنسية.
والخبراء فرنسيين.
والسفر والتدريب والعقود تمر عبر الشركات والخبراء.
جزء كبير من المال الذي جاء إلينا كان يعود إلى البلد الذي قدمه.
كانت المنحة تدخل من الباب...
ثم يعود جزء منها من النافذة.
وفي تجربة أخرى طُرح عليّ دعم فيلم عن المياه.
موضوع فلسطيني بامتياز.
المياه التي يسيطر الاحتلال على مصادرها وتوزيعها وحركتها.
لكن كان هناك شرط:
أن يكون العمل فلسطينيًا ـ إسرائيليًا مشتركًا.
رفضت.
ليس لأن الحوار بين الفلسطيني والإسرائيلي محرّم.
بل لأن السؤال كان مختلفًا:
لماذا يصبح تمويل روايتي عن مياهي مشروطًا بأن أضع إلى جواري شريكًا من الطرف الذي يسيطر على هذه المياه؟
من يملك حق تحديد شكل الرواية الفلسطينية؟
صاحب التجربة؟
أم صاحب المنحة؟
ثم جاءت مشاريع أكبر.
أتذكر مشروعًا لإنشاء أكاديمية للسينما، بتمويل يقدر بالملايين، وخطة أميركية تتضمن القدس ومشاركة فلسطينية ـ إسرائيلية.
حتى السؤال العملي كان يفضح المفارقة:
كيف سيصل الفلسطيني أصلًا إلى القدس التي يريد المانح أن يجعلها جزءًا من مشروع مشترك، بينما الاحتلال نفسه يقرر من يدخلها ومن يُمنع عنها؟
كنا نعيش واقعًا يقول لنا:
لا تستطيعون الوصول بحرية إلى المدينة.
ثم يأتي مشروع يقول:
تعالوا نبني فيها تعاونًا مشتركًا.
لكن الأخطر من السينما والمشاريع الثقافية كان المدرسة.
عندما بدأ بناء المناهج الدراسية الفلسطينية، دخل المانحون أيضًا إلى النقاش.
وهنا يصبح الأمر مختلفًا.
فنحن لا نتحدث عن كاميرا أو سيارة بث أو مهرجان.
نتحدث عن الطفل.
ماذا يتعلم؟
كيف يقرأ تاريخه؟
ماذا يعرف عن النكبة؟
كيف تُكتب المقاومة؟
ما الكلمات التي تبقى؟
وما الكلمات التي يطلب أحد حذفها؟
من حق المجتمع الفلسطيني أن يراجع مناهجه.
ومن حق معلميه ومثقفيه وأولياء الأمور وطلبته أن يناقشوها ويطوروها وينتقدوها.
لكن السؤال الذي بقي عندي هو:
من أعطى دولة مانحة، لأنها تدفع ثمن طباعة كتاب، الحق في أن تشارك في تقرير ذاكرة الطفل الذي سيقرأه؟
هذه ليست سيادة على الأرض فقط.
هذه سيادة على الوعي.
وهنا بدأت السلطة تغير المجتمع كما بدأ المجتمع يغير السلطة.
الفدائي الذي عاش سنوات طويلة وهو يتلقى مخصصًا بسيطًا أو لا يتلقى شيئًا، أصبح موظفًا.
والكادر أصبح مديرًا.
والمناضل أصبح يحمل رتبة.
وصارت هناك رواتب.
وترقيات.
وسيارة.
ومكتب.
وتقاعد.
ولا أقول إن الوظيفة فساد.
ولا إن المناضل يجب أن يبقى فقيرًا كي يثبت وطنيته.
الدولة، إن قامت، تحتاج إلى مؤسسات وموظفين وإدارة وقانون.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التاريخ النضالي إلى استحقاق وظيفي.
كنت أقول:
النضال واجب وطني، وليس درجة وظيفية.
فالذي قاتل من أجل وطنه لا يحصل، لمجرد ذلك، على حق أبدي في إدارة الناس.
الشرعية التي تُكتسب في الخندق لا تنتقل تلقائيًا إلى المكتب.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، بدأت علاقة جديدة تتشكل بين المجتمع والقيادة.
في زمن الثورة كان السؤال:
ماذا ستقدم لفلسطين؟
وفي زمن السلطة بدأ يظهر سؤال آخر:
ماذا ستعطيني السلطة؟
وظيفة؟
رتبة؟
ترقية؟
تصريحًا؟
مساعدة؟
امتيازًا؟
وهنا يصبح بناء الدولة أكثر خطورة من بناء الوزارة.
لأن الدولة ليست جدرانًا.
الدولة علاقة بين المواطن والمؤسسة.
وحين تتحول المؤسسة إلى مصدر رزق وامتياز قبل أن تصبح مصدر قانون وعدالة، تبدأ الشرعية في البحث عن طريق آخر إلى المجتمع.
وفي أواخر عام 1999 أو بدايات عام 2000، كنت في حديث مع القنصل الأميركي.
قلت له ما كنت أعتقده فعلًا:
أبو عمار ليس مجرد رئيس.
إنه رمز.
وإذا وصلتم إلى سلام حقيقي، فهو الرجل الذي يستطيع أن يوقع، ثم يذهب إلى شعبه ويقول له:
هذا ما استطعنا الحصول عليه.
وهذا هو الطريق.
كنت أعرف أن الناس قد تختلف معه.
وقد تغضب منه.
وقد تعارضه.
لكنني كنت أعرف أيضًا أن للرجل رصيدًا لا تمنحه وظيفة الرئاسة.
رصيد صنعته عقود طويلة من العلاقة بينه وبين المجتمع الفلسطيني.
وهذا هو الفارق بين سلطة المنصب وشرعية القائد.
لكن السنوات الانتقالية التي حددتها أوسلو مرت.
ولم تقم الدولة.
وبدل أن ينتهي الاحتلال، عاد الجيش الإسرائيلي إلى مدن كان قد انسحب منها.
وانفجرت الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) في أيلول/سبتمبر 2000.
وتغير كل شيء.
يمكن القول إن أوسلو، بوصفه طريقًا زمنيًا يفترض أن يقود إلى تسوية نهائية، وصل إلى نهايته من دون أن يصل الفلسطيني إلى الدولة.
لكن المؤسسات التي أنشأها بقيت.
انتهى أوسلو كطريق إلى الدولة، وبقي كنظام لإدارة واقع لم يصل إليها.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات التجربة الفلسطينية قسوة.
عاد الجيش.
حوصرت المدن.
وحوصرت المقاطعة.
وحُوصر أبو عمار داخلها.
وفي الوقت نفسه ارتفعت أصوات تتحدث عن الإصلاح.
وكان المجتمع الفلسطيني نفسه يحتاج إلى إصلاح حقيقي.
كان هناك فساد.
وكان هناك خلل في المؤسسات.
وكان هناك تداخل في الصلاحيات.
وكان من حق الفلسطينيين أن يسألوا قيادتهم وأن يطالبوا بإصلاح نظامهم.
لكن الإصلاح أصبح أيضًا مطلبًا دوليًا وإسرائيليًا.
ودخل الضغط لإعادة توزيع الصلاحيات داخل النظام الفلسطيني.
ومن هنا جاء منصب رئيس الوزراء، وتولى محمود عباس، أبو مازن، رئاسة الحكومة عام 2003.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين.
أن يقول المجتمع الفلسطيني لرئيسه:
نريد إصلاح نظامنا.
وأن يقول الخارج للفلسطينيين:
نريد إعادة تشكيل قيادتكم بالطريقة التي تناسبنا.
قد تتقاطع المطالب.
لكن مصدر الشرعية مختلف.
وهذا هو موضوعنا منذ البداية.
ثم جاءت المقاطعة.
الدبابات حولها.
الجدران محطمة.
الجنود على الأبواب.
وأبو عمار في الداخل.
وفي الخارج كان الفلسطينيون يشاهدون رئيسهم محاصرًا.
قد يكون بعضهم غاضبًا منه.
وقد يكون بعضهم مختلفًا معه.
وقد يكون بعضهم يريد إصلاح السلطة أو تغيير سياساتها.
لكن عندما أصبح الاحتلال هو الذي يريد إزاحته، تغير السؤال.
لم يعد السؤال:
هل نوافق أبو عمار؟
أصبح:
من يملك حق تقرير من يقود الفلسطينيين؟
وفي تلك اللحظة عاد الرجل من المكتب إلى الرمز.
خرجت الجموع.
وارتفع صوته:
شهيدًا... شهيدًا... شهيدًا.
وكان المجتمع، كما قرأت المشهد يومها، يقول شيئًا بسيطًا:
قد نختلف معه.
قد نحاسبه.
قد نغيره نحن.
لكن الاحتلال لا يختار لنا رئيسنا.
هذا رئيسنا.
ثم مرض أبو عمار.
وعندما غادر للعلاج كنت موجودًا.
كانت معي طواقم التصوير.
لم أقترب منه.
وقفت أنظر إليه.
صعد إلى الطائرة.
ثم التفت نحونا.
وأخذ يرسل لنا القبل.
رفعت يدي.
وأرسلت له قبلتي.
وغادرت الطائرة.
لم يخطر في بالي للحظة أنني أراه للمرة الأخيرة.
كنت أعرفه.
أعرف قوته.
أعرف عناده.
أعرف إصراره.
وأعرف حبه للحياة.
كان يريد أن يكمل مشروعًا ظل يحمله معه من الثورة إلى بيروت، ومن تونس إلى رام الله:
دولة فلسطين المستقلة.
كان يريد أن يراها.
وكان يريد أن يرتبط قيامها باسمه.
لهذا شاهدت الطائرة تبتعد وأنا على يقين:
أبو عمار عائد.
لكنه لم يعد.
توفي ياسر عرفات في باريس في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2004.
لكن السؤال الذي بقي مفتوحًا بعد رحيله كان:
هل كانت وفاة طبيعية، أم أن الرجل قُتل؟
تعددت التحقيقات والفرضيات، وبقي الأمر من دون حسم نهائي متفق عليه.
لكن المؤكد بالنسبة إليّ أن شيئًا أكبر من حياة رجل انتهى في ذلك اليوم.
انتهى توازن كامل كان أبو عمار يمسك أطرافه بيديه.
بين فتح والمنظمة.
بين السلطة والثورة.
بين الداخل والخارج.
بين المؤسسة والرمز.
بين الاتفاق والبندقية التي لم يشأ أن يعلن انتهاء زمنها قبل أن يرى الدولة.
بدأ الوداع في باريس.
ومر بالقاهرة.
ثم جاء الجثمان إلى رام الله.
وكانت، كما رأيتها، أكبر جنازة لرئيس في التاريخ.
لم أكن أرى أرقامًا.
كنت أرى بشرًا.
وجوهًا.
أيدي ممدودة.
رجالًا يبكون.
نساء يصرخن.
شبانًا يتسلقون الجدران.
وبنادق ترتفع.
وعلمًا فلسطينيًا يغطي النعش.
كانت المقاطعة أضيق من الناس.
وكان الناس أكبر من كل ترتيبات البروتوكول.
كان المخطط أن يُنقل الجثمان إلى قاعة الاجتماعات في مقر الرئاسة، وأن يوضع على طاولة في منتصف القاعة، وأن تمر الوفود والمواطنون لإلقاء نظرة الوداع.
كنت قد رتبت مع طواقم التصوير تفاصيل النقل والتغطية.
لكن عندما هبطت الطائرة وزحفت الجماهير، لم يعد هناك برنامج.
دخل الناس من كل مكان.
اختلط الحرس بالمشيعين.
والقيادات بالجماهير.
وسقطت المسافات.
لم يعد ممكنًا إدخال الجثمان إلى القاعة كما كان مقررًا.
واتُّخذ قرار الدفن.
وفي داخلي، تولد يومها شعور بأن الخوف من انفلات المشهد لم يكن على مراسم الجنازة وحدها.
لكن ما رأيته بعيني كان أوضح من كل تفسير:
الجماهير أخذت أبا عمار من البروتوكول.
وفي اللحظة الأخيرة، عاد الرجل الذي عاش حياته باسم الشعب إلى الشعب.
رحل رمز النضال.
رحل الفدائي.
رحل الختيار.
رحل الأخ أبو عمار.
رحل الأب أبو عمار.
ودُفن الرجل.
لكن الكرسي بقي.
بل لم يكن هناك كرسي واحد.
كان هناك كرسي رئيس السلطة.
وكرسي رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
وكرسي قائد حركة فتح.
وكان أبو عمار قد جمعها في شخصه، وأضاف إليها شيئًا لا يوجد في أي نظام داخلي ولا في أي قانون:
تاريخ الرجل نفسه.
وهنا أصبح السؤال مختلفًا.
فإذا كان أبو عمار قد جمع في شخصه شرعية الثورة، وشرعية فتح، وشرعية منظمة التحرير، وشرعية العودة، ثم شرعية صندوق 1996...
فهل تنتقل كل هذه الشرعيات بمجرد انتقال منصب الرئيس؟
هل يستطيع القانون أن يملأ الفراغ؟
هل تستطيع المؤسسة أن تنتخب وريثًا للتاريخ؟
هل يستطيع صندوق جديد أن يمنح رجلًا آخر ما صنعته عقود كاملة لرجل سبقه؟
وبكلمات أكثر بساطة:
هل يستطيع من يرث كرسي القائد… أن يرث شرعية القائد؟
ذلك هو سؤال الحلقة الحادية عشرة.
يُتبع...
يحيى بركات
25/9/2026
الحلقة العاشرة
عندما اجتمعت الشرعيات في رجل… ثم رحل
- يحيى بركات -
- مخرج وكاتب سينمائي -
في الحلقة السابقة توقفنا أمام صندوق الاقتراع عام 1996.
كان الفلسطيني، للمرة الأولى منذ قيام السلطة، يدخل إلى مكان صغير، يقف وحده خلف ستارة، ويضع علامة أمام اسم المرشح الذي يريد.
كان ياسر عرفات، الذي عرفه الفلسطينيون قائدًا للثورة، ورئيسًا لمنظمة التحرير، ورجلًا حمل البندقية وتنقل بين عمّان وبيروت وتونس، يقف هذه المرة أمامهم مرشحًا.
وكان في ذلك تحول أكبر من الانتخابات نفسها.
لأن الرجل الذي حمل شرعية الثورة، وشرعية فتح، وشرعية منظمة التحرير، وشرعية العودة إلى الوطن، أضاف إلى كل ذلك شرعية جديدة:
شرعية الصندوق.
لكن الصندوق لا ينهي سؤال الشرعية.
إنه يبدأ امتحانها.
فمنذ اللحظة التي ينتخب فيها المجتمع قائدًا، يصبح من حقه أن يسأله:
ماذا فعلت بالتفويض الذي أعطيناك إياه؟
وما أعطيناه لك بالصندوق...
هل نستطيع أن نسألك عنه بالصندوق؟
كان ذلك هو الامتحان الذي دخل إليه أبو عمار بعد انتخابات 1996.
لم تكن الأرض التي انتُخب رئيسًا عليها دولة.
ولم تكن حدودها بيده.
ولا سماؤها.
ولا معابرها.
ولا حركة الناس والبضائع فيها.
كان هناك رئيس.
وكان هناك مجلس تشريعي.
ووزراء ووزارات وأجهزة أمن وشرطة ومؤسسات وأعلام ومراسم.
وكانت هناك صورة دولة تتشكل أمام الناس.
لكن الدولة نفسها لم تكن قد وُلدت.
وكان الاحتلال حاضرًا في التفاصيل كلها تقريبًا.
وهنا بدأت المفارقة التي ستطارد التجربة الفلسطينية سنوات طويلة:
كيف تبني سلطة تشبه الدولة، وأنت لم تحصل بعد على الدولة؟
وكيف تحول حركة تحرر إلى مؤسسات حكم، بينما الاحتلال الذي قامت حركة التحرر لمقاومته ما زال قائمًا؟
كان اغتيال إسحق رابين في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1995 قد كشف مبكرًا أن أوسلو لم يكن اتفاقًا بين مجتمعين متفقين على الطريق.
خلف رابين شمعون بيريس، ثم فاز بنيامين نتنياهو في انتخابات أيار/مايو 1996، ودخل المسار مرحلة جديدة من الصدام والتعطيل والخلاف حول تنفيذ الالتزامات.
وبعد أشهر فقط، في أيلول/سبتمبر 1996، انفجرت المواجهات إثر فتح النفق قرب المسجد الأقصى.
امتدت المواجهات إلى أكثر من مكان.
وفي مدخل البيرة، في المنطقة التي كنا نسميها الخمّارة، رأيت السلطة التي لم يمض على قيامها سوى سنوات قليلة تدخل مواجهة مسلحة مع الجيش الإسرائيلي.
رجال أمن فلسطينيون يحملون السلاح.
جنود إسرائيليون يطلقون النار.
مروحيات في السماء.
وأذكر أن مركبة للتلفزيون الفلسطيني أصيبت خلال المواجهات.
كانت الصورة تقول شيئًا أكبر من الحدث نفسه:
الذين قيل لهم إنهم أصبحوا أجهزة أمن لسلطة ناشئة، وجدوا أنفسهم يطلقون النار على جيش الاحتلال.
لم تكن العلاقة قد استقرت بعد على تعريف واحد.
هل نحن أمام سلطة؟
أم أمام حركة تحرر دخلت مرحلة جديدة؟
أم أمام شيء بين الاثنين؟
أتذكر مرة أخرى صورة صغيرة تختصر هذا الالتباس كله.
كان أبو عمار في أريحا، وكان عليه أن ينتقل إلى رام الله بطائرته المروحية.
لكن حركته في السماء لم تكن قرارًا فلسطينيًا كاملًا.
كان عليه أن ينتظر ترتيبات مرتبطة بالجانب الإسرائيلي.
تأخر الأمر.
غضب.
وقال بما معناه:
أنا لست تحت أمرهم.
كان أمامنا رئيس يتصرف كرئيس دولة.
لكننا لم نكن نملك دولة يستطيع رئيسها أن يطير في سمائها متى شاء.
هذه الصورة وحدها كانت تكفي لفهم الكثير مما سيأتي.
كنت أرى أبو عمار في تلك السنوات وكأنه يمشي بيدين.
يد أمامه توقّع.
ويد بقيت خلف ظهره.
ولا أقصد بذلك أنه كان يوقّع الاتفاقات ويعمل في الوقت نفسه على إسقاطها.
لم أفهمه يومًا بهذه الطريقة.
كان قد وقّع.
وكان يريد أن يرى إن كان الطرف الآخر سينفذ ما وقّع عليه.
إذا التزم الاحتلال بما اتُّفق عليه، يمضي الطريق.
أما إذا ماطل، وتراجع، ولفّ ودار، فلا يكون الفلسطيني قد سلّم كل أوراقه وأغلق كل الأبواب خلفه.
كان يريد أن ينتقل من حركة التحرر إلى الدولة.
لكنه لم يكن مستعدًا، كما فهمت تجربتي معه، لأن يدفن حركة التحرر قبل أن تولد الدولة.
ولهذا لم يُلغِ منظمة التحرير عندما قامت السلطة.
ولم يحوّلها ببساطة إلى ذكرى.
بقيت مؤسسات المنظمة.
وبقيت دوائرها.
وبقيت مكاتبها في الخارج.
وبقي فاروق القدومي، أبو اللطف، مسؤولًا عن الدائرة السياسية، وبقيت شبكة من العلاقات والكوادر والمؤسسات التي صنعتها المنظمة خلال سنوات المنفى.
كان هناك الصندوق القومي الفلسطيني.
وكانت هناك دائرة شؤون اللاجئين.
والاتحادات والمنظمات الشعبية.
ودائرة الثقافة والإعلام.
ومكاتب المنظمة في الخارج.
كأن أبا عمار كان يقول بالفعل السياسي، لا بالكلمات:
السلطة ليست فلسطين كلها.
فالسلطة تعمل على جزء من الأرض ومع جزء من الشعب.
أما المنظمة فقد قامت أصلًا لتقول إنها تمثل الفلسطيني أينما كان.
وهذا الفرق لم يكن لغويًا.
كان سؤال شرعية.
في تلك الفترة ثار حديث في الصحافة الإسرائيلية عن أموال ومداخيل مرتبطة باستثمارات وتجارة ومحروقات وسجائر وغيرها، لا تدخل كلها بالطريقة المعتادة إلى خزينة السلطة.
كنا مجموعة من العاملين في الإعلام، وسألنا أبو عمار عن الأمر.
لم ينكر.
وكان جوهر إجابته بسيطًا:
من يدفع للكوادر في الخارج؟
من يساعد المخيمات؟
من يمول مؤسسات منظمة التحرير؟
وهل المطلوب أن أضع أسماء هؤلاء جميعًا في دفاتر مكشوفة؟
لم أفهم المسألة يومها باعتبارها مجرد سؤال حسابات.
كان خلفها سؤال أكبر.
هناك فرق بين أن تخضع أموال الشعب لرقابة فلسطينية، وهذا حق للمجتمع، وبين أن تصبح شبكات حركة تحرر تعمل تحت الاحتلال مكشوفة أمام الاحتلال نفسه.
فالسلطة لم تكن دولة ذات سيادة مالية مستقلة.
وكان النظام الاقتصادي الذي نشأ بعد أوسلو، وخصوصًا ترتيبات باريس الاقتصادية، يجعل جزءًا أساسيًا من حياة السلطة المالية مرتبطًا بإسرائيل.
وهنا ظهرت مفارقة أخرى:
منظمة التحرير في الخارج كانت تحتاج إلى العالم كي توسع مساحة فلسطين السياسية.
أما السلطة في الداخل، فبدأت تحتاج إلى الاحتلال نفسه في كثير من تفاصيل حياتها اليومية.
لكن الاحتلال لم يكن الطرف الوحيد الحاضر.
كان هناك المانحون أيضًا.
جاءت أموال كثيرة لبناء المؤسسات الفلسطينية.
وكان الفلسطيني يحتاجها.
بل كان من الصعب تصور بناء الوزارات والمرافق والبنية التحتية والمؤسسات الجديدة من دون دعم خارجي في اقتصاد يعيش تحت الاحتلال.
لكن المال لم يكن يأتي دائمًا وحده.
كان يأتي أحيانًا ومعه شروطه.
أتذكر مشروعًا للتلفزيون الفلسطيني ممولًا من فرنسا.
منحة تبدو كبيرة.
لكن عندما تدخل في التفاصيل تجد أن المعدات يجب أن تكون فرنسية.
وعربة النقل الخارجي فرنسية.
والخبراء فرنسيين.
والسفر والتدريب والعقود تمر عبر الشركات والخبراء.
جزء كبير من المال الذي جاء إلينا كان يعود إلى البلد الذي قدمه.
كانت المنحة تدخل من الباب...
ثم يعود جزء منها من النافذة.
وفي تجربة أخرى طُرح عليّ دعم فيلم عن المياه.
موضوع فلسطيني بامتياز.
المياه التي يسيطر الاحتلال على مصادرها وتوزيعها وحركتها.
لكن كان هناك شرط:
أن يكون العمل فلسطينيًا ـ إسرائيليًا مشتركًا.
رفضت.
ليس لأن الحوار بين الفلسطيني والإسرائيلي محرّم.
بل لأن السؤال كان مختلفًا:
لماذا يصبح تمويل روايتي عن مياهي مشروطًا بأن أضع إلى جواري شريكًا من الطرف الذي يسيطر على هذه المياه؟
من يملك حق تحديد شكل الرواية الفلسطينية؟
صاحب التجربة؟
أم صاحب المنحة؟
ثم جاءت مشاريع أكبر.
أتذكر مشروعًا لإنشاء أكاديمية للسينما، بتمويل يقدر بالملايين، وخطة أميركية تتضمن القدس ومشاركة فلسطينية ـ إسرائيلية.
حتى السؤال العملي كان يفضح المفارقة:
كيف سيصل الفلسطيني أصلًا إلى القدس التي يريد المانح أن يجعلها جزءًا من مشروع مشترك، بينما الاحتلال نفسه يقرر من يدخلها ومن يُمنع عنها؟
كنا نعيش واقعًا يقول لنا:
لا تستطيعون الوصول بحرية إلى المدينة.
ثم يأتي مشروع يقول:
تعالوا نبني فيها تعاونًا مشتركًا.
لكن الأخطر من السينما والمشاريع الثقافية كان المدرسة.
عندما بدأ بناء المناهج الدراسية الفلسطينية، دخل المانحون أيضًا إلى النقاش.
وهنا يصبح الأمر مختلفًا.
فنحن لا نتحدث عن كاميرا أو سيارة بث أو مهرجان.
نتحدث عن الطفل.
ماذا يتعلم؟
كيف يقرأ تاريخه؟
ماذا يعرف عن النكبة؟
كيف تُكتب المقاومة؟
ما الكلمات التي تبقى؟
وما الكلمات التي يطلب أحد حذفها؟
من حق المجتمع الفلسطيني أن يراجع مناهجه.
ومن حق معلميه ومثقفيه وأولياء الأمور وطلبته أن يناقشوها ويطوروها وينتقدوها.
لكن السؤال الذي بقي عندي هو:
من أعطى دولة مانحة، لأنها تدفع ثمن طباعة كتاب، الحق في أن تشارك في تقرير ذاكرة الطفل الذي سيقرأه؟
هذه ليست سيادة على الأرض فقط.
هذه سيادة على الوعي.
وهنا بدأت السلطة تغير المجتمع كما بدأ المجتمع يغير السلطة.
الفدائي الذي عاش سنوات طويلة وهو يتلقى مخصصًا بسيطًا أو لا يتلقى شيئًا، أصبح موظفًا.
والكادر أصبح مديرًا.
والمناضل أصبح يحمل رتبة.
وصارت هناك رواتب.
وترقيات.
وسيارة.
ومكتب.
وتقاعد.
ولا أقول إن الوظيفة فساد.
ولا إن المناضل يجب أن يبقى فقيرًا كي يثبت وطنيته.
الدولة، إن قامت، تحتاج إلى مؤسسات وموظفين وإدارة وقانون.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التاريخ النضالي إلى استحقاق وظيفي.
كنت أقول:
النضال واجب وطني، وليس درجة وظيفية.
فالذي قاتل من أجل وطنه لا يحصل، لمجرد ذلك، على حق أبدي في إدارة الناس.
الشرعية التي تُكتسب في الخندق لا تنتقل تلقائيًا إلى المكتب.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، بدأت علاقة جديدة تتشكل بين المجتمع والقيادة.
في زمن الثورة كان السؤال:
ماذا ستقدم لفلسطين؟
وفي زمن السلطة بدأ يظهر سؤال آخر:
ماذا ستعطيني السلطة؟
وظيفة؟
رتبة؟
ترقية؟
تصريحًا؟
مساعدة؟
امتيازًا؟
وهنا يصبح بناء الدولة أكثر خطورة من بناء الوزارة.
لأن الدولة ليست جدرانًا.
الدولة علاقة بين المواطن والمؤسسة.
وحين تتحول المؤسسة إلى مصدر رزق وامتياز قبل أن تصبح مصدر قانون وعدالة، تبدأ الشرعية في البحث عن طريق آخر إلى المجتمع.
وفي أواخر عام 1999 أو بدايات عام 2000، كنت في حديث مع القنصل الأميركي.
قلت له ما كنت أعتقده فعلًا:
أبو عمار ليس مجرد رئيس.
إنه رمز.
وإذا وصلتم إلى سلام حقيقي، فهو الرجل الذي يستطيع أن يوقع، ثم يذهب إلى شعبه ويقول له:
هذا ما استطعنا الحصول عليه.
وهذا هو الطريق.
كنت أعرف أن الناس قد تختلف معه.
وقد تغضب منه.
وقد تعارضه.
لكنني كنت أعرف أيضًا أن للرجل رصيدًا لا تمنحه وظيفة الرئاسة.
رصيد صنعته عقود طويلة من العلاقة بينه وبين المجتمع الفلسطيني.
وهذا هو الفارق بين سلطة المنصب وشرعية القائد.
لكن السنوات الانتقالية التي حددتها أوسلو مرت.
ولم تقم الدولة.
وبدل أن ينتهي الاحتلال، عاد الجيش الإسرائيلي إلى مدن كان قد انسحب منها.
وانفجرت الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) في أيلول/سبتمبر 2000.
وتغير كل شيء.
يمكن القول إن أوسلو، بوصفه طريقًا زمنيًا يفترض أن يقود إلى تسوية نهائية، وصل إلى نهايته من دون أن يصل الفلسطيني إلى الدولة.
لكن المؤسسات التي أنشأها بقيت.
انتهى أوسلو كطريق إلى الدولة، وبقي كنظام لإدارة واقع لم يصل إليها.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات التجربة الفلسطينية قسوة.
عاد الجيش.
حوصرت المدن.
وحوصرت المقاطعة.
وحُوصر أبو عمار داخلها.
وفي الوقت نفسه ارتفعت أصوات تتحدث عن الإصلاح.
وكان المجتمع الفلسطيني نفسه يحتاج إلى إصلاح حقيقي.
كان هناك فساد.
وكان هناك خلل في المؤسسات.
وكان هناك تداخل في الصلاحيات.
وكان من حق الفلسطينيين أن يسألوا قيادتهم وأن يطالبوا بإصلاح نظامهم.
لكن الإصلاح أصبح أيضًا مطلبًا دوليًا وإسرائيليًا.
ودخل الضغط لإعادة توزيع الصلاحيات داخل النظام الفلسطيني.
ومن هنا جاء منصب رئيس الوزراء، وتولى محمود عباس، أبو مازن، رئاسة الحكومة عام 2003.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين.
أن يقول المجتمع الفلسطيني لرئيسه:
نريد إصلاح نظامنا.
وأن يقول الخارج للفلسطينيين:
نريد إعادة تشكيل قيادتكم بالطريقة التي تناسبنا.
قد تتقاطع المطالب.
لكن مصدر الشرعية مختلف.
وهذا هو موضوعنا منذ البداية.
ثم جاءت المقاطعة.
الدبابات حولها.
الجدران محطمة.
الجنود على الأبواب.
وأبو عمار في الداخل.
وفي الخارج كان الفلسطينيون يشاهدون رئيسهم محاصرًا.
قد يكون بعضهم غاضبًا منه.
وقد يكون بعضهم مختلفًا معه.
وقد يكون بعضهم يريد إصلاح السلطة أو تغيير سياساتها.
لكن عندما أصبح الاحتلال هو الذي يريد إزاحته، تغير السؤال.
لم يعد السؤال:
هل نوافق أبو عمار؟
أصبح:
من يملك حق تقرير من يقود الفلسطينيين؟
وفي تلك اللحظة عاد الرجل من المكتب إلى الرمز.
خرجت الجموع.
وارتفع صوته:
شهيدًا... شهيدًا... شهيدًا.
وكان المجتمع، كما قرأت المشهد يومها، يقول شيئًا بسيطًا:
قد نختلف معه.
قد نحاسبه.
قد نغيره نحن.
لكن الاحتلال لا يختار لنا رئيسنا.
هذا رئيسنا.
ثم مرض أبو عمار.
وعندما غادر للعلاج كنت موجودًا.
كانت معي طواقم التصوير.
لم أقترب منه.
وقفت أنظر إليه.
صعد إلى الطائرة.
ثم التفت نحونا.
وأخذ يرسل لنا القبل.
رفعت يدي.
وأرسلت له قبلتي.
وغادرت الطائرة.
لم يخطر في بالي للحظة أنني أراه للمرة الأخيرة.
كنت أعرفه.
أعرف قوته.
أعرف عناده.
أعرف إصراره.
وأعرف حبه للحياة.
كان يريد أن يكمل مشروعًا ظل يحمله معه من الثورة إلى بيروت، ومن تونس إلى رام الله:
دولة فلسطين المستقلة.
كان يريد أن يراها.
وكان يريد أن يرتبط قيامها باسمه.
لهذا شاهدت الطائرة تبتعد وأنا على يقين:
أبو عمار عائد.
لكنه لم يعد.
توفي ياسر عرفات في باريس في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2004.
لكن السؤال الذي بقي مفتوحًا بعد رحيله كان:
هل كانت وفاة طبيعية، أم أن الرجل قُتل؟
تعددت التحقيقات والفرضيات، وبقي الأمر من دون حسم نهائي متفق عليه.
لكن المؤكد بالنسبة إليّ أن شيئًا أكبر من حياة رجل انتهى في ذلك اليوم.
انتهى توازن كامل كان أبو عمار يمسك أطرافه بيديه.
بين فتح والمنظمة.
بين السلطة والثورة.
بين الداخل والخارج.
بين المؤسسة والرمز.
بين الاتفاق والبندقية التي لم يشأ أن يعلن انتهاء زمنها قبل أن يرى الدولة.
بدأ الوداع في باريس.
ومر بالقاهرة.
ثم جاء الجثمان إلى رام الله.
وكانت، كما رأيتها، أكبر جنازة لرئيس في التاريخ.
لم أكن أرى أرقامًا.
كنت أرى بشرًا.
وجوهًا.
أيدي ممدودة.
رجالًا يبكون.
نساء يصرخن.
شبانًا يتسلقون الجدران.
وبنادق ترتفع.
وعلمًا فلسطينيًا يغطي النعش.
كانت المقاطعة أضيق من الناس.
وكان الناس أكبر من كل ترتيبات البروتوكول.
كان المخطط أن يُنقل الجثمان إلى قاعة الاجتماعات في مقر الرئاسة، وأن يوضع على طاولة في منتصف القاعة، وأن تمر الوفود والمواطنون لإلقاء نظرة الوداع.
كنت قد رتبت مع طواقم التصوير تفاصيل النقل والتغطية.
لكن عندما هبطت الطائرة وزحفت الجماهير، لم يعد هناك برنامج.
دخل الناس من كل مكان.
اختلط الحرس بالمشيعين.
والقيادات بالجماهير.
وسقطت المسافات.
لم يعد ممكنًا إدخال الجثمان إلى القاعة كما كان مقررًا.
واتُّخذ قرار الدفن.
وفي داخلي، تولد يومها شعور بأن الخوف من انفلات المشهد لم يكن على مراسم الجنازة وحدها.
لكن ما رأيته بعيني كان أوضح من كل تفسير:
الجماهير أخذت أبا عمار من البروتوكول.
وفي اللحظة الأخيرة، عاد الرجل الذي عاش حياته باسم الشعب إلى الشعب.
رحل رمز النضال.
رحل الفدائي.
رحل الختيار.
رحل الأخ أبو عمار.
رحل الأب أبو عمار.
ودُفن الرجل.
لكن الكرسي بقي.
بل لم يكن هناك كرسي واحد.
كان هناك كرسي رئيس السلطة.
وكرسي رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
وكرسي قائد حركة فتح.
وكان أبو عمار قد جمعها في شخصه، وأضاف إليها شيئًا لا يوجد في أي نظام داخلي ولا في أي قانون:
تاريخ الرجل نفسه.
وهنا أصبح السؤال مختلفًا.
فإذا كان أبو عمار قد جمع في شخصه شرعية الثورة، وشرعية فتح، وشرعية منظمة التحرير، وشرعية العودة، ثم شرعية صندوق 1996...
فهل تنتقل كل هذه الشرعيات بمجرد انتقال منصب الرئيس؟
هل يستطيع القانون أن يملأ الفراغ؟
هل تستطيع المؤسسة أن تنتخب وريثًا للتاريخ؟
هل يستطيع صندوق جديد أن يمنح رجلًا آخر ما صنعته عقود كاملة لرجل سبقه؟
وبكلمات أكثر بساطة:
هل يستطيع من يرث كرسي القائد… أن يرث شرعية القائد؟
ذلك هو سؤال الحلقة الحادية عشرة.
يُتبع...
يحيى بركات
25/9/2026