حين تدخل عمّان صندوق الاقتراع الإسرائيلي
الأردن ليس بديلاً عن فلسطين... والضم لا يصنع سلاماً
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد السؤال: من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية؟
السؤال الأخطر هو: أي مشروع سيخرج من صندوق الاقتراع، وماذا يريد هذا المشروع من الضفة الغربية والأردن وفلسطين والمنطقة؟
فالانتخابات الإسرائيلية، وإن كانت شأناً داخلياً إسرائيلياً من الناحية الدستورية، بدأت تتجاوز حدودها السياسية عندما يصبح الأردن حاضراً في النقاش حول مستقبل الضفة الغربية والفلسطينيين. وعندما تتزامن الانتخابات مع تصاعد الاستيطان ومشاريع الضم وتغيير الوقائع على الأرض، فإن عمّان لا تستطيع التعامل مع المشهد باعتباره مجرد منافسة حزبية داخل دولة الاحتلال.
المسألة هنا ليست في أن يذكر سياسي إسرائيلي الأردن في خطاب انتخابي، وإنما في طبيعة الدور الذي يراد للأردن أن يؤديه.
فثمة فرق جوهري بين الأردن كشريك في مسار سياسي إقليمي يقوم على القانون الدولي وقيام الدولة الفلسطينية، وبين محاولة تقديمه باعتباره جزءاً من «حل» يستبدل الدولة الفلسطينية بترتيبات أمنية أو إدارية، أو يحمل الأردن تبعات استمرار الاحتلال.
وهنا تحديداً تكمن الخطورة.
الضفة الغربية ليست ملفاً إسرائيلياً داخلياً
ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد تصريحات انتخابية. ففي أيلول/سبتمبر 2026 أضيفت عطاءات جديدة إلى مخطط منطقة «إي1»، ليصل عدد الوحدات المعلنة إلى 3401 وحدة، في خطوة قال منتقدون إنها تهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وبين القدس الشرقية. كما أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تأييده للمخطط باعتباره عائقاً أمام قيام دولة فلسطينية.
وهذه الوقائع تكتسب أهمية أكبر عندما توضع إلى جانب خطاب سياسي إسرائيلي يتحدث عن ضم أجزاء من الضفة أو رفض قيام دولة فلسطينية أو البحث عن أدوار إقليمية بديلة.
فالخرائط لا تنتظر الانتخابات.
والوقائع التي تُفرض على الأرض قد تصبح لاحقاً أصعب من أن تعالجها صناديق الاقتراع.
الملك عبدالله الثاني وضع الخط الأحمر
في هذا المشهد جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2026 لتقدم موقفاً أردنياً واضحاً لا يحتمل التأويل.
فقد حذر جلالته من أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل تحولاً خطيراً، مشيراً إلى الاستيطان والعنف والتهجير والاستيلاء على الأراضي، وربط بين غزة والضفة باعتبارهما جزءاً من قضية واحدة، مؤكداً أن الهدف يجب أن يكون تمكين الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة وقيام دولتهم المستقلة.
والأكثر وضوحاً أن جلالته أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن يتعامل مع هذه التهديدات باعتبارها شأناً بعيداً عنه.
هذه ليست لهجة انتخابية، ولا رسالة موجهة إلى حزب إسرائيلي بعينه؛ إنها تحديد لمصالح دولة ذات سيادة وحدود وأمن وطني.
الأردن ليس الوطن البديل
لقد رفض الأردن على مدى عقود تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية سكان يمكن إعادة توزيعهم جغرافياً، كما أن أي تصور يجعل الأردن بديلاً عن الدولة الفلسطينية يصطدم ليس فقط بالموقف السياسي الأردني، وإنما بجوهر الحق الفلسطيني في تقرير المصير.
ولهذا فإن التعامل مع أي حديث عن «دور أردني» يحتاج إلى قراءة دقيقة: هل المقصود دور أردني في إطار تسوية تنهي الاحتلال وتؤسس لدولة فلسطينية مستقلة؟ أم دور يُستخدم لإدارة نتائج الاحتلال واستيعاب تبعاته؟
الفرق بين الاثنين ليس لغوياً؛ إنه الفرق بين السلام كحل سياسي والسلام كغطاء لإعادة إنتاج المشكلة.
المطلوب: استراتيجية لا ردود أفعال
الأردن وفلسطين أمام مرحلة تحتاج إلى أعلى درجات التنسيق السياسي والدبلوماسي والقانوني.
فالمطلوب ليس التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، ولا اختيار طرف إسرائيلي على آخر، وإنما مراقبة البرامج والقرارات والأفعال، وبناء موقف عربي ودولي واضح تجاه أي ضم أو تهجير أو تغيير قسري للواقع الديموغرافي والجغرافي.
كما أن التنسيق الأردني الفلسطيني يجب أن يبقى ثابتاً، لأن وحدة الموقف في مواجهة مشاريع الضم والتهجير تشكل عنصراً أساسياً في حماية المصالح الوطنية للطرفين.
وقد أكد الملك، في لقاءاته بنيويورك، أن استقرار المنطقة لن يتحقق دون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، وحذر من إجراءات الضم والاستيطان في الضفة وانتهاكات المقدسات في القدس.
الانتخابات تتغير... والحقائق تبقى
إن أخطر ما في المشهد أن تتحول أفكار كانت تُطرح على هامش السياسة الإسرائيلية إلى برامج حكومية ووقائع ميدانية.
فالانتخابات قد تغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات والأسماء، لكن إذا استمر الاستيطان والضم والتهجير وتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية، فإن المنطقة ستكون أمام واقع جديد يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليطال الأمن الأردني والإقليمي.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ جيداً في تل أبيب وواشنطن والعواصم الأوروبية والعربية هي أن الأردن ليس ساحة لتعويض غياب الدولة الفلسطينية، وليس طرفاً يمكن تحميله نتائج الاحتلال، وليس بديلاً عن فلسطين.
الأردن يريد السلام، لكنه يريد سلاماً يقوم على الحقوق والقانون، لا على تغيير الجغرافيا وفرض الأمر الواقع.
وهذا هو جوهر الرسالة الأردنية التي عبّر عنها الملك عبدالله الثاني من منبر الأمم المتحدة: لا استقرار من دون عدالة، ولا سلام مستداماً من دون دولة فلسطينية، ولا أمن للأردن إذا تحولت مشاريع الضم والتهجير إلى سياسة أمر واقع.
أما صندوق الاقتراع الإسرائيلي، فسيختار حكومة.
لكن ما سيحدث بعد ذلك في الضفة الغربية والقدس وعلى حدود الأردن، هو الذي سيحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية، أم نحو مرحلة جديدة من الصراع.
وهنا تحديداً يجب أن يكون السؤال العربي والفلسطيني والأردني واحداً:
أي مستقبل يُصنع للمنطقة، ومن يدفع ثمنه؟
الأردن ليس بديلاً عن فلسطين... والضم لا يصنع سلاماً
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد السؤال: من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية؟
السؤال الأخطر هو: أي مشروع سيخرج من صندوق الاقتراع، وماذا يريد هذا المشروع من الضفة الغربية والأردن وفلسطين والمنطقة؟
فالانتخابات الإسرائيلية، وإن كانت شأناً داخلياً إسرائيلياً من الناحية الدستورية، بدأت تتجاوز حدودها السياسية عندما يصبح الأردن حاضراً في النقاش حول مستقبل الضفة الغربية والفلسطينيين. وعندما تتزامن الانتخابات مع تصاعد الاستيطان ومشاريع الضم وتغيير الوقائع على الأرض، فإن عمّان لا تستطيع التعامل مع المشهد باعتباره مجرد منافسة حزبية داخل دولة الاحتلال.
المسألة هنا ليست في أن يذكر سياسي إسرائيلي الأردن في خطاب انتخابي، وإنما في طبيعة الدور الذي يراد للأردن أن يؤديه.
فثمة فرق جوهري بين الأردن كشريك في مسار سياسي إقليمي يقوم على القانون الدولي وقيام الدولة الفلسطينية، وبين محاولة تقديمه باعتباره جزءاً من «حل» يستبدل الدولة الفلسطينية بترتيبات أمنية أو إدارية، أو يحمل الأردن تبعات استمرار الاحتلال.
وهنا تحديداً تكمن الخطورة.
الضفة الغربية ليست ملفاً إسرائيلياً داخلياً
ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد تصريحات انتخابية. ففي أيلول/سبتمبر 2026 أضيفت عطاءات جديدة إلى مخطط منطقة «إي1»، ليصل عدد الوحدات المعلنة إلى 3401 وحدة، في خطوة قال منتقدون إنها تهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها وبين القدس الشرقية. كما أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تأييده للمخطط باعتباره عائقاً أمام قيام دولة فلسطينية.
وهذه الوقائع تكتسب أهمية أكبر عندما توضع إلى جانب خطاب سياسي إسرائيلي يتحدث عن ضم أجزاء من الضفة أو رفض قيام دولة فلسطينية أو البحث عن أدوار إقليمية بديلة.
فالخرائط لا تنتظر الانتخابات.
والوقائع التي تُفرض على الأرض قد تصبح لاحقاً أصعب من أن تعالجها صناديق الاقتراع.
الملك عبدالله الثاني وضع الخط الأحمر
في هذا المشهد جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2026 لتقدم موقفاً أردنياً واضحاً لا يحتمل التأويل.
فقد حذر جلالته من أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل تحولاً خطيراً، مشيراً إلى الاستيطان والعنف والتهجير والاستيلاء على الأراضي، وربط بين غزة والضفة باعتبارهما جزءاً من قضية واحدة، مؤكداً أن الهدف يجب أن يكون تمكين الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة وقيام دولتهم المستقلة.
والأكثر وضوحاً أن جلالته أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن يتعامل مع هذه التهديدات باعتبارها شأناً بعيداً عنه.
هذه ليست لهجة انتخابية، ولا رسالة موجهة إلى حزب إسرائيلي بعينه؛ إنها تحديد لمصالح دولة ذات سيادة وحدود وأمن وطني.
الأردن ليس الوطن البديل
لقد رفض الأردن على مدى عقود تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية سكان يمكن إعادة توزيعهم جغرافياً، كما أن أي تصور يجعل الأردن بديلاً عن الدولة الفلسطينية يصطدم ليس فقط بالموقف السياسي الأردني، وإنما بجوهر الحق الفلسطيني في تقرير المصير.
ولهذا فإن التعامل مع أي حديث عن «دور أردني» يحتاج إلى قراءة دقيقة: هل المقصود دور أردني في إطار تسوية تنهي الاحتلال وتؤسس لدولة فلسطينية مستقلة؟ أم دور يُستخدم لإدارة نتائج الاحتلال واستيعاب تبعاته؟
الفرق بين الاثنين ليس لغوياً؛ إنه الفرق بين السلام كحل سياسي والسلام كغطاء لإعادة إنتاج المشكلة.
المطلوب: استراتيجية لا ردود أفعال
الأردن وفلسطين أمام مرحلة تحتاج إلى أعلى درجات التنسيق السياسي والدبلوماسي والقانوني.
فالمطلوب ليس التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، ولا اختيار طرف إسرائيلي على آخر، وإنما مراقبة البرامج والقرارات والأفعال، وبناء موقف عربي ودولي واضح تجاه أي ضم أو تهجير أو تغيير قسري للواقع الديموغرافي والجغرافي.
كما أن التنسيق الأردني الفلسطيني يجب أن يبقى ثابتاً، لأن وحدة الموقف في مواجهة مشاريع الضم والتهجير تشكل عنصراً أساسياً في حماية المصالح الوطنية للطرفين.
وقد أكد الملك، في لقاءاته بنيويورك، أن استقرار المنطقة لن يتحقق دون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، وحذر من إجراءات الضم والاستيطان في الضفة وانتهاكات المقدسات في القدس.
الانتخابات تتغير... والحقائق تبقى
إن أخطر ما في المشهد أن تتحول أفكار كانت تُطرح على هامش السياسة الإسرائيلية إلى برامج حكومية ووقائع ميدانية.
فالانتخابات قد تغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات والأسماء، لكن إذا استمر الاستيطان والضم والتهجير وتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية، فإن المنطقة ستكون أمام واقع جديد يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليطال الأمن الأردني والإقليمي.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُقرأ جيداً في تل أبيب وواشنطن والعواصم الأوروبية والعربية هي أن الأردن ليس ساحة لتعويض غياب الدولة الفلسطينية، وليس طرفاً يمكن تحميله نتائج الاحتلال، وليس بديلاً عن فلسطين.
الأردن يريد السلام، لكنه يريد سلاماً يقوم على الحقوق والقانون، لا على تغيير الجغرافيا وفرض الأمر الواقع.
وهذا هو جوهر الرسالة الأردنية التي عبّر عنها الملك عبدالله الثاني من منبر الأمم المتحدة: لا استقرار من دون عدالة، ولا سلام مستداماً من دون دولة فلسطينية، ولا أمن للأردن إذا تحولت مشاريع الضم والتهجير إلى سياسة أمر واقع.
أما صندوق الاقتراع الإسرائيلي، فسيختار حكومة.
لكن ما سيحدث بعد ذلك في الضفة الغربية والقدس وعلى حدود الأردن، هو الذي سيحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية، أم نحو مرحلة جديدة من الصراع.
وهنا تحديداً يجب أن يكون السؤال العربي والفلسطيني والأردني واحداً:
أي مستقبل يُصنع للمنطقة، ومن يدفع ثمنه؟