كاظم حسن سعيد - سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً

هنالك أسباب عدة لرفض العشيقات للشعراء في تراثنا الأدبي؛ سواءً أكان قطعاً بعد انسجام وعِشرة (كما في حالة ولّادة وابن زيدون)، أم صُدوداً امتناعياً منذ البداية (كما لدى جِنان وأبي نواس)، أم رفضاً قبلياً/اجتماعياً (كما في حالة كُثيّر عزة، وقيس لبنى، وقيس ليلى، وجيل الشعراء العذريين).

لكن قصة ولّادة وابن زيدون ورفضها له بعد حبها الشديد تحظى بجاذبية استثنائية في تاريخ الأدب؛ لما تحمله من تقاطعات حادة بين الفن، والكبرياء، وسيكولوجية السلطة العاطفية.

كانت ولّادة بنت المستكفي (الخليفة الأموي الأندلسي) امرأة استثنائية في زمنها؛ أميرة ثرية، حرة، تدير مجلساً أدبياً يرتاده كبار شعراء وأدباء الأندلس، وكانت تطرز على طرازي ثوبها بيتَيها الشهيرين:


أَنا وَاللَهِ أَصلُحُ لِلمَعالي

وَأَمشي مِشيَتي وَأَتيهُ تيها

وَأُمَكِّنُ عاشِقي مِن صَحنِ خَدّي

وَأُعطي قُبلَتي مَن يَشتَهيها




هذه التركيبة النفسية القائمة على التيه والاعتزاز المفرط بالذات جعلتها لا تحتمل أي تقصير أو نقد أو زلة من الشاعر.

تجليات التقصير ومسببات الجفاء

تذكر المصادر التاريخية والأدبية أن ابن زيدون أبدى إعجاباً أو التفاتةً لجارية سوداء لولّادة كانت تُدعى "عُتبة" (وكانت تحسن الغناء أو العزف). ولأن ولّادة كانت أميرة قرطبية تعتز بنفسها وبنسبها وجمالها كبرياءً شديداً، اعتبرت التفاتته للجارية إهانةً بالغة لكبريائها الأنثوي والطبقي، وعلّقت على ذلك بأبيات مشهورة تُعبّر فيها عن سخطها وقطعها للوصل:


لَو كُنتَ تُنصِفُ في الهَوى ما بَينَنا

لَم تَهوَ جارِيَتي وَلَم تَتَخَيَّرِ

وَتَرَكتَ غُصناً مُثمِراً بِجَمالِهِ

وَجَنَيتَ فَرعاً غَيرَ ذاتِ مُثَمِرِ




ثم تفاقمت الجفوة حين أدرك ابن زيدون أن غريمه ومنافسه السياسي أبا عامر بن عبدوس يحاول السيطرة على قلب ولّادة واستمالتها بثروته ونفوذه، فلم يوجه الهجاء فوراً إلى ولّادة، بل لجأ إلى حيلة أدبية لاذعة؛ فكتب رسالة نثريّـة/شعريّـة على لسان ولّادة نفسها، موجّهةً إلى ابن عبدوس، يظهر فيها وكأن ولّادة هي التي تتهكم على ابن عبدوس وتزدريه، وتعدّد عيوبه جهله وسخافة أدبه! وهي ما سُميت بـ «الرسالة الهزلية».

أراد ابن زيدون بهذه الرسالة أن يُحرج ابن عبدوس أمام المجتمع القرطبي، ويُظهر ولّادة في مظهر الساخرة منه؛ فجاء فيها على لسانها:


«أما بعد، فإنك – أدام الله توفيقك – استسقيت بغير نَوْئك، وتكفّلت بغير كفائتك، وأتيت بيتاً لم تكن من أهله، وأردت أن تُزاحم بحنكِك ذوي الأسنان، وأن تقارع برأسك الصفا...»




ثم تمضي الرسالة الساخرة مفتريةً عليه بالجهل والتكلف:


«ولو علِمْتَ ما أنتَ فيه من العَجزِ والتقصير، وما يُسْفِرُ عنه هُزاؤك من التشهير، لرجعتَ إلى نفسك باللائمة، ولسلكتَ طريق السلامة... ولكنك مغرورٌ بجهلك، مخدوعٌ بفضلك، تحسبُ أنك شيء، ولستَ بشيء!»




التفسير السيكولوجي للصدّ والقطيعة

يمكن تفكيك هذا الرفض القاطع من ولّادة وتفسير تحولها المفاجئ عبر ثلاثة أطر سيكولوجية حاكمة:



صدمة الكبرياء والتحقق من الذات (ليون فستينغر وإريك فروم):
يرى ليون فستينغر (صاحب نظرية التنافر المعرفي) أن الإنسان يرفض أوتوماتيكياً الموقف الذي يناقض صورته الذاتية. ولّادة - الأميرة المعتزة بنفسها - شعرت بخلل حاد حين التفت ابن زيدون لجاريتها، ثم زاد الخلل حين كتب "الرسالة الهزلية" متحدثاً باسمها. وهنا يتداخل إريك فروم (في تحليله للنرجسية والفردانية)؛ إذ أحدث تصرف الشاعر جرحاً نرجسياً غائراً في كبريائها، فكان الرفض القاطع وسيلتها النفسية لاستعادة التوازن وإعادة ترميم الصورة الفائقة التي تحملها عن ذاتها أمام المجتمع الأندلسي.



معادلة البدائل والمنافع (جورج هومانز وجون ثيبوت):
وفق نظرية تبادل المنافع عند جورج هومانز وجون ثيبوت، تُقيّم الذاتُ العلاقاتِ بميزان "الكلفة والعائد". حين ظهر الخصم ابن عبدوس مدججاً بالمال والنفوذ وتقديم الطاعة المطلقة، مقارنة بابن زيدون الملاحَق سياسياً والمتقلب عاطفياً، رجحت كفة "البديل الأعلى أماناً وأقل كلفة". فكان الرفض حكماً حاسماً أملته تقاطعات المصلحة وتوفر الخيار الأكثر ملاءمة لاستقرار مكانتها.



صراع السلطة وحماية الاستقلالية (جون بولبي وكارين هورني):
استناداً إلى أطر الارتباط عند جون بولبي والدفاعات النفسية لدى كارين هورني، تُمارس الشخصية ذات النزوع التجنبي/الاستقلالي الرفضَ لحماية حدود الأنا. حين حاول ابن زيدون ممارسة الوصاية الفكرية والتحدث بلسان ولّادة أمام ملأ قرطبة، شعرت بتعدٍّ صريح على سلطتها الفردية؛ فاستخدمت الرفض والقطيعة كأداة قاسية لإثبات استقلاليتها التامة وفرض هيمنتها المطلقة على المشهد العاطفي والاجتماعي.




خاتمة

إن تجربة ولّادة بنت المستكفي في رفض ابن زيدون تتجاوز مجرد كونها حادثة "هجران غرامي" الى عنوان لاغرب واسطع انواع الصد , صدّاً تتشابك فيه السلطة مع الكبرياء، ويغدو فيه موقف المحبوبة القاسي بياناً سيكولوجياً لردّ الاعتبار وإعادة امتلاك زمام المبادرة.


الصياد
ايلول
٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى