مصطفى الصميدي - الجهاد بين نصرة الحق والدفاع عن الوطن

منذ أن أشرق على الدنيا نور الرسالة، والحق له رجال يحملون رايته، ويصبرون على لأوائه، ويبذلون في سبيله ما استطاعوا من نفس ومال. وما كانت مسيرة الحق يوماً درباً مفروشاً بالورود، وإنما هي طريق شاق مليء بنوازل الأيام؛ طريق لا يثبت فيه إلا من عقد قلبه على اليقين، وجعل غايته من الصبر على المبدأ والتضحية في سبيل العدل عنواناً لصدق الإيمان وكرامة الإنسان. وفي هذا المعنى تتجلى قيمة الجهاد في سبيل المبادئ الكبرى؛ الجهاد في سبيل الله، وجهاد النفس، وجهاد الباطل، وبذل الوسع في سبيل الحق والدفاع عن الديار والأهل متى كان ذلك منضبطاً بالعدل والرحمة وحرمة الإنسان. ولقد ظل هذا المعنى حاضراً في وجدان المسلمين عبر العصور، يتجدد بتجدد المحن ويتغير بتغير الأزمان، حتى صار الدفاع عن الأرض والأهل والكرامة باباً من أبواب الوفاء والانتماء.

من عهد رسولنا الكريم، حيث كانت الدعوة تُواجه بالصد والاضطهاد، إلى يومنا هذا، ظل الصبر على الحق والثبات عليه من أعظم ما عُرفت به النفوس المؤمنة. وما الجهاد في أوسع معانيه الأخلاقية إلا بذل للوسع في مقاومة الظلم والباطل؛ فبه تُحفظ العقائد وتُصان الديار وتُدفع المظالم. وعلى امتداد التاريخ، تبدلت صور الصراع وتغيرت أدواته وبقيت القيم الكبرى هي الميزان: صبر عند الشدة وثبات عند الفتنة وإيثار عند الحاجة واستعداد لبذل النفس والمال والجهد حين يكون البذل ضرورة لحماية الأمة ورد العدوان. وفي عصرنا الراهن، هناك رجال صدقوا على المبادئ الكبرى في نصرة الحق، ومناصرة المظلوم، وصون الأهل والديار ودفع العدوان بشتى أنواعه، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك أنصار الله، من يبذلون الغالي والنفيس لمقاومة الظلم والباطل وحفظ العقائد والذود عن الديار.

وأما راية الحق، فما يرفعها المتصهينون والمتشدقون بالإسلام وإنما يرفعها صدق المواقف، وما يحفظها المنددون بالعبارات الهلامية، وإنما يحفظها العدل الذي لا يحيد والضمير الذي لا يُشترى. أن يكون المرء مع الحق، فذلك عهد ثقيل؛ إذ قد يأتي الحق مخالفاً للهوى وقد تكون نصرته ذات كلفة وقد يقف صاحبه وحيداً في ساعة يكثر فيها المتراجعون. هنالك تظهر حقيقة المبدأ ويُعرف معدن الإنسان. ولذلك كان من أرفع صور الجهاد أن يجاهد المرء الظلم في نفسه قبل غيره وأن يقاوم الفساد حيث استطاع وأن يقول كلمة العدل حين يكون الصمت أيسر وأن ينصر المظلوم دون أن يتحول إلى ظالم وأن يجعل القوة خادمةً للحق لا بديلاً عنه. ومن هنا يبقى الميزان الأرفع: الحق - وإن قلّ أنصاره - عزيز بمن يحمله، والباطل - وإن علت رايته - لا يصير حقاً بكثرة من حوله. هذا هو المعيار السامي في صدق المقصد وعدل الموقف وصون كرامة الإنسان.

والوطن، قبل أن يكون أرضاً وحدوداً، ذاكرةٌ وهويةٌ وأهلٌ وبيوتٌ وطرقاتٌ وجسور ومآذنُ ومدارسُ ومسشفيات ووجوهٌ ألفها القلب. ومن ثم فإن الجهاد في سبيله والدفاع عنه ليس دفاعاً عن التراب وحده، وإنما عن الإنسان الذي يسكن ذلك التراب وعن حقه في الأمن والكرامة والحياة. لذلك فإن دفع العدوان والدفاع عن الأرض وممتلكاتها وصون سيادتها من أسمى المعاني التي تفهمها الشعوب بوصفها من صميم الوفاء للوطن والانتماء إليه. فالدفاع عن الوطن لا ينفصل عن المسؤولية الدينية والأخلاقية لأي مجتمع كان. فليس الوطن غاية تُستباح من أجلها كل الوسائل وإنما هو أمانة تُصان بالحق، ومن أحسن الدفاع عنه أن يجعل غايته بقاء الوطن لأهله، آمناً في أرضه، محفوظ الكرامة، مصون السيادة، ومن يقول غير ذلك فلا دين له ولا أخلاق ولا مبدأ.

وهكذا بين شتى أنواعه الجهاد، تتسع معاني التضحية. والتضحية بأهدافها الكبرى أن تكون لله وللحق، وأن تُحاط بسياج الأخلاق، وأن يكون مقصدها دفع الظلم وحماية الإنسان وصون الوطن، لا طلب الدم ولا استدامة الخصومة. وهكذا يبقى المجد الحقيقي لأولئك الذين إذا اشتدت الخطوب لم يبيعوا مبادئهم، وإذا امتلكوا القوة لم يجعلوها ظلماً ولا عدوانا، وإذا دافعوا عن أوطانهم لم ينسوا أن الوطن إنما هو إنسانه؛ فبالحق تُرفع الرايات وبالعدل تُصان الأوطان وبالأخلاق تُعرف حقيقة النصر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى