يحيى بركات - انتخابات دولة الاحتلال الحلقة الثالثة الفلسطيني والـ61: عندما يصبح الصوت مفتاحًا

أكتب هذه الحلقة منذ أكثر من خمسة وعشرين يومًا. أكتب سطرًا فتأتي واقعة جديدة وتعيد فتحه. أقرأ استطلاعًا فتتغير زاوية. أعود إلى تاريخ الفلسطيني في الكنيست فيظهر سؤال لم يكن في الحسبان. تأتي محاولة شطب القوائم، ثم يقف نتنياهو في الأمم المتحدة، فأعود إلى النص مرة أخرى.

لم أكن أبحث عن نتيجة أضعها في ظرف مغلق. كنت أبحث عما وراء الأرقام. ما ستقرأونه ليس جوابًا نهائيًا عن سؤال: ماذا ينبغي للفلسطيني أن يفعل بصوته؟ إنها قراءة وصلت إليها بعد أكثر من خمسة وعشرين يومًا من الكتابة والقراءة والتعديل. قراءة لا تغلق النقاش، بل تفتحه.

في السابع والعشرين من أكتوبر سيدخل فلسطيني في الناصرة أو أم الفحم أو سخنين إلى غرفة صغيرة. يسدل الستارة خلفه. يختار ورقة. يطويها. يضعها في صندوق انتخابي.

رجل وورقة وصندوق.

مشهد عادي. لكنه مشهد فلسطيني في الدولة التي قامت على الجزء الذي أحتل من وطنه.

مدن فقدت معظم أهلها. قرى اختفت. عائلات انقسمت بين من بقي ومن أصبح خلف حدود لم تكن موجودة قبل أشهر. ثم مُنح الفلسطيني الذي بقي ورقة في صندوق، بينما أخضعت حياته في مناطق وجوده لنظام حكم عسكري استمر حتى عام 1966: الحركة، والعمل، والأرض، وجوانب واسعة من الحياة اليومية.

ورقة في صندوق من جهة. وحاكم عسكري من جهة أخرى.

من هذا التناقض وُلد السؤال الذي سيرافق الفلسطيني في كل انتخابات لاحقة:

ليس فقط: لمن أصوّت؟ بل: ماذا أستطيع أن أفعل بصوتي بعد أن أصوّت؟

في السنوات الأولى دخل فلسطينيون الكنيست عبر قوائم ارتبط بعضها بحزب مباي الحاكم. كانت "القائمة الديمقراطية للناصرة"، مثلًا، حليفة لمباي. واستمر نموذج القوائم التابعة أو المرتبطة بالأحزاب الصهيونية لعقود. وفي المقابل شكل الحزب الشيوعي مساحة سياسية مختلفة للفلسطينيين.

هذه ليست تفصيلة تاريخية. إنها بداية المعضلة نفسها: الفلسطيني موجود في الصندوق، لكن استقلال قوته السياسية شيء آخر.

ثم ظهرت كلمة صغيرة حملت معنى أكبر من اسم تنظيم: الأرض.

في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات أخذت حركة "الأرض" تعيد إلى المجال السياسي هوية فلسطينية وطنية مستقلة. وعندما حاول ناشطون مرتبطون بها خوض انتخابات 1965 من خلال "القائمة الاشتراكية"، مُنعت القائمة، وأيدت المحكمة العليا قرار المنع.

وهكذا ظهر السؤال مبكرًا:

يستطيع الفلسطيني أن يدخل البرلمان... لكن بأي اسم يدخل؟ وبأي فلسطين يستطيع أن يدخل معه؟

مرت السنوات. انتهى الحكم العسكري. جاء يوم الأرض. تغير الفلسطيني الذي بقي داخل دولة الاحتلال، وتغيرت أشكال تنظيمه السياسي. ظهرت الجبهة، ثم قوى وحركات أخرى. دخل الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية العمل البرلماني. ظهر التجمع بخطابه القومي، والتغيير بقيادة أحمد الطيبي، وتبدلت التحالفات والانقسامات.

وبالتدريج لم يعد الفلسطيني مجرد ناخب تبحث الأحزاب الحاكمة عن طريق للوصول إلى صوته. أصبح مجتمعًا ينتج قواه السياسية بنفسه.

لكن سؤالًا واحدًا ظل يلاحقه: أين تتحول المقاعد إلى قوة؟

عام 2015 اجتمعت الجبهة والتجمع والحركة الإسلامية الجنوبية والتغيير في قائمة واحدة، بعدما أصبح رفع نسبة الحسم إلى 3.25 في المئة عاملًا دفع نحو الوحدة. حصلت المشتركة على ثلاثة عشر مقعدًا وأصبحت ثالث أكبر كتلة في الكنيست. ثم انقسمت القوى، ثم عادت واجتمعت. وفي انتخابات آذار/مارس 2020 وصلت المشتركة إلى الرقم الذي لم تصل إليه من قبل: 581,507 أصوات وخمسة عشر مقعدًا.

للحظة بدت الحكاية كأنها وصلت إلى مكان جديد.

الفلسطيني الذي دخل أول انتخابات تحت الحكم العسكري أصبح بعد واحد وسبعين عامًا يملك خمسة عشر مقعدًا. خمسة عشر من مئة وعشرين. وكان الرقم كافيًا لأن يصبح جزءًا من لحظة اختيار من سيحاول تشكيل الحكومة.

أوصى نواب المشتركة الخمسة عشر ببني غانتس. ومع أصوات قوى أخرى وصل عدد الموصين به إلى 61، فكلفه الرئيس رؤوفين ريفلين بتشكيل الحكومة. لكن الحكومة التي أرادت المشتركة أن تساهم في قيامها لم تولد. وبعد أسابيع اتجه غانتس إلى حكومة وحدة مع نتنياهو.

خمسة عشر مقعدًا. وأمام باب الحكومة توقفت القوة.

وهنا لم يعد السؤال: كم نائبًا لدينا؟ أصبح: كيف يمتلك الفلسطيني خمسة عشر مقعدًا... ولا يمتلك قوة خمسة عشر مقعدًا؟

بعد عام واحد جاء منصور عباس بإجابة مختلفة.

لم يخترع المشكلة. لكنه نقل السؤال من عدد المقاعد إلى موقع المقاعد.

انفصلت راعم عن المشتركة. حصلت على أربعة مقاعد. وفي المعادلة التي أخرجت نتنياهو من رئاسة الحكومة، أصبحت هذه المقاعد الأربعة جزءًا من الائتلاف الذي قام بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد. وفي المقابل بقيت المشتركة بستة مقاعد خارج الائتلاف.

خمسة عشر في 2020 لم تدخل الحكومة. أربعة في 2021 دخلتها.

وهنا تصبح المقارنة بين الرقمين مضللة إذا توقفنا عند الحساب.

فالسؤال ليس: أي الرقمين أكبر؟ بل: أقوى في ماذا؟

إذا كانت القوة أن تدخل غرفة المفاوضات وتنتزع ميزانيات للبلدات الفلسطينية، وتحاول معالجة الجريمة والإسكان والتخطيط والبنية التحتية والقرى غير المعترف بها، فهذه ليست قضايا هامشية. هناك بيت يحتاج إلى ترخيص. مدرسة. شارع. أرض تنتظر مخططًا هيكليًا. وأم تريد أن يعود ابنها إلى البيت من دون أن تقتله رصاصة في شجار أو جريمة.

هذه حياة الناس. لكن نافذة البيت نفسها تطل على فلسطين أخرى. غزة. الضفة. القدس. الأرض. الاستيطان. والفلسطيني الذي يدخل وزارة المالية مطالبًا بموازنة لبلدته لا يترك ذاكرته الوطنية عند الباب.

وهنا يظهر جوهر الخلاف. هل يستطيع أن يأخذ حقوق المواطن إلى غرفة الحكومة من دون أن يترك قضية الفلسطيني خارجها؟

لهذا لا تكفينا لغتان سهلتان لقراءة الخلاف بين منصور عباس والقوى الفلسطينية الأخرى: خائن ووطني. أو واقعي وحالم. السؤال أعمق: أي تأثير؟ وبأي مشروع؟ وبأي ثمن؟

ونصل إلى 2026.

عادت المشتركة، ولكن من ثلاثة مكونات هذه المرة: الجبهة والتغيير والتجمع. يتصدرها يوسف جبارين، يليه أحمد الطيبي، ثم سامي أبو شحادة.

ثلاثة أسماء وثلاث تجارب مختلفة. جبارين يأتي من تقليد الجبهة الذي يجمع الهوية الفلسطينية مع مشروع سياسي عربي–يهودي مناهض للاحتلال. الطيبي يحمل تجربة برلمانية طويلة وعلاقة تاريخية مباشرة بالقيادة الفلسطينية منذ سنوات عمله مستشارًا للرئيس ياسر عرفات. وأبو شحادة يأتي من التجمع، حيث الهوية الوطنية الفلسطينية والحقوق الجماعية ليستا هامشًا في المواطنة، بل جزءًا من تعريف المشروع السياسي نفسه.

وعلى الجهة الأخرى يقف منصور عباس. وخلف اسمه مباشرة في قائمة راعم يظهر اسم لم يكن متوقعًا قبل سنوات: يوآف سيغلوفيتش. يهودي. صهيوني كما يعرّف نفسه. ضابط شرطة كبير سابق. مؤسس وقائد سابق لوحدة "لاهف 433". ونائب وزير سابق عن يش عتيد. والآن الرقم اثنان على قائمة راعم، من دون أن يصبح عضوًا في الحزب نفسه. وقد شرح سيغلوفيتش الخطوة بقوله، بمعناها السياسي، إنه هو الذي يذهب إلى حزب عربي وليس الحزب هو الذي يأتي إليه.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الخلاف أصبح بين قائمة فلسطينية وأخرى تفتح أبوابها لشريك يهودي. لكننا نحرك النظر قليلًا. هناك عوفر كسيف. يهودي أيضًا. عضو في الجبهة. وموقعه السياسي من الصهيونية والاحتلال يقع في مكان مختلف جذريًا عن موقع سيغلوفيتش. إذن ليست هوية الشريك اليهودي هي السؤال. السؤال: على أي أرضية سياسية تقوم الشراكة؟

وهنا تصبح خطوة منصور عباس أكثر إثارة للاهتمام. فالرهان على سيغلوفيتش لا يبدو متعلقًا فقط بالأصوات التي قد يأتي بها، بل بإمكانية جعل راعم أكثر قبولًا داخل معادلة ائتلافية صهيونية.

لكن قبل أن تكتمل الصورة جاء غادي آيزنكوت ليضع حدًا آخر لها. ففي 26 أيلول قال إن راعم بصيغتها الحالية لن تكون جزءًا من حكومة يقودها، وربط أي مشاركة مستقبلية بشروط تتعلق بتعريف إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية والتجنيد وموقف الحزب من حماس.

أي أن استعداد الفلسطيني للدخول لا يعني أن الطرف الآخر مستعد لإدخاله.

وهنا يظهر الرقم الذي يحوم فوق الانتخابات كلها: 61.

لنفترض أن القوتين الفلسطينيتين حصلتا معًا على أربعة عشر مقعدًا. ثمانية هنا. وستة هناك. ثم احتاجت كتلة صهيونية إلى ستة فقط كي تصل إلى الواحد والستين. في تلك اللحظة لا تصبح القوة التفاوضية الفلسطينية بالضرورة أربعة عشر. قد تصبح ستة. ليس لأن أصحابها يمثلون فلسطينيين أكثر. ولا لأنهم أكثر وطنية أو أقل وطنية. بل لأنهم المقاعد التي يحتاجها الآخر.

وهنا نصل إلى واحدة من مفارقات هذه الانتخابات: قد يزداد عدد النواب الفلسطينيين، بينما تنخفض قدرتهم على التفاوض بوصفهم قوة فلسطينية جماعية.

لكن قبل أن نعرف من سيحتاج إلى من، أعادت لجنة الانتخابات السؤال إلى مكان أقدم بكثير.

في 23 أيلول صوتت اللجنة على شطب راعم والمشتركة، وعلى شطب سامي أبو شحادة وعوفر كسيف. والمشهد لم ينته؛ القرارات المتعلقة بالقوائم تخضع لمراجعة المحكمة العليا، وقد أعلنت عدالة أنها ستطعن فيها. كما أن موقف المستشارة القضائية كان أن الأدلة المقدمة ضد القائمتين لا تبلغ العتبة القانونية المطلوبة للشطب، مع موقف مختلف وأكثر تشددًا تجاه ملف أبو شحادة.

والمفارقة هنا أكبر من الخلاف بين المشتركة وراعم. طريقان مختلفان نحو التأثير وجدا نفسيهما أمام الباب نفسه. المشتركة التي تريد الاحتفاظ بمسافة سياسية عن الائتلاف. وراعم التي بنت تجربتها على الدخول إليه.

وفجأة تراجع السؤال خطوة إلى الوراء.

كنا نسأل: كيف يستخدم الفلسطيني مقعده؟ فعدنا نسأل: من يقرر أي فلسطيني يحق له أصلًا أن ينافس على المقعد؟

لا أساوي بين 1965 و2026. تغير القانون، وتغيرت الدولة، وتغير الفلسطيني، وبين التاريخين واحد وستون عامًا. لكن التاريخ يحب أحيانًا أن يعيد السؤال من باب آخر.

حركة "الأرض" اصطدمت بالسؤال وهي تحاول الوصول إلى الصندوق. وفي 2026 يعود السؤال بعدما وصل الفلسطيني إلى خمسة عشر مقعدًا في تجربة سابقة، وبعدما دخل حزب فلسطيني الائتلاف الحكومي بأربعة.

وقد تحمل محاولة الشطب مفارقة لم تظهر نتائجها بعد: ماذا لو تحولت محاولة إخراج الفلسطيني من الصندوق إلى سبب يدفع من كان سيبقى في بيته إلى الذهاب إليه؟

عندها قد لا يكون الرقم الذي يقرر حجم القوة الفلسطينية هو 61 وحده. قد يكون رقمًا لا يظهر على مقاعد الكنيست: نسبة المشاركة الفلسطينية.

وهنا كان يمكن أن تنتهي الحكاية. المشتركة وراعم. الشطب. المشاركة. والـ61.

لكن صورة أخرى جاءت من نيويورك وفتحت نافذة لم تكن موجودة عندما بدأت كتابة هذه الحلقة.

وقف نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع بدء كلمته غادر دبلوماسيون القاعة احتجاجًا. لا تكفي صورة واحدة للحكم على موقع دولة كامل في العالم، لكنها جاءت في لحظة يواجه فيها نتنياهو وحكومته انتقادات دولية متزايدة بسبب حرب غزة.

توقفت عند الصورة. ثم سألت نفسي سؤالًا بدا في البداية كأنه يقلب المقال على رأسه:

من قال إن السؤال الفلسطيني البديهي هو إسقاط نتنياهو؟

لا لأن بقاءه مصلحة فلسطينية. ولا لأن ما فعلته حكومته بالفلسطيني يحتاج إلى شرح. بل لأن السؤال الحقيقي يبدأ بعد سقوطه.

نضع صورة أخرى مكانه. غادي آيزنكوت يدخل مكتب رئيس الحكومة. بن غفير خارجها. سموتريتش خارجها. تتغير اللغة. تهدأ بعض العواصم. تفتح أبواب كانت تضيق على حكومة نتنياهو. ويستطيع رئيس الحكومة الجديد أن يقول لواشنطن وباريس ولندن وبرلين: نتنياهو رحل. إسرائيل تغيرت.

لكن الفلسطيني يستطيع أن يطرح سؤالًا أبسط من كل هذه الكلمات: ماذا تغير لي؟

هل يعني سقوط نتنياهو انسحاب دولة الاحتلال من غزة؟ هل يعني وقف الاستيطان، لا تغيير سرعته أو لغته؟ هل يعني وقف الضم ومصادرة الأرض؟ هل يعني إعادة أموال المقاصة الفلسطينية التي تحولت إلى أحد مفاتيح خنق السلطة ماليًا؟

هل يعني أن يصبح للفلسطيني أفق سياسي ينتهي بحق تقرير المصير، لا جولة جديدة من إدارة الصراع؟

هنا تحديدًا لا تكفي أسماء رؤساء الحكومات.

فآيزنكوت نفسه لا يطرح على الفلسطيني انقلابًا على الأسس التي تحكم الصراع.

ولذلك نستطيع أن نغير السؤال.

بدل أن نسأل: هل إسقاط نتنياهو أفضل للفلسطيني؟

نسأل: ماذا يحصل الفلسطيني فعلًا إذا ساهم صوته في إسقاط نتنياهو؟

غزة أولًا. هل تنسحب دولة الاحتلال منها؟

الضفة. هل يتوقف الاستيطان، لا أن تتغير سرعته أو لغته؟

هل يتوقف الضم ومصادرة الأرض؟

أموال المقاصة. هل تعود الأموال الفلسطينية المحتجزة، التي قال محمود عباس في الأمم المتحدة هذا الأسبوع إنها تجاوزت ستة مليارات دولار؟

ثم السؤال الأكبر: هل يبدأ طريق سياسي ينتهي بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؟

لنفترض أن بعض ذلك حدث. نوقف الصورة هنا. ثم نديرها إلى الجهة الأخرى.

ماذا تحصل دولة الاحتلال في المقابل؟

حكومة بلا نتنياهو. بلا بن غفير. بلا سموتريتش في قلب القرار. حكومة تستطيع أن تدخل واشنطن وباريس ولندن وبرلين بوجه آخر، وأن تقول للعالم: انظروا. إسرائيل تغيرت.

عندها لا يعود السؤال عن الثمن الفلسطيني وحده.

ماذا لو كان الثمن الذي تحصل عليه دولة الاحتلال هو عودتها إلى الحضن الغربي؟ ماذا لو خفت الضغوط السياسية والاقتصادية عليها؟ ماذا لو استعادت جزءًا مما فقدته من صورتها؟ ماذا لو عاد مشروع التطبيع مع السعودية إلى الطاولة، ثم فتحت تحولات المنطقة أبوابًا أخرى، يومًا ما، مع سوريا ولبنان؟

الفلسطيني قد يحصل على شيء يحتاجه الآن. وقف حرب. انسحاب من غزة. أموال تعود. أرض تتوقف، ولو مؤقتًا، عن الانكماش تحت قدميه.

لكن دولة الاحتلال قد تحصل على شيء آخر: الوقت.

وقت لترميم صورتها. وقت لإعادة بناء تحالفاتها. وقت لاستعادة موقعها في الغرب. وقت لإعادة مشروع التطبيع إلى الحياة.

وربما الأخطر: وقت لإقناع العالم بأن المشكلة كانت نتنياهو وبن غفير وسموتريتش... لا الاحتلال نفسه.

هنا يصبح السؤال الذي بدأ معي صغيرًا أكبر من الانتخابات:

ماذا لو كان سقوط نتنياهو مكسبًا للفلسطيني في الحاضر، ومكسبًا لدولة الاحتلال في المستقبل؟

لكن الصورة لا تسمح لنا بالبقاء هنا. نديرها مرة أخرى.

ماذا لو بقي نتنياهو؟ ماذا لو استمرت العزلة؟ ماذا لو اتسعت الفجوة مع أوروبا؟ ماذا لو استمرت التحولات داخل المجتمع الأميركي، ثم جاءت انتخابات التجديد النصفي بكونغرس مختلف التوازن؟

قد تبدو هذه الطريق أكثر إيلامًا لدولة الاحتلال. لكن من يدفع ثمن الوقت حتى نصل إلى نهايتها؟

كم من غزة يستطيع الفلسطيني أن يخسر وهو ينتظر؟ كم دونمًا في الضفة؟ كم بيتًا؟ كم مستوطنة؟ وكم سنة من حياة شعب يمكن وضعها على طاولة انتظار مستقبل لا يملك أحد موعده؟

هنا تسقط الإجابة السهلة من الجهتين.

لا يكفي أن نقول: أسقطوا نتنياهو. ولا يكفي أن نقول: دعوه يعمق أزمة إسرائيل.

لأن المصلحة الفلسطينية العاجلة قد لا تسير دائمًا على الخط نفسه مع المصلحة الفلسطينية الاستراتيجية.

وربما لهذا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل أخطر رئيس حكومة على الفلسطيني اليوم هو بالضرورة أخطر رئيس حكومة على مشروع دولة الاحتلال غدًا؟

وإذا كان رئيس حكومة آخر أقل صخبًا، أقل استفزازًا للعالم، وأكثر قدرة على فتح الأبواب الغربية، فهل يكون أقل خطرًا على الفلسطيني... أم أكثر قدرة على إدارة الاحتلال بحيث يستطيع العالم التعايش معه مرة أخرى؟

عند هذه النقطة يصغر نتنياهو. ويصغر آيزنكوت. ويصغر حتى الرقم 61.

لأن السؤال لم يعد: من نريد أن يحكمهم؟ بل: ماذا نريد نحن؟

إذا احتاجت المعارضة إلى الصوت الفلسطيني لإسقاط نتنياهو، فهل يدخل الصوت وحده إلى غرفة التفاوض؟ أم تدخل معه غزة؟ والضفة؟ والاستيطان؟ والضم؟ والمقاصة؟ والمساواة؟ وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؟

هنا نعود إلى الرجل الذي تركناه في أول المقال خلف الستارة.

لم يعد بحاجة إلى أن نشرح له تاريخه. هو يعرفه.

يضع الورقة في الصندوق. تُفتح الستارة. يخرج. تبقى الغرفة فارغة.

نبتعد قليلًا. تظهر قاعة الكنيست. مئة وعشرون مقعدًا. وفي منتصفها الرقم الذي شغل الجميع: 61.

نبتعد أكثر. فيصغر الرقم. تظهر الناصرة وأم الفحم وحيفا والنقب. ثم القدس. والضفة. وغزة.

أبعد قليلًا تظهر واشنطن. ثم أوروبا. ثم الرياض.

ويصبح الواحد والستون رقمًا صغيرًا داخل صورة أكبر بكثير.

عندها فقط أكتشف أنني ربما بدأت هذه الحلقة بالسؤال الخطأ.

كنت أبحث عن القوة التي يمكن أن يمنحها المقعد للفلسطيني.

وأصل في نهاية الرحلة إلى سؤال آخر:

إذا كانت دولة الاحتلال تحتاج إلى الصوت الفلسطيني كي تغيّر حكومتها، فهل يستطيع الفلسطيني أن يجعل حاجتها إلى صوته فرصة لتغيير علاقتها به، لا مجرد تغيير الرجل الذي يحكمها؟

وإذا كان المطلوب منه أن يساعد دولة الاحتلال على الخروج من أزمة نتنياهو... فماذا سيحصل هو مقابل مساعدتها على الخروج منها؟

وقف الحرب؟ الانسحاب من غزة؟ وقف الاستيطان؟ الأرض؟ المقاصة؟ المساواة؟ الاعتراف بحقوق شعبه؟

أم أن إسرائيل ستخرج من أزمتها... ويبقى الفلسطيني داخل أزمته؟

توضع الورقة في الصندوق.

تُفتح الستارة.

يخرج الفلسطيني.

تبقى الورقة في الداخل.

بعد قليل ستصبح رقمًا.

مقعدًا.

وربما جزءًا من الواحد والستين.

لكن شيئًا واحدًا لن تقوله شاشة النتائج:

هل استُخدم الصوت الفلسطيني لتغيير حكومة دولة الاحتلال... أم استطاع الفلسطيني أن يستخدم حاجة الحكومة إلى صوته لتغيير شيء من واقعه ومصير شعبه؟

هنا لا يعود السؤال مَن يحتاج إلى مَن فقط.
يصبح السؤال الأصعب:
من سيدفع الثمن... ومن سيقبضه؟

يتبع...

يحيى بركات
28/9/2026




FB_IMG_1790544627288.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى